شعار Levant Time

دين

رسالة البابا حول الذكاء الاصطناعي: برج بابل أم المدينة المقدّسة؟ (2/3)

لتوضيح فكرته ومنحها بُعداً كتابياً، يستخدم البابا لاوون الرابع عشر، في رسالته العامة Magnifica humanitas حول العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، استعارةً مفادها أن على البشرية أن تختار بين بناء «برج بابل» جديد أو بناء «المدينة المقدّسة». وقصة برج بابل هي إحدى الحلقات الواردة في سفر التكوين. فبعد الطوفان بقليل، حين كان البشر جميعاً يتكلمون لغة واحدة، شرعوا في بناء مدينة وبرج يبلغ رأسه السماء، سعياً إلى صنع اسم لأنفسهم. عندها بلبل الله ألسنتهم حتى لا يفهم بعضهم بعضاً، وبدّدهم على وجه الأرض كلها (التكوين 11: 1-9). وقد كان هذا الرمز شديد الخصوبة في تاريخ الأفكار، إذ ألهم تأملات كثيرة حول أصل تعدد اللغات، وقوة الجهد الجماعي، وخطيئة الكبرياء، وشمولية المعرفة، وغير ذلك. أما موضوع «المدينة المقدّسة»، الذي بدأ في سفر نحميا، فإنه يختتم العهد الجديد ويحتل مكانة مركزية في أعمال القديس أوغسطينوس. فالمدينة المقدّسة ترمز إلى كل ما هو ممكن ومرغوب فيه، إنسانياً وإلهياً: السلام، العدالة، علاقات الصداقة بين المسيح وقديسيه، الأمانة العقائدية، وسواها. وبحسب الإيمان المسيحي، فإن على البشرية أن تسمو فوق ذاتها لكي تبني هذه المدينة، وفق التوجهات الكبرى للعقيدة الاجتماعية للكنيسة. لا مسؤولية «الواقعية السياسية» غير أن لاوون الرابع عشر، في وصفه للعالم الذي نعيش فيه، يلاحظ أنه بعيداً من كل الوعود التي قطعتها الأمم على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن صرخة «لن تتكرر الحرب أبداً» التي أطلقتها أوروبا، «يبدو أن منطق التوازن المسلح والردع يعود ليفرض نفسه». ويضيف البابا: «لكن، خلافاً للسيناريو الثنائي القطب في زمن الحرب الباردة، فإن تعدد الفاعلين وجبهات النزاع يجعل هذا المنطق اليوم أكثر هشاشة. ويقود تفاقم المواجهات إلى حروب غير متكافئة و”هجينة“، تُخاض أيضاً على المستويات الاقتصادية والمالية والمعلوماتية، مع اللجوء إلى التضليل والحملات التي تغذي الخوف للتأثير في الرأي العام. في بلدان كثيرة، بما فيها بلدان الجنوب، تُقدَّم زيادة النفقات العسكرية على أنها الجواب الوحيد على مستقبل غامض أو على تهديدات متصوَّرة، فيما يقع الثمن الحقيقي على عاتق الفئات الأكثر فقراً، التي ترى الموارد المخصصة للصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية تتراجع. ويشدد لاوون الرابع عشر على أنه «خلف كل ذلك يختبئ “واقعيّة” زائفة، لا تقوم فقط على منطق القوة الراسخ، بل أيضاً على قناعة ثقافية وأنثروبولوجية، وكأن الحرب جزء لا مفر منه من الطبيعة البشرية. يُقال: هكذا كان الأمر دائماً، باستثناء فترات قصيرة، وهكذا سيبقى دائماً! وبذلك، لا تعود المشكلة هي السلام، الذي فُقد كمرجع في المشهد الدولي، بل كيف ومتى ينبغي التحرك عسكرياً، مع التأكيد أنه سيكون من اللامسؤولية عدم الاستعداد للمواجهة الحتمية. إن اللامسؤولية الحقيقية هي الـRealpolitik، أي ذلك الشكل من “الواقعية” السياسية الذي يزرع في الضمائر كما في الثقافة الاستسلام لفكرة حرب لا مفر منها، ويعتبر السلام والحوار مواقف طوباوية أو غير عقلانية تتجاهل المخاطر القائمة». (§205) نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي وفي سياق آخر، يتوقف لاوون الرابع عشر مطولاً عند نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي. فهذا الاقتصاد يقوم، كما يقول، «على العمل الصامت لملايين البشر، العاملين في أنشطة قليلة الظهور لكنها أساسية: تصنيف البيانات، مراقبة المحتويات — وغالباً ما تكون شديدة السوء — وتدريب النماذج. وفي حالات كثيرة، يتعلق الأمر بشباب، غالبيتهم من النساء، يعملون بجهد شاق لقاء أجور زهيدة. وإلى هذا الإرهاق غير المرئي، يضاف إرهاق أكثر قسوة، هو استخراج الموارد اللازمة لإنتاج الأجهزة والمعالجات الدقيقة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي». ويؤكد الحبر الأعظم أنه «في بعض مناطق العالم، يعمل أطفال ومراهقون، في ظروف خطرة، على سحق المواد التي تُستخرج منها العناصر الأرضية النادرة. أجساد موسومة ومشوّهة ومستخدمة كي لا ينقطع تدفق الحسابات أبداً. فضلاً عن ذلك، تستخدم شبكات إجرامية المنصات الإلكترونية، وأنظمة المراسلة، والمدفوعات المجهولة، وتقنيات التنميط، لتجنيد ضحايا الاتجار بالبشر والتحكم بهم ونقلهم، وغالباً ما يكونون من القاصرين، محوّلةً الرجال والنساء إلى “بيانات” قابلة للتتبع و”طرود” قابلة للنقل داخل الدوائر الرقمية نفسها التي تقوم عليها نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي». ويضيف: «إن هذه الحقيقة تخاطب بعمق الضمير الأخلاقي في زمننا. فلا يكفي التذرع بالكفاءة، ولا الاحتفاء بفوائد الابتكار، إذا كانت تقوم على سلسلة استغلال تبقى، عن قصد، غير مرئية». السلام ثمرة العدالة والمحبة بالنسبة إلى البابا بريفوست، «السلام ليس أملاً ساذجاً ولا مجرد غياب للحرب»، بل هو «ثمرة، ممكنة دائماً، للعدالة والمحبة». ولتوضيح هذه الفكرة، يستشهد لاوون الرابع عشر بج. ر. ر. تولكين، الكاتب الكاثوليكي البريطاني الكبير في القرن العشرين، واصفاً مسؤوليتنا على لسان غاندالف، أحد أبطال ثلاثية سيد الخواتم : «ليس من شأننا أن نجمع كل مدّ العالم وجزره، بل أن نفعل ما في وسعنا لمساندة السنوات التي وُضعنا فيها، وأن نقتلع الشر من الحقول التي نعرفها، لكي يجد الذين سيأتون بعدنا أرضاً صالحة للزراعة». أما نحن، الذين تُرش أراضينا الزراعية وبساتين زيتوننا بالغليفوسات والفوسفور، فينبغي لهذه الكلمات أن تلقى فينا صدى خاصاً. المقال المقبل: ضد الوهم ما بعد الإنساني، القدرة على العلاقة والمحبة (3/3) اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه: رسالة «Magnifica humanitas» للاوون الرابع عشر، نص تأسيسي حول الذكاء الاصطناعي (1/3)

«الإنسانية الرائعة» للبابا ليون الرابع عشر: وثيقة تأسيسية في عصر الذكاء الاصطناعي (1/3)

