


شهد الأسبوع المنصرم فشل المحاولات الرامية إلى التوصل إلى بروتوكول تفاهم بين واشنطن وطهران، وسط تصريحات متناقضة من الجانبين. وفي الوقت نفسه، سُجّل تصعيد عسكري واضح بين لبنان وإسرائيل، ترافق مع تقدم ميداني مهم للجيش الإسرائيلي الذي يُقال إنه تجاوز نهر الليطاني.
طُبعت الأيام الأخيرة في الشرق الأوسط بتصريح أدلى به الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، تحدث فيه عن قرب التوصل إلى بروتوكول اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يفتح الباب أمام ستين يوماً إضافية من المفاوضات، ويسمح برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز. إلا أن التفاؤل الذي أبداه الرئيس الأميركي مراراً لم يترجم إلى نتائج ملموسة، إذ انتهى الأسبوع من دون أي تقدم يُذكر، فيما بقيت جميع الخيارات مطروحة، بما فيها احتمال العودة إلى دوامة العنف.
ويلخص تصريح أدلى به «مسؤول أميركي» لموقع أكسيوس يوم الأحد الوضع قائلاً: «سيكون هناك اتفاق مع إيران، لكن موعد توقيعه لم يُحسم بعد».
وجاءت إحدى أبرز محطات الأسبوع يوم الجمعة بعد الظهر بتوقيت المشرق، حين أعلن ترامب أنه سيتخذ قراره بشأن الاتفاق مع إيران عقب اجتماع مع مستشاريه في واشنطن. وفي إحدى رسائله على منصته الاجتماعية، كشف بعض تفاصيل الوثيقة المقترحة: رفع فوري للحصار مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وتدمير اليورانيوم الإيراني المخصب على يد الأميركيين تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى الإبقاء على الأصول الإيرانية المجمدة من دون صرف حتى إشعار آخر. إلا أنه خرج من الاجتماع من دون إعلان أي قرار في ذلك اليوم، مؤكداً أكثر من مرة أنه لن يوقع اتفاقاً لا يحترم «الخطوط الحمراء» التي حددها.
في المقابل، كثّف الإيرانيون نفيهم لكل ما أعلنه ترامب، عبر معلومات نقلتها مصادر إلى وسائل إعلام رسمية إيرانية، ولا سيما القريبة من الحرس الثوري، بدلاً من إصدار بيانات رسمية. ووفق هذه المصادر، لا يتضمن بروتوكول التفاهم أي حديث عن تدمير البرنامج النووي، كما أن مضيق هرمز سيبقى تحت إدارة مشتركة إيرانية-عُمانية. وقد دفع ذلك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى توجيه تهديد لسلطنة عُمان، ملوحاً بـ«إجراءات عقابية» إذا شاركت مع إيران في تحصيل رسوم عبور من السفن.
وهكذا يبقى مضيق هرمز، وفق المعلومات المتداولة، نقطة الخلاف الرئيسية، إلى جانب قضية الأصول المجمدة والعقوبات التي يصر الأميركيون على رفعها تدريجياً فقط. وبعد أسبوع من الرسائل المتناقضة، يبدو طرفا هذه المسرحية الطويلة عالقين في طريق مسدود.
ويواجه الرئيس الأميركي وفريقه ضغوطاً متزايدة بسبب هذه الحرب غير الشعبية في الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود، لكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون القبول باتفاق قد يُنظر إليه كتراجع مقارنة بالوضع الذي سبق الحرب في 28 شباط/فبراير، أو مقارنة بالاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما. وخلال مقابلة هذا الأسبوع، أكد ترامب، رداً على سؤال حول تأثير انتخابات منتصف الولاية، أن الاستحقاقات الديمقراطية لن تثنيه عن هدفه المتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
أما إيران، فتبدو غارقة في صراعاتها الداخلية، فيما يزداد اتخاذ القرار فيها تعقيداً، رغم تكرار التصريحات المنسوبة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي يبدو أكثر غموضاً من أي وقت مضى. ولا يزال الجناح المتشدد في النظام قادراً على تعطيل أي اتفاق عبر التشدد في بعض الملفات، وعلى رأسها إعادة فتح مضيق هرمز. كما أن شبح انتفاضة شعبية جديدة ناجمة عن الأزمة الاقتصادية الخانقة يثير قلق الحرس الثوري. ومع عودة الإنترنت جزئياً إلى إيران، بدأت تنتشر عبر حسابات المعارضين في الخارج مقاطع فيديو لتظاهرات واسعة، إلى جانب معلومات عن حملة قمع عنيفة ضد المشاركين فيها. كما استمرت التقارير عن إعدام المعارضين، حيث كُشف هذا الأسبوع عن ملاحقة شقيقين كرديين وقتلهما بعد اتهامهما بالضلوع في احتجاجات كانون الثاني/يناير.
