شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نهاية ايران المتأرجحة بين الدولة والثورة

عشنا طويلا في ظل القوة المتخيلة للبروباغندا الإيرانية، أو لنقل بروباغندا محور الممانعة، التي جعلت من ايران قوة كبيرة ومتماسكة ولا يمكن ان تمس. وبينت الأحداث أن هناك فرقاً كبيراً بين القوة الفعلية والقوة السردية. وسبق ان حصل ذلك مع حزب الله، كثيرون صدقوا صورة تفوقه المطلق. أوهمتنا ايران عبر أتباعها وجيشها الإعلامي من قنوات تلفزيونية مموهة وصحافيين مأجورين ومؤثرين ومؤثرات رقميين وغيرهم، بسرديتها الخيالية عن: صورة التفوق التكنولوجي، وصورة الحلفاء الأقوياء الذين يدعمونها (الصين، روسيا)، فكونت لدى الرأي العام صورة "محور غير قابل للكسر". نسيت ايران انه في النظام الدولي، التحالفات ليست عقائدية بل مصلحية. وأن الصين وروسيا تتحركان وفق حساباتهما، لا وفق رغبات حكام إيران ذوات الإيديولوجيا الثورية. نجحت سياسات إيران في السابق، عندما كانت تراهن على كسب الوقت، وتأجيل الاستحقاقات والتلاعب على الخصوم، والتملص من مسؤوليتها عن ارتكابات أذرعها، وإعطاء الوعود والعهود، ثم تنكث بها. نسيت إيران انها ما كانت ستتمكن من الاستمرار في هذه السياسات لو انها كانت لا تناسب السياستان الأميركية والإسرائيلية. السؤال الذي يطرح نفسه، هل إيران حقا دولة؟ إذا أخذنا تعريف الدولة الكلاسيكي (احتكار العنف، مركزية القرار، سيادة على الأرض)، فإيران دولة كاملة البنية. لكن إذا أخذنا تعريف الدولة الحديثة كمؤسسة عقلانية - بيروقراطية ذات قرار مركزي قابل للمساءلة، وهدفها تأمين مصالح مواطنيها، فالأمر مختلف ومعقّد. وإذا استحضرنا تحليل ماكس فيبر عن احتكار العنف الشرعي، نجد أن إيران كدولة، تحتكر العنف، لكن الشرعية فيها منقسمة بين: مؤسسات جمهورية، ترافقها بنية ثورية وفوق دستورية (المرشد، الحرس الثوري والباسيج)، أي أن النظام يحمل طبيعتين: دولة + ثورة. وهذا ما يولّد توتراً دائماً بينهما. ثم إن الثورات عندما تتحول الى دول، تواجه معضلة: هل تبقى "ثورة دائمة" أم تصبح "دولة طبيعية”؟ لم يحسم النظام الإيراني هذا السؤال منذ 1979. يستخدم خطاب الدولة، ثم يتصرف كحركة عابرة للحدود. ومن هنا يأتي تشابه سلوك النظام مع حزبها: ليس لأن إيران ليست دولة، بل لأنها تُبقي عنصر العقيدة فوق منطق الدولة وحماية النظام هي "أوجب الواجبات". الدولة تقول: نحن كيان سيادي، لكن الثورة تقول: نحن مشروع عابر للحدود. هذه الازدواجية تمنع الاستقرار الكامل. ما تمارسه إيران في تعاملها مع محيطها والعالم، نوع من حرب عصابات مع صواريخ باليستية، وعبر وكلاء توزعهم على بلدان الإقليم، وتعتمد سلوك "حرب غير متماثلة". انه منطق الحركات الثورية. لأن الدولة الكلاسيكية: ترد مباشرة وبواسطة جيشها، وضمن معادلات واضحة. أما نموذج الوكلاء فيولد ضبابية متعمدة، تجعلها قادرة على التنصل من أعمالها. لكن الضبابية سلاح ذو حدين: عندما تنكشف، تتحول إلى ارتباك في القيادة وتضارب في الرسائل. إضافة الى كل ذلك، تغافلت إيران عن الداخل الإيراني وحاجاته. كثير من التحليلات حول إيران تركز على الصواريخ والتحالفات العقائدية، في تجاهل تام للداخل الإيراني وانقساماته وشعوبه، ولتمرد النساء، ورغبات جيل شاب مختلف وتعب اقتصادي وشرعية مهزوزة. الدولة