شعار Levant Time

أساسيات الأسبوع

تلة علي الطاهر والحوثيون في صدارة الأحداث
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
أغسطس 16, 2026 - 23:46

فيما تراوح المفاوضات الإيرانية-الأميركية مكانها وسط تصريحات شديدة اللهجة من الجانبين، شهدت جبهة جنوب لبنان بين إسرائيل وحزب الله هذا الأسبوع تصعيدًا تدريجيًا بلغ ذروته يوم السبت، ما قد ينذر بتطورات يصعب التنبؤ بها خلال الأيام المقبلة. كان الأسبوع المنصرم، بين 10 و16 آب/أغسطس 2026، مرادفًا في جنوب لبنان لتصعيد متدرج بلغ ذروته في السبت الدامي، 15 آب. مشهد يعيد إلى الأذهان ما سبق أن شهده لبنان، مع انتقال مركز ثقل صراع إقليمي إلى بلد صغير، في وقت تحل فيه، على الجبهة الرئيسية في إيران، حدة الكلمات المتبادلة بين المتحاربين الإيرانيين والأميركيين محل حدة الأفعال... حتى الآن. وهكذا، كان جنوب لبنان مسرحًا لتصعيد إسرائيلي متزايد مع توالي أيام الأسبوع. وهي أيضًا المرة الأولى منذ وقف إطلاق النار النسبي في حزيران/يونيو الماضي التي تتحدث فيها إسرائيل عن عمليات نفذها حزب الله ضد جنودها، رغم أن الميليشيا الشيعية لم تتبنَّ هذه العمليات، ولا تزال تتظاهر باحترام الهدنة. واستمر استهداف علي الطاهر طوال الأسبوع بشكل مكثف ومنتظم من جانب الإسرائيليين، وصولًا إلى يوم السبت الذي كان دامياً بصورة خاصة. ففي ذلك اليوم، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف قياديين بارزين في حزب الله، هما علي فخر الدين في دير الزهراني، وعلي الحاج حسن (من قوة الرضوان النخبوية)، الذي قُتل مع أفراد عائلته في مقر عسكري لحزب الله في أنصار (على تخوم صيدا، أي في موقع متقدم جدًا نحو الشمال). وأسفرت ضربات ذلك اليوم عن مقتل 11 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وإصابة نحو عشرين آخرين. وفي معرض تبريره لهذه الضربات، أشار الجيش الإسرائيلي إلى عملية استهدفت جنوده في «المنطقة الصفراء» (التي يحتلها في الجنوب)، في منطقة علي الطاهر. ولم يؤكد حزب الله شيئًا، لكنه أصدر السبت بيانًا تضمن تهديدًا بـ«رد مناسب» في حال استمرار الانتهاكات. وتعزز الانطباع بأن تلة علي الطاهر، التي باتت شهيرة، تشكل نقطة عصبية في الصراع، بعد تصريحات أدلى بها السبت رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف، كبير المفاوضين، أكد فيها أنه «على اتصال بالمقاتلين في الخطوط الأمامية في علي الطاهر». ولا تكشف هذه التصريحات عن رغبة إيرانية في الإبقاء على هيمنتها على لبنان عبر حزب الله فحسب، بل تدفع أيضًا إلى التساؤل عما إذا كان قاليباف يتحدث عن مقاتلين لبنانيين فقط، أم أن هؤلاء يحظون بمساندة ضباط كبار في الحرس الثوري الإيراني، كما تتردد شائعات منذ بداية هذا الصراع. وإلى أي مدى تبدو إيران مستعدة للذهاب في دعم حزب الله في مواجهة غير متكافئة إلى هذا الحد مع إسرائيل؟ تصعيد كلامي بين حزب الله والولايات المتحدة ومن أبرز أحداث الأسبوع أيضًا التصعيد الكلامي بين عدد من كبار المسؤولين الأميركيين وحزب الله. وقد بلغ هذا التصعيد ذروته مع تصريح للسفير الأميركي ميشال عيسى، الجمعة، شدد فيه، ردًا على سؤال صحافي، على أن عمليات التدمير الإسرائيلية لن تتوقف إلا عندما يسلّم حزب الله سلاحه. ويوم الأحد، أكد مصدر في وزارة الخارجية الأميركية أن حزب الله «يتحمل وحده مسؤولية» الوضع الذي وصل إليه البلد. وقد استدعت تصريحات ميشال عيسى ردًا شبه فوري من الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي شنّ، في خطاب شديد اللهجة الجمعة، هجومًا على السلطات اللبنانية، متهمًا إياها بالقبول بـ«الإذلال» والانصياع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية. وطالبها بـ«التوقف عن مراكمة الإخفاقات»، معتبرًا أن جميع جولات التفاوض مع إسرائيل لم تحقق أي فائدة للبنان. كما أعاد تسليط الضوء على الدور الإيراني، معتبرًا أن اتفاق إسلام آباد وحده (والذي بات اليوم في حكم الميت سريريًا) هو الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار في البلاد. وجاء بيان أصدره حزب الله السبت، عقب الضربتين الإسرائيليتين الداميتين، متناغمًا مع هذا الخطاب، إذ أكد أن الرهان على الأميركيين وعلى الضمانات التي يقدمونها يشكل «فشلًا مؤكدًا». كما شهد الأسبوع المنصرم سجالًا بين الإسرائيليين والأميركيين بشأن لبنان. وتجلى ذلك بصورة أساسية في رد أميركي غاضب على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن جيشه «لن ينسحب» من جنوب لبنان. واعتبرت واشنطن أن مثل هذه التصريحات تعرّض المفاوضات بين لبنان والدولة العبرية للخطر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوفد ممثله (وصهره) جاريد كوشنر إلى المنطقة. ومن المرتقب أن يتوجه خلال الأيام القليلة المقبلة إلى إسرائيل لإجراء محادثات تتركز على غزة، لكنها قد تتناول أيضًا، على الأرجح، الوضع في لبنان. وشهد الأسبوع المنصرم كذلك جولة قام بها الفريق جوزف كليرفيلد، الذي يرأس لجنة مراقبة وقف إطلاق النار (المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024) برئاسة الولايات المتحدة، على عدد من المسؤولين اللبنانيين، وكان يرافقه السفير عيسى. وبحث الضابط الأميركي مع محاوريه المفاوضات الثلاثية، في ضوء زيارة كان قد أجراها إلى إسرائيل في الأسبوع السابق. على الجبهة الأخرى: مضيق هرمز أما على جبهة الصراع الأميركي-الإيراني، فلم تُسجّل تطورات كبرى هذا الأسبوع، لا على مستوى المواجهة المسلحة ولا على صعيد المفاوضات المباشرة (التي لا تزال معدومة)، وذلك قبل أيام قليلة من انتهاء مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري الذي وقعته الدولتان في إسلام آباد في حزيران/يونيو. وبالتالي، يبدو الأسبوع المقبل مفتوحًا على جميع الاحتمالات. وفي صلب الاهتمام، مضيق هرمز. فقد انتهى الأسبوع على وعود بالتوصل إلى اتفاق إيراني-عُماني بشأن إدارة المضيق، في تناقض مع التصريحات الحربية الصادرة عن الجانبين. وقد أكد الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أن المنطقة تخضع بالكامل للسيطرة الأميركية، وأن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية محكم. من جهتهم، كثّف الإيرانيون تصريحاتهم الاستفزازية تجاه الأميركيين. وكان آخرها، الأحد، تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده لا تعتزم في الوقت الراهن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. وهكذا، لا ينفك الإيرانيون يتصرفون كمنتصرين، فيما يواصلون بهدوء قمعهم الداخلي الوحشي من خلال تكثيف عمليات إعدام المعارضين، ولا سيما الشباب وحتى المراهقين. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، الذي لا يزال غائبًا عن الظهور العلني، أجرى الثلاثاء ستة تعيينات رئيسية في الجهازين العسكري والأمني الإيرانيين. وقد اعتبر المراقبون هذه التغييرات تعزيزًا لهيمنة الحرس الثوري الإيراني على المناصب الدفاعية الأساسية، ما يعزز الانطباع بوجود توجه نحو مزيد من التشدد في ظل استمرار التوترات الإقليمية. وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن جبهة الحوثيين اليمنيين بقيت نشطة جدًا هذا الأسبوع. فإلى جانب عدة هجمات شنها الحوثيون في البحر الأحمر (تضاف إلى الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز)، وقعت ضربات كبيرة استهدفت مصفاة تابعة لعملاق النفط السعودي أرامكو، فضلًا عن ميناء تسيطر عليه القوات اليمنية الرسمية المدعومة من المملكة العربية السعودية.

