Logotipo da Levant Time
Voltar ao artigo
ألف هضبة

ما يجب إنقاذه

رسالة مفتوحة إلى جوزاف عون، نواف سلام ونبيه بري

Imagem de notícia
لبنان الكبير يستحق أن يعيش.
Retrato do autor
Por ميشال حاجي جورجيو
Publicado مارس 5, 2026 - 11:41

في الحقيقة، لا نعرف شيئاً، إذ الحقيقة في قاع الهاوية

— ديموقريطس الأبديري

أصحاب الفخامة والمعالي،

القول بأن لبنان يواجه اليوم أزمة وجودية كبرى جديدة، نتاج مكوّر عقديّ خبيث هو حزب الله، لم يُعالج في حينه — أو لم يتسنّ معالجته — ضربٌ من التحصيل الحاصل.

ذلك أن ما يجري اليوم يتخطى آليات الأزمات اللبنانية المعهودة.

لم يعد الأمر يتعلق بإعادة هيكلة التوازنات الطائفية للمرة الألف، ولا حتى بفصل جديد من الحرب بالوكالة التي خاضها الآخرون على أرضنا. ما يتزعزع هذه المرة، أكثر من أي وقت مضى، في دويّ الغزو الإسرائيلي وانهيار المشروع الهيمني الإيراني، هو الركيزة الأعمق للبنان الكبير ذاتها — تلك الفكرة الهشة التي طالما أُسيء إليها، غير أنها لا غنى عنها، تلك التي أتاحت لمجتمعات متنابذة أن تتعايش وأن تتخاصم بعنف وأن تتعارف أحياناً. وهو في نهاية المطاف قدر كل زوجين يتعلمان فن العيش المشترك.

في مغامرته التعويضية، يُنهي حزب الله الآن نفسه بنفسه — وبانتهائه يُنهي لبنان معه. إن انتحاره الاستراتيجي — الغنوصي في منطق إحراق الذات، الإمبراطوري في طموحاته، الطائفي في دوّامته — يكشف أقل عن هزيمة عسكرية وأكثر عن شرخ وجودي عميق. طال زمن ادّعى الحزب تجسيد مقاومة، وصدّق ذلك أنصاره. غير أنه ما جسّد، في نهاية المطاف، سوى عبودية — للإيراني، وأحلامه في الهيمنة الإقليمية، ومشروعه الثيوقراطي المُصدَّر إلى شرايين لبنان الذي نزفه حتى العظم. هذه التفوقية الموالية لإيران، التي كانت المكونة الشيعية اللبنانية أكثر من عانى في نهاية المطاف، قررت أن تحترق — ولا يد لأحد في ذلك.

لكن حزب الله لم يتحوّل وحيداً. لا بدّ من قولها صريحةً: فعل ذلك معه كامل الجسم السياسي والاجتماعي والطائفي اللبناني، كلّ بطريقته، لا سيّما خلال السنوات الطويلة لعهد ميشال عون، بفساده اللا محدود وتبعيته المعلنة لطهران ومنطق حلف الأقليات.

أصحاب الفخامة،

انظروا إلى حال الطوائف التي تمثلونها فعلياً داخل المؤسسات، بحكم مناصبكم.

المسيحيون، حتى أشدهم سيادية، أولئك الذين حملوا عقوداً فكرة لبنان تعددي مستقل في امتداد البطريرك نصر الله صفير — ينكفئون اليوم نحو خصوصية دفاعية. الفكرة الفيدرالية التي طال تهميشها باتت تجد هواءاً ملائماً — كأن في قاع اليأس باتت القسمة سبيل النجاة الوحيد. هذا تراجع مأساوي من الذين كانوا رواد لبنان الكبير، مهندسي فكرة الحياة المشتركة المؤسساتية في دولة واحدة. أن يتخلوا عنها الآن يمثّل هزيمة ثقافية لا تقل عن كونها سياسية.

أما المجتمع الشيعي فيعبر كرباً من عمق لا تعود الخطابات الانتصارية لزمن آخر قادرة على حجبه. أن تؤمن بالمقاومة، وأن تعطيها كل شيء — أبناءاً وقرىُ وعقوداً — لترى فيها بعدئذٍ آلة هيمنة إقليمية في خدمة قوة أجنبية: هذا حداد عظيم، قليلون من المراقبين الخارجيين يقيسونه بالتعاطف الذي يستحقه. يستحق شيعة لبنان ما هو أفضل بلا قياس مما أتاحه حزب الله: المرَضية الاستشهادية. يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي، دون أن يشعروا بثقل الإذلال.