القوية لا تُقاس فقط بترسانتها، بل بقدرتها على دمج مجتمعها. تحولت السردية التاريخية عبئاً، وتحولت من مورد إلى قيد تسجن نفسها فيه. منحت السردية التاريخية النظام المعنى وسمحت بالاستمرارية وحافظت على الهوية الدينية – المذهبية، عبر لجوئها الى التعبئة المستمرة. لكنها تحولت مع الوقت إلى قيد، لأنها منعت إعادة التقييم، وعدت أي تراجع كخيانة، ولجأت الى تقديس رموزها وسياستها وجعلتها أهم من الواقع المعاش، بدل أن تُناقشها وتخضعها لإعادة التقييم بحسب حاجات المجتمع. وهكذا تحولت الثورة الى عبء لم يعد المجتمع الإيراني قادراً على تحمله. واتخذ قرار الاستغناء عن خدمات هذا النظام.

الجيش الإسرائيلي يحتل مواقع جديدة في جنوب لبنان

المبادرة التي اتخذها حزب الله ليلة 1 إلى 2 آذار/مارس لإعادة تنشيط جبهة جنوب لبنان، بناءً على طلب الحرس الثوري الإيراني على الأرجح، هل ستؤدي إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي لجزء من المنطقة الجنوبية للبلاد؟ طرح هذا السؤال بحدة يوم الثلاثاء 3 آذار/مارس 2026 في ضوء إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، عن قرار الدولة العبرية بـ «السيطرة على مناطق إضافية» في جنوب لبنان «لحماية المجتمعات الحدودية». بمعنى أوضح، سيتقدم الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وسيحتل قطاعات جديدة ستضاف إلى المواقع الاستراتيجية الخمسة التي لم تنسحب منها قوات الجيش الإسرائيلي بعد تطبيق وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. قد يكون لهذا الاحتلال الجزئي الجديد لأراضٍ جديدة بالقرب من الحدود بين البلدين تفسيران. قد يكون ذلك مقدمة لإنشاء منطقة عازلة بين لبنان وإسرائيل بهدف زيادة تأمين الحدود وشمال إسرائيل. السؤال المطروح حينها هو ما قد يكون مدى وعمق هذه «المنطقة الأمنية»، وما هي التبعات السياسية التي قد تترتب على هذا الاحتلال على صعيد المفاوضات الثنائية. هل ستستغل الدولة العبرية هذا التقدم في الأراضي اللبنانية لفرض اتفاق سلام أو على الأقل تفاهم أمني ملزم؟ بل إن بعض المراقبين يذهبون في هذا الإطار إلى حد التفكير في احتلال أجزاء من الأراضي أوسع بكثير من منطقة عازلة، ملمحين في هذا الصدد إلى سيناريو محتمل مماثل لعام 1982. يستند أنصار هذه الأطروحة إلى النداءات المتكررة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لسكان الجنوب لإخلاء قراهم في أقرب وقت ممكن. لكن هناك فرضية أقل طموحًا بكثير، سياسيًا، تُطرح في ضوء السياق الحالي. قد تكون المواقع الجديدة التي تحتلها إسرائيل لها وظيفة تسهيل عمليات محددة ومستهدفة بدقة قد تقوم بها وحدات كوماندوز في عمق الأراضي اللبنانية. لذلك، سيتعين الانتظار بضعة أيام لمعرفة المزيد عن النوايا الحقيقية لحكومة نتنياهو. في الوقت الحالي، قام الجيش اللبناني بانسحاب تكتيكي من حوالي عشرين موقعًا غير بعيد عن الحدود مع إسرائيل. على أي حال، وفي انتظار أن تتضح النوايا الحقيقية لتل أبيب، يعاني سكان جنوب لبنان مرة أخرى من ويلات النزوح القسري، بينما واصل الطيران الإسرائيلي يوم الثلاثاء، ولليوم الرابع على التوالي، قصف ضاحية بيروت الجنوبية بشكل متقطع بالإضافة إلى العديد من القرى في المناطق الجنوبية. وفي فترة ما بعد الظهر، استهدف