اهمال أميركي مقلق إزاء اعتداءات التيار المتشدّد الإيراني

أبدت إدارة ترامب خلال الأسبوع الماضي سلبيةً مثيرةً للقلق وغير معهودة، إزاء اعتداءات الجناح المتشدد في النظام الإيراني وأذرعه (وما يبديه من غطرسة)، سواءً في مضيق هرمز أو على الجبهة التي فتحتها ميليشيا الحوثيين اليمنية الموالية لإيران ضد المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق جاء هذا الأسبوع إبرامُ ميثاق الدفاع المشترك الذي جمع المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، والذي يُنظر إليه بوصفه نوعاً من حلف ناتو سني في مواجهة إيران. لعل أبرز ما طبع الأسبوع الماضي في منطقة الشرق الأوسط صورةٌ بعينها: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهم يوقعون يوم الجمعة في مكة المكرمة - ذات الرمزية العالية - ميثاقَ الدفاع المشترك. يصعب ألا يُرى في هذا الميثاق تحالفاً للقوى السنية في مواجهة نظام الملالي، الذي أنهكته الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، غير أنه لا يزال يمتلك قدرةً على الإيذاء لا يستهان بها، تجلّت في هجماته على جيرانه العرب، فضلاً عن السلوك العدواني لأذرعه. جاء التوقيع على هذا الميثاق الدفاعي الثلاثي متزامناً مع تصعيد الجبهة اليمنية ضد المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، ومع الحصار الذي تسعى ميليشيا الحوثيين الموالية لإيران إلى فرضه على الموانئ السعودية. باتت هذه التحالف الجديد أولويةً للدول الموقِّعة أيضاً، لأن الحليف الأمريكي يبدو راغباً في إيجاد مخرج لا يكون مُخزياً بشكل مُفرط، يتيح له الانسحاب الكامل من الصراع مع إيران وصون مصالحه الخاصة. إن تأكد هذا الانسحاب الأمريكي الذي يلوح في الأفق فعلياً على أرض الواقع - وهذا ما لا يزال بحاجة إلى إثبات في المرحلة الراهنة - فذلك يعني أن إدارة ترامب تكون قد رفعت الراية البيضاء عملياً أمام النظام الإيراني، وأن جناحه المتشدد سيحظى بكل الحرية لاستعادة عافيته وإعادة بناء منظومته العسكرية وبنيته التحتية، الاقتصادية منها، وقبل كل شيء النووية والصاروخية الباليستية. أبعاد ميثاق الدفاع بالعودة إلى الميثاق الدفاعي الثلاثي، فهو يحمل رسائل في اتجاهات متعددة. سارعت أنقرة إلى التأكيد على أن هذا التحالف ليس موجهاً ضد أحد، كما شدد الرياض على أنه لا صلة له بأي طموح نووي - ذلك أن باكستان دولة نووية، وأن وزير الطاقة الأمريكي كان قد أعلن مؤخراً عن اتفاق وشيك مع المملكة في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو ما اشترطه الرئيس الأمريكي بتحقيق السلام مع إسرائيل. ينبغي رصد مسار هذا التحالف التاريخي عن كثب في الأسابيع والأشهر القادمة، لا سيما أن الموقّعين يتحدثون عن «الردع»: بأي وسائل، وفي مواجهة من؟ أكد الموقّعون الثلاثة أيضاً أن الانضمام إلى الميثاق مفتوح أمام دول أخرى. وقد أفادت وكالة فرانس برس بأن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن يوم السبت أن مصر قد تنضم قريباً إلى هذا التحالف الجديد. لا أفق لإعادة فتح مضيق هرمز جاء التوقيع على الميثاق يوم الجمعة في ختام أسبوع من الهدنة، أو بالأحرى من الخمول الأمريكي على الصعيد العسكري. ولم يحُل ذلك دون مواصلة نظام الملالي وحليفه اليمني الحوثيين اعتداءاتهم. مدمرة صاروخية تُجري دورياتها في منطقة عمليات الأسطول الأمريكي الخامس في الخليج. (سنتكوم) وقد شنّ الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) هجوماً في نهاية الأسبوع على ناقلة نفط تابعة للإمارات العربية المتحدة في مضيق هرمز، وفي غضون الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، شنّ الحوثيون أولاً هجوماً على منشأة تكرير تابعة لأرامكو في المملكة العربية السعودية، ثم أطلقوا يوم السبت صواريخ وطائرات مسيّرة عدة مرات باتجاه منطقة ميناء المخا اليمني، مستهدفين المنشآت الميناوية والبنى التحتية المدنية على حدٍّ سواء، من مساكن ومستشفيات وغيرها. وأسفر هذا القصف، وفق حصيلة أولية، عن سقوط سبعة قتلى وخمسة وثلاثين جريحاً. وفي وقت متأخر من مساء السبت، استأنف الحوثيون قصفهم العنيف على منطقة ميناء المخا. وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات التي شُنّت خلال هذا الأسبوع على ناقلة النفط الإماراتية، ومصفاة أرامكو السعودية، ومواقع السلطة اليمنية الحليفة للمملكة العربية السعودية، لم تستدعِ أي ردّ فعل أمريكي. أما المفاوضات التي كان من المقرر استئنافها يوم الاثنين، كما أعلن الرئيس دونالد ترامب، في مقابل إلغاء عملية عسكرية أمريكية ضد إيران، فلم تجرِ قطّ، إذ رفض الإيرانيون أي تواصل مع الإدارة الأمريكية! الشروط الإيرانية المقدَّمة لواشنطن وفيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة افتراضية، أكد الحرس الثوري الإيراني في نهاية الأسبوع أن ذلك لا يرتبط باتفاق مع عُمان، بل يستلزم قبول الولايات المتحدة لشروطه، مُحيلاً بذلك الكرة إلى ملعب واشنطن التي ترفض فرض أي رسوم على المرور البحري. وتضمّنت الشروط الإيرانية المُعلنة يوم الجمعة: وقف جميع «التهديدات والإهانات الموجَّهة لإيران» (!)، وإنهاء جميع الحروب على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من محيط إيران، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء هذه الحرب، وإلغاء جميع العقوبات، وتحرير الأصول الإيرانية المجمَّدة. شابتان إيرانيتان تتناولان المثلجات أمام المصوّر خلال مهرجان عرض للأزياء، في مشهد لافت في طهران حيث يستمتع السكان بأجواء وقف إطلاق النار. (مرتضى نيكوبازل/NurPhoto عبر AFP) ويُعزى استمرار هذا الخطاب التصعيدي دون أي تغيير، على الأرجح، إلى أن التهديدات الأمريكية بقيت حبراً على ورق طوال الأسبوع، على الرغم من الهجمات الإيرانية المباشرة أو عبر الوكلاء على السفن في المضيق، التي بلغت ستة هجمات على الأقل، دون أي ردّ من الجانب العسكري الأمريكي. وفي هذا السياق، أفادت القناة 13 الإسرائيلية بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي يزور إسرائيل منذ نهاية الأسبوع، نقل إلى الحكومة الإسرائيلية رسالةً مفادها أن واشنطن تأمل في أن تُوقف الدولة العبرية عملياتها العسكرية في إيران ولبنان وغزة. وأكد المسؤولون الإسرائيليون في ردّهم أن إسرائيل لن تتردد في مهاجمة النظام الإيراني مباشرةً إذا استأنف بناء ترسانته النووية والباليستية. وختاماً لهذا الملف الإقليمي، تجدر الإشارة إلى أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عاد إلى الواجهة ثلاث مرات يوم السبت؛ إذ عقد اجتماعاً مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وعيّن محمد باقر ذو القدر مستشاراً سياسياً، قبل أن يُعيّن محسن رضائي، المخضرم في حرب العراق والرئيس الأسبق للحرس الثوري، ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي. المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في طريق مسدود كذلك شهد هذا الأسبوع تطورات لافتة على الجبهة اللبنانية؛ إذ جرى على مدى ثلاثة أيام، من الثلاثاء إلى الخميس، الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، للمرة الثانية في روما (في مقر السفارة الأمريكية) لا في واشنطن. لم تكن المرحلة السابعة لتبدأ في ظروف جيدة أصلاً، في ضوء التصريحات الإسرائيلية، ولا سيما تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي توحي بغياب أي نية حقيقية للانسحاب من لبنان. وإن كان السبب غير المُعلن يكمن في تشدد الخطاب استعداداً للانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، ورغبة نتنياهو في التحلل من كل ما من شأنه إغضاب الرأي العام وحلفائه من التيار المتشدد، فإن السبب الرسمي المُعلن هو الخشية من أن يستعيد حزب الله قدراته العسكرية في المناطق المُخلاة. كل ما تسرّب من محادثات روما يشير إلى غياب أي تقدم ملموس، وانعدام أي إجراءات عملية جديدة، في حين كان الهدف الرئيسي للوفد اللبناني تحديد مناطق نموذجية جديدة للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني (وفقاً للاتفاق الإطاري الموقع في يونيو). لدرجة أن الجولة المقبلة من المحادثات، المقررة مطلع سبتمبر، باتت في مهب الريح. وكان يمكن القول إن كل شيء ضاع (أو كاد)، لولا معلومة نشرتها وكالة رويترز يوم الجمعة، نقلاً عن «مسؤول لبناني» لم تكشف عن هويته. وبحسب هذا المسؤول، فإن لبنان وإسرائيل «اتفقا على قائمة مختصرة بالدول القادرة على إرسال قوات للتحقق من نزع سلاح حزب الله». ولم يُفصح عن أسماء الدول الواردة في القائمة، غير أن الوكالة أشارت إلى أن القرار النهائي يعود إلى الولايات المتحدة. في غضون ذلك، شهد جنوب لبنان تصعيداً حقيقياً خلال الأيام الأخيرة. ويواصل حزب الله التظاهر بالالتزام بوقف إطلاق النار، إلا أنه يبدو أنه استأنف عملياته بصورة غير رسمية. ويشهد على ذلك انفجار وقع في بلدة الطيبة أسفر هذا الأسبوع عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين. وهذا هو الانفجار الثاني في غضون أيام قليلة. ولم تتأخر الاستجابة الإسرائيلية؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ أسابيع، أمراً بإخلاء بلدة لبنانية جنوبية، هي بلدة المنصوري في منطقة صور، التي تعرضت منذ ذلك الحين لقصف شبه متواصل. والهجمات الإسرائيلية التي لم تتوقف فعلياً في أي وقت، تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم، ولا سيما في محيط ما يُقدَّم على أنه مجمع عسكري كبير لحزب الله على تلة علي الطاهر. والأكثر إثارة للقلق أن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية تستأنف نشاطها. وأبرزها هذا الأسبوع التوغل المتصاعد في منطقة قرية زوطر الشرقية، على مقربة من إحدى المناطق النموذجية التي أُخليت في يوليو وانتشر فيها الجيش اللبناني، وهي زوطر الغربية. ونتيجة ذلك، باتت القوتان على مسافة خطيرة إحداهما من الأخرى في الأيام الأخيرة، في وقت أُصيب فيه جندي لبناني بنيران إسرائيلية في المنصوري بينما كان يحاول إعادة فتح طريق.

للمرة التي لا تُحصى، ترامب يُلغي هجوم معلن عنه ضد إيران
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
أغسطس 3, 2026 - 00:57

مرةً أخرى، وللمرة التي لا تُحصى (فسوابق هذا النهج باتت لا تُعدّ ولا تُحصى!)، أعلن الرئيس دونالد ترامب فجر الأحد الثاني من أغسطس «إلغاءه» الهجومَ «الواسع النطاق» الذي كان يُقدَّم على أنه «وشيك الوقوع» ضد النظام الإيراني. في الأيام الأخيرة، أذكت الإدارة الأمريكية، في خضمّ حملة إعلامية صاخبة، أجواءً تُنبئ بهجوم واسع النطاق كان مقرراً خلال عطلة نهاية الأسبوع، تستهدف فيه البنية التحتية الطاقوية للجمهورية الإسلامية. وقد رافق الإعلانَ عن هذه العمليات العسكرية الكبرى تصريحاتٌ أطلقها الرئيس ترامب وكبار المسؤولين الأمريكيين، ندّدوا فيها بسلوك القيادة الإيرانية، وهاجموا بشدة مواقفها السلبية وما وصفوه بتصرفاتها الملتوية خلال محادثات التفاوض مع المفاوضين الأمريكيين. غير أن الرئيس ترامب تراجع فجأةً عن هذا الموقف المتشدد، وأعلن فجر الأحد إلغاء الهجوم «بناءً على طلب إيران» (!) وبعض دول المنطقة، مشيراً إلى أنه تم التوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً ودون عوائق... إلا أن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية سارعت إلى نفي أي اتفاق بشأن هذا الممر الاستراتيجي! لا بدّ من الاعتراف، بل والأسف الشديد، من أن هذه التراجعات المتكررة للرئيس ترامب، التي دفعته مراراً إلى التراجع في اللحظة الأخيرة بعد التهديد بضرب إيران، لا تنعكس إلا سلباً على مصداقيته، وتُقوّي في الوقت ذاته، وبصورة غير مباشرة، الجناح المتشدد داخل النظام الإيراني. وفي سياق إعلانه إلغاء الغارات المخططة، أكد رئيس البيت الأبيض مجدداً أنه «إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق في أقرب وقت، فسنشنّ أعنف الضربات التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية». غير أن الرأي العام بات أكثر ميلاً إلى عدم أخذ تهديدات الرئيس الأمريكي بجدية. وقد جاء هذا القرار المُعلَن على منصة التواصل الاجتماعي Truth Social ، في أعقاب أسبوع حافل بالتوترات والتطورات المتلاحقة. فقد عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء اجتماعاً مع الرئيس ترامب في واشنطن، على هامش مراسم تكريم السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام. وقد أعاد غيابُ المؤتمر الصحفي المشترك بين الرجلين إحياءَ التكهنات حول استمرار الخلافات بينهما. التهديدات الإيرانية على أي حال، بات جلياً مع مرور الوقت خلال هذا الأسبوع أن إسرائيل والولايات المتحدة تستعدان لشنّ هجوم جديد على إيران، في حين كانت الدولة العبرية قد أُقصيت من آخر تصعيد عسكري ضد طهران. وفي يوم السبت، كان الحديث يدور عن ضربات تستهدف المنشآت الطاقوية الإيرانية، وهي التهديدات ذاتها التي سبقت الهدنة الأولى التي أعلنها ترامب في الثامن من أبريل. وكانت السفارات الأمريكية في المنطقة قد حذّرت المواطنين يوم السبت من السفر إلى الشرق الأوسط. وتجدر الإشارة، في محاولة لتفسير تراجع الرئيس ترامب، إلى أن الإعلان عن إلغاء الهجوم جاء إثر اتصالات أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم السبت مع نظيريه السعودي والتركي، فضلاً عن قائد الجيش الباكستاني. وفي السياق ذاته، أطلق عراقجي تهديدات موجهة إلى الولايات المتحدة، محذراً الأمريكيين من «أي قرار متسرع». وفي الوقت نفسه، انخرطت مصادر الجناح المتشدد في النظام في عملية ابتزاز صريحة، مؤكدةً يوم السبت أنه إذا نفّذ الجيش الأمريكي تهديداته، فلن تنعم شعوب دول الخليج والأردن وإسرائيل بعد ذلك بأي استقرار. في سياق الابتزاز الإيراني هذا، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو مساء السبت، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أن «النظام الإيراني يجب أن يتغير، إذ إنه نظام لا يسعى إلى حكم بلاده بل إلى السيطرة على المنطقة بأسرها». وشدد روبيو على أنه «لا بد من إجبار القادة الإيرانيين على دفع ثمن باهظ جراء هذه الممارسات، حتى يتخلوا عن طموحاتهم الهيمنية». الملف العراقي وأسلحة حماس في كل الأحوال، أثبت النظام الإيراني مرة أخرى خلال الأيام الماضية قدرته على الإضرار عبر وكلائه. إذ فتح الحوثيون اليمنيون جبهة جديدة في البحر الأحمر، ولوّحوا بتهديد إغلاق مضيق آخر هو مضيق باب المندب كلياً. غير أنه بالإضافة إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، دخل طرف آخر على الخط هذا الأسبوع. إذ شنّت قوات الحشد الشعبي، الفصيل العراقي الموالي لإيران، ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي السعودية، مما أفضى إلى رد فعل أمريكي-سعودي مشترك مطلع الأسبوع ضد مواقع الفصيل داخل العراق. وعلى أي حال، ورغم تجديد السلطات العراقية تعهدها مرات عدة بمنع أي ضربات تنطلق من أراضيها، فإن الأردن هدّد في نهاية الأسبوع بضرب الفصائل العراقية الموالية لإيران إذا تعرضت أراضيه لأي استهداف مجدداً. وقد أكد توسّع رقعة الصراع هجومٌ غير مسبوق استهدف يوم الأربعاء ميناءً مصرياً، حيث ضُرب ناقل غاز تملكه شركة أمريكية، في سابقة تُعدّ الأولى من نوعها التي تجد فيها مصر نفسها متورطة في هذا الصراع. ومن أبرز المستجدات المتعلقة بحلفاء إيران في المنطقة: إعلان حركة حماس، التي باتت تحت قيادة خليل الحية، موافقتها على اتفاق يقضي بنزع سلاحها، ويتضمن وفق ما أعلنه الفصيل انسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية من القطاع. ويُفترض أن يتولى تنفيذ هذا الاتفاق مجلس السلام الذي أسسه ترامب في يناير الماضي. وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون استُقبل منتصف الأسبوع من قِبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة.