في رسالته العامة الأولى منذ اعتلائه السدة البابوية، يخوض البابا لاون الرابع عشر مباشرة في ملف الذكاء الاصطناعي، مستعرضاً منافعه الهائلة ومحذراً، في آنٍ، من أخطاره الراهنة والمستقبلية. ففي عصرٍ بات يستسلم لفكرة أن «الحرب جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية»، يخرج الحبر الأعظم ليعيد إلى الواجهة منطق «السلام الممكن». طرح البابا لاون الرابع عشر، الذي مرّ على اعتلائه كرسي بطرس ما يزيد قليلاً عن العام، في الخامس عشر من أيار الماضي رسالته الرعوية الأولى تحت عنوان «الإنسانية الرائعة» (Magnifica humanitas). وتتناول الوثيقة بإسهاب المنافع الكبرى للذكاء الاصطناعي ومخاطره القائمة والمستقبلية، باعتباره طفرة تكنولوجية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، لكنه يمثل في الوقت عينه أداة رهيبة قادرة على استعباد البشرية وتشويه الطبيعة الإنسانية. وتبدو الموازاة جليّة، حتى في الشكل، بين «الإنسانية الرائعة» والرسالة الشهيرة «في الشؤون الحديثة» (Rerum novarum) التي أطلقها البابا لاون الثالث عشر عام 1891؛ إذ اختار لاون الرابع عشر خطوة رمزية بتوقيع وثيقته في 15 أيار 2026، بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة والثلاثين بعد المئة لصدور تلك الرسالة التي أرست الحجر الأساس لـ«العقيدة الاجتماعية للكنيسة». وكان الحبر الأعظم قد أفصح في وقت سابق عن اختياره اسمه البابوي تكريماً للاون الثالث عشر، رابطاً في خطوة مباشرة بين الاضطرابات التي واكبت الثورة الصناعية الأولى وتلك التي يفرضها اليوم عصر الذكاء الاصطناعي. ففي عام 1891، وضعت رسالة «في الشؤون الحديثة» - والتي شكلت مصدر إلهام لكل العقيدة الاجتماعية للكنيسة طوال القرن العشرين - جملة من المبادئ للتأكيد على أن الاقتصاد والتقدم التقني عموماً، واللذين كانا يشهدان تحولاً جذرياً آنذاك، يجب أن يظلا في خدمة الإنسان وليس العكس. وفي خضم الثورة الصناعية، أراد البابا لاون الثالث عشر التحذير من الخطر الذي يهدد الإنسانية جراء صعود الرأسمالية المتفلتة من جهة، والمشروع الاشتراكي لاقتصاد الدولة من جهة أخرى. ومن بين تلك المبادئ الكبرى، برزت كرامة العامل، وضرورة التزام الدولة برعاية الصالح العام، والوجهة العالمية للممتلكات في مواجهة احتكار القلة، ومبدأ التضامن الذي يقضي بألا تتدخل السلطة العليا إلا في الشؤون التي عجزت عن إنجازه الوحدات الصغرى بمفردها. هذا إلى جانب الإقرار بشرعية العمل النقابي والملكية الخاصة على حد سواء، والتشديد على خيار الانحياز المبدئي للفقراء. إرث «مُعزَّز» لَقِيَت الرسالة العامة «الإنسانية الرائعة» ترحيباً واسعاً بصفتها وثيقة تأسيسية للعصر الرقمي، تضاهي في أبعادها رسالة «في الشؤون الحديثة» التي واكبت الثورة الصناعية. فالوثيقة الجديدة تستكمل هذا الإرث وتُمَدِّد مفاعيله إلى الفضاء الرقمي المستجد، انطلاقاً من رؤية مفادها أن «الذكاء الاصطناعي لا يمكن مقارنته كملف هامشي، أو كحالة طارئة تتطلب تدبيراً موقتاً، بل هو تحول بنيوي يُسائل في الصميم مقوّمات العقيدة الاجتماعية للكنيسة من الداخل» (الفقرة 17). ويرى كثر من المفكرين أن البابا لاون الرابع عشر يثبت، من خلال هذه الوثيقة، أنه رجل المرحلة بلا منازع. وفي هذا السياق، تدمج الرسالة العامة البيانات الرقمية في «الوجهة العالمية للممتلكات»؛ إذ تؤكد أن «براءات الاختراع، والخوارزميات، والبنى التحتية الرقمية، هي خيرات لا يجوز أن تظل حكراً على قلةٍ من المتنفّذين» (الفقرة 67). وفي مقلب آخر، تعيد الوثيقة صياغة «مبدأ التدرج»؛ نظراً إلى أن «المستوى الأعلى» لم يعد متمثلاً في الدولة بمفهومها التقليدي، بل في المنصات التكنولوجية الكبرى التي باتت تتحكم في شروط الانخراط في الحياة العامة (الفقرة 71). نداءٌ يستحثّ المجتمع برمّته وعلى غرار الرسائل الاجتماعية الكبرى في التقليد الكاثوليكي، تُسائل «الإنسانية الرائعة» المجتمع بمختلف مكوناته. إنه نداء عالمي يتوجه إلى مصممي الخوارزميات والقادة السياسيين بالقدر نفسه الذي يخاطب به المواطنين العاديين، مؤمنين وغير مؤمنين، بغية إعادة كرامة الإنسان، غير القابلة للتصرف، إلى صلب الابتكار التكنولوجي. وتتسم الرسالة العامة بوفاء عقائدي راسخ؛ إذ تستعيد المفاهيم التي أرساها البابا يوحنا بولس الثاني حول كرامة العمل البشري (رسالة «ممارسة العمل»)، وأطروحات البابا بندكتس السادس عشر بشأن التنمية البشرية المتكاملة في مواجهة المد التقني (رسالة «المحبة في الحقيقة»)، كما تتقاطع مع رؤية البابا فرنسيس في تكريس الوجهة العالمية للممتلكاتومناهضة «النموذج التكنوقراطي» (رسالة «كن مسبَّحاً»)، فضلاً عن تعزيز قيم الأخوّة الإنسانية في مواجهة الفردية الرقمية التي تغذيها الشاشات (رسالة «جميعنا إخوة»). مواكبة لاهوتية «لا بدّ من إحياء الفكرة القائلة بأنّ البشريّة تحمل في طيّاتها عظمةً كبرى»، عبارةٌ خطّها يوماً البابا بندكتس السادس عشر؛ وتأتي الرسالة العامة للبابا لاون الرابع عشر، بعُنوانها فحسب، لِتُرجّع صدى هذا الطموح بصورة مباشرة. إنّ هذه «الإنسانيّة الرائعة» إنّما تتجلّى «في وجه الابن»، كما يعبّر الحبر الأعظم الأميركي (الفقرة 133)؛ الابن «الذي بِهِ وَلأَجْلِهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ» (كولوسي 1: 16)، والذي تراءى لمعاصريه وللعالم بوصفه «ابن الإنسان»، وأخاً للجميع («جميعنا إخوة»). وفي هذا المنحى، تتبدّى «الإنسانيّة الرائعة» كرسالة عامة ذات أبعاد «شخصانيّة» وثيقة، تَضع الشخص البشري «في الصدارة» لا على الهامش من أيّ نشاط إنساني. وهي كذلك وثيقة ذات عمق أخلاقي بالِغ؛ بيد أنّ الأمر هنا لا يتعلّق بالأخلاقيّات الفرديّة، بل بالمنظومة الأخلاقيّة التي يفرضها بزوغ هذه الأداة الاستثنائيّة واستخدامها، ونعني بها الذكاء الاصطناعي. ويتّصل ذلك، على وجه الخصوص، بأخلاقيّات أنماط إنتاجه، والعلاقات بين الأمم الغنيّة والفقيرة، والجدليّة القائمة بين رأس المال والعمل، فضلاً عن تركز النفوذ المعرفي والاقتصادي والسياسي في أيدي كبريات الشركات العالمية أو قلة من النافذين. كما تمتدّ هذه المقاربة لتشمل أخلاقيّات توظيف السطوة الرقميّة في قطاع التعليم، أو تسخيرها لغايات مدنيّة وعسكريّة، أو توجيهها خِدمةً للخير المشترك في مواجهة نزعات الهدم والأذى. عمىً روحيٌّ شديد ولا تقتصر الأبعاد الأخلاقية للرسالة العامة على ما تقدَّم، بل تتبدّى في حُكمها على عصرنا الراهن، المطبوع، وفقاً للحبر الأعظم، بـ«عمىً روحي وثقافي مستحكم». إذ نطالع في الفقرة 204: «إننا نعيش حقبة من التيه الروحي والثقافي؛ حيث تدعونا براغماتية زائفة إلى قطع جذور الذاكرة، وكأنّ بمقدورنا تدشين "خلقٍ جديد" مبتورٍ عن الماضي. وحتى أولئك الذين يتغنّون بالمبادئ الأخلاقية السامية، قد يقعون في فخ هذه العدمية التاريخية، غارقين في أوهام تزعم أن فظائع القرن العشرين (ملاحظة المحرر: ويل مطلع القرن الفائت، والحربين العالميتين، والقنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي، ومعسكرات الغولاغ السوفياتية، ومحرقة "الـشـوا"، ومجازر حقول الأرز في كمبوديا...) لم تعد قابلة للتكرار. غير أن الواقع يؤكد أن الديناميات والنزعات الإقصائية نفسها تطفو مجدداً على السطح، ولكن في قوالب حديثة». وهذا تماماً ما نشهده ماثلاً أمام أعيننا اليوم في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، وحتى في القارة الأوروبية العجوز. المقال المقبل: برج بابل أم المدينة المقدسة؟ (2/3)

بكركي تمنح زوجات الكهنة المتزوجين هويةً ومكانة
بقلم
فادي نون
نُشر
يونيو 3, 2026 - 10:30