غارة جوية في صيدا مقرًا لحركة «الجهاد الإسلامي». غارات مكثفة ضد طهران في إيران، أعلن الطيران الإسرائيلي عن شن الموجة التاسعة من الهجوم الجوي يوم الثلاثاء ضد مراكز وبنى تحتية لنظام الملالي في طهران. وقد شُنت غارات مكثفة على عدة قطاعات من العاصمة التي كانت مغطاة في وقت متأخر من بعد الظهر بسحابة كثيفة من الدخان الأسود. استهدفت إحدى هذه الغارات، على وجه الخصوص، المبنى الذي كان من المقرر أن يجتمع فيه 88 خبيرًا مدعوين لانتخاب المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية. وقد دمر المبنى بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، أسفر هجوم جوي عن مقتل وزير الدفاع الإيراني الجديد الذي كان قد خلف قبل يومين وزير الدفاع السابق الذي قُتل في 28 شباط/فبراير خلال الموجة الأولى من الغارات على العاصمة. وقد سمحت هذه الموجة الأولى لطيران الدولة العبرية بتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وبالتالي ضمان السيطرة الكاملة على المجال الجوي لمنطقة طهران. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن إطلاق الصواريخ استمر يوم الثلاثاء ضد عدة دول خليجية. وقد أصيب مقر السفارة الأمريكية في الرياض بشكل خاص بصاروخين لم يسفرا إلا عن أضرار مادية طفيفة. وفي وقت مبكر من المساء، سمع دوي انفجار قوي في دبي. لم يستثنِ هذا القصف الإيراني أي دولة خليجية، بل شمل حتى سلطنة عمان التي بذلت جهودًا مضاعفة في السنوات الأخيرة لتكون وسيطًا بين الجمهورية الإسلامية والغرب. لقد أدى تصعيد إطلاق الصواريخ باتجاه الخليج إلى تدهور كبير في العلاقات بين الأنظمة الملكية والجمهورية الإسلامية. خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، تبنت عدة دول خليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وسلطنة عمان، خطابًا عدائيًا وصارمًا ومفتوحًا تجاه طهران، وهو ما لن يخلو من تأثير جاد على الملامح القادمة للشرق الأوسط.

لبنان وتحدي فكّ الإرتباط... بالإنتحار
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

أقلّ ما يمكن أن يوصف به إقحام لبنان في الحرب التي تستهدف "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران بأنّّه جريمة في حق البلد وفي حق أهل الجنوب تحديدا. يبدو مطلوبا الإنتهاء من لبنان في وقت قررت فيه الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، التخلص من النظام الإيراني. ما الفائدة من ربط مصير لبنان بمصير النظام في إيران، وهو نظام يريد أن ينتحر؟ ما العمل عندما ستتوسع رقعة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب ويزداد عدد النازحين منه، وحتّى من بعض مناطق البقاع؟ هل المطلوب، إيرانيا، أخذ لبنان إلى أزمة داخلية لا يستطيع الخروج منها يوما عبر تحويل جنوب البلد إلى غزّة أخرى؟ الأهمّ من ذلك كلّه، هل يستطيع لبنان تجنب الكارثة التي أخذه إليها "حزب الله" أو الخروج منها؟ هناك الآن نحو 110 آلاف نازح من أهل الجنوب، فيما يبلغ عدد القرى المدمرة نحو 30 قرية. يبدو أنّ "حزب الله" قرر رفع هذا العدد إلى نحو 350 الفا لإسباب واهية لا علاقة للبنان بها من قريب أو بعيد. في النهاية، ما الذي تريده "الجمهوريّة الإسلاميّة" غير إغراق لبنان معها بعدما تبيّن أنّ النظام الذي يتحكّم بها غير قابل للإستمرار؟ يأتي قرار "حزب الله"، وهو أمر صدر من طهران، في ظلّ اكبر انقلاب تشهده المنطقة كلها منذ العام 1979، تاريخ تغيير طبيعة إيران بتحولها إلى "جمهوريّة إسلاميّة" ودورها على الصعيد الإقليمي. كذلك، يأتي القرار، ذو الطابع الإنتحاري، فيما بدأت تتكون ملامح توازن إقليمي جديد ولد من رحم حرب غزّة التي بدأت في السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023 وهي حرب سعت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى استغلالها، وفشلت في ذلك، عن طريق أذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. تكمن المشكلة التي تواجه "حزب الله" في الوقت الحاضر بأنّه يرفض التعلّم من تجربة "حرب اسناد غزّة" التي انتهت إلى ما انتهت إليه. خاض تلك الحرب التي الحقت به خسائر ضخمة شملت القضاء على قيادته وتمكين إسرائيل من العودة إلى احتلال أرض لبنانية. يرفض الحزب استخلاص الدروس من تلك الحرب ومن إغتيال حسن نصرالله بالطريقة التي اغتيل بها. ليس معروفا بعد كيف يخوض حزب، ليس سوى ميليشيا مذهبيّة مرتبطة بالخارج، حربا جديدة من دون أن يأخذ في الإعتبار أنّ النتائج التي ستسفر عنها تلك الحرب معروفة سلفا. إنّه لغز لا تفسير له سوى أنّ "الحرس الثوري" يدفع بـ"حزب الله" إلى الإنتحار معه. من الواضح أنّ الحزب بات تحت السيطرة الكاملة لإيران وأنّه بالفعل لواء في "الحرس الثوري" لا أكثر. قبل إطلاق "حزب الله" صواريخه من جنوب لبنان، تلقت الدولة اللبنانيّة تحذيرات واضحة من إسرائيل. فحوى التحذيرات أن انضمام الحرب إلى الحرب التي تخوضها إيران ستكون له نتائج كارثية على البلد. على الرغم من هذا التحذير الذي نقل إلى الحزب، فاجأ هذا الحزب اللبنانيين بإطلاق صواريخ من جنوب لبنان... لا تفسير لما حصل غير عجز الدولة اللبنانيّة عن ممارسة نفوذها على "حزب الله". لا تزال الدولة تخشى الحزب. هل يؤدي قرار مجلس الوزراء الذي يعتبر النشاط الأمني والعسكري للحزب "خروجا على القانون" تحولا كبيرا على الصعيد اللبناني وخروجا من المنطق الذي فرض اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969؟ هل يؤدي عمليا إلى كسر حاجز الخوف من الحزب الذي لم يعمل منذ يوم قيامه غير تدمير لبنان ومؤسسات الدولة اللبنانية الواحدة تلو الأخرى وبطريقة ممنهجة؟ يفترض في الدولة اللبنانيّة إظهار أنّها تستطيع تنفيذ قرار مجلس الوزراء بغية الإنصراف إلى معالجة نتائج الكارثة التي حلّت بالبلد. في الواقع، تتعاطى الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام امتحان حقيقي جديد، مع حزب امتهن العمالة لإيران ووضع مصلحة "الجمهوريّة الإسلاميّة" فوق مصلحة لبنان، بل فوق مصلحة أبناء الطائفة الشيعية. إنّه حزب يرى في مقتل "المرشد" علي خامنئي، مقتل زعيمه. بكل بساطة، من الصعب التعاطي مع حزب يرى في الإنتحار هدفا بحد ذاته ويرى في لبنان جزءا من "الجمهوريّة الإسلاميّة" بقيادة "الوليّ الفقيه". حسنا، يريد "حزب الله" الإنتحار. يريد من لبنان الإنتحار معه وأن يكون مصيره مصير "الجمهوريّة الإسلاميّة. لا مكان للغة المنطق مع من يريد الإنتحار. من المفيد، بالنسبة إلى لبنان تحديد ما الذي يريده بالفعل. من المفيد فكّ الإرتباط بينه وبين منطق الإنتحار لا أكثر... وقد آن أوان ذلك!