بالنسبة لحزب الله، الصراع الحالي هو امتداد لمعركة كربلاء!
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يوليو 27, 2026 - 00:34

اختُتم الأسبوع المنصرم، يوم الأحد، على تطورين بالغي الأهمية. أولهما تمثّل في زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى بغداد، حيث أجرى محادثات مع المسؤولين العراقيين ركّزت بصورة أساسية على الشأن الاقتصادي. ورافق رئيس الحكومة وزير الطاقة جو صدي، وقد ناقش مع نظيره العراقي إمكانية إدراج مصفاة طرابلس ضمن مشروع إعادة تشغيل خط الأنابيب الواصل بين العراق وسوريا بهدف تصدير النفط العراقي. وكانت سوريا والعراق قد وقّعا قبل أيام اتفاقاً بهذا الخصوص، فيما تسعى الحكومة اللبنانية إلى إعادة إحياء دور مصفاة طرابلس في هذا السياق. أما التطور الثاني، فيحمل بعداً سياسياً شاملاً يتجاوز الحدود الوطنية، ويتمثل في تبادل رسائل بين حزب الله والمرشد الأعلى الإيراني الغامض عصيّ الفهم مجتبى خامنئي. ويتبيّن من هذه الرسائل أن حزب الله جدّد تأكيد ولائه للمرشد الإيراني، مشدداً على أن الصراع الدائر حالياً في المنطقة هو «امتداد لمعركة كربلاء». كما أعاد الحزب التأكيد على عزمه مواصلة «المقاومة المسلحة»، مشدداً على «تضامنه الكامل مع إيران والحرس الثوري الإسلامي»، ومضيفاً أنه «يبقى بقيادة الشيخ نعيم قاسم» وأنه «وفيّ لقيادة مجتبى خامنئي». وفي سياق هذا التأكيد المتجدد على البيعة التي أعلنها حزب الله، نُسبت إلى مجتبى خامنئي رسالة موجّهة إلى الحزب، جاء فيها أن «الثبات على طريق المقاومة سيجلب النصر الإلهي الموعود للمجاهدين السائرين على طريق الحق». هدوء حذر على الجبهة الأميركية – الإيرانية على الصعيد العسكري، تشهد الجبهة الأميركية – الإيرانية منذ مساء الجمعة حالة من الهدوء الحذر. فبعد ثلاثة عشر يوماً متواصلة من الغارات الأميركية على الأراضي الإيرانية، والردود الإيرانية التي استهدفت دول الخليج المجاورة، مرّت ليلتا الجمعة والسبت بهدوء، في وقت تتصاعد فيه المواجهات على الجبهة اليمنية، فيما لا يزال جنوب لبنان، حتى الآن، بعيداً عن أي تصعيد كبير. وقد دخلت الحرب الأميركية على إيران مرحلة جديدة يبقى مستقبلها غامضاً. ففي حين كانت وتيرة التصعيد واضحة طوال الأيام الثلاثة عشر الماضية، مع القصف الأميركي المكثف داخل إيران واستمرار الردود الإيرانية على دول الخليج والأردن، شهد التوتر العسكري تراجعاً مفاجئاً اعتباراً من يوم الجمعة. وعاش الإيرانيون، صباح الأحد، الليلة الثانية على التوالي من الهدوء. وبحسب وسائل إعلام أميركية، فإن هذا الهدوء جاء نتيجة أمر أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الجمعة، فيما أوقفت إيران بدورها هجماتها الصاروخية على الدول المجاورة. وتطرح هذه التطورات جملة من التساؤلات في وسائل الإعلام: هل هذا الهدوء مؤقت أم أنه مرشح للاستمرار؟ وهل سيفضي إلى استئناف المفاوضات أم إلى تصعيد أكبر قد يصل إلى مواجهات برية؟ وما الأسباب الحقيقية التي دفعت الرئيس ترامب إلى اتخاذ هذا القرار؟ ويكتسب هذا السؤال الأخير أهمية خاصة، إذ ترى وسائل إعلام أميركية عدة، من بينها نيويورك تايمز وسي إن إن، أن الإدارة الأميركية تخشى تراجع مخزون صواريخ الاعتراض المستخدمة لحماية دول الخليج، كما تخشى اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط. أما ترامب، فما زال يواصل سياسة الجمع بين التصعيد والانفتاح. ففي الوقت الذي يؤكد فيه استعداده لتوجيه ضربات أشد قسوة إلى إيران، أعلن في المقابل أنه «يتحدث حالياً مع المسؤولين الإيرانيين»، معتبراً أنهم «باتوا أكثر جدية»، وذلك «لسبب واضح»، في إشارة إلى الضربات المدمرة التي نفذها سلاح الجو الأميركي داخل إيران.ويتناقض هذا الهدوء المفاجئ مع السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة. ففي الوقت الذي أُبعدت فيه إسرائيل عن الهجمات الأخيرة على إيران، بعدما كانت الشريك المفضل، إن لم تكن المحرّض الأساسي، في بداية هذه الحرب ضد إيران أواخر شهر شباط/فبراير، اتخذت السلطات الإسرائيلية خلال هذا الأسبوع إجراءات احترازية مشددة، مطالبة السكان بالبقاء على أهبة الاستعداد للنزول إلى الملاجئ في أي لحظة. كما علّقت عدة شركات طيران رحلاتها إلى تل أبيب خلال الأيام الماضية. وبحسب بعض المعلومات، كانت إسرائيل مستعدة لتنفيذ ضربات دقيقة داخل الأراضي الإيرانية، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حال دون ذلك. غير أن الحكومة الإسرائيلية صادقت، صباح الأحد، على تمديد حالة الطوارئ حتى الحادي عشر من آب/أغسطس. ومهما يكن، فإن محطة الأسبوع المقبل التي تستحق المتابعة عن كثب تتمثل في اللقاء المرتقب، يوم الثلاثاء في واشنطن، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي. وقد تأخر نتنياهو في الحصول على هذا الموعد، في مؤشر على استمرار التباينات بين الرجلين بشأن الحرب على إيران. فهل سينجح رئيس الوزراء الإسرائيلي في التأثير على خيارات شريكه الأميركي، علماً أن كليهما يواجه استحقاقات انتخابية داخلية حاسمة خلال الأشهر المقبلة؟ فبالنسبة إلى الرئيس ترامب، قد تشكل انتخابات التجديد النصفي تحدياً صعباً، بعدما أثرت الزيادة في أسعار النفط وارتفاع معدلات التضخم، المرتبطان بالحرب على إيران، سلباً على شعبيته. أما نتنياهو، فهو يخوض مرة جديدة معركة مصيره السياسي. ومع ذلك، فإن هذه الخلافات والحسابات لا تبدّل الكثير في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. وقد عزّز هذا الاستنتاج تطور شهدته الساحة هذا الأسبوع، إذ أعلن وزير الطاقة الأميركي، يوم الخميس، قرب التوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية لتطوير برنامج نووي مدني، الأمر الذي أثار قلق عدد من النواب الديمقراطيين وأوساط إسرائيلية، خشية أن يؤدي ذلك إلى سباق جديد نحو التسلح النووي في الشرق الأوسط. وفي اليوم نفسه، نشر الرئيس ترامب رسالة على منصته Truth Social حملت مضموناً لافتاً، أكد فيها أن هذا الاتفاق مع السعودية لا يمكن أن يرى النور إلا إذا اعترفت المملكة بإسرائيل وانضمت إلى اتفاقيات أبراهام التي سبق أن وقعتها عدة دول خليجية. وقد قوبل هذا الموقف بارتياح في إسرائيل، حيث اعتبر نتنياهو أن ذلك سيكون «تطوراً تاريخياً». أما من الجانب السعودي، فقد ساد الصمت. أول انتشار شاق للجيش اللبناني في جنوب لبنان على الأرض، يتضح أنه في حين التزمت إيران بهذه الهدنة الضمنية مع الولايات المتحدة، وامتنعت عن إطلاق صواريخها وطائراتها المسيّرة طوال يومين، فإن الجبهة اليمنية، حيث ينشط الحوثيون الموالون لإيران، لا تزال تشهد تصعيداً متواصلاً. فقد اتسمت تحركات الحوثيين طوال الأسبوع بطابع تصعيدي، إذ وجّهوا صواريخهم نحو المملكة العربية السعودية، في سابقة هي الأولى منذ عام 2022، كما زادوا من تعقيد حركة الملاحة في البحر الأحمر. واستهدف الحوثيون خلال الأسبوع ناقلتي نفط سعوديتين، بينما أكدت السلطات السعودية إصابة ناقلة واحدة فقط. وردّت الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من السعودية بشن هجمات على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ويبدو أن هذه الجبهة اليمنية، التي فعّلتها إيران، باتت في الوقت الراهن تتقدم على جبهة جنوب لبنان. فحزب الله لا يزال يمتنع عن الرد على العمليات الإسرائيلية المتواصلة في المناطق المحتلة وحتى خارجها. ورغم تأكيد مسؤولي الحزب التزامهم بوقف إطلاق النار، ولا سيما ذلك الذي تفاوضت عليه إيران ضمن مسار إسلام آباد، وليس الاتفاق الذي توصلت إليه السلطات اللبنانية مباشرة مع الإسرائيليين في الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن، فإن قيادة الحزب تأخذ في الاعتبار حالة الإرهاق التي تعاني منها قواتها، وكذلك، والأهم، حالة الإنهاك التي يعيشها جمهورها، في ظل استمرار نزوح قسم كبير منه. وفي جنوب لبنان أيضاً، شهد الأسبوع حدثاً مفصلياً على صلة بالاتفاق الإطاري اللبناني – الإسرائيلي، تمثل في انتشار الجيش اللبناني، يوم الثلاثاء، داخل بلدة زوطر الغربية الواقعة على أطراف المنطقة المحتلة. ولم يخلُ دخول الجيش اللبناني إلى البلدة من التوتر، إذ أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه الجنود اللبنانيين، من دون أن يسفر ذلك عن إصابات، مدعياً أن الآليات العسكرية اللبنانية تجاوزت حدود المنطقة المحددة. إلا أن الجيش اللبناني نفى هذه المزاعم نفياً قاطعاً. عون في واشنطن ومع ذلك، تواصل السلطات اللبنانية، رغم الانتقادات المتكررة التي يوجهها إليها المحور الإيراني، السير في طريق البحث عن سلام دائم. وقد تجلّى ذلك في الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، يوم الأربعاء، إلى بلدة زوطر الغربية، حيث رفع العلم اللبناني في البلدة ووجّه رسالة طمأنة إلى أبناء الجنوب، مؤكداً التزام الدولة بالوقوف إلى جانبهم. وجاءت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في اليوم التالي لتعزز هذا الانطباع. وتكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية بالنسبة إلى سكان المناطق المنكوبة. وقد كانت ردود فعل أهالي زوطر، عند معاينتهم حجم الدمار بعد السماح لهم بالدخول لتفقد منازلهم عقب انتشار الجيش، مؤثرة إلى حد بعيد. غير أن الحدث الأبرز هذا الأسبوع في سياق استعادة هيبة الدولة جرى في واشنطن. فقد وصل الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى الولايات المتحدة منذ يوم السبت، حيث خضع لبرنامج حافل من اللقاءات مع مسؤولين أميركيين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد، قبل أن يستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، في البيت الأبيض. وعلى صعيد الشكل، أظهرت المؤتمر الصحافي المشترك بين الرئيسين انسجاماً واضحاً بينهما، فيما حملت الرسائل الصادرة عنهما مؤشرات إلى تطور إيجابي في العلاقات الثنائية. أما على مستوى المضمون، فقد جاءت المؤشرات إيجابية أيضاً. ففي مساء اليوم نفسه، أعلن الرئيس الأميركي خطوة رمزية لكنها ذات دلالة كبيرة، تمثلت في استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة وبيروت، بعد انقطاع دام أكثر من أربعين عاماً. من جهته، أعرب الرئيس اللبناني في أكثر من مناسبة عقب هذا اللقاء عن ثقته بأن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. وصحيح أن الشكوك لا تزال قائمة وأن التحديات تبقى جسيمة، إلا أن موعد واشنطن لم يكن فرصة ضائعة. وكما كان متوقعاً، حظيت زيارة الرئيس إلى العاصمة الأميركية وأداؤه خلالها بدعم واسع داخل الطبقة السياسية اللبنانية. حتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس حركة أمل الحليفة لحزب الله، والذي كان قد ابتعد في الأسابيع الأخيرة عن بعض خيارات الرئيس، بادر إلى الاتصال به فور عودته إلى لبنان. أما حزب الله، فواصل هجومه العنيف على الرئيس عون. ففي بيان شديد اللهجة صدر يوم الخميس، اتهم الحزب رئيس الجمهورية بأنه «فشل في انتزاع أي مطلب وطني سيادي»، معتبراً أنه «لم ينجح في الحصول على أي التزام أميركي بانسحاب إسرائيلي». وعلى هذا الصعيد أيضاً، يبدو أن الحزب يزداد عزلة يوماً بعد يوم. وقد تلقى الرئيس، يوم السبت، جرعة إضافية من الدعم خلال قداس تطويب «أبي لبنان الكبير»، البطريرك إلياس الحويك، الذي أقيم في المقر الصيفي للبطريركية المارونية في الديمان (قضاء بشري، شمال لبنان)، من خلال المواقف التي أعلنها البطريرك الماروني بشارة الراعي. وفي هذا الاحتفال الديني والسياسي، الذي جمع شخصيات من مختلف الطوائف اللبنانية، باستثناء لافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري، أشاد البطريرك الراعي «بالإشارات الإيجابية» التي أفرزها لقاء واشنطن، وجدّد دعمه لرئيس الجمهورية.