في خطوة تشكّل ثورة هادئة وراقية داخل الكنيسة المارونية، قررت بكركي منح زوجات الكهنة المتزوجين هوية واضحة ومحددة، ليتكرّس رسميّاً دور «الخورية». ريتا، بوليت، ناديا، نور، شارلوت، ودنيا... نساء يجمع بينهنّ ارتباطهنّ بكهنة موارنة. هنّ «الخوريات»، اسم محبب درجنَ على حمله دائماً محبّةً وتقديراً. وفي السادس عشر من أيار الحالي، عشنَ فرحة المشاركة في اللقاء الوطني الأول لزوجات الكهنة في الكنيسة المارونية، وهو الحدث الذي كرس اعترافاً رسمياً بهويتهنّ، مع التأكيد على أنّهن جزء لا يتجزأ من المسيرة الكهنوتية لأزواجهنّ. وفي رسالة وجهها إلى الجمع، أشار الكاردينال ماريو غريتش إلى البُعد المزدوج الذي تجسده هذه المبادرة: الوفاء للتقليد الشرقي العريق للكنيسة المارونية، والانفتاح في الوقت عينه على المكانة والدور الريادي اللذين ينبغي للمرأة أن تضطلع بهما في المجتمع المعاصر. هذا اللقاء، الذي يُعدّ سابقة تاريخية، جاء بثمرة جهود مشتركة وتنظيم من أبرشية أنطلياس المارونية برئاسة المطران أنطوان بو نجم، واللجنة البطريركية المعنيّة بمتابعة السينودس من أجل كنيسة سينودسية (تشاورية) برئاسة مطران البترون منير خيرالله. وحمل اللقاء عنوان: «دعوة ورسالة الخورية في الكنيسة». وشكّل هذا الحدث لـ154 زوجة كاهن حضرنَ اللقاء، هديّةً كبرى ترجمت اعترافاً كنسيّاً ومجتمعيّاً بدورهنّ، وضمانةً لتوفير إعدادٍ مستمرة لهنّ. «لقد كان من بين الحاضرين زوجة كاهن، ابنها بدوره كاهن متزوج»، تروي ريتا أبو متري (49 عاماً) بابتسامة وعفوية. تشغل ريتا منصب منسقة مجموعة زوجات الكهنة في أبرشية أنطلياس، وهي الهيئة التي أدت دوراً محوريّاً في تحويل هذا اللقاء الوطني الأول إلى حقيقة ملموسة. وتضيف ضاحكة: «أقدم الحاضرات كانت تحتفل بمرور خمسين عاماً على زواجها، في حين أن أحدثهنّ عهداً بالزواج لم يمر على زفافها سوى أسبوع واحد!» وتقرّ ريتا بأنّ عدد «الخوريات» في لبنان أعلى بكثير، لافتةً إلى أنّ ثمّة نقصاً حتى الآن في البيانات الدقيقة حول هذا الموضوع. ولا يحتاج دور الكهنة الموارنة في المجتمع اللبناني إلى تأكيد أو إبراز، سواء في المدن أو في البلدات والقرى. فزواجهم يشكّل جزءاً لا يتجزأ من التقليد الماروني، وغالباً ما يُنظر إليه كعنصر استقرار ونموّ عائلي ووحدة. وهم يتمتعون داخل الكنيسة المارونية بوضع خاص؛ إذ يُحدَّد خيارهم بين الزواج أو التبتل قبل السيامة الكهنوتية . وإذ يخدمون ككهنة أبرشيات، فلا يمكنهم، بصفتهم متزوجين، الترقية إلى الدرجة الأسقفية، كما لا يحق لهم الاقتران مجدداً في حال وفاة الزوجة. أما في الغرب، فقد سمح البابا فرنسيس بوجودهم وسيامتهم، نظراً لتزايد حضورهم وبفعل موجات الهجرة التي تدفعهم إلى خارج الشرق الأوسط. ريتا، وهي ممرضة مجازة، وزوجها الخوري جورج أبو متري، خادم رعية مار ميخائيل في بيت الشعار (المتن)، رزقا بثلاثة أولاد: شابان في الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وفتاة في الحادية عشرة. وقد تعارفا حين كان جورج يستعد للكهنوت في إكليريكية غزير (كسروان). وتشمل الخلفية الجامعية لزوجها إدارة الفنادق، والمرافقة الروحية، والفلسفة. ولم يتسلل إلى علاقتهما أي شعور بالذنب أو التردد؛ إذ كان الأب جورج قد اختار الزواج منذ تلك المرحلة، في ختام مسيرة تمييز روحي قادها برفقة مرشده الروحي. «ترك الله من أجل الله» بالنسبة إلى هذين الزوجين، لا تعارض بين الدعوتين الزوجية والكهنوتية. وتتجسد إحدى «القواعد الذهبية» في حياتهما المشتركة في ميزة المرونة، وهي القاعدة نفسها التي أرساها القديس منصور دي بول لراهبات «أخوات المحبة»: «ثمة ظروف لا يمكننا فيها الالتزام بجدول الأعمال اليومي (...). فالمحبة تعلو فوق كل القواعد (...). إن الله يدعوكم إلى الصلاة، لكنه في الوقت عينه يدعوكم لمساعدة هذا المريض المسكين؛ وهذا ما يُسمّى ترك الله من أجل الله». وتعلّق ريتا قائلة: «إنها قاعدة مرنة تمنح الحرية. فكأيّ أمّ، أجد نفسي أحياناً مضطرة إلى مغادرة القداس قبل انتهائه للاعتناء بالأولاد، أو الغياب عن أحد الاجتماعات إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك. وفي المقابل، يتعين عليّ ممارسة قدر كبير من التحفظ في علاقاتي مع مختلف اللجان الاجتماعية أو الخيرية في الرعية، والمنظمات الشبابية، والتحضيرات السنوية للمناولة الأولى، ولجان السيدات، والروابط مع الوسط المدرسي، وغيرها». وتتابع: «إن شراكتنا هي التي تقود العائلة نحو النمو والازدهار». وتَعني هذه الكلمة بالنسبة إلى ريتا أن الدعوتين تُبنيان وتُعاشان معاً، وأنهما يشكلان معاً فريقاً راعوياً متكاملاً، من دون أن تؤدي هذه التوليفة إلى خلق تراتبية مغلوطة داخل العلاقة الزوجية. فثمة توازن دقيق ينبغي إيجاده في الخدمة المتبادلة التي يقدمانها؛ مع الإدراك التام بأن الأولوية تكمن في إنجاح العمل الكهنوتي للأب جورج وجعله مثمراً، من دون أن ينتهي بهما المطاف بزواجهما إلى العزلة والإرهاق، أو إلى إهمال الأولاد. وتؤكد ريتا: «على العكس من ذلك، إن تفاهمنا ينعكس إيجاباً على علاقة زوجي بأبناء الرعية. فإذا شحن الأجواء أي توتر، وهذا أمر طبيعي، أو بدا عليه الإرهاق الشديد، تنعكس الأمور سلباً، ويلحظون ذلك على الفور. ومن جهة أخرى، تمنح عائلتا الكبيرة والصغيرة الأولوية لجدول أعمال جورج، ونعيد تنظيم مواعيدنا بناءً عليه، والأولاد أيضاً يتأقلمون مع هذا الوضع». إلا أن ريتا توضح أنه في المرحلة الأولى من زواجها، واضطرارها إلى رعاية أطفالها في سن مبكرة، توجّب عليها الاستغناء عن عقد عملها في أحد مستشفيات بيروت الكبرى. وكان عليهم الاعتماد، خلال تلك السنوات، على راتب زوجها كمعلم، إذ كان يعطي دروساً في التنشئة المسيحية ويقدم مرافقة روحية في مدرستين مختلفتين. ومن المتعارف عليه أيضاً في الرعايا المارونية أن يتقاضى الكاهن راتباً، لكن هذا المبلغ غير موحد ويختلف بحسب إمكانات كل رعية. وفي أفضل الأحوال، لا يتعدى هذا الراتب الـ600 دولار شهرياً. في حين أن بعض الرعايا قد تخفض هذا المبلغ ليتحول إلى ما يشبه المساعدة الرمزية بقيمة 100 دولار شهرياً، معتبرة أن بإمكان الكاهن تأمين مداخيل إضافية من خلال الخدم التي يحتفل بها كالعماد والزواج والمآتم. ومع ذلك، تؤمّن الكنيسة المارونية عادةً السكن للكاهن من خلال الرعية، كما يستفيد أولاده من التعليم المجاني، ويحظى بتغطية طبية واستشفائية وصندوق للتقاعد من خلال الأبرشية التابع لها. « لا يهم إن كان الكاهن عازباً أم متزوجاً، فالمهم ألا ينظر إلى الوراء، بل أن يحمل نير الخدمة ويتبع المسيح بفرح»، هذا ما يشدد عليه المطران بول ناهد، وهو نفسه كاهن متزوج والأمين العام للجنة البطريركية لمتابعة سينودس السينودسية. الكاردينال غريش: «دعوة حقيقية» استُقبلت المشاركات في هذا اللقاء برعاية ومواكبة من البطريرك الراعي، والمطران منير خير الله (راعي أبرشية البترون والمكلف بمتابعة سينودس السينودسية)، والمطران أنطوان بو نجم (راعي أبرشية أنطلياس)، والأب بول ناهد. وقد استمعن إلى رسالة متلفزة عبر الفيديو من الكاردينال ماريو غريش، الأمين العام لسينودس الأساقفة في روما، وصفها الأب ناهد بأنها «مدهشة في انفتاحها». وقال الكاردينال غريش في رسالته: «إن دعوتكنّ، على الرغم من كونها مفاجئة، أتاحت لي تقدير قيمة المسيرة التي تنتهجها كنيستكنّ لضمان الأمانة لتقليدها الخاص (...). وبما أن تقليد الكنائس الشرقية شدّد، على مر العصور، على أهمية وجود كهنة متزوجين، فإنه من الأساسي في عصرنا الحالي، وأمام التحولات الاجتماعية والثقافية المتزايدة، اعتبار أن النساء يضطلعن بدور أكثر تلاؤماً مع قدراتهن الهائلة؛ ويجب أن يكون هذا الدور قادراً على مواكبة المسيرة الكهنوتية بالكامل، بل وأن يصبح جزءاً لا يتجزأ منها لا مجرد دور ثانوي». وتوجه الكاردينال غريش مباشرة إلى الزوجات المشاركات في اللقاء قائلاً: «كنّ أمينات لدعوتكنّ، فهي بالفعل دعوة حقيقية. عشن إلى جانب أزواجكنّ ككهنة، وقدمن لهم قدراتكنّ وذكاءكنّ، وقبل كل شيء إيمانكنّ ورجاءكنّ ومحبتكنّ؛ هذه المحبة التي تستمد قوتها من العطية الرائعة التي وهبكنّ الله إياها: أن تصرن أمهات في حضن الجماعة الكنسية». وبعد توزيعهنّ على مجموعات صغيرة، اختبرت السيدات الحاضرات تجربة «المحادثة الروحية»، وهي مساحة للمشاركة والإصغاء لما يقوله الروح القدس للكنيسة من خلال جماعة المؤمنين. كما تسنى لهنّ التحدث مع البطريرك الراعي، الذي أجاب بصبر عن الأسئلة الكثيرة التي ركزت على الجوانب العملية لواقعهنّ، ولا سيما مسألة الترمل. وستتولى لجنة متخصصة متابعة هذا اللقاء وإعداد برنامج تنشئة كتابية وراعوية. وتختم ريتا أبو متري بالقول: «كانت روح الإصغاء والتمييز والمشاركة هي السائدة في هذا النهار، مما عكس أجواءً روحية تجلّت للمشاركات كعنصرة جديدة».

الوردية: "صلاة الفقير" وقوّة الخلاص السماوية
بقلم
فادي نون
نُشر
مايو 25, 2026 - 11:54