سائحة في الساحة
بقلم
زينه زيادة
نُشر

وطِئَت قدمي ساحة النجمة كابنةٍ عادت تتفقد ملامح وجهٍ غاب طويلًا خلف أقفالٍ صدئة وأسلاكٍ شائكة وقراراتٍ أثقلت قلوب الناس. أزورها للمرة الثانية بعد أن كانت ومحيطها مُقفَلَين في وجهي، أو في وجهنا لسنوات، نحن الذين ظننّا يومًا أنّ الساحات خُلقت لتكون لنا، وأنّ المدن لا تُقفل إلّا في الكتب القديمة حين يكتب المؤرخون عن حصارٍ أو حرب. لسنواتٍ طوال، ظلّت ساحة النجمة اسمًا نتداوله بحذر، ونشير إليه كمن يشير إلى جرحٍ لم يلتئم. أغلقت ممّن ظنّ أنّه امتلك مفاتيحها ومفاتيح من فيها، صودرت خطانا، وتأجّل اللقاء بيننا وبين زواياها التي تعرف وقع أقدامنا أكثر مما يعرفها "الحرّاس". أزورها كالسائحة؛ أنا ابنة هذه البلاد التي التزمت البقاء فيها حين كان الرحيل أسهل من شرح البقاء. اخترت أن أبقى، لا بطولةً ولا تحديًا، بل لأنّ جذوري كانت أعمق من أن تُقتلع بخبرٍ عاجلٍ أو بانقطاع كهرباءٍ طويل. أمشي اليوم بين أبنيتها الأنيقة مع أقارب لي حملت الغربة أباهم إلى أحضان “الأم الحنون”، فولدوا هناك. حرف الغين طاغٍ على لكنتهم. لم ينطقوا يومًا بلغة الضاد كما ننطقها، ولم تتشكل ذاكرتهم على إيقاع مولدات الكهرباء أو نداءات الباعة المتجولين. كانوا ينظرون حولهم بدهشة السائح، بينما كنت أنظر أنا بدهشة من يرى مدينته من خارجها. نجول معًا بين الخطوة والأخرى، فيستوقفنا معلمٌ أو بضعةُ أحجارٍ بقيت شاهدةً على عصورٍ وحضاراتٍ مرّت على هذه الأرض. أشرح لهم كيف تعاقبت الأسماء على المدينة كما تتعاقب الفصول، وكيف كانت بيروت مرةً ميناءً للكتب، ومرةً ساحةً للمدافع، ومرةً مسرحًا لأحلامٍ أكبر من مساحتها الصغيرة. بفرنسيّتي المطعّمة ببعض الإنكليزية أحاول أن أجد الكلمات التي تختصر تاريخًا لا يُختصر. أبحث في ذاكرتي عن جملٍ محايدة، عن روايةٍ لا تجرح أحدًا ولا تخون أحدًا، فأجدني أتعثر بين الحنين والغضب. بيروت كانت خاليةً على نحوٍ يربك القلب. ليست خالية من الناس، بل خالية من الضجيج الذي كان يملأها معنى. أزقّتها التي كانت تضجّ بالأصوات بدت وكأنها تحبس أنفاسها، والواجهات اللامعة تعكس سماءً رمادية لا قرار لها. إنها خاليةٌ إلّا مما بقي في ذاكرتي: من انتفاضاتنا المتكررة التي كنا نملأ بها الشوارع هتافًا وأملًا، إلى تفجير 4 آب الذي بقي عصفه حاضرًا في المباني وزجاجيات الكنائس والمحالّ المزنّرة بأبوابٍ حديديةٍ نصف مغلقة. كلّ زاويةٍ هنا تحمل أثرًا غير مرئيّ، شقًّا صغيرًا في جدار، أو ظلّ نافذةٍ لم يعد زجاجها كما كان. كنت أمشي وأرى في الوقت نفسه صورتين متداخلتين: صورة المدينة كما هي أمامي، وصورتها كما كانت في داخلي. في ذاكرتي، كانت تعلوها ضحكاتٌ تتحدّى تعب الأيام. كان صوت الموسيقى يتسلل من شرفاتٍ ضيقة، يختلط أحيانًا بصوت الرصاص الحيّ، فلا نعرف أهو احتفالٌ أم تحذير. كانت دموع المسيّل للدموع جزءًا من قاموسنا، كما كان الحبّ جزءًا من شجاعتنا الصغيرة. شهدتُ على أدراجها لقاءاتٍ خاطفة، اعترافاتٍ هامسة وعلى فراقٍ تمّ على عجلٍ خوفًا من خبرٍ عاجل. كيف أصف لهم ما تعنيه بيروت لأبنائها؟ كيف أشرح ازدواجيةً واضحةً؟ غربةٌ ثقيلة وحنينٌ لا يهدأ. نحن الذين نعيش فيها ونشعر أحيانًا كغرباء عنها، كأنّها مدينةٌ تُدار من وراء زجاجٍ سميك لا نصل إليه. وفي الوقت نفسه، لا نحتمل فكرة الابتعاد عنها، لأنّها تسكننا كملح البحر. أقول لهم إنّ بيروت ليست مجرد أبنيةٍ أنيقةٍ وساحةٍ مرصوفة، بل هي ذاكرةٌ حيّة وجرحٌ مفتوح. في تلك اللحظات، شعرت أنّني أنا السائحة الحقيقية. كنت أكتشف مدينتي كما لو أنّني أتعرف إليها من جديد. كلّ زاويةٍ كانت تدفعني إلى سؤال: هل هذه هي المدينة التي عرفتها، أم أنّها نسخةٌ أكثر هدوءًا، أقلّ صخبًا، وأكثر تعبًا؟ كنت أفتش في الوجوه عن أثرٍ لما كان، عن بريقٍ يشبه البريق الذي عرفته حين كنا نؤمن أنّ الغد ممكن. تذكّرتُ يومًا قديمًا حين آمنت أنّنا أقرب ما نكون إلى امتلاك المكان. ثمّ جاءت السنوات التي أُغلقت فيها الأبواب، وتحوّلت الساحة إلى صورةٍ بعيدة. اليوم، وأنا أعبرها بلا حواجز، أدركتُ أنّ المكان لا يُمتلك، بل يُعاش. وأنّ المدن لا تعود كما كانت. شعرتُ بأنّ هذه المدينة، رغم كلّ ما مرّ بها، لم تفقد قدرتها على الانتظار. لم أشرح لهم كلّ هذا، اكتفيتُ بالمشي معهم كسائحةٍ ترى مدينةً لا تخلو من الجمال وتنتظر أن تحيا. كنت أبتسم حين يلتقطون الصور، وأشير إلى التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها العابر. وفي داخلي، كنت آمل بأن أعود مرةً ثالثة، لا كسائحة، بل كامرأةٍ تصالحَت مع مدينتها، مهما طال الانتظار. غادرنا الساحة، التفتُّ إليها كمن يلتفت إلى بيتٍ قديمٍ عاش فيه زمنًا طويلًا. لم أودّعها، لأنّ الوداع يوحي بالنهاية وأدركت أنّ بيروت بدايةٌ تتكرر، تتقن السقوط والقيام، وتترك لأبنائها مهمة أن يحبّوها أو يهجروها.

