
في وقت تراوح فيه المفاوضات على الجبهة الأميركية–الإيرانية مكانها، وتتزايد فيه الحوادث الأمنية في منطقة الخليج، تميّزت السلطات اللبنانية بتبنّي رؤية استراتيجية ذات طابع سيادي واضح. وفي المقابل، شهدت نهاية الأسبوع تصعيداً عسكرياً تمثل في قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتهديد إيراني لإسرائيل. «لبنان بلدنا وليس بلدكم». بهذه الكلمات التي أطلقها الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال مقابلة حظيت بمتابعة واسعة مع الإعلامية البارزة كريستيان امانبورعلى شبكة CNN يوم الجمعة، طبع مسار الأسبوع المنصرم في لبنان، وعزّز بوضوح الاتجاه المتنامي في الخطاب الرسمي نحو تبنّي الرسالة السيادية التي شكّلت محور خطاب القسم الرئاسي. وقد أثارت الانتقادات الحادة التي وجّهها الرئيس عون إلى النظام الإيراني وحزب الله هجوماً عنيفاً من بعض وسائل الإعلام الإيرانية على قصر بعبدا. وبالتوازي مع هذا التصعيد الكلامي، اختُتم الأسبوع بتطور عسكري خطير. فرداً على إطلاق صواريخ من جانب حزب الله باتجاه شمال إسرائيل، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي بعد ظهر الأحد ثلاث غارات استهدفت مركز عمليات للحزب المدعوم من إيران في الضاحية الجنوبية. ويُذكر أنه بعد التدخل الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حال قبل أيام دون تنفيذ هجوم واسع النطاق على الضاحية الجنوبية مقابل وقف حزب الله لإطلاق النار على إسرائيل، كان المسؤولون الإسرائيليون قد حذّروا من أن الضاحية ستتعرض للقصف إذا استأنف الحزب إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل. إلا أن الحزب عاد في نهاية الأسبوع إلى استهداف الأراضي الإسرائيلية، ما أدى إلى الغارات التي نُفذت الأحد بعد الظهر وأسفرت عن مقتل شخصين من كوادر الحزب وإصابة أحد عشر آخرين. وفي المساء، أعلنت تل أبيب أنها أبلغت واشنطن مسبقاً بقرارها تنفيذ الغارة على أحد مقار الحزب. وفي هذا السياق، أكد الرئيس ترامب مساء الأحد دعمه للهجمات الإسرائيلية ضد حزب الله، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ «ضربة دقيقة ضد حزب الله»، مضيفاً أنه مستعد لطلب مساعدة الرئيس السوري احمد الشرع في أي عمليات محتملة ضد الحزب. وعقب الغارات الثلاث على الضاحية الجنوبية، هدّد النظام الإيراني علناً بإطلاق صواريخ على إسرائيل. وردّ المسؤولون الإسرائيليون بالتحذير من أن أي هجوم إيراني قد يؤدي إلى تجدد الحرب مع إيران. المواقف السيادية للسلطة بالعودة إلى انتقادات السلطة اللبنانية لموقف الجمهورية الإسلامية تجاه لبنان، فإن تصريحات الرئيس عون على CNN سبقتها مواقف لا تقل حدة أطلقها رئيس الحكومة نواف سلام خلال إطلاق نداء للمساعدة الدولية لصالح النازحين من مناطق النزاع في لبنان. وأكد سلام في المناسبة أن «لبنان لا يمكن أن يكون ورقة في يد أي طرف». وكان يشير بذلك إلى خيار السلطات اللبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل منذ مطلع أبريل، بدلاً من إدراج الملف اللبناني ضمن المفاوضات الأميركية–الإيرانية كما ترغب الأحزاب الشيعية. ورغم أن هذه التصريحات لا تحمل جديداً بالكامل، إذ إن الرئيس عون يكرر منذ انتخابه ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يقتضي نزع سلاح حزب الله، ويحظى في ذلك بدعم رئيس الحكومة، فإن إرادته في إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني لم تبدُ يوماً بهذا الوضوح والحزم كما ظهرت خلال هذه المقابلة واسعة الانتشار على قناة أميركية. وقد وجّه الرئيس اللبناني انتقادات مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي كان أول من رفض اتفاقاً مبدئياً لوقف إطلاق النار في لبنان تم التوصل إليه خلال الاجتماع اللبناني–الإسرائيلي المنعقد في واشنطن يومي 2 و3 يونيو. وكما كان متوقعاً، أثارت هذه التصريحات غضب الأحزاب الشيعية وبعض وسائل الإعلام الإيرانية. ومن أبرز الردود ما جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي نصح الرئيس اللبناني بـ«إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي»، أي إسرائيل، مشيراً إلى أن «إيران ليست الدولة التي تحتل خُمس الأراضي اللبنانية». غير أن عراقجي تجاهل التذكير بأن الجبهة التي فتحها حزب الله دعماً لإيران في مواجهة الهجوم الإسرائيلي–الأميركي في 28 فبراير هي التي دفعت لبنان إلى هذا النزاع الدموي الجديد، وتسببت بعودة الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من جنوب لبنان. الهدنة المجهضة أسهمت تصريحات المسؤولين اللبنانيين أيضاً في تعميق الانقسام الداخلي مع المعسكر الموالي لإيران. ولم تقتصر أسباب غضب هذا المعسكر على التصريحات العلنية، بل شملت كذلك الاجتماعات التي عُقدت يومي 2 و3 يونيو في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، والتي أثارت ردود فعل حادة على الساحة الداخلية. فقد وصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاق بأنه «استسلام». والأهم أن رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري، الذي كان يُنظر إليه حتى الآن على أنه قد يتبنى موقفاً مختلفاً عن حليفه، هاجم الاتفاق بعنف واعتبره «ملغوماً» و«غير عادل». وكانت حدة مواقف الحزبين نابعة من أن الإعلان عن الاتفاق جاء في إطار بيان مشترك لبناني–إسرائيلي–أميركي. ولم يكن الخلاف على الشكل فقط، بل على المضمون أيضاً، إذ أدان الأطراف الثلاثة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، واعتبروا أن على حزب الله أن يوقف عملياته أولاً في إطار المواجهة المستمرة في الجنوب. وفي جميع الأحوال، سرعان ما تعرّض الاتفاق للاهتزاز، ليس فقط بسبب الرد السلبي الذي بعث به حزب الله إلى الرئيس عون، بل أيضاً نتيجة غياب إرادة إسرائيلية واضحة لوضع حد للقتال. فهل من مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يُظهر مرونة على هذه الجبهة فيما يواصل حزب الله هجماته، في وقت تتفاقم فيه خلافاته مع الرئيس الأميركي على الملأ ويستعد فيه للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في بلاده؟ ومهما يكن، فإن المفاوضات الجارية لم تنعكس تهدئة على الأرض، إذ لم تنخفض حدة المواجهات في جنوب لبنان من أي من الطرفين. بل أكثر من ذلك، عاد حزب الله إلى استهداف شمال إسرائيل، بعدما بدا قبل أيام أنه تراجع عن هذا الخيار. أما إسرائيل، فلم تعد تتردد في استهداف الجيش اللبناني، وقد فعلت ذلك أكثر من مرة خلال الأسبوع، ولا سيما في الهجوم الدامي الذي وقع السبت وأسفر عن مقتل ضابطين وجندي داخل آلية عسكرية على طريق النبطية. افتتاح مطار القليعات لكل هذه الأسباب، تبدو التصريحات المعادية للتدخلات الإيرانية التي أطلقها الرئيسان عون وسلام بمثابة بذور زُرعت للمستقبل، لكنها ما زالت تجد صعوبة في النمو في بيئة معادية. حتى تصريحات الرئيس الأميركي، الذي أكد أكثر من مرة أنه «تحدث إلى حزب الله» – وهو أمر يشكك فيه كثير من الخبراء الذين يرجّحون تدخل وسطاء، ولا سيما من الجانب الإيراني – قد تضع الموقف الرسمي اللبناني في موقف حرج. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو. فقد حظيت تصريحات الرئيس عون بدعم من عدد من الدول العربية، من بينها البحرين. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدت ردود الفعل منقسمة بشدة، لكن كثيرين رأوا في الرئيس حاملاً لإرادة غير مسبوقة تهدف إلى «تحرير» البلاد من مختلف أشكال التدخل الخارجي. وباختصار، يبدو لبنان اليوم ممزقاً بين تيارين قويين، يسير على حبل مشدود نحو مستقبل غير واضح المعالم. لكن المعسكر المعارض للهيمنة الإيرانية سجل نقطة إضافية هذا الأسبوع. ففي يوم السبت، أعطت إعادة افتتاح مطار القليعات في عكار، تلك المنطقة الشمالية التي أصبحت رمزاً للإهمال والتهميش، صورة مختلفة تماماً عن البلاد. ولماذا يُنظر إلى إعادة افتتاح هذا المطار باعتبارها خطوة تحررية؟ لأن فكرة إنشاء مطار ثانٍ في لبنان كانت تصطدم باستمرار برفض حزب الله وحلفائه، فيما لم تجرؤ الحكومات القريبة منه على المضي في هذا المشروع. فمطار بيروت، الواقع في الضاحية الجنوبية، كان يخضع عملياً لنفوذ الحزب الشيعي، فيما كان من شأن أي بنية تحتية بديلة تقع في منطقة خارجة عن نفوذه أن تفلت من سيطرته. ومن هنا يمكن فهم الحماسة التي رافقت صور افتتاح المطار يوم السبت، ولا سيما مع وصول رئيس الحكومة على متن طائرة خاصة حطّت على مدرجه، وهي مشاهد اعتبرها كثيرون رمزاً لتغيير حقيقي. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الزيارة التي قام بها قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهي الدولة التي تؤدي دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران. في الأثناء، على الجبهة الأميركية–الإيرانية أما المفاوضات الأميركية–الإيرانية، فقد أعطت طوال الأسبوع انطباعاً واضحاً بأنها تراوح مكانها. فالتصريحات المتكررة للرئيس ترامب عن قرب التوصل إلى اتفاق، والتي كانت تترافق في الوقت نفسه مع تهديدات بشن هجوم جديد، استمرت بالوتيرة نفسها من دون تحقيق أي اختراق حقيقي. وفي المقابل، واصل الإيرانيون نفي كل التصريحات الأميركية بصورة منهجية. وفي الحالتين، لم تفضِ هذه التصريحات المتبادلة إلى أي تقدم ملموس على مستوى المنطقة. وتتزامن هذه المنطقة الرمادية مع اقتراب انطلاق حدث رياضي عالمي قد يصرف الأنظار لفترة طويلة عن النزاع الجاري في الشرق الأوسط، وهو كأس العالم لكرة القدم الذي تستضيف الولايات المتحدة جزءاً من مبارياته وتشارك فيه إيران. ومن المقرر أن تخوض إيران مباراتها الأولى في لوس أنجلوس، وقد حصل لاعبوها هذا الأسبوع على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا الجمود السياسي، يزداد الوضع الميداني اشتعالاً. فالمواجهات بين الحرس الثوري الإيراني والقوات الأميركية تتكاثر في منطقة مضيق هرمز الذي ما زال مغلقاً جزئياً. وقد أدت الضربات الأميركية على جزيرة قشم الإيرانية إلى رد إيراني بدا موجهاً بصورة أساسية نحو دول الخليج. ومن أبرز هذه الأحداث الضربة التي استهدفت مطار الكويت يوم الثلاثاء وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة 63 آخرين، بعضهم بجروح خطيرة. كما ينبغي الإشارة إلى أن الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة شهد بدوره تصعيداً هذا الأسبوع، مع سلسلة هجمات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى. وفي الضفة الغربية، تتزايد الانتهاكات بحق الفلسطينيين، ولا سيما على أيدي مستوطنين غالباً ما يحظون بمساندة من جنود إسرائيليين. وقد أسهمت هذه الأحداث في رفع مستوى التوتر داخل إسرائيل نفسها. فقد سُمعت يوم الأحد أصوات إطلاق نار متزامنة في أربع مناطق إسرائيلية، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يواجه «حادثاً أمنياً» أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدد آخر. وقُتل أحد المهاجمين، فيما أُلقي القبض على مهاجم ثانٍ.