“لا بُدَّ من قولها، الوردية تمنعك من السقوط إلى القاع”. بنبرة تنضح بالبداهة ومن دون الدخول في التفاصيل، يُعرب راؤول* عن قناعته هذه، وهو المتقاعد الشغوف باللغات، والوالد اللبناني-الكندي الفائق المؤهلات، والذي يهدده الشبح الدوري للبطالة! في هذا الشهر المريمي، شهر أيار الذي تكرّسه الكنيسة للعذراء مريم، لا تُحصى شهادات العون والمدد التي نالها المؤمنون عبر المسبحة. فبالنسبة إلى فهد ف.، الكسرواني أباً عن جدّ، لولا المسبحة وزيارة المقام المريمي في بشوات (البقاع)، لَكان زواجه قد بقي عقيماً. “اِشْرَعْ فِي الصَّلَاة!”، هذا ما سمعه في قرارة نفسه صاحب مؤسسة، مباشرةً بعدما سلّم مفاتيح سيارته إلى عاملٍ كلّفه بمهمّة. وعند عودته، عَلِمَ الرجل، الذي دأب على تلاوة صلوات “السلام” خفيةً قرب ورشة العمل حيث يشتغل عماله، أن سيارته انزلقت على الطريق المبتلة على أوتوستراد المتن السريع، وكادت تهوي في قعر منحدر لولا شجيرة ضخمة أوقفت اندفاعها بعناية إلهيّة. تأتي هذه الشهادات لتوائم، على طريقتها، كلمات البابا لاون الرابع عشر الذي زار في 8 أيار مزار بومباي (إيطاليا) لإحياء الذكرى السنوية الأولى لجلوسه على الكرسي الرسولي، إذ قال: “الوردية هي صلاة الفقير (...)، وهي صِوان اللاهوت المسيحي الأكثر جوهرية”. وتتجلى هذه الأهمية تحديداً في عقيدتَي التجسّد والفداء. وفي الواقع، تؤكد هذه الشهادات، التي جُمعت عفوياً من غياهب الأحاديث، أن المسبحة هي حقاً «صلاة الفقير»، الصلاة الصالحة لكل أمر في السماء، تلك التي يُلجأ إليها بتلقائية، في كل وقت وحين، نيلًا لنعمة، أو وقفًا لحرب، أو تيسيراً لولادة طفل، أو طلباً للشجاعة على النهوض مجدداً، أو نجاحاً في امتحان، أو درءاً لحادث. تقليد يعود إلى القرن الثالث عشر تعود جذور تلاوة المسبحة والوردية إلى أوروبا العصور الوسطى. فخلال الحملة ضد بدعة “الألبيجنسيين” (المرتدين) في مطلع القرن الثالث عشر، تراءت العذراء للقديس دومينيك، وأوضحت له أن سلاح الصلاة هو الأقوى لدحر الهرطقة، متفوّقاً على السجالات والمعارك. وكان لا بد من التكرار بلا كلل: “يا قديسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة!”؛ هذا هو أصل الوردية. وتفيد رواية رمزية بأن العذراء مريم نفسها هي من سلّمت القديس دومينيك هذا العِقْد الثمين من العُقَدِ أو الحبات، الذي نراه اليوم يزيّن مرايا الرؤية الخلفية لسيارات كثيرة. ومنذ ذلك الحين، فُرِضَ على الرهبان الأميّون في الأديرة تلاوة صلوات “السلام عليك يا مريم” الـ150 الخاصة بالوردية، ريثما يتسنّى لهم حِفْظُ المزامير الـ150 من كتاب المزامير. وتُعدّ المسبحة صلاة تكرارية، تتألف من خمس عشرات من صلاة “السلام عليك يا مريم”، تنتهي كل منها بصلاة “أبانا” وصلاة “المجد للآب”. وكانت الوردية تضم في الأصل ثلاث مسبحات، مما يتيح تلاوة أسرار الفرح والحزن والمجد الخمسة عشر. ويُستخدم لفظ “سرّ” في هذا السياق ليشير إلى محطة أساسية من حياة المسيح. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، أضاف البابا يوحنا بولس الثاني مسبحة رابعة تضم خمسة أسرار تُعرف بـ”أسرار النور”، غير أنها تظل اختيارية. وترافق تلاوةَ كل عشرة تأملاتٌ في أحد “أسرار” حياة المسيح. ولجعل الوردية متاحة للعامة من حيث الوقت، وليس للرهبان فحسب، خصصت الكنيسة أياماً من الأسبوع لكل مجموعة من “الأسرار”، بحيث يمكن توزيع تلاوة الوردية الكاملة على ثلاثة أو أربعة أيام. الترسيخ في التاريخ يمنح التجذر في تاريخ الكنيسة المسبحةَ شرعية روحية أكيدة. وتكمن قوتها الكبرى في سهولة متناولها؛ فهي تتكيف مع هموم كل فرد وأوقات فراغه. وبالتأكيد، تُظهر التجربة أن التكرار يؤدي أحياناً إلى تلاوة آلية، أو إلى النوم، وأن بذل الجهد أمر ضروري لإكمال المسبحة. ومع ذلك، فإن هذا الجهد لا يغيب أن يُكافأ. والمسبحة، بوصفها ركيزة قوية في مختلف الأوقات العصيبة من الحياة، كالانتكاسات الصحية، والإخفاقات المهنية، والمخاوف على أنواعها، يمكنها أيضاً أن تقود إلى اكتشاف أعماق جديدة في الكتاب المقدس، وإلى لقاء شخصي حقيقي مع المسيح. «إن المعجزة الأكبر للوردية هي تلك التي تحدث في القلب»، تؤكد ماريال، وهي أم مارونية نشأت في عائلة كانت تتلو المسبحة يومياً. وتعتصم بالقول إنها، عندما كانت طفلة، كانت تنام تقريباً في كل مرة أثناء الصلاة، وأنها لا تزال حتى اليوم لا تجيد تلاوة المسبحة بمفردها. وتضيف: “ننجح غالباً، أنا وزوجي، في جعلها وقت نعمة، وتبادل، ولقاء مع الرب، وشفاعة قوية. فكل همومنا تمر عبرها!” تغيير مجرى التاريخ لكن “ملكة السماء والأرض” لا تكتفي بمساعدة الأفراد، بل تريد أيضاً أن تقود شعوباً وقارات والعالم أجمع إلى ابنها. ويمكن لشفاعتها، لا سيما من خلال الوردية، أن تغيّر مجرى التاريخ. والنموذج المثالي الذي يُساق في هذا الصدد هو الدور المنسوب إلى الوردية خلال معركة ليبانط البحرية الشهيرة (البحر الأيوني، 7 تشرين الأول 1571)، حيث تواجه الأسطول العثماني بقيادة سليم الثاني وأسطول تحالف “الرابطة المقدسة” بقيادة إسبانيا وجمهورية البندقية. ومع خسارة 187 سفينة من أصل 251 شاركت في المعركة، وسقوط أكثر من 20 ألف رجل، اعتُبرت نتيجة المعركة تدبيراً إلهياً، إذ وُضع في ذلك اليوم حدّ حاسم للتوسع العثماني. وبناءً على ذلك، حدد البابا بيوس الخامس يوم 7 تشرين الأول عيداً ليتورجياً للوردية. لقد ترك الوجود العربي الإسلامي القديم في أوروبا ذكرى لافتة في موقعين جميلين بالقارة: لورد وفاطمة. فقرية فاطمة في البرتغال تحمل اسم الابنة المفضلة لنبي الإسلام. وخلف تسمية المواقع غير المألوفة هذه، تكمن الذكرى الراسخة للأندلس وللوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية. أما لماذا اختارت مريم هذه القرية بالذات لتحذّر فيها من مآسي القرن العشرين، فذلك يبقى سرّها. لكن ما هو معروف أنها قدّمت نفسها للأطفال الثلاثة الذين رأوها على أنها سيدة الوردية، وطلبت تلاوتها يومياً. “أكثر النساء نبلا” في حالة «لورد»، تُشير رواية شفهية نقلها مؤرخون إلى أن هذا الاسم مشتق من الكلمة العربية “وردة”، وذلك بفعل انزلاق حرف “الواو” العربي إلى حرف اللام المائع في الفرنسية. كما يُرجّح أن مغارة “ماسابييل”، حيث تراءت العذراء للقديسة برناديت عام 1858، تستمد اسمَها من الكلمة العربية “السبيل”، والتي تعني العين أو النبع. وتَرِد هذه التفاصيل في مخطوطة تاريخية تروي كيف وجد الإمبراطور شارلمان نفسه، عام 778، عند عودته من حملته في إسبانيا، محاصَراً على طول سلسلة جبال البيرينيه أمام قلعة حصينة يحتلها أمير يُدعى “ميرات” (وهي إعادة ترتيب لأحرف كلمتَي “أمير” أو “إيمير”؟). وقد قاوم هذا الأمير كل الإنذارات بالاستسلام، كما رفض الوعود بمنحه لقب «كونت وفارس لدى شارلمان» والاحتفاظ بجميع ممتلكاته إذا ما قَبِل المعمودية. وفي محاولة أخيرة، تمكّن أسقف «لو بوي»، وهو مرشد شارلمان الروحي، بعد الصلاة بحرارة لسيدة “لو بوي”، من الصعود إلى القلعة بصفة مفاوض. ولإدراكه المكانة العظيمة التي يخص بها المسلمون العذراء مريم، اقترح الرجل على “ميرات” أنه إذا كان يرفض الاعتراف بشرلمان، فليقبل على الأقل بأن تكون سيدته الأعلى “أكثر النساء نبلا على الإطلاق”. وإذ راقت الفكرة للأمير، أعلن “ميرات” أنه “مستعد لإلقاء السلاح أمام خادم سيدة لورد وقَبول المعمودية، شريطة ألا تخضع مقاطعته أبداً، لا له ولا لأحفاده، إلا لها وحدها”. ووافق شارلمان على الاتفاق، فنال «ميرات» المعمودية على يد أسقف أبرشية “لو بوي”، ليشكل هذا اللقاء نهاية حروب الاسترداد (“الريكونكيستا”) في فرنسا. شهادات تستدعي التوقف عندها إن هذه الشهادات تستدعي التوقف عندها. فبفعل إشعاعهما، تُعدّ لورد وفاطمة ذخائر مقدسة، بل وعوداً تقريباً. وسيظل مزار لورد، حتى نهاية العالم، يحمل بصمة العذراء مريم، “الوردة السرية” الواردة في طلبة الوردية، تماماً كما تمنى ميرات السَّرَاقِبِيّ. ونقول ختاماً إن الكنيسة الكاثوليكية لا يسعها إلا أن تغتبط بقداسة البابوات الذين توالوا على سدتها منذ أكثر من قرن. بيد أن التكاثر الواضح لظهورات العذراء منذ أكثر من قرن يؤكد أنها رأت من المفيد أيضاً التدخل مباشرة في مجرى التاريخ. وفي الشرق الأوسط، رأيناها في القاهرة (1968)، وبيروت (1970)، ودمشق (1982)، والموصل (1991). فما من شيء يخفى على مريم، سواء من سلوكياتنا الشخصية أو من الأوقات العصيبة التي يعيشها الكوكب. ونحن نلمس ذلك، في لبنان وفي أماكن أخرى، فـتحذيراتها دائماً في محلها. وفي لبنان، كانت لدينا الفكرة المبتكرة المتمثلة في إرساء عيد وطني مدني يرمز إلى عيشنا المشترك، واستعارة عيد البشارة (25 آذار) من العذراء مريم للقيام بذلك. ولحسن الحظ، فإن الكلمة الأخيرة تظل لها دائماً. “لو أن الله، في غضبه، حطّم العالم، لجمعتُ له أشلاءه”، هذه هي الكلمات المؤثرة التي أسرّت بها يوماً إلى الأب جان-إدوار لامي، الرسول والصوفي الفرنسي (1853-1931). أجل، إن الوردية هي بحق على صورة “أمة الرب”، التجسيد المصلّي لروح الخدمة، والضمانة بأن الصلاة الحارة والصادقة تفوق بفعاليتها «السجالات والحرب». إنها “صلاة الفقير”، صلاة صالحة لكل شيء، بل وحتى لإعادة بناء كل شيء، كما تؤكد العذراء مريم نفسها. (*) غُيّرت الأسماء الأولى.

لبنان وكنيسته في مهبّ ثلاث «حروب مقدّسة»
بقلم
فادي نون
نُشر
مارس 17, 2026 - 15:30

تجد الكنيسة في لبنان نفسها اليوم في مهبّ ثلاث «حروب مقدّسة»؛ بين نزعتين أصوليّتين إسلاميّتين متمايزتين، شيعيّة وسنّيّة، وأصوليّة يهوديّة، فضلاً عن انحراف دينيّ يتمحور حول نهاية الأزمنة يتمثّل في «الصهيونيّة المسيحيّة». وتتقاطع هذه المتخيّلات الروحيّة المتصارعة عند محور ارتكاز واحد هو القدس – مدينة السلام بامتياز. خلال زيارته للبنان، وجّه البابا ليون الرابع عشر إلى اللبنانيين رسالةً هي عينُها التي ما انفكّ يوجّهها، منذ اعتلائه السدّة الرسوليّة، إلى شعوب العالم قاطبةً، ولا سيّما الشباب المسيحيّ المشرقيّ، قائلاً: «كونوا صُنّاع سلامكم الخاص، واجعلوا من أنفسكم روافع صلبة لإرساء سلام الأديان». إنّ هذه الكلمات تتوجه إلى أبناء وبنات وطنٍ يُعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الأرض المقدسة، وبالتالي، حاملاً لرسالةِ تجمّعٍ وشركة. يُعتبر لبنان منارةً وضمانةً لجميع مسيحيي الشرق الأوسط، لكونه البلد الوحيد في المنطقة الذي لا يزال فيه المسيحيّون التاريخيّون متجذّرين بعمقٍ وزخمٍ في صلب المجتمع. وهو الوطن الذي رأى فيه البابا يوحنا بولس الثاني «رسالة حريّة ونموذجاً للتعدّدية للشرق كما للغرب». وبفضل ارتباطهم بالفاتيكان منذ قرون، مع تمسّكهم بجوهرهم المشرقيّ، نجح موارنة لبنان ومدارسهم في جعل هذا البلد جسراً استثنائياً بين الشرق والغرب. وفي المقابل، تنظر بعض الرؤى الدينية الأميركية، ولا سيّما تلك المرتبطة بـ«الصهيونية المسيحية»، إلى الشرق الأوسط – ومن ضمنه لبنان – بوصفه مسرحاً نبويّاً يرتكز على وجود دولة إسرائيل وأمنها. وفي هذا المنظور، لا تُعدّ النزاعات الإقليميّة مجرّد صراعات سياسية، بل تندرج ضمن قراءة «رؤيويّة» للتاريخ، مرتبطة بنهاية الأزمنة. ومن واجب الكنيسة أن تخاطب أصحاب هذه الرؤى بلغة الحقيقة والمحبّة. حذرٌ وتبصّر تؤمن الكنيسةُ بدورها بنهاية الأزمنة، بيد أنها تؤمن بها بذاك الحذر والتبصّر اللذين اكتسبتهما على مدار ألفي عام، وبعد منزلقاتٍ كثيرة عرفتها في تاريخها. ولولا نعمة الله، لظلّت هذه المنزلقات قابلةً للتكرار في كل حين. غير أن لدى الكنيسة ما تقوله في هذا الشأن، ولا سيّما فيما يخصّ تطويعالدين لتشريع العنف. فبالنسبة إلى الكنيسة، العنف «المشروع» الوحيد هو ذاك الذي يمارسه الإنسان ضدّ «ما يجعل الإنسان نجساً»، أي ما «يخرج من القلب من أفكار شريرة، وقتل، وزنى، وفجور، وسرقة، وشهادة زور، وتجديف» (متى 15). إنّ هذا العنف يُمارس أولاً وقبل كل شيء ضدّ الذات. كما يمكن ممارسته خارجها، ولكن في حدود الدفاع المشروع عن النفس. غير أن هذا المفهوم بحدّ ذاته، والوارد في تعليم الكنيسة الكاثوليكية، يجب أن يُستخدم بالحذر اللازم؛ إذ إنه يخضع حالياً لمراجعة عقائدية، خصوصاً حين يُستحضر بصفة جماعية تحت مسمّى «الحرب العادلة». «ولاية الفقيه» في إيران، تنصّ العقيدة الإسلاميّة لـ«الوليّ الفقيه» على أنّ الحكومة، إبّان غيبة الإمام الثاني عشر – المعروف بـ«إمام الزمان» (القرن العاشر) – تقع تحت مسؤولية «فقيه» (عالمٍ بالتشريع واللاهوت). وهذه النظرية، التي طوّرها بشكل أساسي آية الله الخميني، هي حجر الزاوية في نظام «ثيوقراطي» يمنح رجال الدين الشيعة الصدارة في السلطة السياسية. ويُعتبر الفقيه «المرشد الأعلى»، إذ يتولى قيادة الأمّة الإسلامية مع امتلاك حق النقض (الفيتو) في المجالات كافّة، التشريعية منها والقضائية والعسكرية على حدّ سواء. ويتمّ اختيار الفقيه لنهج سياسة تكون أقرب ما يمكن لما كان سيفعله «المهدي» نفسه. وإذ دُمجت هذه العقيدة في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإنّ ممارستها في لبنان من قِبل حزب الله تطرح إشكالية خطيرة تتمثل في عدم توافقها مع التعدّدية الطائفية. وفي هذا السياق، أعلن الشيخ محمد حسين فضل الله نفسه في عام 1995 «مرجعاً للتقليد»، وهو ما يُعدّ اعتراضاً علنياً على مبدأ «ولاية الفقيه»، وذلك باسم «التقليد التعدّدي وغير الهرمي» للإسلام الشيعي. «علامات الساعة» في مقالٍ نُشر في العدد 422 من مجلّة «L’Histoire» (نيسان 2016)، أثار المؤرّخ جان-بيير فيليو مسألة «جهاد آخر الزمان». فقد ربطت شخصيات عدّة في النظام الثيوقراطي الإيراني – من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله –علنًا بين الثيوقراطية القائمة في إيران وتبشيرها الأيديولوجي والعسكري، وبين اقتراب «زمن النهاية». ووفقاً لفيليو، فإنه «في السنّة كما في الشيعة، سيُعلَن عن نهاية الزمان من خلال سلسلة من المؤشرات، تُعرف بـ«علامات الساعة». وإلى جانب علاماتٍ متعارف عليها نسبياً – مثل صعود الوثنية، وازدراء الدين والروابط العائلية، وتفشّي الفساد وانحلال الأخلاق – ثمّة مؤشرات أخرى أكثر تحديداً: فالفصول ستكون مخادعة، والزمن سيتقارب، والصحاري ستُعمّر وتُبنى، وجبلٌ من ذهب سيخرج من نهر الفرات، و«الروم» (المسيحيون) سيهاجمون مدينتي أعماق ودابق في سوريا. وقد استدعى تنظيم الدولة الإسلامية هذه العلامات، بل وأطلق على مجلّته اسم «دابق». وفي مقاله، يستعرض فيليو مثالين تاريخيين لـ«الانتهازية المرتبطة بنهاية العالم»، وقعا في السودان عام 1883 وفي مكة عام 1979، وقد تمّ سحقهما. ويُذكّر المقال بأنّ حادثة الحرم المكي كانت عبارة عن عملية احتجاز رهائن نفّذها أصوليون إسلاميون ومعارضون للعائلة الحاكمة السعودية في المسجد الحرام بمكة، في 20 تشرين الثاني 1979، في ذروة موسم الحج. وكان يقود هذه العملية عريف متقاعد في الحرس الوطني السعودي، يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض الاعتراف بصهره، الذي كان حاضراً معهم، بوصفه «المهدي المنتظر». وقد برّر فعلته بسقوط شرعية آل سعود، معتبراً أن الأسرة الحاكمة غارقة في الفساد وحياة الترف، وأنها دمّرت الثقافة السعودية بسياسة الانفتاح على الغرب. يُسلّط جان-بيير فيليو الضوء على ظاهرة «النزعة الإشراقية المرتبطة بنهاية العالم» في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستحضراً حالة محمود أحمدي نجاد، رئيس الجمهورية بين عامي 2005 و2013، الذي كان مقتنعاً بقرب عودة الإمام الغائب، بل إنه أكد «أن نور المهدي غمره وأحاط به أثناء إلقاء كلمته على منبر الأمم المتحدة». ويوضح المؤرخ أن «ميليشيا حزب الله اللبنانية ادّعت هي الأخرى تحقيق ’نصر إلهي‘ بعد شهر من المواجهات مع إسرائيل في صيف 2006؛ إذ استحضرت بروباغندا الحزب تدخّلاً مباشراً من المهدي إلى جانب المقاتلين الشيعة». ماذا عن إسرائيل؟ ماذا عسانا نقول عن إسرائيل؟ نعلم جميعاً كيف تحوّل «الوطن القومي» الصغير، الذي نصّ عليه تصريح بلفور (1918)، إلى «الأسد الزائر» الذي يقصف طهران (2026). فضلاً عن ذلك، شَهِدَ لبنان عن كثب حرب غزة التي ردّت فيها حكومة اليمين المتطرف، برئاسة بنيامين نتنياهو، على فظائع السابع من تشرين الأول بحرب إبادة. ولكشف النقاب عن «المسيانية القومية» لدى بنيامين نتنياهو، يكفي الاقتباس من كلمته المتلفزة عبر القناة الوطنية الإسرائيلية «i24» يوم الأربعاء 26 تشرين الأول 2023، حيث قال: «نحن شعب النور، وهم شعب الظلمة، والنور سينتصر على الظلمة. إن حربنا ضد حماس هي اختبار للبشرية جمعاء؛ إنها صراع بين محور الشر الذي تمثله إيران وحزب الله وحماس، وبين محور الحرية والتقدّم. لقد حان الوقت لنتّحد خلف هدف واحد، لنمضي قدماً ونحقق النصر بتضافر القوى، وبإيمان عميق بالعدالة، وإيمان راسخ بخلود الشعب اليهودي. سوف نحقق نبوءة إشعياء». حماس والحديث النبوي تتجلّى «الأبعاد الأخروية» لحركة حماس – وهي نتاج الإخوان المسلمين – بوضوح في ميثاقها الذي اعتُمد في 18 آب 1988؛ حيث تتمثّل أهدافها الأساسية في إقامة دولة فلسطينية، وتحرير الأراضي المحتلّة، وإزالة إسرائيل. غير أنّ أحد أبرز مقاطع ميثاق حماس هو «الحديث النبوي الأخروي» الوارد في المادة السابعة منه، والذي ينصّ على: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال واقتله». «الصهيونية المسيحية» والمجيء الثاني ليس هنا مَقام استعادة تاريخ الصهيونية التي كانت وراء قيام دولة إسرائيل؛ لكن يكفي، في سياق موضوعنا، الإشارة إلى أنّ الاعتقاد بمحورية دور دولة إسرائيل في «تاريخ الخلاص» يحضرُ بشكل خاص في بعض الأوساط الإنجيلية الأميركية، التي ترى في إسرائيل تحقيقاً لنبوءات كتابية. فبالنسبة إلى الكثير من مؤيدي هذا التيار، تُقرأ أحداث الشرق الأوسط من خلال رؤية للتاريخ مرتبطة بنهاية العالم؛ إذ تؤمن هذه الأوساط بأنّ عودة إسرائيل إلى أرضها («من النيل إلى الفرات») من شأنها أن تُعجّل في المجيء الثاني للمسيح. ويتمايز هذا الاعتقاد عن الصهيونية القومية من خلال فهمه الحرفي للنصوص الكتابية؛ إذ يعتبر هؤلاء الإنجيليون أنّ وجود دولة إسرائيل في حدّ ذاته هو الذي سيعيد يسوع إلى الأرض، ويضمن انتصار الله على قوى الشر، بينما يخلُصُ اليهود الذين سيعتنقون المسيحية. أما «الصهيونية المسيحية»، فقد كانت، حتى الأمس القريب، محطّ إدانةٍ من كنائس الأرض المقدسة. ففي بيانٍ صادرٍ في 17 كانون الثاني 2026، صنّف بطاركة الروم والأرمن والأرثوذكس هذا التوجّه ضمن فئة «الأيديولوجيات الضارّة». وأكد البيان أنّ هذه الأيديولوجيات «تُضلّل الرأي العام، وتزرع الشقاق، وتُلحق الضرر بوحدة الرعيّة». كما حذّر الموقّعون من «احتمال تطويعها سياسياً بما قد يؤذي الوجود المسيحي في الأرض المقدسة وفي الشرق الأوسط برمّته». إنّ التحذير واضحٌ ولا لبس فيه. بعيداً عن الصواريخ والتحالفات والخصومات الجيوسياسية، تكمن المعركة الحقيقية في لبنان – ومعركة كنيسته – في إثبات أنّ بلداً في الشرق الأوسط بمقدوره الحفاظ على تنوّعه الديني، وبناء دولة عادلة، ومقاومة «تطويع المقدّس» في السياسة. قد يبدو هذا المسعى طوباوياً، ولكن إذا نجح لبنان، في خضمّ كل هذه الاضطرابات، في كسب هذا التحدي – في منطقةٍ يطبعها الاستبداد الديني الأكثر عمى – فإنه قد يتحوّل من ساحة صراع إقليمي إلى منارةٍ ومحورٍ روحي للشرق الأوسط برمّته.

