شعار Levant Time

منظور

إيران: معطيات بالغة الأهمية حول النووي وتأثير الحصار البحري (1/2)

يكاد لبنان والمنطقة أن يكونا في حالة «استراحة». فقد أشار الرئيس دونالد ترامب، في مطلع نهاية هذا الأسبوع، إلى أنه منح إيران مهلة أسبوع، كبادرة حسن نية خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، الذي قُتل في القصف الأميركي-الإسرائيلي الكثيف الذي شكّل شرارة الحرب التي أُطلقت ضد النظام الإيراني في 28 شباط الماضي. وتنتهي هذه الاستراحة في 11 تموز المقبل، وهو الموعد الذي أُعلن السبت لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، والتي ستُعقد في إسلام آباد. وعلى جدول الأعمال: العقوبات، والأموال الإيرانية المجمّدة، والملف النووي. وتأتي إعادة إطلاق هذه المفاوضات في وقت تعزز فيه مؤشرات عدة حال عدم اليقين حيال إمكان التوصل إلى نتيجة بنّاءة في مسار «المفاوضات» الذي بدأ مع مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. ومن بين هذه المؤشرات، التي قد تصبّ في غير مصلحة النظام الإيراني: تطور ملفي لبنان ومضيق هرمز، ولا سيما بروز خطابات رسمية متقاربة في لبنان وسوريا والعراق، تميل إلى تأكيد أن المنطقة بأسرها تدخل مرحلة جديدة من تاريخها، في قطيعة تامة مع المشروع الأيديولوجي الخميني. أما في ما يتعلق بالساحة اللبنانية أولاً، فقد أفادت معلومات نقلتها صحيفة نداء الوطن اللبنانية، القريبة من الأوساط السيادية، بوجود قرار أميركي بحلّ «الميكانيزم»، أي لجنة مراقبة وقف إطلاق النار التي شُكلت عقب اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، تمهيداً لإنشاء لجنة أمنية ثلاثية لبنانية-أميركية-إسرائيلية، يرأسها ضابط أميركي رفيع، هو الرئيس السابق لـ«الميكانيزم» الجنرال جوزف كليرفيلد، الذي باشر مهمته بالفعل عبر محادثات أجراها هذا الأسبوع مع القادة الإسرائيليين، لبحث الترتيبات العملية لنشر الجيش اللبناني في «المنطقتين النموذجيتين» المنصوص عليهما في الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في واشنطن، برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو. ومن شأن إطلاق الدينامية المنصوص عليها في هذا الاتفاق الإطار أن يقطع، من دون شك، الطريق أمام الجهود اليائسة للجمهورية الإسلامية للتشبث بالورقة اللبنانية. معطيات حول تأثير الحصار البحري الأميركي أما في ملف مضيق هرمز، فإن الطموحات الهيمنية للحرس الثوري، الذي يصرّ على فرض سيطرته على هذا الممر البحري، تصطدم بتقاطع المواقف الأميركية والأوروبية في هذا المجال. وعموماً، يرفض المجتمع الدولي فرض أي رسم عبور على السفن التي تستخدم المضيق. والسبت، جدّد القادة الفرنسيون والبريطانيون استعدادهم لإنشاء قوة متعددة الجنسيات لضمان حرية الملاحة البحرية في هرمز. وفي هذا الإطار، أشاد مسؤول بريطاني رفيع بموقف سلطنة عُمان، التي أعلنت استعدادها لضمان أمن السفن على طول الممر المحاذي لسواحلها. وتحاول الجمهورية الإسلامية، منذ بداية هذه الحرب، استغلال قدرتها على التعطيل في مضيق هرمز لإظهار أنها قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، إذا لم تؤخذ في الاعتبار إرادتها بفرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة. غير أن معلومات نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في نهاية هذا الأسبوع تشير إلى أن ابتزاز الحرس الثوري عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز له حدود في السياق الراهن. فقد ذكرت الصحيفة الأميركية، نقلاً عن أربعة مسؤولين إيرانيين رفيعين، أن الرئيس الإيراني وحاكم البنك المركزي الإيراني كانا قد أبلغا المرشد الأعلى، قبل توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن، بأن الحصار البحري الأميركي شلّ إلى حدّ بعيد الاقتصاد الإيراني برمته. وأضافا أن احتياطات البلاد من المواد الغذائية الأساسية والأدوية ستنفد في نهاية شهر آب بسبب الحصار. وبحسب هذه المعلومات، فإن الرئيس الإيراني هدد بالاستقالة إذا لم يمنح النظام الضوء الأخضر للتوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن استمرار الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحصار «يهدد استقرار البلاد»، وأن «الحكومة لم تعد قادرة على إدارة الوضع». وعقب هذه الخطوة المزدوجة والعاجلة من الرئيس وحاكم البنك المركزي، يكون المرشد الأعلى قد أعطى أخيراً الضوء الأخضر لمسار المفاوضات مع واشنطن. ولا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الفاعلية المثبتة للحصار البحري الذي فرضته إدارة ترامب، والخطر الكبير الذي يمكن أن يشكله على الاقتصاد الإيراني في المدى القصير، يؤديان إلى موازنة واحتواء، إلى حد ما، الابتزاز الذي يلجأ إليه الحرس الثوري لفرض سيادته على مضيق هرمز. وهكذا، فإن ورقة السيطرة على هذا الممر البحري، التي يؤكد الحرس الثوري أنه لا يزال يمسك بها، قد تنقلب على النظام نفسه. تقرير مقلق حول نشاط نووي إيراني وبموازاة خطر العودة إلى الحصار البحري، الذي قد تلجأ إليه واشنطن مجدداً في حال تعثر المفاوضات الثنائية، قد يواجه النظام الإيراني قريباً مصدراً آخر للتوتر والنزاع على صلة بالملف النووي. فقد أفاد موقع «الجنوبية» اللبناني، القريب من المعارضة الشيعية والمناهض للمشروع الخميني، بأن مركز أبحاث أميركياً مرموقاً، مقره واشنطن، ويتابع عن كثب تطور البرنامج النووي الإيراني، وهو «معهد العلوم والأمن الدولي» (ISIS)، تحدث عن نشاط مستمر ومثير للقلق في موقع نووي مهم تحت الأرض، أُنشئ في عمق جبل صخري. وهذا الموقع السري الشديد التحصين، الذي يُرجح أنه يضم منشآت وبنى تحتية واسعة تحت الأرض، ولا سيما لتخصيب اليورانيوم، لم يخضع يوماً لرقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويُعرف هذا الموقع باسم «جبل الفأس»، وقد أُنشئ في عمق سلسلة جبال زاغروس الصخرية، على بعد نحو كيلومتر واحد من مركز تخصيب اليورانيوم في نطنز. وتشير شبكة فوكس نيوز الأميركية إلى أن استمرار النشاط داخل هذا الموقع «يثير شكوكاً جدية حول مدى التزام إيران بتعهداتها» المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن. وتنص إحدى بنود هذه الوثيقة على تجميد أي نشاط نووي خلال فترة المفاوضات الممتدة على ستين يوماً. وإذا ثبت فعلاً أن الأعمال متواصلة في مركز «جبل الفأس»، كما يؤكد أحد خبراء معهد العلوم والأمن الدولي، فإن ذلك سيشكل انتهاكاً خطيراً لمذكرة التفاهم... والأهم أنه سيكون مؤشراً واضحاً إلى انعدام الجدية والمصداقية في الالتزامات التي قطعها نظام الملالي. المقال المقبل: ثلاث خطابات لنموذج واحد