الحكومة اللبنانية تعلن عمل حزب الله العسكري غير شرعي

في اليوم الثالث من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على النظام الإيراني (عملية "زئير الأسود")، تسارعت وتيرة الأحداث على الجبهة العسكرية وامتدت إلى لبنان. خلال ليلة الأحد 1 مارس/آذار إلى الاثنين 2 مارس/آذار، وطوال يوم الاثنين، اندلعت أعمال عنف على الجبهة اللبنانية عقب هجمات صاروخية شنّها حزب الله على شمال إسرائيل، وتحديداً منطقة حيفا. متجاهلاً بوقاحة الموقف الواضح لجميع الفصائل السياسية المحلية تقريباً، وعلى رأسها الحكومة المركزية التي حذّرت الحزب الموالي لإيران صراحةً من أي محاولة للتدخل في الصراع الإيراني، اتخذ حزب الله قراراً انتحارياً بجرّ لبنان إلى هذه الحرب (حرب أخرى لا طائل منها) ثأراً لمقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، الذي اغتيل يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي، خلال أول غارة جوية إسرائيلية على طهران. وكان رد الفعل على إعادة تنشيط جبهة جنوب لبنان سريعاً. بعد أقل من ساعة من الضربات الصاروخية، شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة، إلى جانب قصف بحري، على الضواحي الجنوبية لبيروت وبعض البلدات في جنوب البلاد. استهدفت إحدى هذه الغارات النائب محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله ونائب الأمين العام للحزب. وأسفر هذا الهجوم أيضاً عن مقتل نحو ثلاثين شخصاً. في الوقت نفسه، نشر الجيش الإسرائيلي قائمة تضم نحو خمسين قرية في جنوب لبنان ووادي البقاع، مؤكداً على ضرورة إخلاء سكان هذه المناطق. تسبب هذا النداء في ازدحام مروري خانق على مشارف الضواحي الجنوبية وعلى طرق جنوب لبنان طوال ليلة الأحد وحتى صباح الاثنين. استمرت الغارات على ضواحي وقرى جنوب لبنان ووادي البقاع صباح ومساء الاثنين. وأعلنت إسرائيل أنها قتلت اثنين من كبار مسؤولي حزب الله، أحدهما رئيس المخابرات. أثار قرار الحزب الشيعي التدخل في الصراع الإيراني استنكاراً واسعاً في الأوساط السياسية، لا سيما داخل الحكومة. أدان الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام صراحةً سلوك حزب الله، مؤكدين أنه من غير المقبول أن ينجرّ لبنان إلى حرب لا تعنيه. موقف الحكومة وبري عقد مجلس الوزراء صباح الاثنين اجتماعاً استثنائياً مطولاً في قصر بعبدا، تلا فيه السيد سلام بياناً رسمياً يُشير إلى أن الحكومة باتت تعتبر العمليات العسكرية والأمنية لحزب الله "غير قانونية" و"محظورة". ويوضح البيان أن الجيش اللبناني كُلِّف باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار، لا سيما فيما يتعلق بتسليم أسلحة الجماعة الموالية لإيران إلى الدولة واعتقال المخالفين. وفي معرض رفضها لأي إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، دعت الحكومة حزب الله إلى حصر أنشطته في الشؤون السياسية البحتة. يُشكّل هذا القرار الصادر عن مجلس الوزراء نقطة تحوّل جوهرية، إذ يُقرّ رسميًا بعدم شرعية الجهاز العسكري لحزب الله، وبالتالي يُجرّد الحزب الشيعي رسميًا من صفة "حركة المقاومة" التي طالما تمسك بها، وفرضها على السلطات اللبنانية لعقود. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مصادر مُقرّبة من رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل، نبيف بري، قد أيّد موقف الدولة بشأن عدم شرعية ميليشيا حزب الله. وتؤكد هذه المصادر نفسها أن بري، في ضوء التطورات الأخيرة، قرر سحب الدعم السياسي الذي كان يُقدّمه للجماعة الموالية لإيران. وإذا ما تأكدت هذه المعلومات، فسيُشير ذلك إلى قطيعة، أو على الأقل فتور في العلاقات، بين أمل وحزب الله. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنه في ثمانينيات القرن الماضي، اندلعت حرب حقيقية، استمرت لعدة أشهر، بين الفصيلين الشيعيين. انتهت العملية بهزيمة حركة أمل، التي تحالفت سياسياً منذ ذلك الحين مع الحزب الموالي لإيران. وإذا تأكد تأييد السيد بيري لقرار مجلس الوزراء باعتبار العمليات العسكرية والأمنية لحزب الله غير قانونية، فسيمثل ذلك ضربة قوية للتحالف بين الفصيلين الشيعيين، وهو تحالف عرقل الحياة السياسية اللبنانية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وستكون هذه النقطة المحورية أكثر أهمية لأنها ستحدث في سياق التراجع الحالي لـ"إمبراطورية" الملالي الإيرانية تحت وطأة الضربات.في إطار الهجوم الأمريكي الإسرائيلي (الذي يحمل الاسم الرمزي "زئير الأسود"). المواقف الأمريكية والبريطانية فيما يتعلق بتقدم عملية "زئير الأسود"، واصلت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية غاراتها المكثفة يوم الاثنين على مواقع عسكرية إيرانية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي ومستودعات الصواريخ ومواقع الإطلاق. وبعد تأمين المجال الجوي لطهران والسيطرة الكاملة عليه، سيطر سلاح الجو الإسرائيلي على غرب إيران. وتتيح هذه السيطرة الجوية للحليفين تدمير مخزونات الصواريخ الإيرانية بشكل منهجي. في الوقت نفسه، واصل الحرس الثوري الإسلامي ضرباته الصاروخية المتقطعة على دول الخليج، حتى أنه وصل إلى القاعدة البريطانية في قبرص. على الصعيد السياسي، أشار الرئيس دونالد ترامب في مقابلة مع صحيفة أمريكية إلى أنه لا يستبعد إرسال قوات برية "إذا لزم الأمر". كما أوضح رئيس البيت الأبيض أن العملية متقدمة على الجدول الزمني بفضل تصفية عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين في الساعات الأولى من الهجوم. وأشار كذلك إلى أن "العملية الرئيسية لم تبدأ بعد". من جانبه، أوضح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أهداف ونطاق الهجوم على إيران خلال اجتماع مع ضباط وجنود أمريكيين. وأكد هيغسيث أن ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية وبرنامج النظام النووي يشكلان خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة وحلفائها. وشدد الوزير الأمريكي على ضرورة إسقاط النظام في طهران. وأيد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هذا الرأي، مؤكداً على ضرورة تدمير مخزونات الصواريخ الإيرانية ومواقع إطلاقها. وأشار في هذا السياق إلى أن حكومته وافقت على الطلب الأمريكي باستخدام القواعد البريطانية لشن غارات على المواقع العسكرية الإيرانية.

 مطلوب رجل دولة
بقلم
خليل حلو
نُشر

إن الظروف العصيبة التي يمر بها لبنان تتطلب بلا شك وجود رجال دولة! لقد عرف لبنان رجال دولة، ونفتقدهم، لا سيما وأن عددهم محدود. لا شك أن رجل الدولة لا بد أن يتولى السلطة ليثبت جدارته، ولا يمكنه إثبات نفسه إلا في ظروف استثنائية. وهكذا، منذ عام ١٩٤٣، برز بعض رؤساء الجمهورية كقادة للدولة في مواجهة الأحداث. وقد برزوا إما برؤيتهم الثاقبة أو بقرارات حاسمة أنقذت البلاد من كارثة محققة. كما أثبتوا كفاءتهم بالالتزام الصارم بالدستور والقوانين السارية، سواء بالقوة أو الدبلوماسية أو بسياسة حكيمة وحازمة. وفوق كل ذلك، تحملوا مسؤولياتهم في الدفاع عن الدولة ذات السيادة والمستقلة. تتطلب الأحداث الراهنة من المسؤولين في السلطة التنفيذية (أما في السلطة التشريعية، فيُرجى الرجوع إلى السيد نبيه بري) أن يثبتوا أنهم رجال دولة حقيقيون وليسوا مجرد موظفين حكوميين أو إداريين. يوجد رجال دولة في الحكومة. لقد حان الوقت لكي يفرضوا أنفسهم ويجنّبوا الشعب اللبناني أسوأ ما في الأمر.