مسيحيو سوريا: «تصحّرٌ روحي» في مهد المسيحية (2/2)
بقلم
فادي نون
نُشر
فبراير 25, 2026 - 21:50

في مقالٍ أول خُصِّص لرصد أوضاع مسيحيي الشرق، قدّمنا صورةً ديموغرافية واجتماعية قاتمة للمجتمعات المسيحية في سوريا. أما هذا الجزء الثاني، فيستعرض الرهانات الروحية والثقافية والتاريخية التي تواجهها. في تعليق على تقرير مؤسسة L’Œuvre d’Orient حول المجتمعات المسيحية في سوريا، والذي أُنجز في صيف ٢٠٢٥ (راجع المقال السابق)، سلّط المطران هيوغ دي ويلمون، مدير الجمعية، الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه الجمعيات الأهلية والخيرية المسيحية لصالح المجتمع السوري ككل، لا سيما في مجالات المصالحة، وتمكين المرأة، والتعليم. وجاء في التقرير: «إنَّ التعددية الدينية والإثنية هي إحدى ثروات سوريا. ومع ذلك، فبعد نصف قرنٍ من الديكتاتورية، وأربعة عشر عاماً من الحرب، وأعمال عنف طائفية في مرحلة ما بعد الأسد، يبدو جلياً أنَّ هذا التنوع الديني والإثني في سوريا بات يعاني هشاشةً شديدة ويواجه تهديداتٍ حقيقية». ويعلّق المطران دي ويلمون قائلاً: «فضلاً عن ذلك، تؤكد تقارير أممية عديدة على الرهان المحوري الذي تمثله حماية الأقليات في ضمان الاستقرار ومنع النزاعات. إلّا أنَّه يتبيّن أنَّ المساعدات وآليات الحماية الحالية على المستويين الأوروبي والدولي لا تراعي بشكل كافٍ مدى هشاشة هذا النسيج المتكامل وضعفه». ويتابع مدير "مؤسسة L’Œuvre d’Orient: «نطمح بشكل خاص إلى إنشاء صندوق مخصّص لدعم التنوع الإثني والديني، وإرساء منصة وطنية للحوار بين مختلف المكوّنات. كما يمكن لهذه الأدوات الوطنية والدولية المختلفة أن تحظى بدعم وكالات أممية وأوروبية متنوعة. فبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأن هذه المبادرات أن تساهم في دعم الانتقال السياسي وترسيخ وجود هذه الأقليات في صلب مجتمعاتها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع». التنوع والذاكرة الثقافية ويضيف مدير المنظمة غير الحكومية: «إنَّ هذه المسألة تمسّ توازن الشرق الأوسط وتنوعه وذاكرته الثقافية، كما أنها تضع أوروبا أمام مسؤوليتها التاريخية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية؛ فبدون دعمٍ مكثّف، ستُغلق المدارس، ويهجر الشباب أوطانهم، وتتشتت العائلات، لتتهاوى هذه الفسيفساء الدينية. ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على أزمة صامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب». وبالنسبة لفنسان جيلو، ممثل المنظمة في لبنان وسوريا والأردن، فإنَّ هذا التراجع في أعداد المسيحيين ليس مجرد معطى ديموغرافي عابر، بل هو «صدعٌ تاريخي وثقافي ذو أبعاد لاهوتية». وبعبارة أخرى، فإنَّ هذا التراجع يُنبئ بشيءٍ عن حضور الله في التاريخ. واستحضاراً لتعبير البابا بندكتس السادس عشر، نحن أمام «تصحّر روحي» في مهد المسيحية، واستبدال حقيقة عن الإنسان بأخرى. إنَّ غياب يسوع على المستوى الاجتماعي ليس أمراً حيادياً؛ فهو يعني غياب تلك الطريقة الخاصة التي أحبَّ بها الله العالم في يسوع، وغياب معرفة الذات التي أسبغها هذا الإله على الإنسان، وبالتالي انهيار رؤية أنثروبولوجية بأكملها. إنه المعادل الشرقي لـ«موت الله» في الغرب، وفقدانٌ لا يُعوَّض لحقيقةٍ عن الإنسان لا يمكن لأي فكر آخر أن يحلّ مكانها. تُبدي السلطات الكنسيّة المسيحيّة حساسيّةً بالغة إزاء هذا التهديد الذي يتربّص بالتعدديّة. وتعقيباً على هذه المعطيات، يقول المطران جاك مراد، رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك: «إن التنوّع الديني والإثني لطالما وُجد في سوريا، ولا يمكننا أن نتخيّل وطناً لا يشبه وطننا». ويضيف المطران، في معرض تأمّله في تداعيات وصول تنظيم هيئة تحرير الشام الأصولي إلى السلطة: «لم يكن السوريون يوماً متمسّكين بإسلامٍ تقليديٍّ»، خاصة وأنَّ المناخ الاجتماعي والثقافي الذي عاش فيه المسيحيون لعقود من الزمن قد تغيّر. «لنعد إلى أرض الواقع» يقول فنسان جيلو: «لنعد إلى أرض الواقع؛ إنَّ ١٨ مليون يورو لتمويل ألف مشروع ليس بالمبلغ الطائل. فاليوم، يعتمد الدعم بشكل شبه حصري على مانحين غربيين من القطاع الخاص عبر المنظمات المنضوية تحت لواء روآكو* (ROACO)، وهو أمرٌ غير كافٍ على الإطلاق» ويضيف: «لقد آن الأوان لكي يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته ويتحرّك بشكل ملموس لصالح المكوّنات الإثنية والدينية في هذه المنطقة من العالم، والتي بات وجودها اليوم على المحك. فبدون دعمٍ مكثّف، ستنهار الفسيفساء الدينية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية في عالمنا؛ ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على هذه الأزمة الصامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب. إننا ندعو إلى تحرّكٍ فوري، ليس من أجل الحفاظ على ماضٍ جامد، بل للإبقاء على حضورٍ حيّ يساهم منذ ألفي عام في توازن الشرق الأوسط». ويشدد جيلو قائلاً: «إنَّ هذه المجتمعات المسيحية هي شاهدٌ لا يُستبدل على المسيحية المبكرة. فالأماكن المقدسة هنا؛ هنا مشى يسوع ورسله. صور وصيدا، اللتان تقعان اليوم في لبنان، ذُكرتا في الأناجيل؛ والقديس بولس اهتدى على طريق دمشق؛ والقديس بطرس توجّه إلى أنطاكيا؛ والأردن يضم الموقع الذي تعمّد فيه يسوع على يد يوحنا المعمدان. ومع ذلك، نشهد مسيحيي هذه المناطق وهم يحزمون حقائبهم للرحيل. وهو أمر مرفوض. طبعاً، رحيل المسيحيين لا يمسُّ حقيقة قيامة المسيح، ولكن ألا يُعدّ حرمان هذه المجتمعات من الوصول إلى أماكنها المقدسة صدعاً لاهوتياً بحد ذاته؟ فضلاً عن ذلك، فإنَّ رحيلهم ليس خسارة لهم فحسب، بل لنا نحن الغربيين أيضاً؛ لأنَّ جزءاً من جذورنا وحضارتنا، بهويتها الثقافية والحضارية والدينية، يمتدُّ إلى هنا. وهي خسارة للمسلمين أيضاً. لذا، يجب مساعدة دول الشرق الأوسط في الحفاظ على فسيفسائها». ترسيخ الأقليات ويخلص فنسان جيلو إلى القول: «بناءً على ما تقدّم، توصيL’Œuvre d’Orient بالإسراع في إرساء آليات لدعم المصالحة وتحقيق عدالةٍ تلائم جميع السوريين. كما توصي بوضع آليات دولية وتمويلية لضمان إعادة إعمار شاملة، فضلاً عن حشد المجتمع الدولي بشكل مستدام لتعزيز التنوع الإثني والديني في سوريا». ويختم جيلو حديثه بالقول: «إنَّ هذه المبادرات، وبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأنها أن تساهم في دعم عملية الانتقال السياسي وترسيخ هذه الأقليات في صلب المجتمعات التي تعيش فيها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع». *روآكو (ROACO): رابطة المؤسسات المعنية بمساعدة الكنائس الشرقية، وتضم منظمات مثل Aide à l’Église en détresse، وMiséreor، والبعثة البابوية، وL’Œuvre d’Orient. اقرأ في الموضوع ذاته: سوريا و«التصحّر الروحي»: قراءة في المشهد القاتم (1/2)

سوريا و«التصحّر الروحي»: قراءة في المشهد القاتم (1/2)
بقلم
فادي نون
نُشر
فبراير 25, 2026 - 13:33