أيام لبنانية في واشنطن، عون في وزارة الخارجية الأمريكية
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يوليو 20, 2026 - 00:04

وصل الرئيس اللبناني جوزيف عون السبت إلى واشنطن، حيث سيلتقي الثلاثاء بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وعلى الصعيد الإقليمي، كثّفت الولايات المتحدة خلال الأسبوع المنصرم ضرباتها على مواقع الحرس الثوري الإيراني وبنيته التحتية، فردّ الأخير بشنّ هجمات على دول الخليج (!)، فيما عادت الميليشيا اليمنية الحوثية الموالية لإيران إلى المشهد من جديد. في نهاية هذا الأسبوع، تركّزت الأنظار على الصعيد اللبناني نحو آفاق الزيارة (المنتظرة منذ أمد بعيد) التي يؤدّيها الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن. فقد وصل رئيس الجمهورية السبت إلى العاصمة الفيدرالية مرفوقاً بقرينته ومستشاريه، وعقد بعد ظهر الأحد (بتوقيت بيروت) اجتماعاً في وزارة الخارجية الأمريكية مع وزير الخارجية ماركو روبيو. وسيلتقي عدداً من المسؤولين الأمريكيين قبل موعده المرتقب الثلاثاء مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض. استمر اجتماع الرئيس جوزيف عون بوزير الخارجية ساعةً ونصف الساعة، وأكد رئيس الجمهورية خلاله أهمية الإسراع في تحديد المناطق التجريبية التي ينبغي على الجيش الإسرائيلي الانسحاب منها، تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني فيها. وجدّد روبيو التزام الولايات المتحدة بالعمل على تطبيق مضمون الإطار الاتفاقي المبرم بين لبنان وإسرائيل، كما أثنى على الجهود التي يبذلها الرئيس عون وحكومة سلام لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية وتفكيك ميليشيا حزب الله. في هذا السياق، أشارت مصادر نقلتها قناة الحدث الأحد إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إرساء «تحالف بين لبنان والعراق بهدف تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة»… وعلى أي حال، تكتسب هذه الزيارة الرسمية لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة، وهي الأولى منذ سنوات طويلة، أهمية استثنائية في ظل المستجدات الراهنة، ليس فحسب على الصعيد الداخلي، بل وبصورة أخص على المستوى الإقليمي. الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي عُقدت هذا الأسبوع في روما سجّلت تقدماً فعلياً على صعيد البدء في تطبيق الإطار الاتفاقي الموقّع في السادس والعشرين من يونيو بواشنطن. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد أعلن الثلاثاء من القدس أن الإسرائيليين «مستعدون للمضي قُدُماً» في تنفيذ المناطق التجريبية في جنوب لبنان. وقد وصف السفارة الأمريكية في لبنان يوم الأربعاء جلسات التفاوض الممتدة على يومين في روما بين المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين بأنها «مثمرة وإيجابية». غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل، إذ كان من المقرر مناقشتها الجمعة في إطار مشاورات تقنية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. إلا أن هذا اللقاء أُجّل، إذ يصرّ لبنان على أن تكون المناطق التجريبية قرىً يحتلها الإسرائيليون بوضوح، في حين تطالب تل أبيب بضمانات إضافية تتعلق بالتدمير المنهجي لكامل البنية التحتية لحزب الله في المناطق التي ستُسلَّم للجيش اللبناني، وقد تقدّم الإسرائيليون بمطالب في هذا الشأن إلى الجانب الأمريكي. وفي كل الأحوال، لا يقتصر وضع «الغموض» على اللبنانيين وحدهم. فالعلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب ليست في أحسن أحوالها؛ إذ نقلت وسائل إعلام إسرائيلية هذا الأسبوع معلومات تفيد بأن نتنياهو يعتزم زيارة واشنطن قريباً للقاء رئيس البيت الأبيض، إلا أن الجانب الأمريكي نفى حصوله على موعد مؤكّد. بل أكثر من ذلك، تتصاعد الضغوط الأمريكية على نتنياهو، وفقاً لما أوردته وسيلة الإعلام Axios ، الذي كشف أن الرئيس ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال اتصال هاتفي جرى الخميس، إعادة انتشار جيشه في سوريا ولبنان. التصعيد في إيران على الأرض في جنوب لبنان، لم يعد حزب الله إلى المعارك حتى الآن، وإن كان ذلك لا يبدو سوى هدنة قصيرة الأمد. فبحسب تصريحات قياداته، فإن الميليشيا الموالية لإيران «لا تنوي العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الثاني من مارس». والمعنى واضح: لن يتحمل حزب الله الهجمات الإسرائيلية إلى أجل غير مسمى دون أن يرد عليها، في حين لم تتوقف الغارات وتفجير الأنفاق والبنية التحتية للميليشيا. ومما يعزز ذلك أن القوات المسلحة السورية ضبطت هذا الأسبوع شحنة كبيرة من الطائرات المسيّرة قادمة من إيران، كانت في طريقها إلى حزب الله. يبدو الحزب الشيعي في هذا السياق مُنهَكاً أكثر من أي وقت مضى، إذ بات جمهوره الشعبي إما نازحاً أو محاصراً في قرى غير صالحة للسكن. فضلاً عن ذلك، تتوالى جنازات المقاتلين عشرات المرات في قرى الجنوب منذ الهدوء النسبي الذي أعقب آخر وقف لإطلاق النار. غير أنه لا يمكن استبعاد أن يجرّ حزب الله قاعدته الشعبية ولبنان مجدداً إلى نزاع جديد، إذا وجدت إيران نفسها مرة أخرى في قلب تصعيد كبير. فالضربات الأمريكية على إيران تواصلت دون هوادة طوال الأسبوع، ولا شيء يلوح في الأفق يوقفها، لا سيما أن الجيش الأمريكي نشر 50 ألف جندي في المنطقة وأرسل تعزيزات جوية قادمة من أوروبا. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام هذا الأسبوع، أبلغ الرئيس ترامب الكونغرس في العاشر من يوليو باستئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، واصفاً إياها بأنها «ضربات دفاعية» و«محدودة النطاق»، وأنها جرى التخطيط لها بما يكفل تقليص الضحايا المدنيين إلى أدنى حد ممكن. وبما أن هذا الإخطار جاء بعد انقطاع ناجم عن وقف لإطلاق النار وتوقيع مذكرة تفاهم مع الجانب الإيراني في يونيو، فيمكن اعتبار التصعيد الراهن نزاعاً جديداً، مما يمنح الرئيس الأمريكي 60 يوماً من حرية التصرف قبل أن يضطر إلى استئذان الكونغرس، وفق ما تشير إليه التحليلات. أما على الجانب الإيراني، فيبدو أن الحرس الثوري بات يُمسك بزمام العمليات بشكل واضح. وحتى تصريحات كبار المفاوضين، رئيس البرلمان محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، اكتسبت حدة أشد، وإن كانا يتراجعان أمام أصوات المتشددين. وعليه، بادرت إيران يوم الجمعة إلى الإعلان عن تعليق مذكرة التفاهم المبرمة مع الولايات المتحدة. الخلافات داخل النظام الإيراني في خضم هذا السياق، تتكاثر الشائعات عن انقسامات عميقة داخل النظام الإيراني، ولا سيما أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لا يزال أشد غموضاً من أي وقت مضى، مما أفضى إلى نسب رسائل إليه دون إمكانية التحقق من مصدرها الفعلي. وآخر هذه الرسائل يتضمن تهديدات موجهة إلى الأمريكيين، يَعِدهم فيها السبت «بدرس لن ينسوه أبداً». أما طرفة الأسبوع، فتمثلت في تصريح «مصدر إيراني» لوكالة تاس الروسية يوم السبت، أفاد فيه بأن خامنئي لا ينوي الظهور علنياً حتى تنتهي الحرب مع الأمريكيين (!)، وأنه سيكتفي بإجراء اتصال هاتفي أو لقاء… مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في الوقت الراهن، يتولى الحرس الثوري الإيراني إصدار البيانات المتعلقة بالضربات التي تستهدف دول الخليج، وتشمل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين، وأخيراً الأردن. وباتت هذه الدول تتعرض يومياً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، على غرار السفن التي تعبر مضيق هرمز. وتطال الضربات الأمريكية داخل إيران، والضربات الإيرانية على الدول المجاورة، أهدافاً مدنية بشكل متزايد، لا سيما البنية التحتية للطاقة. وقد ندّدت دول الخليج السبت بهذه الضربات الإيرانية، واصفةً إياها بـ"جرائم الحرب". يبدو أن إيران تُبقي حزب الله بعيداً عن المواجهة في الوقت الحالي، في حين تسعى إلى استدراج الحوثيين اليمنيين إلى المعركة، مستخدمةً ورقة ضغط محتملة تتمثل في إغلاق ممر بحري آخر وهو مضيق باب المندب، إذا ما استُهدفت البنى التحتية الإيرانية على نطاق واسع. وقد شهد هذا السياق حادثةً يوم الاثنين، إذ ضربت الحكومة اليمنية الشرعية مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، بهدف استهداف طائرة قادمة من إيران كان على متنها ركاب شاركوا في تشييع جنازة علي خامنئي. وردّ الحوثيون بضرب مطار في المملكة العربية السعودية. غير أن الجبهة الحوثية لم تشتعل بعد بالمعنى الحقيقي للكلمة. زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن على خلفية هذا المشهد القاتم، ثمة بعض المؤشرات الإيجابية التي تلوح في الأفق. فمن جهة، لم يُغلق الأمريكيون الباب كلياً أمام المفاوضات، كما أكد ذلك الرئيس ترامب مراراً خلال هذا الأسبوع، مُوحياً برغبته في إجراء محادثات "في خضم الأزمة" بدلاً من الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وبطبيعة الحال، يصبح أي تصعيد في مثل هذه الظروف أشد خطورة. ففي ليلة السبت، لقي جنديان أمريكيان حتفهما في ضربة إيرانية على الأردن، مما يعني أن الأمور باتت تقترب بشكل مقلق من نقطة اللاعودة. ومن جهة أخرى، يبدو الإيرانيون رغم مواقفهم المتهورة حريصين على تفادي السيناريو الأكثر قتامة، وهو ما قد يفسّر امتناعهم حتى الآن عن توجيه أي هجوم ضد إسرائيل منذ استئناف الأعمال العدائية. وليس ذلك لغياب الرغبة الإسرائيلية في الانخراط بالمواجهة؛ إذ كشفت تسريبات إعلامية مساء السبت عن طلب إسرائيلي للمشاركة في الضربات على إيران، وهو طلب كان الأمريكيون قد رفضوه. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس ترامب عاد هذا الأسبوع للمطالبة بالموقف ذاته الذي طرحه على الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو التدخل في لبنان ضد حزب الله. وهذه التصريحات لم تترجم حتى الآن إلى إجراءات فعلية، لكن يبقى السؤال: إلى متى يستطيع الرئيس الشرع الصمود أمام الضغوط الأمريكية؟ تبقى العراق هي المحور الأبرز في الأحداث خلال الأيام الأخيرة. فقد استقبل الرئيس ترامب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي العيداني استقبالاً رسمياً حافلاً في البيت الأبيض هذا الأسبوع، وأُبرمت بين الطرفين اتفاقيات مربحة عديدة في أعقاب هذا اللقاء. كما أشارت التقارير الإعلامية في الوقت ذاته إلى رغبة عراقية في فرض قيود مصرفية على الميليشيات الخاضعة لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، ولا سيما حزب الله. ويبدو أن العراق يسعى في المرحلة الراهنة إلى المناورة بذكاء بين القوتين، مستجيباً للضغوط الأمريكية بالحد الأدنى المطلوب، مع تجنّب استفزاز إيران وميليشياتها الموالية لها، بما فيها تلك النشطة على الأراضي العراقية.