أما السنة فيبحرون في فراغ سياسي مؤلم. ليس لأنهم تخلّوا عن لبنان — حاشاهم. لكن في غياب مرجعيات ومشروع جامع، بات بعضهم ينظر مجدداً نحو سوريا أحمد الشرع وما وراءها نحو تركيا أردوغان. هذا الإغراء مفهوم في جذوره، غير أنه سيكون مدمراً في نتائجه. أن نذيب السيادة اللبنانية مجدداً في فضاء إقليمي لا يشبهها، باسم تضامُن حضاري ملتبس التعريف، معناه تكرار الخطأ العربي لعام 1958 — تحت رايات مختلفة، لكن مع الاستسلام ذاته عن الذات. دم حسن خالد ورفيق الحريري لم يُسفك سدى.

وأما الدروز — المكونة الجذرية في فكرة لبنان الكبير، التي دفعت ثمن الدم باستمرارية أكثر ثباتاً من سواها — فيجدون أنفسهم أمام منافسة قيادية تتطلع بعض تجلياتها في حوران المجاورة نحو تحالفات كانت بعيدة عن التصور قبل عشر سنوات. لا، الدوار من الجوار الصهيوني ليس مجرداً.

أصحاب الفخامة،

هذه الصورة ليست صورة بلد يحتضر دفعة واحدة. إنها صورة بلد يتفكك ببطء، طائفة بعد طائفة، ردة فعل بعد ردة فعل، انكفاء بعد انكفاء — دون أن تُعاد رسم خرائط المشرق جغرافياً، بل دون أن ينفجر حتى في انهيار مرئي. يكفي أن يفقد لبنان وحدته الوطنية كي يختفي من تلقاء نفسه، بلا وظيفة ذاتية، مبتلعاً من مصالح تتجاوزه — إسرائيل وسوريا وتركيا — وليس لديها سبب لمراعاته إن لم يعد يعرف كيف يدافع عن نفسه بتماسك مشروعه. لقد اكتفينا دائماً بالتكل على الآخرين تهرباً من مسؤولياتنا. كان ذلك أريح، أيسر. والنتيجة الكارثية ماثلة للعيان: البلد يفوح الآن برائحة الجيفة.

غير أننا نريد أن نقول هنا، خلافاً للأفكار المسبقة التي طالما سمّمت النقاش العام، إن لبنان الكبير ليس ثقلاً موروثاً عن الاستعمار الفرنسي ولا تحايلاً ذمياً. لقد صاغه مؤسسوه — من كل الطوائف — ملاذاً وضماناً وفضاءاً للتعددية في شرق أوسط لم يتح منها كثيراً. للمسيحيين بالطبع. لكن أيضاً للدروز، وللشيعة الذين همّشتهم الجغرافيا والتاريخ في الفضاء العثماني، وللسنة الذين راهنوا على الحداثة الليبرالية في مواجهة إغراءات القومية العربية المذيبة. كان لبنان الكبير في مشروعه الأصلي ضرورة للجميع.

أخطاء في الإدارة، وظلم في التمثيل، وطموحات إقليمية لا تتناسب مع حجمه وطبيعته، وأيديولوجيات هذيانية مستوردة أو مصنّعة محلياً، وأوهام شخصية متضخّمة، قد هزّت البنيان هزّاً شديداً. لكن بنياناً مهزوزاً ليس بنياناً محكوماً عليه — شريطة توافر الشجاعة لإصلاحه بدلاً من التنازع على أنقاضه.

إن المعركة الدائرة اليوم، في مواجهة غرور حزب الله المنهار ونزعة المحتل الإسرائيلي “الحربجية” اللا محدودة، تتخطى مسألة احتكار العنف المشروع أو وقف عدوان عسكري مدمّر. هذه الرهانات حقيقية وملحة. لكن السؤال الأول هو: من نحن معاً؟ ما الذي يريد لبنان أن يظل عليه، لنفسه ولأبنائه؟

مجدداً، حزب الله يُنهي لبنان بإنهائه نفسه.

لكن لبنان عموماً، وشيعته خصوصاً، يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي.