أمر خطير يحدث بصمت في الشرق الأوسط، مهد المسيحية. المنطقة تفرغ من مسيحييها. لوحظت هذه الظاهرة سابقًا في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وفي الأراضي المقدسة. والآن، أصبحت حقيقة أيضًا في سوريا. «الانفصال هنا وجودي»، يقول ڤنسنت جيلو، ممثل مؤسسة L’Œuvre d’Orient في لبنان وسوريا والأردن، وهي جمعية غير سياسية مرتبطة بالكنيسة في فرنسا، تقود حاليًا حملة لإطلاق يوم عالمي لمسيحيي الشرق الأوسط. مستعينًا بسوريا كمثال، يؤكد ڤنسنت جيلو: «خلال أربعة عشر عامًا من الحرب (2011–2025)، فقدت البلاد نحو 80٪ من سكانها المسيحيين». واستنادًا إلى تقديرات موثوقة، لا يزال بين 300 و400 ألف مسيحي سوري يعيشون في البلاد، التي يُقدَّر عدد سكانها بنحو 26 إلى 27 مليون نسمة، بحسب جيلو. وفي حلب، لم يتبقَّ سوى سدس المسيحيين الذين كانوا موجودين قبل حرب 2011. في دير الزور، التي دُمّرت بنسبة 75٪، لم يتبقَّ من المسيحيين سوى أربعة أشخاص فقط، بينما كان عددهم 7 آلاف قبل الحرب. وبالطبع، الأرقام الإجمالية مبنية على تقديرات وليس على إحصاء رسمي. ووفقًا لمصدر موثوق في أمانة الكنيسة الأرثوذكسية، الكنيسة الأكبر في سوريا، فإن هذه التقديرات لا تعكس الواقع بالكامل. إلا أن هذه الجهة لم تصدر أي أرقام رسمية. في كل الأحوال، بحسب مصدر مقرّب من رجال الدين الموارنة، سيستمر النزوح السكاني ما لم يعد الاستقرار السياسي ولم تتحقق انتعاشة اقتصادية قوية. كانت جميع الطوائف المسيحية تشكل نحو 15٪ من سكان البلاد عام 1905، أي حوالي ثلاثة ملايين شخص. مقابل 10٪ قبل اندلاع النزاع في 2011. وبحسب الأرقام التي تقدمها مؤسسة L’Œuvre d’Orient، تقل هذه النسبة اليوم عن 1٪. «هذا تراجع عنيف لا يمكن مقارنته إلا بحوادث الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي»، يقول مسؤول L’Œuvre d’Orient. «من النادر جدًا أن تختفي جماعة محلية أصيلة بهذا الشكل السريع والعنيف، وهنا المقصود المسيحيون». ويضيف: «من بين 20٪ من المسيحيين المتبقين، يغلب على المجتمع كبار السن، حيث يزيد عمر أكثر من نصف أعضائه عن الخمسين. وبذلك، يظهر هرم عمري معكوس، مع تراجع حاد في عدد الشباب مقارنة بكبار السن». جماعة «مهجورة» يقول ڤنسنت جيلو: «عانى المسيحيون في سوريا الحرب مثل باقي السكان، لكنهم شكلوا أيضًا هدفاً مباشراَ لتنظيم داعش. لم تكن لديهم أي قوة مسلحة ولا دعم طائفي إقليمي، لذلك تُركت الجماعة دون حماية، وهذا يفسر مغادرتها بهذه الطريقة المفاجئة والعنيفة». ويُظهر الهجوم الذي استهدف كنيسة القديس إيليا الأرثوذكسية في دمشق في 23 حزيران 2025، وأسفر عن مقتل 25 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 60، هشاشة الوضع بشكل مأساوي. تفاقم نزوح المسيحيين بفعل ثلاثة عوامل إضافية: تداعيات زلزال 2023، العقوبات الدولية المفروضة على نظام الأسد، والخدمة العسكرية الإلزامية التي طالت جميع الشباب السوريين حتى سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024. يدير ڤنسنت جيلو، البالغ من العمر 37 عامًا والمقيم في لبنان منذ عشر سنوات مع زوجته وأولادهما الأربعة، نحو ألف مشروع تدعم النسيج الاجتماعي في الدول الثلاث التي يشرف عليها. ولم يأتِ إلى الشرق الأوسط بطريقة رسمية. وكتبت الصحفية Guyonne de Montjou على موقع Aleteia: «عندما كان عمره 23 عامًا، وبمبلغ ضئيل من المال، انطلق بمفرده على متن سيارته الرينو ليلتقي بعالم مسيحي على شفا الانقراض. من سهول نينوى إلى أطراف أفغانستان، امتدت رحلته لما يقرب من عامين، وكانت بمثابة تحول كامل في حياته». ومنذ ذلك الحين، تقدم في مناصبه، ويخصص في إطار عمله ضمن مؤسسة L’Œuvre d’Orient، نحو 18 مليون يورو سنويًا للمنطقة التي يشرف عليها، لدعم المستشفيات، والمدارس، والعيادات، ومراكز استقبال اللاجئين، ومجموعات النقاش، وحاضنات الطلاب، وضمان استمرارها. الدور المركزي للمؤسسات المسيحية لا يمكن قياس عدد المسيحيين في سوريا بمجرد النظر إلى أثرهم الاجتماعي والثقافي، فالمؤسسات التي تديرها الجماعات المسيحية لا تخدم المسيحيين وحدهم، بل توفر أيضًا فضاءات للحوار بين الطوائف وتعزز التماسك الوطني. واختفاؤها سيضعف النسيج الاجتماعي بأكمله ويحدّانفتاحه على الحداثة. يشير تقرير صادر عن مؤسسة L’Œuvre d’Orient في صيف 2025 إلى «تراجع عميق يرافقه شعور بالخوف وانعدام الأمان المستمر» يعاني منه المسيحيون في سوريا. ويقدّم التقرير توصياته للمجتمع الدولي. وجاء في التقرير: «رغم وضعهم الهش، يواصل المسيحيون خدمة بقية المجتمع بلا كلل. من خلال مستشفياتهم الأربعة الكبرى، و57 مدرسة الموزعة في أنحاء البلاد، وشبكتهم الجمعوية النشطة، يساهمون في دعم السكان وتسهيل عودتهم إلى العمل».

عيد القديس مارون: تاريخ، تضحيات، ووعد بالمستقبل
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 9, 2026 - 20:03

« لبنان لا ينتمي إلى الموارنة؛ بل الموارنة هم الذين ينتمون إلى لبنان» البطريرك نصر الله صفير القديس مارون، الذي يُحتفل بعيده في 9 فبراير، ليس مجرد شخصية دينية؛ بل هو، بالنسبة للموارنة ولبنان، رمز مؤسس للحرية والوفاء والصمود. المتجذر في التقشف والصلاة في القرن الرابع الميلادي، ألهم هذا الناسك السوري تقليدًا روحيًا امتد على مر القرون ليصبح الكنيسة المارونية: ركيزة أساسية في التاريخ اللبناني وقوة حية في بناء هوية تعددية في قلب الشرق الأوسط. على مر العصور، واجه الموارنة المحن والاضطهادات، وشكلوا هويتهم في جبال جبل لبنان، غالبًا على هامش القوى الكبرى ولكن دائمًا في صميم الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية للبلاد. وقد سار وفائهم للإيمان وقيمهم جنبًا إلى جنب مع التزام عميق بالحرية الإنسانية والتعايش — رسالة نادرة في منطقة تتسم بالاضطرابات المستمرة. لم يكتفِ الموارنة بالبقاء فحسب؛ بل ساهموا مباشرة في نشأة ما نسميه اليوم لبنان . لقد أثر حضورهم التاريخي في التنمية السياسية والاجتماعية للبلاد، مما أدى إلى نشأة رؤية للتعايش بين المجتمعات المختلفة وهيكل مؤسسي فريد. لقد بنوا مدارس ومستشفيات وجامعات ومؤسسات اجتماعية دعمت المجتمع اللبناني، غالبًا في غياب دولة منظمة بالكامل. وكل حجر وُضع، وكل طفل تعلم، وكل مريض عولج يعكس فكرة أن خدمة الآخر هي بُعد أساسي للهوية المارونية. خلافات داخلية وانقسامات ومع ذلك، يجب ألا تحجب هذه القصة المجيدة التحديات الداخلية. فلقد أدت الخلافات الداخلية داخل المجتمع الماروني – سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية – أحيانًا إلى إضعاف تماسكها. وقد أدت الانقسامات، التي تضخمت بفعل السياق الوطني، إلى تفتيت تيارات الفكر وأحيانًا صرف الانتباه عن القضايا الأساسية. وفي لبنان الذي يعاني بالفعل من أزمات هيكلية، أعطت هذه التوترات الداخلية انطباعًا بأن الإرث التاريخي للموارنة مهدد بالتآكل وأن دورهم المركزي سيتلاشى في مواجهة التنافسات المعاصرة. ومع ذلك، يعلمنا التاريخ حقيقة عميقة: حتى عندما تبدو الصعوبات مستعصية على الحل، فإن المجتمعات القادرة على استلهام ذاكرتها الجماعية وقيمها التأسيسية يمكنها أن تبعث من جديد. إن الإرث الماروني أبعد ما يكون عن أثر قديم غبار من الماضي؛ بل يشكل مخزونًا أخلاقيًا وروحيًا قويًا. لقد صمد الموارنة في وجه الشدائد لقرون – من الاضطهادات في العصور الوسطى إلى التحولات الحديثة – دون أن ينكروا جوهر دعوتهم أبدًا. اليوم أكثر من أي وقت مضى، يمكن وضع هذه الشجاعة الأخلاقية، وهذا الوفاء بالكرامة الإنسانية، في خدمة لبنان متجدد . ومن خلال إعادة الاتصال بقيم الحرية والحوار والاحترام المتبادل التي أرشدت أسلافهم، يمكن للموارنة المساهمة في تجاوز الانقسامات التي تعصف بالبلاد. هذا ليس دعوة إلى التجانس، بل إلى إعادة تأكيد دور إيجابي وبناء في مجتمع تعددي. رابط للحوار لا يقتصر هذا الدور على حماية مصالح المجتمع. بل يشمل مسؤولية أوسع: أن يكون رابطًا، وجسرًا للحوار بين مختلف مكونات الأمة، وصوتًا للعدالة الاجتماعية، ومحفزًا للانسجام في مشهد غالبًا ما يكون مشتتًا. لقد جسّد الموارنة في الماضي فكرة لبنان الذي يمكن أن يكون مساحة للتعايش السلمي والإبداع البشري. هذه الفكرة لم تمت. بل لا تزال حية، مستعدة لكي تُعزز من قبل أولئك الذين يريدون تحويلها إلى حقيقة حية. يجب ألا يُحدد مستقبل الموارنة بالصراعات الداخلية، بل بقدرتهم على تجاوز هذه الانقسامات والاتحاد حول ما يهم أكثر: استمرارية لبنان كأرض ترحاب وتعددية وكرامة إنسانية. إن التحديات الراهنة — سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية — ليست مستعصية على الحل إذا عرف المجتمع كيف يستلهم من إرثه الروحي والأخلاقي. إن رسالة القديس مارون الخالدة، التي ألهمت أجيالاً للعيش بالإيمان والشجاعة، لا تزال ذات صلة اليوم. هذه الرسالة ليست حبيسة أرشيف الماضي: إنها تعيش في المؤسسات التعليمية، والأديرة، والمراكز الاجتماعية، في كل بادرة مساعدة وتضامن. وطالما بقيت هذه الشعلة، فهناك إمكانية حقيقية للموارنة — ومعهم كل لبنان — أن ينهضوا، متحدين في التنوع، واثقين بالمستقبل . في هذا اليوم من القديس مارون، لنتذكر أن إرثنا هو ذكرى بقدر ما هو مصدر أمل. وأن المستقبل، على الرغم من العقبات، يمكن أن يُكتب بجرأة ووضوح، بالاعتماد على دروس وتضحيات الماضي مع التطلع نحو لبنان التوافق والازدهار.