الولايات المتحدة وإيران: التصعيد يتغلب على الدبلوماسية… حتى إشعار آخر!

تصاعدت حدة التوتر منذ مطلع الأسبوع بين واشنطن وطهران عقب هجمات إيرانية جديدة استهدفت سفناً تعبر مضيق هرمز. ورغم ذلك، فإن مسار المفاوضات لم يمت، لكنه يبدو أكثر هشاشة. وفي المقابل، هدّد حزب الله بإعادة الانخراط في القتال في جنوب لبنان إذا استؤنفت الحرب، فيما تتجه الأنظار إلى المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل في روما. أعلنت القوات الأميركية صباح الأحد أنها نفذت خلال الليل موجة ثالثة من الضربات استهدفت أكثر من 140 هدفاً داخل إيران، رداً على هجوم جديد شنّه الحرس الثوري الإيراني ضد سفينة تجارية كانت تعبر مضيق هرمز. ولم يتأخر الحرس الثوري في الرد، إذ وسّع، كعادته، هجماته لتشمل عدداً من دول الخليج، ولا سيما البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والكويت... إضافة إلى الأردن، التي أدرجتها طهران ضمن قائمة أهدافها المحتملة منذ التصعيد الأخير. وحتى الوسيط العُماني لم يسلم من هذه الهجمات، إذ استهدفت سلطنة عُمان بعد ساعات قليلة فقط من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إليها. وتعكس هذه الهجمات أجواء الأسبوع المنصرم، الذي شهد تصاعداً تدريجياً في التوترات حتى بلغت ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع. ففي مساء الأحد، شنّ الجيش الأميركي غارات جديدة استهدفت بنى تحتية عسكرية تابعة للحرس الثوري، الذي استأنف بدوره هجماته على دول الخليج، ولا سيما الكويت. وكانت بوادر التوتر بين إيران والولايات المتحدة قد ظهرت منذ مطلع الأسبوع. فرغم تزايد استياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب من السلوك الإيراني، فإنه أعلن أنه سيمنح طهران مهلة حتى مراسم دفن المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في التاسع من تموز. من جهتها، استغلت السلطات الإيرانية هذه المناسبة، التي كانت قد أُرجئت منذ آذار (إذ قُتل خامنئي في 28 شباط مع بداية الحرب على إيران إثر غارات أميركية-إسرائيلية)، لتنظيم استعراض واسع للقوة بين الرابع والتاسع من تموز، مؤكدة أن «ملايين» من «المؤيدين» شاركوا في التجمعات التي شهدتها إيران وبعض المناطق العراقية، وسط مشاهد البكاء والحداد. وكان اللافت في هذه التجمعات الشعبية والرسمية الشعارات التي رُفعت، والتي تضمنت تهديدات مباشرة بالقتل للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي هذا السياق، كشفت تسريبات في وسائل إعلام أميركية أن إسرائيل نقلت إلى الرئيس الأميركي تحذيرات بشأن مخطط إيراني يستهدف اغتياله. كما عززت مؤشرات أخرى هذه المخاوف، إذ وصل ترامب إلى قمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت هذا الأسبوع في تركيا على متن طائرته الرئاسية الجديدة التي أهدته إياها قطر، لكنه غادر على متن الطائرة الرئاسية القديمة، الأكثر تحصيناً، «لدواعٍ أمنية»، بحسب وسائل إعلام أميركية. وقد عكست تصريحات ترامب طوال الأسبوع هذا التصعيد، إذ استؤنفت الضربات الأميركية حتى قبل دفن خامنئي في التاسع من تموز. ففي السادس من تموز، هدّد الرئيس الأميركي قائلاً: «إما أن يكون هناك اتفاق مع إيران، أو سننهي المهمة». ثم أضاف في الثامن من تموز: «وقف إطلاق النار انتهى». كما وجّه انتقادات حادة إلى القادة الإيرانيين، واصفاً إياهم بـ«الكاذبين» و«المرضى». ولا تعكس هذه اللهجة الغاضبة استياءه من التهديدات التي استهدفته شخصياً فحسب، بل أيضاً ردّ فعل على الهجمات المتكررة التي ينفذها الحرس الثوري ضد السفن العابرة لمضيق هرمز، إضافة إلى إصراره على مواصلة فرض هيمنته على هذا الممر البحري. مفاوضات «تحت النار» صحيح أن ترامب تراجع نسبياً في العاشر من تموز عندما أعلن أن «الإيرانيين طلبوا استئناف الحوار، وقد وافقنا». وبالفعل، كثّف الوسطاء الباكستانيون والقطريون جهودهم طوال الأسبوع لمنع انهيار مسار المفاوضات بالكامل. ويبدو أن المحادثات مستمرة بشكل أو بآخر في سلطنة عُمان، وفق تقارير إعلامية أكدها أيضاً بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية الأحد. إلا أن ما تغيّر، على ما يبدو، هو أن المفاوضات ستتواصل تحت وقع المواجهات، لا في ظل هدنة. أما على الصعيد الداخلي الإيراني، فقد أثار غياب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم تشييع والده تساؤلات واسعة في وسائل الإعلام والأوساط السياسية حول الجهة التي تدير إيران فعلياً اليوم. ويزداد هذا السؤال أهمية في ظل ما يبدو أنه تفوق للجناح المتشدد داخل النظام على حساب التيار المعتدل. وخلال الأيام الأخيرة، صدرت معظم التصريحات التصعيدية عن الحرس الثوري، فيما سار رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد قاليباف في الاتجاه نفسه، إذ أكد في العاشر من تموز أن الحرب في الشرق الأوسط «لن تنتهي باستسلام إيران»، قبل أن يضيف الأحد: «لقد انتهى زمن الصفقات غير العادلة». إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا التشدد الإيراني؟ فالاقتصاد الإيراني يعيش أزمة خانقة، لكن الحرس الثوري يبدو مصمماً على كسب الوقت عبر المراهنة على ارتفاع أسعار النفط من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز. وفي جميع الأحوال، يبقى التصعيد حتى الآن مضبوطاً نسبياً، بانتظار إما هدنة جديدة، أو انزلاق واسع يفتح الباب أمام صراع إقليمي شامل. المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في روما على جبهة جنوب لبنان، بقي الوضع على حاله حتى الآن، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في تدمير البنية التحتية التابعة لحزب الله. إلا أن الحزب أعلن، على لسان عدد من مسؤوليه، أنه «لن يترك إيران وحدها إذا استؤنفت الحرب». أما السجال الداخلي اللبناني خلال الأيام الماضية، فتمثل أساساً في هجمات كلامية شنّها الفريق الموالي لإيران ضد خيار الدولة اللبنانية بالمضي في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقد ردّ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بحزم على هذه المواقف، خلال زيارته الجمعة إلى قصر بعبدا على رأس وفد كبير من تكتله النيابي، دعماً لخيار الشرعية اللبنانية في اعتماد المفاوضات المباشرة. ومن المقرر أن تستأنف هذه المفاوضات الأسبوع المقبل في روما، رغم التحفظات اللبنانية على تغيير مكان انعقادها، خشية تراجع مستوى الانخراط الأميركي، وهو ما نفاه المسؤولون الأميركيون بشكل قاطع. وقد بدّد السفير الأميركي ميشال عيسى هذه المخاوف خلال جولته الخميس على المسؤولين اللبنانيين، ولا سيما رئيس الجمهورية جوزاف عون. وفي هذا الإطار، أعلن السفير الأميركي وصول وفد عسكري أميركي إلى لبنان للإشراف على تنفيذ الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 22 حزيران، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني في منطقتين تجريبيتين في الجنوب. وقد عقد الوفد الأميركي في نهاية الأسبوع اجتماعاً مع قيادة الجيش لبحث هذه المسائل. ويبدو أن القيادة العسكرية الإسرائيلية، في إطار منح هذه المفاوضات فرصاً أفضل للنجاح، أصدرت أوامر إلى وحداتها بتجميد «العمليات الحساسة في جنوب لبنان» بناءً على طلب أميركي. أما الحدث اللبناني الأبرز هذا الأسبوع، فكان تأكيد زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن في 21 تموز. ويُشار إلى أن جوزاف عون لا يزال يرفض أن تتضمن هذه الزيارة لقاءً مباشراً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن مطلع الأسبوع عن لقاء مرتقب مع الرئيس ترامب. ماكرون في سوريا وشهد الأسبوع أيضاً انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، بمشاركة الرئيس ترامب، لكن الحدث الأبرز كان زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في السادس من تموز، وهي الأولى لرئيس دولة غربي منذ تغيير النظام في كانون الأول 2024. وشكلت الزيارة مناسبة للبحث في التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار، في وقت يسعى فيه النظام السوري الجديد إلى توحيد الصفوف وإطلاق عملية النهوض بالبلاد. لكنها كانت أيضاً فرصة للإرهابيين – الذين ترجح السلطات السورية أنهم ينتمون إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» – لتنفيذ تفجيرين قرب الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي، في مؤشر جديد إلى أن الوضع الأمني في سوريا لا يزال هشاً.

هدنة وجيزة وسط التوترات والانقسامات الداخلية
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يوليو 5, 2026 - 20:51

