
لتوضيح فكرته ومنحها بُعداً كتابياً، يستخدم البابا لاوون الرابع عشر، في رسالته العامة Magnifica humanitas حول العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، استعارةً مفادها أن على البشرية أن تختار بين بناء «برج بابل» جديد أو بناء «المدينة المقدّسة». وقصة برج بابل هي إحدى الحلقات الواردة في سفر التكوين. فبعد الطوفان بقليل، حين كان البشر جميعاً يتكلمون لغة واحدة، شرعوا في بناء مدينة وبرج يبلغ رأسه السماء، سعياً إلى صنع اسم لأنفسهم. عندها بلبل الله ألسنتهم حتى لا يفهم بعضهم بعضاً، وبدّدهم على وجه الأرض كلها (التكوين 11: 1-9). وقد كان هذا الرمز شديد الخصوبة في تاريخ الأفكار، إذ ألهم تأملات كثيرة حول أصل تعدد اللغات، وقوة الجهد الجماعي، وخطيئة الكبرياء، وشمولية المعرفة، وغير ذلك. أما موضوع «المدينة المقدّسة»، الذي بدأ في سفر نحميا، فإنه يختتم العهد الجديد ويحتل مكانة مركزية في أعمال القديس أوغسطينوس. فالمدينة المقدّسة ترمز إلى كل ما هو ممكن ومرغوب فيه، إنسانياً وإلهياً: السلام، العدالة، علاقات الصداقة بين المسيح وقديسيه، الأمانة العقائدية، وسواها. وبحسب الإيمان المسيحي، فإن على البشرية أن تسمو فوق ذاتها لكي تبني هذه المدينة، وفق التوجهات الكبرى للعقيدة الاجتماعية للكنيسة. لا مسؤولية «الواقعية السياسية» غير أن لاوون الرابع عشر، في وصفه للعالم الذي نعيش فيه، يلاحظ أنه بعيداً من كل الوعود التي قطعتها الأمم على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن صرخة «لن تتكرر الحرب أبداً» التي أطلقتها أوروبا، «يبدو أن منطق التوازن المسلح والردع يعود ليفرض نفسه». ويضيف البابا: «لكن، خلافاً للسيناريو الثنائي القطب في زمن الحرب الباردة، فإن تعدد الفاعلين وجبهات النزاع يجعل هذا المنطق اليوم أكثر هشاشة. ويقود تفاقم المواجهات إلى حروب غير متكافئة و”هجينة“، تُخاض أيضاً على المستويات الاقتصادية والمالية والمعلوماتية، مع اللجوء إلى التضليل والحملات التي تغذي الخوف للتأثير في الرأي العام. في بلدان كثيرة، بما فيها بلدان الجنوب، تُقدَّم زيادة النفقات العسكرية على أنها الجواب الوحيد على مستقبل غامض أو على تهديدات متصوَّرة، فيما يقع الثمن الحقيقي على عاتق الفئات الأكثر فقراً، التي ترى الموارد المخصصة للصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية تتراجع. ويشدد لاوون الرابع عشر على أنه «خلف كل ذلك يختبئ “واقعيّة” زائفة، لا تقوم فقط على منطق القوة الراسخ، بل أيضاً على قناعة ثقافية وأنثروبولوجية، وكأن الحرب جزء لا مفر منه من الطبيعة البشرية. يُقال: هكذا كان الأمر دائماً، باستثناء فترات قصيرة، وهكذا سيبقى دائماً! وبذلك، لا تعود المشكلة هي السلام، الذي فُقد كمرجع في المشهد الدولي، بل كيف ومتى ينبغي التحرك عسكرياً، مع التأكيد أنه سيكون من اللامسؤولية عدم الاستعداد للمواجهة الحتمية. إن اللامسؤولية الحقيقية هي الـRealpolitik، أي ذلك الشكل من “الواقعية” السياسية الذي يزرع في الضمائر كما في الثقافة الاستسلام لفكرة حرب لا مفر منها، ويعتبر السلام والحوار مواقف طوباوية أو غير عقلانية تتجاهل المخاطر القائمة». (§205) نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي وفي سياق آخر، يتوقف لاوون الرابع عشر مطولاً عند نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي. فهذا الاقتصاد يقوم، كما يقول، «على العمل الصامت لملايين البشر، العاملين في أنشطة قليلة الظهور لكنها أساسية: تصنيف البيانات، مراقبة المحتويات — وغالباً ما تكون شديدة السوء — وتدريب النماذج. وفي حالات كثيرة، يتعلق الأمر بشباب، غالبيتهم من النساء، يعملون بجهد شاق لقاء أجور زهيدة. وإلى هذا الإرهاق غير المرئي، يضاف إرهاق أكثر قسوة، هو استخراج الموارد اللازمة لإنتاج الأجهزة والمعالجات الدقيقة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي». ويؤكد الحبر الأعظم أنه «في بعض مناطق العالم، يعمل أطفال ومراهقون، في ظروف خطرة، على سحق المواد التي تُستخرج منها العناصر الأرضية النادرة. أجساد موسومة ومشوّهة ومستخدمة كي لا ينقطع تدفق الحسابات أبداً. فضلاً عن ذلك، تستخدم شبكات إجرامية المنصات الإلكترونية، وأنظمة المراسلة، والمدفوعات المجهولة، وتقنيات التنميط، لتجنيد ضحايا الاتجار بالبشر والتحكم بهم ونقلهم، وغالباً ما يكونون من القاصرين، محوّلةً الرجال والنساء إلى “بيانات” قابلة للتتبع و”طرود” قابلة للنقل داخل الدوائر الرقمية نفسها التي تقوم عليها نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي». ويضيف: «إن هذه الحقيقة تخاطب بعمق الضمير الأخلاقي في زمننا. فلا يكفي التذرع بالكفاءة، ولا الاحتفاء بفوائد الابتكار، إذا كانت تقوم على سلسلة استغلال تبقى، عن قصد، غير مرئية». السلام ثمرة العدالة والمحبة بالنسبة إلى البابا بريفوست، «السلام ليس أملاً ساذجاً ولا مجرد غياب للحرب»، بل هو «ثمرة، ممكنة دائماً، للعدالة والمحبة». ولتوضيح هذه الفكرة، يستشهد لاوون الرابع عشر بج. ر. ر. تولكين، الكاتب الكاثوليكي البريطاني الكبير في القرن العشرين، واصفاً مسؤوليتنا على لسان غاندالف، أحد أبطال ثلاثية سيد الخواتم : «ليس من شأننا أن نجمع كل مدّ العالم وجزره، بل أن نفعل ما في وسعنا لمساندة السنوات التي وُضعنا فيها، وأن نقتلع الشر من الحقول التي نعرفها، لكي يجد الذين سيأتون بعدنا أرضاً صالحة للزراعة». أما نحن، الذين تُرش أراضينا الزراعية وبساتين زيتوننا بالغليفوسات والفوسفور، فينبغي لهذه الكلمات أن تلقى فينا صدى خاصاً. المقال المقبل: ضد الوهم ما بعد الإنساني، القدرة على العلاقة والمحبة (3/3) اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه: رسالة «Magnifica humanitas» للاوون الرابع عشر، نص تأسيسي حول الذكاء الاصطناعي (1/3)