ميدانياً، ورغم ترجيح احتمال التوصل إلى اتفاق، لم تخلُ الساحة من الحوادث الأمنية. فقد سُمعت انفجارات يوم الخميس في ميناء بندر عباس الإيراني، كما أصابت صواريخ إيرانية سفناً حاولت عبور مضيق هرمز. كذلك تعرضت الكويت لهجمات صاروخية إيرانية قالت قوات الحرس الثوري إنها استهدفت قاعدة أميركية. ومع ذلك، لم تصل أي من هذه الحوادث إلى مستوى التصعيد الشامل، وإن عكست هشاشة الهدنة الحالية.
قلق إسرائيلي
لم يطغِ الاتفاق المرتقب بين إيران والولايات المتحدة على البعد اللبناني للنزاع. فالتصريحات الصادرة عن الطرفين لا تتفق تقريباً إلا على نقطة واحدة: أن تمديد وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية يجب أن يترافق مع وقف فعلي للأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله على الجبهة اللبنانية. وتزايدت في الصحافة الإسرائيلية المؤشرات إلى قلق من احتمال توقف العملية العسكرية في جنوب لبنان قبل تحقيق هدف تفكيك حزب الله. في المقابل، استغل الحزب هذه الأجواء ليهاجم، عبر نوابه، المفاوضات المباشرة التي تجريها السلطات اللبنانية مع إسرائيل، مؤكداً أن المفاوضات مع إيران وحدها قادرة على فرض وقف إطلاق نار حقيقي.
ومن أسباب القلق الإسرائيلية أيضاً أن التسريبات المتعلقة بالاتفاق الإيراني-الأميركي لم تتطرق إلى ملفي النفوذ الإقليمي الإيراني عبر أذرعه المسلحة أو مصير الصواريخ الباليستية الإيرانية. وخلال الأسبوع، أعلن حزب الله العراقي رفضه تسليم سلاحه للدولة العراقية، وسعيه إلى تعزيز قدراته العسكرية.
قلعة الشقيف تحت السيطرة الإسرائيلية
على الجبهة اللبنانية، تميز الأسبوع بتقدم واضح للجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني. وتشير المعلومات إلى أن الجيش الإسرائيلي تجاوز نهر الليطاني شمالاً بعد تشييد خمسة جسور لأغراض عسكرية.
كما شهد الأسبوع عاملين أساسيين: المفاوضات العسكرية اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، والتصعيد غير المسبوق في جنوب لبنان والبقاع. وقد استمرت المحادثات التي جرت في البنتاغون أكثر من عشر ساعات، من دون أن تفضي إلى أي اختراق، بحسب ما أجمعت عليه الصحافتان اللبنانية والإسرائيلية.
وبحسب الجيش اللبناني، لا يمكن تحقيق تقدم من دون وقف القتال، فيما تعتبر إسرائيل أن الجانب اللبناني لا يمتلك جميع أوراق القرار. ومع ذلك، وصفت واشنطن الاجتماع بأنه «بنّاء»، مؤكدة استمرار المفاوضات، على أن تشهد الأيام المقبلة جولة جديدة من المحادثات السياسية في واشنطن يومي 2 و3 حزيران/يونيو.