يعطي الأسبوع المنصرم انطباعًا غامضًا بأن النار لا تزال تحت الرماد. فالتوترات مستمرة بين الأميركيين والإيرانيين، وهي تنفجر إلى العلن داخل نظام الملالي نفسه، فيما تتواصل في لبنان الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار من دون أن تستدعي، حتى الآن، ردًا من حزب الله. طبعت الأسبوع المنصرم أيام من الترقب، كأنها وقت ميت. فقد كان أقل زخمًا بالأحداث من الأسابيع التي تعاقبت منذ بداية الحرب في إيران وفتح الجبهة اللبنانية الموازية، لكنه يبقى مع ذلك أسبوعًا بالغ الدلالة. ذلك أن التصدعات بدأت تظهر هنا وهناك، ليس فقط في مذكرة التفاهم الموقعة بين الأميركيين والإيرانيين، بل أيضًا داخل النظام الإيراني نفسه. شكّل مضيق هرمز هذا الأسبوع نقطة خلاف بين إيران وبقية العالم. فإصرار طهران على اعتبار أن إدارة المضيق يجب أن تكون بيد النظام، وإطلاق النار على السفن التي تعبر الممر من دون نيل موافقته، جلبا على الملالي إدانات من مختلف الجهات. ويوم الخميس، وبطلب من البحرين، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة لمناقشة هذه المسألة، وكانت الكلمات التي ألقاها ممثلو الدول، ولا سيما السفير الأميركي، شديدة اللهجة في توبيخ الإيرانيين على مواقفهم وأفعالهم. ويوم الجمعة، وجه قادة حلف شمال الأطلسي، كما فعل الاتحاد الأوروبي قبلهم خلال الأسبوع، انتقادات قاسية إلى نظام طهران، رافضين أي رسوم تُفرض على السفن بحجة «الخدمات المقدمة». والأهم من ذلك أن الأنظار اتجهت إلى الكلمات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم السبت، في مناسبة الاحتفالات بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. فقد قال أمام الحشد: «لقد ضربناهم بقوة كبيرة، إنهم يقتلون أنفسهم من أجل إبرام صفقة معنا، لكننا سنمنحهم أسبوعًا من أجل جنازة مرشدهم الأعلى خامنئي، من باب اللطف». هل يعني هذا التصريح أنه بدأ يفقد صبره؟ في كل الأحوال، لن تُستأنف المفاوضات في هذا الملف إلا بعد التاسع من يوليو، موعد انتهاء أيام الحداد. ويبدو واضحًا أن الأميركيين يريدون أيضًا ترك هذه المرحلة من كأس العالم لكرة القدم تمر، وهي البطولة التي تُقام جزئيًا على أراضيهم. استعراض قوة وانقسامات تُعد جنازة علي خامنئي وأفراد من عائلته، الذين قتلوا معه في الضربة الإسرائيلية-الأميركية في 28 فبراير 2026، والتي أشعلت الحرب في الشرق الأوسط، إحدى المحطات الأساسية لهذا الأسبوع، ومن المفترض أن تمتد مراسمها على مدى أيام عدة، وصولًا إلى الدفن في التاسع من يوليو. وقد بدأت هذه المراسم تكريمًا للزعيم الراحل، وليس من المؤكد أن ذلك مجرد مصادفة في التوقيت، في الرابع من يوليو، يوم الاستقلال الأميركي. بالنسبة إلى نظام الملالي، يتعلق الأمر، كما هو متوقع، باستعراض قوة وبفرصة لإعادة تأكيد تماسك النظام. إلا أن الأمر لم يكن كذلك حتى الآن. صحيح أن استعراض القوة نجح. فقد احتشد مئات آلاف الإيرانيين الموالين للنظام لتوديع الزعيم الديني والسياسي الذي حكم هذا البلد الشاسع بقبضة من حديد لأكثر من ثلاثة عقود. بكاء وصراخ ولطم... كل مظاهر الحزن العلنية والإصرار على المضي في طريق «المعلّم» كانت حاضرة. كما حضر ممثلون رسميون عن عدد من الدول الحليفة، مثل باكستان. ورغم العلاقات المضطربة مؤخرًا بين الدولة اللبنانية وإيران، أوفدت بيروت وزير الدفاع ميشال منسّى لتمثيلها. ومن دون مفاجأة، انحنى وفد كبير من حزب الله، دامعًا، أمام نعش آية الله. غير أن ما كان يُفترض أن يكون لحظة وحدة هائلة حول شخصية جامعة رحلت، كشف في نهاية المطاف عن شروخ متزايدة، ليس فقط بين المحافظين والإصلاحيين، وهو أمر متوقع في إيران، بل داخل الجناح المحافظ نفسه في النظام. وبحسب عدة وسائل إعلام، من بينها مقال في صحيفة نيويورك تايمز وتقرير لقناة العربية، فإن المؤشرات تظهر بوضوح أن الوحدة التي يعرضها القادة الإيرانيون ليست سوى واجهة. فبينما يواصل الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد قاليباف الدفاع عن الاتفاق مع الأميركيين، تتساءل أصوات محافظة أخرى كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تجري فيما واشنطن، مع حلفائها، هي المسؤولة عن اغتيال المرشد الأعلى. صراع على السلطة شهد هذا الأسبوع أيضًا مقابلة تلفزيونية مع قاليباف كان يشرح خلالها تفاصيل الاتفاق مع واشنطن، قبل أن تُقطع فجأة على شاشة التلفزيون الرسمي الذي يديره تيار متشدد، ما أثار غضب كبير المفاوضين. وفي العراق، وبينما كان يشارك في التحضيرات للمراسم التكريمية لخامنئي في هذا البلد الذي يضم عددًا كبيرًا من الشيعة والمؤيدين، تعرّض وزير الخارجية عباس عراقجي لصيحات استهجان من إيرانيين يلومونه على دوره في المفاوضات مع الولايات المتحدة. وتوضح مقالة نيويورك تايمز أن هذه الانقسامات لا تتركز فقط على الاتفاق مع الولايات المتحدة، بل تعكس أيضًا، وقبل كل شيء، صراعًا داخليًا على السلطة. وهو أيضًا صراع لكسب ود المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر حتى الآن علنًا، رغم معلومات عن تصميمه على المشاركة في جنازة والده وأفراد عائلته. ولا يزال غيابه يغذي أكثر الشائعات جنونًا حول وضعه الصحي، إذ يقال إنه أصيب بجروح خطيرة في الضربة نفسها التي قتلت والده، وحول قدرته على قيادة البلاد. كما تميز هذا الأسبوع بكشف نيويورك تايمز وواشنطن بوست عن نية مفترضة لدى الدولة العبرية لتصفية أبرز المفاوضين الإيرانيين، قاليباف وعراقجي، خلال المفاوضات مع الأميركيين. وبحسب الصحيفتين الأميركيتين، كانت واشنطن قلقة إلى حد كبير من فقدان هذين المحاورين، إلى درجة أنها طلبت من دول في المنطقة تحذير طهران من هذا الخطر. ومن دون مفاجأة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لينفي هذه الاتهامات. تفجيرات في جنوب لبنان إذا كان الاتفاق الأولي الموقع بين الأميركيين والإيرانيين لا يزال يقسم الصفوف في طهران، فإن الاتفاق الإطار الموقع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 22 يونيو في واشنطن يثير بدوره انتقادات في بيروت. ولا يزال الثنائي الشيعي يعلن معارضته للوثيقة التي تنص على إنشاء مناطق نموذجية يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية لتحل محلها الجيش اللبناني. وفي مواجهة انتقادات الثنائي حزب الله-أمل، يزداد إظهار القوى السيادية دعمها لرئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين امتلكا الشجاعة السياسية لاختيار طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ويركز المعترضون على الاتفاق الإطار بشكل أساسي على أحد بنوده، وهو البند رقم 13، لتبرير موقفهم. فهذا البند ينص على ألا يتقدم لبنان أو إسرائيل بشكاوى أمام الهيئات الدولية ضد البلد الآخر بشأن جرائم حرب محتملة. وحزب الله، الذي طالما عطّل وندّد بتدخلات العدالة الدولية والوطنية، كما في المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري عام 2005 أو في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، يقدم نفسه فجأة كمدافع متحمس عن اللجوء إلى المحاكم الدولية. أما الأصوات المؤيدة للنص فتعتبر أن وجود مثل هذا البند أمر مألوف في مفاوضات جارية. صحيح أن الوثيقة ليست مثالية، لكن كما شدد الرئيس عون أكثر من مرة هذا الأسبوع، فإن هذا الاتفاق الإطار يعكس إرادة لبنان في التفاوض باسمه، مع العلم أن السلطة لا يمكنها في أي حال التخلي عن متر مربع واحد من الأراضي الوطنية. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أنه بعد الهزائم المتلاحقة التي مُني بها حزب الله أمام إسرائيل في حربي 2023 و2026، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيارات محدودة لاستعادة الأراضي التي خسرها. أما في جانب الثنائي الشيعي، فإن الوحدة المعلنة تصطدم بـ«تباينات» في المواقف. ففي حين يرفض حزب الله من دون أي لبس مسار المفاوضات المباشرة هذا، يبدو أن رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري يراوح بين التصعيد والتهدئة. وفي أحد تصريحاته هذا الأسبوع، قال إنه مستعد للتسوية في هذا المجال. وعلى أي حال، فقد فشل مشروع تشكيل ائتلاف رباعي لإسقاط الاتفاق الإطار في البرلمان، يضم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي. فإذا كانت زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى بري هذا الأسبوع قد غذت الشائعات في هذا الصدد، فإن تصريح الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أطفأ آمال الذين يراهنون على هذا الاحتمال. فمع أنه انتقد الاتفاق الإطار، أكد جنبلاط أنه لن يكون، في حال حصول ذلك، جزءًا من ائتلاف كهذا. ميدانيًا، لا يزال الوضع متوترًا في الجنوب، من دون أن يشبه حربًا مفتوحة. وتواصل القوات الإسرائيلية هجماتها وعمليات اغتيال كوادر من حزب الله، إضافة إلى تفجير المنازل والأنفاق. أما الحزب الشيعي، فيلتزم إلى حد بعيد بوقف إطلاق النار الذي يعتبره نتيجة للموقف الذي اتخذته إيران قبل توقيع الاتفاق الإطار في واشنطن. وتبقى هذه الهدنة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. الشيباني في بيروت الحدث الآخر البارز هذا الأسبوع كان زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، يوم الخميس. وهي زيارة تبدو كأنها تفتح صفحة جديدة بين البلدين، في ظل تاريخ معقد إلى حد كبير. وقد عكست التصريحات إرادة احترام متبادل لسيادة كل بلد، وإقامة علاقات ندية في مجالات مختلفة، ولا سيما على المستوى التجاري. وأفضت هذه الزيارة إلى توقيع اتفاق بين الشيباني ونواف سلام ينص على إنشاء لجنة ثنائية للتعاون. وزير الخارجية السوري، الذي التقى جميع الأطراف باستثناء حزب الله، وزار طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني ذات الغالبية السنية، طمأن على الأرجح المسؤولين اللبنانيين إلى أن بلاده لن تتدخل في ملف نزع سلاح الميليشيا الشيعية اللبنانية، كما طالب الرئيس ترامب مرارًا. مصادفة في التوقيت؟ فقد هزّ العاصمة السورية دمشق، يوم الخميس، انفجار قوي ذو طبيعة إرهابية في مقهى قرب قصر العدل، ما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 9 قتلى وعدد كبير من الجرحى. ولم تتبنَّ أي جهة الاعتداء الذي نُفذ بعبوة ناسفة «مصنّعة يدويًا»، بحسب السلطات السورية، لكنه يحمل بصمات تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

ما بعد مذكرة التفاهم يكشف الوجه الحقيقي لطهران
بقلم
LevantTime .
نُشر
يونيو 28, 2026 - 20:55

ما إن انقضت مظاهر الفرح وحسن النية التي أعقبت «النصر» المزعوم على المعسكر الإسرائيلي-الأميركي، حتى سارع المحور الموالي لإيران إلى إظهار أنيابه عندما اصطدم بوقائع الميدان، كما تكشف سلسلة الأحداث منذ توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن في 18 حزيران، ثم توقيع الاتفاق بين بيروت وتل أبيب في 26 حزيران. فإيران، التي اعتقدت أنها قادرة على الإمساك بزمام اللعبة بعدما نجحت في إدراج الملفات التي تهمها في نص الاتفاق مع واشنطن، سرعان ما أظهرت حدود «حسن النية» الذي كانت تتذرع به طوال المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الوثيقة المقدمة على أنها تمهيد لاتفاق سلام إقليمي. وقد عرّت حدّة رد فعلها على إعادة انتظام الملاحة في مضيق هرمز، وعلى عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مواقعها النووية، النيات الحقيقية للجمهورية الإسلامية، إن كانت لا تزال بحاجة إلى من يعرّيها: عدم التنازل عن أي من الملفات الأساسية، بما فيها الملف اللبناني. مع ذلك، كانت الولايات المتحدة قد رفعت الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وسمحت بإنتاج النفط الخام والمنتجات النفطية ذات المنشأ الإيراني وتسليمها ونقلها وبيعها خلال مهلة الستين يوماً المحددة للمفاوضات. وفي ليل السبت الأحد، نفذ الحرس الثوري الإيراني ضربات ضد الكويت والبحرين، رداً، بحسب بيانه، على «الاعتداءات الأميركية». غير أن المعتدي في هذه القضية، إن وُجد، هو إيران نفسها. فمنذ قررت سلطنة عُمان، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، تأمين ممر ملاحي بمحاذاة سواحلها في مضيق هرمز، في انتظار تسوية هذا الملف، عمدت طهران إلى شن هجمات بالطائرات المسيّرة على الناقلات التي تسلك المسار الخارج عن سيطرتها. وفي ليل السبت الأحد أيضاً، استُهدفت ناقلة نفط ترفع علم بنما، ما استدعى رداً فورياً من القوات الأميركية التي نفذت ضربات انتقامية ضد منشآت عسكرية على الساحل الإيراني قرب هرمز. وتجاهلت طهران تحذيرات القيادة المركزية الأميركية، فردّت بسلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة ضد الكويت والبحرين. وقد تم اعتراض معظم هذه المسيّرات. تهديدات ترامب وردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب محذراً، عبر منصته «تروث سوشال»، من استمرار طهران في خرق وقف إطلاق النار، ملمحاً مجدداً إلى أنه مستعد لاستئناف الحرب في حال حصول انسداد. لكن الجمهورية الإسلامية لا تبدو مستعدة للإصغاء. فقد أكد وزير خارجيتها عباس عراقجي، الأحد، أن بلاده وحدها «مسؤولة عن إدارة هذا الممر البحري الاستراتيجي»، محذراً من أن أي تدخل في الإدارة الإيرانية للمضيق قد «يزيد التوترات». وأدلى عباس عراقجي بهذه المواقف خلال زيارة مفاجئة إلى بغداد، للبحث مع المسؤولين العراقيين في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، والتنسيق معهم بشأن تفاصيل مراسم تشييع علي خامنئي، بين 4 و12 تموز، في العتبات الشيعية في النجف وكربلاء. ومن المفارقات أن البحث تناول أيضاً التعاون الإقليمي، إذ أشاد الوزير الإيراني بمبادرة عراقية عرضها نظيره فؤاد حسين، تقضي بتنظيم قمة تجمع إيران ودول الخليج، في وقت تواصل الجمهورية الإسلامية قصف هذه الدول. ملاحقات إيرانية ضد الولايات المتحدة؟ في موازاة ذلك، لا تزال طهران ترفض إخضاع مواقعها النووية المتضررة أو المدمرة خلال الضربات الإسرائيلية-الأميركية في أثناء الحرب لأي تفتيش، وهو شرط وضعته واشنطن للإفراج عن الدفعة الأولى من الأموال الإيرانية المجمدة. أما الحجة التي تقدمها طهران فهي أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليسوا محايدين. وفي سياق هذه التوترات المتجددة، صعّد المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، موقفه. ففي بيان نُشر الأحد لمناسبة أسبوع القضاء في إيران، دعا إلى فتح ملاحقات قضائية، على المستويين الوطني والدولي، ضد الولايات المتحدة، متهماً إياها بالمسؤولية عن مقتل والده علي خامنئي، وكذلك عن الضربات التي استهدفت بلاده. غير أن هذه المواقف يخفف من حدّتها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي أكد «دعمه للاستقرار والأمن والحوار في المنطقة». كما أعرب عن أمله في «أن تلتزم جميع الأطراف بالتعهدات التي قطعتها في إطار الاتفاقات المبرمة»، في ما يبدو إشارة إلى الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني. ففي الملف اللبناني، يبدو استياء الحرس الثوري واضحاً منذ توقيع الاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي، الذي يُفترض أن يؤدي، على المدى البعيد، إلى إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، عبر تحييد قدرة ذراعه العسكرية، حزب الله، على التحرك، والحد من قدرته على زعزعة الاستقرار. فالحرس الثوري، تماماً كحزب الله، لا يعترف إلا بما تنص عليه مذكرة التفاهم مع واشنطن بشأن بلاد الأرز. ولذلك، شدد عباس عراقجي في بغداد، وهو المقرّب من الباسداران، على أن جميع بنود بروتوكول الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة يجب أن تُحترم، بما في ذلك البنود المتعلقة بلبنان، «حيث يواصل الكيان الصهيوني، للأسف، غاراته الجوية». ودعا واشنطن إلى «تحمل مسؤولياتها والضغط على إسرائيل لكي تنسحب من المناطق التي تحتلها في لبنان». وقال: «إنها المادة الأولى من بروتوكول الاتفاق»، من دون أن يأتي في أي لحظة على ذكر الاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي. وطهران، مثل حزب الله، لا تشعر بأنها معنية بهذه الوثيقة. وقد عاد أحد نواب التشكيل الموالي لإيران، حسن فضل الله، إلى التصعيد. فهو لم يكتفِ بالتنصل من الاتفاق الإطار في واشنطن، بل شدد على أن «سلاح حزب الله سيبقى محفوظاً بفضل معادلة إقليمية تمتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان». وفي هذا السياق المشوب بالغموض حول ردود فعل التشكيل الموالي لإيران على الأرض، كان من المقرر أن يبدأ الجيش الإسرائيلي انسحاباً تكتيكياً من «منطقتين تجريبيتين» خارج الخط الأصفر في جنوب لبنان، حيث يواصل مع ذلك استهداف مقاتلي حزب الله. وفي الوقت نفسه، يواصل المسؤولون الإسرائيليون التأكيد أن جيشهم سيواصل عملياته في الجزء الجنوبي من البلاد لإزالة أي تهديد صادر عن حزب الله. وهكذا، فإن الأسبوع الذي يوشك أن يبدأ يبقى محملاً بالشكوك والتوترات. يبقى تسجيل تطور بارز على هامش هذه الأحداث، أو ربما في امتداد لها: فقد شهد العراق، مساء السبت وطوال يوم الأحد، موجة توقيفات طاولت أكثر من خمسين شخصية سياسية بارزة، بينهم عدد كبير من النواب، إضافة إلى رجال أعمال، اتُّهموا بالفساد، لكنهم يُعدّون، بحسب بعض المعلومات غير المؤكدة بعد، قريبين من النظام الإيراني.