أنتم ثلاثة رجال وضعهع التاريخ على رأس ثلاث مؤسسات، في هذه اللحظة بالذات، لتجيبوا على هذا السؤال. لا لتجنبوه. لا لتأجيله إلى ما بعد الأزمة — لأنه لن يكون ثمة بعد دون عمل الآن.

ومع ذلك، وإن كانت هذه المسؤولية تقع على الجميع دون استثناء لأن المشكلة ليست شيعية بالمعنى الضيق، وإن كان السلطة التنفيذية اللبنانية قد أخطأت بافتقار إلى الحزم تجاه حزب الله منذ نهاية كارثة 2024، فإن مسؤوليتك أنت، يا معالي الرئيس بري، تبقى الأكبر. لطالما كنت مزدوجاً، تُتقن فن المشي على الحبل المشدود لتنجو وترضي الجميع — وترضي نفسك أيضاً. لكن الحيلة لم يعد لها مكان الآن. منذ ثلاثة عقود، يراهن لبنان على موقف تاريخي منك يجسّد دون لبس لبنانيةً وحسّا دولتياً إزاء حزب الله. حتى الآن، أثبت هذا الرهان عقمه التام. أتمّ مسيرتك السياسية بإشراق. لن تخون طائفتك؛ بل ستنقذها، هناك حيث تستنزفها الفرقة الإسكاتولوجية. وبها لبنان.

أصحاب الفخامة،

بالطبع، لا نطلب منكم الاتفاق على كل شيء. الديمقراطية اللبنانية في ما هو أجمل فيها تغذّت دائماً من خلاف حي.

ما ندعوكم إليه هو التكلّم بصوت واحد حول الجوهري: لبنان الكبير يستحق حقاً أن يُنقذ. وبقاؤه يقتضي من الجميع تخلياً جزئياً عن حساباتهم الخاصة لصالح مشروع مشترك — الوحيد الذي يستحق، الوحيد الذي يدوم، الوحيد المنطقي. كونوا واضحين. كونوا صارمين. كونوا مسؤولين.

أن لا يعود الدولة خائفاً أمر جيد. لكنه لا يجب أن يكتفي بالتبرؤ وإثبات وجوده مستقلاً عن الدولة الموازية. يجب أن يتحرك، بحزم، مستخدماً القوة نفسها لدفن أشباح عام 1969 نهائياً ومنع انتشار النقائل في دوامة من نزاعات أحياء ومناطق. خلافاً للظاهر، لن يُتجنّب الاشتعال الداخلي إلا إذا بات الدولة يوجد، رافضاً قبول الأمر الواقع بعد اليوم. ليس فعل الدولة هو ما سيضرم البارودة، بل على العكس من ذلك: تقاعسها.

الأمين العام للحزب يتحداكم علناً ويشيطنكم؟ هذه المهزلة القاتمة طالت أكثر مما ينبغي. السلاح دمّر كل شيء. قانون العقوبات، وما وراءه الدستور، يمنحانكم صلاحية التحرك بحزم دون تردد، قبل أن يجرف هذا الجنون المحموم ضحايا أبرياء آخرين. وإلا فإن ثمن اتفاق سلام حتمي سيكون أغلى — إذا قبلت إسرائيل هذه المرة بعدم ضم جزء من الأراضي اللبنانية فعلياً. فلنتجنّب إذن الاستسلام والإذلال والاحتلال الدائم الجديد الذي يجرّنا إليه حزب الله!

السبيل الوحيد للخلاص هو استعادة سلطة الدولة وهيبتها مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا يُقال بنبرة الاتزان والاعتدال، بل بصوت متعب،… لا بالحماس والاندفاع…

أصحاب الفخامة،

الفكرة اللبنانية جميلة. ربما هي حتى الفكرة الأصيلة الوحيدة حقاً التي أهدى بها هذا الركن من المشرق الحداثة السياسية: أن نعيش معاً دون أن نتشابه، وأن نتعارف دون أن نذوب. فلا نقضينّ نصف قرن آخر في رثاء ما لن نكون قد عرفنا كيف نحافظ عليه بأنفسنا، لأننا أخفقنا في التخلي عن مهامنا السياسية.

تفضّلوا بقبول، أصحاب الفخامة والمعالي، عبارات أسمى تقديري واحترامي.

ميشال حاجي جورجيو

Artigos relacionados
Ver tudo
Vídeos relacionados
Ver tudo
Podcasts relacionados
Ver tudo