وتجري هذه المفاوضات تحت وطأة القصف الإسرائيلي وتصعيد حزب الله، ما يجعلها شديدة الصعوبة. وقد شدد رئيس الحكومة نواف سلام السبت على هذه النقطة، معتبراً أن «المفاوضات تبقى الطريق الأقل كلفة» بالنسبة للبنان، رغم انتقاده التدمير الممنهج للجنوب.

على هذه الخريطة التي أعدّتها الأمم المتحدة، يمكن بوضوح ملاحظة الموقع الاستراتيجي لقلعة الشقيف، التي تُستخدم كنقطة مراقبة على الجانب اللبناني، وتمتدّ قدرتها على الرصد شرقاً نحو الجولان المحتل و«إصبع الجليل». (الأمم المتحدة)
أما الجنوب اللبناني، فما زال يشتعل. فقد أعلنت إسرائيل الأحد السيطرة على قلعة الشقيف ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، وتتجه نحو إحكام سيطرتها على منطقة النبطية، في خطوة من شأنها قطع خطوط الإمداد بين جنوب لبنان والبقاع وإعادة تشكيل الشريط الحدودي السابق لعام 2000، ولكن من دون سكانه هذه المرة. كما توحي أوامر الإخلاء المتكررة شمال الزهراني باحتمال توسيع رقعة الاحتلال خلال الأيام المقبلة. وفي هذا السياق، أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني انسحابها من مدينة صور والتمركز في صيدا.
في المقابل، كثف حزب الله هجماته، مستأنفاً إطلاق الصواريخ نحو عمق شمال إسرائيل، ومؤكداً في بياناته خوض معارك عنيفة، خصوصاً في محيط النبطية. وقد دفعت هذه الهجمات السلطات الإسرائيلية إلى تشديد إجراءاتها في الشمال عبر إغلاق المدارس والشواطئ، وطلب تجهيز مركز طبي تحت الأرض في أحد المستشفيات. كما نقلت القناة 13 الإسرائيلية عن مصادر عسكرية دهشتها من حجم الرد الذي ينفذه حزب الله، مشددة على أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان يشكل شرطاً أساسياً لأي مفاوضات لاحقة.
وشهد الأسبوع أيضاً تصاعد المخاوف على التراث اللبناني، وفي مقدمته قلعة الشقيف التي تعرضت مباشرة للقصف الصاروخي. وقد دفع ذلك وزير الخارجية جو رجّي ووزير الثقافة غسان سلامة إلى المطالبة بحماية دولية للمواقع الأثرية، ولا سيما آثار مدينة صور.
وفي مواجهة هذا التصعيد، أعلن وزير الخارجية الفرنسي Jean-Noël Barrot أن فرنسا ستطلب عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي لبحث التطورات في لبنان، على أن يُعقد الاجتماع يوم الاثنين وفق مصادر دبلوماسية.
نداءات صور والنبطية
ومن التطورات البارزة أيضاً هذا الأسبوع صدور نداءين من أكثر من مئة مثقف في صور ومثلهم في النبطية، دعوا فيهما إلى نزع الطابع العسكري عن المنطقتين الغنيتين بالتراث ووضعهما تحت السلطة الحصرية للدولة اللبنانية بهدف حمايتهما. وقد عُدّت هذه الخطوة مؤشراً إلى تغير ملموس في مزاج سكان الجنوب، ما أثار استياء حزب الله.
وباختصار، لا شيء يوحي بانخفاض التوتر في الجنوب خلال الأسبوع المقبل. فقد أكد رئيس الأركان الإسرائيلي ايال زامير الأحد أن «العملية في لبنان لم تنتهِ بعد»، فيما تحدث كل من بنيامين نتنياهو و يسراييل كاتزعن احتمال توسيع العمليات العسكرية، معتبرين أن السيطرة على قلعة الشقيف ليست سوى مرحلة ضمن عمليات أوسع قد لا تقتصر مستقبلاً على جنوب لبنان.
ويبدو أن طرفي المواجهة على الجبهة اللبنانية يتسابقان مع الوقت في ظل احتمال التوصل إلى اتفاق أميركي-إيراني. فبينما تسعى إسرائيل إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية، يحاول حزب الله الصمود أملاً في الوصول إلى وقف لإطلاق النار.