إيران-الولايات المتحدة: انطلاقة فاشلة وتوترات في لوسيرن

كان لبنان في صلب المحادثات، الأحد، بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا. لكن فيما كانت طهران تؤكد أنها أغلقت مضيق هرمز، وكان نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس يلقي خطاباً بنبرة إيجابية، ردّ الرئيس دونالد ترامب على إغلاق المضيق ملوّحاً بتهديدات ضد إيران، ما دفع المفاوضين الإيرانيين إلى تعليق المحادثات. أما في ما يتعلق بلبنان، فالأنظار شاخصة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، الأمر الذي أثار غضب حزب الله. الأحد 21 حزيران: بدأت المحادثات الإيرانية-الأميركية في لوسيرن، سويسرا. وترأس الوفد الأميركي نائب الرئيس جاي دي فانس، فيما ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد قاليباف. وبعد بداية متعثرة، إذ كان من المفترض أن تُعقد المحادثات الجمعة في المكان نفسه، انعقدت في نهاية المطاف بعد يومين. ولم يكن مقدراً لها أن تجري بهدوء، بل أن تُظهر مرة جديدة عمق الخلافات بين الخصمين السابقين. على مستوى الشكل، كانت جلسة التفاوض هذه مناسبة لكثير من المصافحات والابتسامات، ولا سيما بين الأميركيين والقطريين والباكستانيين. وكانت تصريحات جاي دي فانس إيجابية. وقال: «طلب منا الرئيس ترامب أن نفتح صفحة جديدة من أجل تحويل علاقتنا مع الشعب الإيراني». كما تحدث عن «تقدم كبير خلال الساعات الأخيرة». وقد شهدت هذه الجلسة الأولى ارتباكات دبلوماسية، إذ رفض الإيرانيون التقاط صور مع الوفد الأميركي، فضلاً عن أنهم حرصوا على إبقاء السيد فانس منتظراً من خلال تأخرهم في الوصول إلى قاعة الاجتماع! أما على مستوى المضمون، فكانت المسألة اللبنانية في صلب المحادثات، بحسب الأصداء التي وصلت إلى وسائل الإعلام، والتي تفيد بأن هذا الملف كان حاضراً بقوة في النقاشات. فعلى النقيض من التصريحات المنمقة لفانس، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقف حازمة على منصته للتواصل الاجتماعي، مشدداً على أن على إيران أن «توقف فوراً دعم وكلائها»، ولا سيما حزب الله، وإلا «فسنضرب بقوة كبيرة». وبعد قليل، أكد الرئيس الأميركي، في تصريح لشبكة فوكس نيوز، أنه حذّر مسؤولين إيرانيين خلال الليل، من دون أن يسميهم، من إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أنه «قادر على السيطرة عليه». وقد أثارت هذه المواقف الحازمة توتراً شديداً داخل قاعة الاجتماع، وانسحاب الوفد الإيراني. في لبنان، أتاحت المواقف الإيرانية لحزب الله أن يستعيد زخمه. فقد دعا النائب في حزب الله حسن فضل الله إلى «الاستفادة» من دعم إيران. وصبّ الحزب الموالي لإيران، الأحد، جام غضبه على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي يُفترض أن تُعقد جولة جديدة منها الثلاثاء في واشنطن. «إملاءات أميركية»، «استسلام»… لم يبخل بيان الحزب بالمفردات للتنديد بمواصلة المفاوضات المباشرة التي بدأتها السلطات اللبنانية باسم لبنان، والتي ستُعقد مع ذلك في واشنطن، بمشاركة وفدين سياسي وعسكري. ومساء الأحد، وجهت تل أبيب رسالة تصالحية إلى واشنطن، التي بدت في الآونة الأخيرة وكأنها تبتعد عنها: فقد كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ انسحابات «محدودة» في جنوب لبنان. فهل هي بادرة حسن نية تجاه السلطات اللبنانية، أم جزء من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟ أسبوع حافل بالتقلبات كان الأسبوع السابق قد اختُتم بإعلان من الرئيس الأميركي عن توقيع قريب لاتفاق مع إيران. وقد تمكن من التوجه إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع بعدما حقق ما يعتبره انتصاراً دبلوماسياً. وجرى توقيع الاتفاق عبر الإنترنت، من قبل الرئيسين الأميركي والإيراني، مساء الأربعاء. وكان ترامب في فرساي للمشاركة في العشاء الذي أقامه له نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش قمة مجموعة السبع، التي رحب قادتها بالاتفاق وبإعادة فتح مضيق هرمز، وكذلك بـ«الفرصة الفريدة» للحصول من الإيرانيين على تخليهم عن الترسانة النووية. وقد سُرّبت بنود الاتفاق عبر وسائل الإعلام في اليوم نفسه، قبل أن تُعلن رسمياً. وبموجب هذا الاتفاق، يقرر الطرفان «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، ويتعهدان بعدم شن حرب أحدهما ضد الآخر، مع احترام السيادة الإقليمية لكل منهما. كما يشير النص إلى مهلة قابلة للتجديد مدتها 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. أما الحصار البحري الأميركي فسيُرفع، ويُعاد فتح مضيق هرمز بالكامل خلال مدة 30 يوماً. ومن أبرز نقاط النص وأكثرها إثارة للجدل، تعهد الولايات المتحدة و«شركائها الإقليميين» بإعداد خطة لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية وتنميتها بميزانية «لا تقل عن 300 مليار دولار». وتنهي الولايات المتحدة «كل أنواع العقوبات» ضد إيران، في حين تؤكد الجمهورية الإسلامية مجدداً أنها «لن تقتني أو تطور أسلحة نووية»، بعدما اتفق البلدان على تسوية مصير مخزونات اليورانيوم المخصب التي لا تزال موجودة على الأراضي الإيرانية. وسيكون على وزارة الخزانة الأميركية «إصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني ومشتقاته»، كما تلتزم الولايات المتحدة بـ«جعل أموال وأصول الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجمدة أو الخاضعة لقيود متاحة وقابلة للاستخدام بالكامل». وأخيراً، فإن الاتفاق النهائي، حين يتم التوصل إليه، «سيُصدَّق عليه بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي»، وهو مطلب إيراني من الأساس. وقد اعتُبرت بنود هذا الاتفاق، شبه بالإجماع في العالم، أكثر ملاءمة لإيران منها للولايات المتحدة، على اعتبار أن الطرف الأول حصل على الورق على كل ما يطالب به، فيما أن البنود التي تهم الطرف الثاني تندرج كلها ضمن ما سيجري بحثه خلال مهلة الـ60 يوماً، أي إنها لا تزال في دائرة الغموض، ولا سيما مسألة الملف النووي. وقد نفى ترامب أن يُدفع أي سنت لإيران ما لم تفِ هذه الدولة بجميع التزاماتها. أما الإيرانيون، فلم يترددوا في إعلان الانتصار. وجاء رد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي على مذكرة التفاهم، الجمعة، على شكل مباركة مغلفة بالتشكيك، إذ أوحى بأن موافقته لا تعني أن رأيه يتقاطع مع رأي الطرف الآخر. مجتبى خامنئي لا يزال غير مرئي ومراوغاً كما كان دائماً. أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه رغم النجاح الدبلوماسي لباكستان، فإن دور قطر في هذه المفاوضات يزداد وضوحاً: فعندما بدا الاتفاق مهدداً خلال هذا الأسبوع، ولا سيما بسبب الهجمات الإسرائيلية في لبنان، قيل إن زيارة قام بها وسطاء قطريون إلى إيران كانت حاسمة. لبنان: ورقة إقليمية أم دولة سيدة؟ في نص الاتفاق الإيراني-الأميركي، لا ترد أي إشارة واضحة إلى الصواريخ الباليستية أو إلى النفوذ الإيراني في المنطقة. بل على العكس، يتيح هذا النص لإيران أن تستعيد الإمساك بالورقة اللبنانية، إذ نجحت في إدراج وقف إطلاق النار في لبنان كشرط أساسي لتنفيذ الاتفاق. ويأتي ذلك في وقت تجري فيه السلطات اللبنانية مفاوضاتها الخاصة مع إسرائيل في واشنطن، بينما شددت الولايات المتحدة مراراً على فصل الملفين الإيراني واللبناني. ولا يبدو أن تمسك طهران بحليفها حزب الله قد تراجع: فقد وصل رئيس البرلمان الإيراني إلى حد الاعتراف بأن الحزب الشيعي اللبناني قاتل 104 أيام من أجل إيران، في حين أن إيران نفسها لم تقاتل سوى 38 يوماً… في رابط لا ينفصم لم يعد أي من الطرفين يسعى إلى إخفائه. لكن ذلك لم يكن في حسبان الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين رحبا بوقف إطلاق النار، مع إعادة التأكيد بقوة على إرادة لبنان التفاوض باسمه، واستعادة سيادته. وخلال هذا الأسبوع أيضاً، تلقى حزب الله وحلفاؤه ضربة قاسية السبت، عندما فُرضت عقوبات أميركية على الوزير السابق سليمان فرنجية، مرشحهم المفضل إلى رئاسة الجمهورية، وعلى أحد كوادرهم الأكثر حدة، محمود قماطي. وقد يكون ذلك، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وسيلة للإشارة إلى أنه رغم رغبتها في عدم تعريض الاتفاق مع الإيرانيين للخطر، فإن أولوياتها في لبنان لم تتغير. الميدان في الجنوب في غضون ذلك، وعلى الأرض في جنوب لبنان، لم تخف حدة المعارك طوال الأسبوع، بل ارتفعت درجة مع اقتراب نهاية الأسبوع. وتبادل الجيش الإسرائيلي وحزب الله الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار. وكانت القوات الإسرائيلية تواصل محاولاتها للسيطرة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في النبطية، ما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا في الجانب اللبناني، وخسارة جنود في الجانب الإسرائيلي. وفي أكثر من مناسبة، هددت إيران بتجميد المفاوضات إذا لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان. وعند هذا المستوى تحديداً، ظهرت الخلافات بين الإسرائيليين والأميركيين إلى العلن، إذ مارس الأميركيون ضغوطاً قوية على الإسرائيليين من أجل احترام وقف إطلاق النار. وهو سيناريو غير معتاد إطلاقاً في العلاقة بين الحليفين. في النهاية، لم يطلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسمياً من جيشه «وقف العمليات» في لبنان إلا مساء السبت، مع احتفاظه بحق الرد على أي استفزاز من جانب حزب الله، وتحذيره من أن الانسحاب من الأراضي التي احتُلت خلال هذا النزاع ليس مطروحاً. وكان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ لا يزال يبدو هشاً جداً الأحد: فرغم الهدوء الظاهر، سُجلت بعض الانتهاكات الإسرائيلية، في حين أعلنت قوات الدولة العبرية اكتشاف نفق كبير تحت بلدة مجدل زون، في قضاء صور. وكانت تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير كلها تصب في اتجاه احتمال استئناف المواجهات عند أول فرصة.