حل الدولتين ونجمة الأمل
بقلم
فادي نون
نُشر
ديسمبر 25, 2025 - 19:32

يُروى أنه في إحدى الليالي، بينما كان الرمل الذي عبره المجوس يبدو متعبًا من رؤية الكثير من الخطوات تتقاطع دون أن تلتقي أبدًا، بدأت نجمة جديدة تلمع بقوة أكبر من غيرها. رفع الأكثر انتباهًا رؤوسهم وتنهدوا وهم يحدقون في السماء، قائلين لأنفسهم إن شيئًا جديدًا وغامضًا، قادمًا من المجهول الكبير، قد أظهر وجوده. لم تظهر النجمة في سماء خالية. بل لمعت فوق شرق أوسط ممزق بالجدران، ونقاط التفتيش، والخراب، والصلوات المتضاربة، وآلاف الموتى، والأرامل والأيتام. في زقاق ببيت لحم، في نفس اللحظة، كانت عائلة تعد مهدًا صغيرًا أمام منزلها. لا شيء مزخرف حقًا: خيش مسترجع من كيس أرز، بضع تماثيل بلاستيكية تالفة، طفل يسوع ملفوف بقطعة قماش صفراء، خراف بلا رعاة، مريم العذراء والقديس يوسف بألوان باهتة. سأل صبي والده: — أبي، لماذا ما زلنا نصنع مهدًا هنا؟ أجاب الأب ببساطة: — لأننا ما زلنا هنا يا بني. في تلك الليلة، رأى الطفل النجمة الجديدة. بدت وكأنها تتقدم ببطء، وكأنها تنتظر من يتبعها. بعيدًا عن ذلك، كان راعي غنم في صحراء يهودا يُعيد قطعانه قبل حلول الليل. لقد واجه لقاءات سيئة وسمع الكثير من إطلاق النار في الأيام الأخيرة. هو أيضًا رفع عينيه. وفي أماكن أخرى، في بغداد، في غزة، في عمان، في القدس الشرقية، شعر رجال ونساء بنفس القلق ممزوجًا بدعوة غريبة: ألا يبقوا صامتين، أن يأملوا رغم كل يأس. فبدأ كل هؤلاء الناس رحلتهم. كان هناك رعاة، تركوا قطعانهم لرعاة آخرين؛ معلمة أرادت أن تفهم لماذا «المستقبل قد حزم حقائبه»؛ إسكافي من الناصرة، كانت دكانه تعتمد بشكل أساسي على التصليحات، لأنه لم يعد أحد يشتري الجديد؛ أخوان فرقهما جدار لكنهما يتحدثان عبر الهاتف؛ راعي، كان يعرف الدروب التي لا تحمل لافتات؛ أسقف؛ إسكافيون، أيديهم ما زالت مليئة بالجلد والغراء والغبار، قالوا لأنفسهم إن الأقدام المتعبة ستحتاج قريبًا إلى صنادل جيدة؛ بالغون قلقون، يحملون أسئلة أثقل من حقائبهم. التقوا عند حواجز التفتيش، في حافلات مكتظة، في غرف الانتظار. لم يكونوا يتحدثون نفس اللغة دائمًا، لكنهم كانوا يتشاركون نفس الصمت. على الطريق، قاموا بلقاءات غير متوقعة. التقوا بثلاثة حكماء عادوا من كل شيء. لم يكن لديهم نفس اللغة، ولا نفس الصلاة، ولا نفس الملابس. لكنهم جميعًا كانوا يحدقون في نفس النجمة. على بعد كيلومترات قليلة، في مبانٍ مكيفة، خلف أبواب مصفحة، رأوا مسؤولين سياسيين محاطين بالحراس والخطابات. كانوا يبحثون عن حل للغز يعود إلى الطوفان الأول. - ماذا تبحثون عنه؟ سأل الأطفال. - الحل لدولتين، أجاب المسؤولون.   ثم تقدم رجل عجوز يرتدي الأبيض، يحمل اسمًا يعود للقرن الثالث عشر. وإلى جانبه سار حكيم من الأزهر. كانا يتحدثان بلغة الصمت المفهوم. أخيرًا، وصل الجميع إلى مكان بسيط جدًا. ليس حصنًا. ليس قلعة. كنيسة متضررة في جنوب لبنان. كانت عائلة تسكنها. هناك رأوا طفلة حديثة الولادة سمّاها والداها تيمّناً بـ «الأمل». تقاسم الرعاة الحليب والعسل. قدم أحدهم الزيتون. التزم الجنرالات ورؤساء الدول الصمت لأول مرة. قُدم لهم القهوة. تبادلوا الكلمات كباقات زهور. أدرك المسافرون حينها أن الله غالبًا ما يُلتقى به حيث لم يتوقع أحد العثور عليه. غطت صحفية الحدث واهتم مخرج بقصته. أما النجمة، فقد انقسمت إلى مليارات الأضواء الصغيرة، واحد لكل شخص يصلح خطأً. وبدأ العالم، ببطء، يتعلم المشي من جديد، كطفل يخطو خطواته الأولى.

  زيارة لاون الرابع عشر إلى عنايا تحمل رسالة خاصة للموارنة

في زمن الصعود الإقليمي للخصوصيات، وتحت تأثير الحرب في غزة، تكتسب الزيارة الأخيرة للبابا إلى لبنان، ولا سيما إلى عنايا، بعدًا خاصًا للموارنة. ينبغي أن تكون هذه الزيارة فرصة لهذه الطائفة لتنشيط بحوثها التاريخية على المستوى الأكاديمي وتجديد ذاكرتها حول الطبيعة "الرسولية" لوجودها في لبنان كنواة تاريخية للهوية اللبنانية. يجب أن تكون الزيارة الأخيرة للبابا ليون الرابع عشر إلى عنايا، في 1 ديسمبر 2025، هي الشرارة الأولى لمشروع تاريخي ماروني "مُعاد النظر فيه". فبعيدًا عن شخص القديس شربل، توجه البابا في الواقع إلى منبع الرهبانية اللبنانية المارونية (OLM)، التي تحتضن في ذاتها جوهر الكنيسة المارونية. في عنايا، نحن أيضًا عند منبع لبنان الكبير الذي يؤكد يوحنا بولس الثاني أن "جذوره التاريخية ذات طبيعة دينية". هنا نلامس نشأته. في الفقرات الأولى من الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس "رجاء جديد للبنان" (1997)، كتب يوحنا بولس الثاني: "خلال الاحتفال الإفخارستي الختامي للجمعية السينودسية، قلت: "نعلم مدى حاجة لبنان إلى البناء وإعادة البناء (...). وقد أكدت أيضًا أن التزام المسيحيين مهم للبنان، الذي جذوره التاريخية ذات طبيعة دينية. وبسبب هذه الجذور الدينية بالذات للهوية الوطنية والسياسية اللبنانية، بعد سنوات الحرب القاسية، أريد وأمكن الشروع في جمعية سينودسية، بهدف البحث معًا عن طريق تجديد الإيمان، وتعاون أفضل، وشهادة مشتركة أكثر فعالية، دون نسيان إعادة بناء المجتمع". (انظر أيضًا يوحنا بولس الثاني، عظة قداس اختتام الجمعية الخاصة بلبنان من سينودس الأساقفة، 14 ديسمبر 1995). تتجه زيارة البابا في اتجاهين: يجب أن تكون أولاً، فرصة لإعادة إطلاق وتعزيز أحد أكثر الفصول إثارة في التاريخ الماروني: قصة المغامرة الإنسانية والروحية لثلاثة علمانيين أتوا من حلب ليؤسسوا، في الوادي المقدس، قاديشا، الرهبانية اللبنانية المارونية (1695)؛ وبشكل خاص شخصية القداسة الاستثنائية التي يجب أن يكون عليها عبد الله كارالي، قلب هذا المشروع. يمكننا أن نتخيل جامعة الكسليك تؤسس مركزًا للدراسات التاريخية للكنيسة المارونية، بالقرب المباشر من قبر هذا القديس العظيم. وينبغي أيضًا أن يكون نشر سيرة كارالي ممكنًا، ربما في البداية في قصة مصورة. يجب أن تكون زيارة البابا إلى عنايا بعد ذلك فرصة لتجديد ذاكرة الموارنة حول الطبيعة "الرسولية" لوجودهم في لبنان ككنيسة شرقية، في شراكة مع روما ونواة تاريخية للهوية اللبنانية. بملاحظة الاضطراب الجيوسياسي الذي يؤثر على الشرق الأوسط، حان الوقت للاستيقاظ من سباتنا الفكري والعلاقاتي، وإدراك أن لبنان الكبير كان لحظة تحول انتقل فيها الموارنة من المسؤولية عن الذات إلى مسؤولية تاريخية تجاه الآخرين، وأن هذا الانتقال كان له عواقب مهمة لم يقيسوها بعد بشكل كامل. "تقلبات طائر الفينيق" تتتبع المؤرخة الفرنسية كانديس ريمون، الباحثة المشاركة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (بيروت)، ببراعة، في دراسة نُشرت في مجلة "تييرس موند" (العدد 216 - 2013، إصدارات أرماند كولين)، المسار التاريخي للمشروع اللبناني. الدراسة، المعنونة "حياة وموت وقيامة تاريخ لبنان، أو تقلبات طائر الفينيق"، "تتتبع تاريخ "تاريخ لبنان"، وهو خطاب تاريخي جوهري لتشكيل الدولة، والذي كان أصلاً مثار جدل حول مدى أهمية موضوعه، وتنازعت عليه التصريحات الرئيسية. ثم تشرح العمليات التي أُعيد بها تشكيل هذا التأريخ، بحيث يمكن أن يشكل، بعد الحرب الأهلية، أساسًا لتاريخ وطني بحد أدنى وبحكم الواقع، ولكنه يشهد على تقارب غير مسبوق في المواقف داخل المجتمع اللبناني ورغبة في توافق أوسع انتشارًا مما قد توحي به استمرارية الانقسامات الطائفية." دراسة كانديس ريمون كلها شيقة، ولكن بشكل خاص الجزء الذي يتناول "إنشاء" لبنان الكبير. تكتب المؤلفة: "في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عندما طرحت المسألة الإقليمية، طور أنصار إنشاء دولة لبنانية حججًا اقتصادية وتاريخية على حد سواء للحصول على إضافة إلى جبل لبنان، الذي كان يتمتع منذ عام 1861 بوضع سنجق مستقل، مناطق طرفية مختلفة (طرابلس وعكار في الشمال، وسهل البقاع في الشرق، وصيدا وجبل عامل في الجنوب) وقبل كل شيء بيروت، التي رغبوا في جعلها عاصمة الدولة الجديدة. عندها حلت محل خطاب الكفاح الدائم ضد الاضطهاد، غائية قوة الدولة التي تميز بين التأريخ المجتمعي الماروني والتأريخ اللبناني الماروني. هذا الأخير يعكس في الواقع العلاقة التي توحد المجتمع الماروني بالأراضي اللبنانية. لم يعد المجتمع هو الذي، من خلال كفاحه من أجل الحرية، يمنح هويته الخاصة للأراضي التي يحتلها، بل هذه الأراضي التي، بحكم خصوصياتها المورفولوجية والجغرافية، تفرض مهمة وهوية على سكانها. فالتوازي الجغرافي للساحل البحري والجبل اللبناني يجد نظيره في وظيفة مزدوجة للأرض: وظيفة لبنان التبادل، بين البحر والقارة، بين الشرق والغرب، ووظيفة لبنان الملجأ، ملاذ الحرية والاستقلال. تستمد الدولة منذ ذلك الحين جذورها من التجارب السياسية التي حققت الوحدة بين هاتين المهمتين، بينما تؤسس الأمة فيها هويتها الخاصة." حتمياتنا التاريخية يجب على كل لبناني أن يتعمق في هذه المعرفة التي هي، في نهاية المطاف، معرفة للذات وحتمياتها التاريخية. يجب وضع حد للانطواء الخجول على "لبنان الصغير" الذي يدعو إليه جزء من الرأي العام. لقد كان هناك وقت وُضع فيه "لبنان الكبير" في خدمة "لبنان الصغير". هذا الوقت قد ولى. بالتأكيد، يمكن فهم ذلك، فتاريخ لبنان الكبير الذي احتفلنا بذكراه المئوية لم يكن سهلاً. السنوات الخمسون الأخيرة من وجودنا كدولة كانت مؤلمة من جميع النواحي. لكن يجب تحملها باسم الجذور "ذات الطبيعة الدينية" التي هي لنا. كموارنة، نحن بشكل لا ينفصل، ولكن دون التباس، كنيسة ومجتمع. لكن الكنيسة هي التي تؤسس المجتمع. وجوديًا، نحن أولاً كنيسة، مع المسؤولية التي يجب على كل كنيسة أن تتحملها؛ وهي أن تكون "كاثوليكية" بالمعنى الأصلي للكلمة، أي شاملة و"عالمية".