مفاوضات الاتفاق الإيراني-الأميركي: ترقّب ومساومات مكثّفة
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يونيو 14, 2026 - 23:53

خيّم ترقّب ثقيل ومقلق طوال نهار ومساء الأحد 14 حزيران، الذي كان يُفترض أن يشهد التوقيع الافتراضي، «عن بُعد»، على الاتفاق الإطاري، أو مذكرة التفاهم، الهادف إلى «تعليق» الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران لمدة 60 يوماً، تمهيداً لإطلاق مسار تفاوضي حول الملفات الخلافية مع الجمهورية الإسلامية، من النووي إلى الصواريخ الباليستية، مروراً بالملفات المالية والجيوسياسية. وخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، أكد كل من الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الباكستاني، بإلحاح وفي أكثر من مناسبة، أن توقيع الاتفاق الإطاري سيتم فعلاً يوم الأحد. وكان من المفترض أن يجري التوقيع «افتراضياً» بحضور نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف. لكن حتى ساعة متقدمة من المساء، بتوقيت بلاد الشام، لم تكن المراسم المقررة لهذا الغرض قد عُقدت. ويُفسَّر هذا التأخير بعاملين: خلافات داخلية إيرانية، وتصعيد عسكري على الجبهة اللبنانية. في ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أدى مفعول كرة الثلج إلى تصعيد خطير على مستوى العمليات العسكرية. فقد دوّت صفارات الإنذار، صباح الأحد، أكثر من مرة في شمال إسرائيل، في إشارة إلى إطلاق صواريخ أو مسيّرات من لبنان وسقوطها في الأراضي الإسرائيلية. وقد شنّ حزب الله هذا الهجوم على الرغم من أن تل أبيب كانت قد شددت أكثر من مرة على أن أي إطلاق صواريخ أو مسيّرات يصيب شمال إسرائيل سيستتبع فوراً رداً يستهدف الضاحية الجنوبية. وبالفعل، نفذ طيران الدولة العبرية، قرابة الظهر، غارة على هذه المنطقة، أسفرت عن مقتل مسؤول عسكري بارز في حزب الله، كان يتولى ملف الاتصالات في الحزب. ومنذ بداية بعد الظهر، انخرطت وسائل الإعلام والأوساط السياسية في المنطقة في شتى أنواع التكهنات حول احتمال رد إيراني على إسرائيل، عقب الغارة على الضاحية الجنوبية. وفي محاولة منه لـ«إنقاذ» اتفاقه الإطاري، الذي يبدو، على نحو غامض، متمسكاً به بشدة، مارس الرئيس ترامب، بحسب ما تردد، ضغوطاً قوية على النظام الإيراني كي يمتنع عن شنّ رده على إسرائيل. ووفق مصادر متعددة ومتطابقة، فإنه اقترح حتى تقديم تنازل كبير لإيران، يتمثل في رفع الحصار البحري، مقابل ضبط النفس العسكري الإيراني. لكن من دون جدوى... وفي وقت متأخر من المساء، أعلن مستشار المرشد الأعلى الإيراني أن «إيران سترد بقوة على الغارة التي استهدفت الضاحية الجنوبية». وصدرت النبرة نفسها عن رئيس لجنة الأمن القومي النافذة في البرلمان الإيراني، الذي أعلن بدوره أن رداً إيرانياً يجري التحضير له. كما أشار القادة العسكريون الإيرانيون إلى أن هجوماً على إسرائيل سيقع قريباً. وبالتوازي، أعلنت وكالة «تسنيم» للأنباء، القريبة من الحرس الثوري، إغلاق المجال الجوي في شرق إيران. انتقادات الرئيس الإيراني أما العامل الثاني الذي يفسر، على الأرجح، التأخر في توقيع الاتفاق الإطاري، فهو بروز خلافات جدية داخل النظام الإيراني حول جدوى إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة. وقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه الخلافات الداخلية علناً، إذ انتقد بشكل صريح اتهامات الخيانة التي وُجهت إلى رئيس البرلمان الإيراني، المفاوض الرئيسي مع واشنطن، وإلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الموجود في صلب الاتصالات الجارية. كما ندد الرئيس بزشكيان، في هذا السياق، بقيام التلفزيون الإيراني بنقل تصريحات للمرشد الأعلى تعارض الحوار مع الولايات المتحدة. ويُذكَر في هذا الإطار أن مظاهرات رافضة لأي اتفاق مع الأميركيين نُظمت السبت في طهران، على الأرجح بتحريض من الحرس الثوري. وقد وصل المتظاهرون إلى حد المطالبة باستقالة رئيس البرلمان ووزير الخارجية، بل أطلقوا تهديدات بالقتل ضد أي شخصية تؤيد الاتفاق المذكور. وتصب هذه المظاهرات في مصلحة التحليلات ووسائل الإعلام التي تتحدث عن وجود تيار داخل إيران مقتنع بأن الجمهورية الإسلامية حققت «انتصاراً رمزياً» على واشنطن، وبالتالي لا تحتاج إلى توقيع أي اتفاق مع الولايات المتحدة. مآخذ ترامب والغموض حول الاتفاق في أي حال، وعلى صعيد آخر تماماً، خصص الرئيس ترامب منشوراً على منصته الاجتماعية، اعتبر فيه أن «ضربة هذا الصباح في بيروت لم يكن ينبغي أن تحصل». وفي رسالته، ساوى بين إسرائيل وحزب الله، داعياً الطرفين إلى وقف التصعيد، لأن «هذا قد يكون بداية سلام طويل وجميل» لا ينبغي لأحد أن يعارضه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأسبوع شهد توتراً عسكرياً شديداً بين الإيرانيين والأميركيين. فقد تلت ضربات أميركية على أهداف متعددة في جنوب إيران سقوط مروحية أميركية من طراز أباتشي أسقطها الحرس الثوري. وكان الرئيس ترامب قد هدد حتى بتنفيذ ضربة كبرى في ليل الخميس الجمعة، بتوقيت بلاد الشام، قبل أن يلغيها في اللحظة الأخيرة. واستفاق العالم صباح الجمعة على نبأ قرب التوصل إلى اتفاق بين الطرفين المتحاربين... وهو ما أعلنه طبعاً ترامب نفسه عبر منصته الاجتماعية. وبينما كانت الأنباء المشجعة تتناقلها وسائل الإعلام، كانت «تسريبات» عديدة في الإعلام الإيراني تنفي بشكل منهجي موجة التفاؤل. وتقوم إحدى الطرق الإيرانية، في هذا المجال، على نشر شائعات حول بنود الاتفاق تناقض تماماً ما تكشفه واشنطن. فوفق هذه «المعلومات» المتداولة في طهران، ستبقي إيران يدها العليا على مضيق هرمز، وستحتفظ بحقها في تخصيب اليورانيوم، وستستفيد من كل الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف العالمية. وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى نشر رسالة غاضبة، الجمعة، اتهم فيها الإيرانيين بأنهم «يفتقرون إلى الشرف». وبشكل غير متوقع، دخل الوزير عراقجي على الخط، داعياً وسائل الإعلام الإيرانية إلى وقف نشر معلومات لا أساس لها، ما استدعى تعليقاً إيجابياً من ترامب. ماذا عن اليورانيوم المخصب؟ وإذا لم تكن بنود الاتفاق مؤكدة تماماً، فيمكن الاستناد إلى مصادر أميركية نقلت عنها قنوات بان عربية، تؤكد أن الأموال الإيرانية المجمدة لن تُفرج قبل بدء تنفيذ الاتفاق، وأن مضيق هرمز سيُفتح تلقائياً، وأن مخزون اليورانيوم سيُخرج من البلاد، وأن المنشآت النووية ستُفكك. أما الملف النووي، فمن المفترض أن يكون موضع مفاوضات مستقبلية اعتباراً من الأسبوع المقبل، في حال تم التوقيع. غير أن تقريراً بثته شبكة «CNN» السبت نقل معلومات مقلقة في هذا الشأن. فبحسب الشبكة، خلال فترة وقف إطلاق النار الحالية، عمد الإيرانيون إلى تحصين مخزونهم من اليورانيوم المخصب بالخرسانة، بما يجعل الوصول إليه أكثر صعوبة وخطورة. وقد دفنوا 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب في أنفاق مفخخة بالألغام. وجاءت هذه الإجراءات بعد تهديدات الرئيس ترامب بتكليف الجيش الأميركي بالاستيلاء على اليورانيوم. استياء إسرائيلي ومجهول لبناني إحدى أكبر نقاط الغموض في مشروع «الصفقة» الإيرانية-الأميركية تتمثل في انعكاساتها على لبنان، ولا سيما في ضوء الاستياء الإسرائيلي الواضح من هذه الناحية. وقد سارع الإيرانيون إلى طمأنة حزب الله بأن وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاباً إسرائيلياً واردان في الوثيقة، وهو ما يفسر الموقف الانتصاري الفوري لبعض نواب الحزب، الذين تباهوا بـ«تداعيات» الاتفاق على الساحة اللبنانية. كما لم يفوتوا الفرصة لتوجيه انتقاد إلى السلطات اللبنانية، داعين إياها إلى التخلي عن مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. غير أن الموعد المقبل في واشنطن بين لبنان وإسرائيل لا يزال محدداً في 22 حزيران، وفق ما تؤكد مصادر متطابقة. أما السلطات اللبنانية، فتواصل اعتماد خطاب حازم حيال التدخلات الإيرانية، وتبقى متمسكة بمسار المفاوضات المباشرة في واشنطن، استناداً إلى التصريحات التي أدلى بها هذا الأسبوع كل من الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. أما النقطة الغامضة الأخرى، فتتعلق بما إذا كان الاتفاق سيُلزم إيران بفك ارتباطها بوكلائها في المنطقة، وفي طليعتهم حزب الله اللبناني، وهو الوحيد الذي خاض فعلاً معركة للمساهمة في بقاء نظام الملالي. وتشير مؤشرات عديدة منقولة في واشنطن إلى أن الأمر كذلك، حتى وإن كان الإيرانيون يكثرون من التصريحات التي يؤكدون فيها أنهم لن يتخلوا أبداً عن حزب الله. وفي هذه الأثناء، تبقى الأرض مشتعلة في جنوب لبنان بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. فالإسرائيليون، القلقون بوضوح حيال حرية حركتهم في لبنان، يبدون منذ الآن مقاومة لأي تطور قد يفقدهم «مكتسبات» حققوها في الجنوب، ولا سيما المكاسب الميدانية. ومن جهته، قد يستفيد حزب الله من وقف القتال، في وقت اضطر فيه أصلاً إلى التراجع شمال الخط الرمزي لنهر الليطاني، لكنه يملك أيضاً مصلحة في إبطاء التقدم الإسرائيلي. وهذا ما قد يفسر ضراوة المعارك خلال الأيام الأخيرة حول محاور محددة، بهدف السيطرة على منطقتين رئيسيتين: النبطية وصور. فمن الواضح أن الجيش الإسرائيلي يحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من التقدم قبل أي تطور قد يرغمه على خفض وتيرة تدخله العسكري في لبنان. وكالعادة، تدفع المدن والقرى اللبنانية الثمن. فإشعارات الإخلاء تتوالى بحق عشرات القرى، بعضها في مناطق كانت حتى الآن بمنأى نسبياً عن المواجهات، مثل جزين على سبيل المثال. سواء حصلت الصفقة مع إيران أم لم تحصل، ستتجه الأنظار أيضاً يوم الاثنين إلى اجتماع مجموعة السبع في إيفيان، الذي يشارك فيه دونالد ترامب. ويعتزم الرئيس الأميركي عقد لقاء مع قادة الشرق الأوسط... وهو لقاء يبدو أن نتنياهو قرر مسبقاً عدم حضوره.

/