خديعة وذر للرماد في العيون…
بقلم
ميشال توما
نُشر
مايو 26, 2026 - 08:54

«حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق مبدئي، فإن ذلك لن يغير النظرة الإيرانية لأميركا»… بكلمات معدودة، قاربت وكالة "تسنيم" الإيرانية، التي تعكس مواقف الحرس الثوري الإسلامي، وبشكل غير مباشر، أصل الداء الذي يكمن وراء الأزمة الوجودية التي تزعزع استقرار دول المشرق وتهدد بعض دول الخليج منذ عقود. فهذه العبارة المقتضبة تجسد، في الواقع، معضلة جوهرية خطيرة: البُعد العقائدي الإلهي الذي يملي سلوك نظام الملالي، والذي يتعامى عنه بعض القادة الغربيين باستمرار، أو يجهلونه في بعض الأحيان. وعلى الصعيد العملي، سلّط المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مطلع هذا الأسبوع، الضوء بشكل جلي على أحد تجليات هذه المعضلة الأساسية، والمتمثل تحديداً في استراتيجية المماطلة والمناورة وكسب الوقت، لتمكين الجمهورية الإسلامية من امتلاك الأدوات الاستراتيجية العسكرية والأمنية والسياسية والمؤسساتية والاقتصادية والمالية التي تتيح لها الإعداد الجيد لمعركتها ضد القوى الغربية. وفي هذا السياق، أكد أكثر من مسؤول في السلطة الحاكمة بطهران، خلال الأسابيع الأخيرة، أن النظام يستعد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً لهذه الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هذا المنطلق، يسهل فهم الموقف الصريح الذي عبّر عنه المتحدث باسم الدبلوماسية الإيرانية، يوم الاثنين 25 أيار، إذ قال دون مواربة: «نحن نفاوض لإنهاء الحرب، ولا نناقش حالياً القضايا النووية (…)؛ وإيران تحتفظ بحقها في اختيار توقيت ردها على " العدو "». لقد قُضي الأمر ولم يعد هناك ما يُضاف... وهذا التوضيح، الشديد الوضوح، يعيدنا بالذاكرة إلى ما كان قد شدّد عليه الرئيس دونالد ترامب، مُصيباً في ذلك تماماً، قبل أيام معدودة حين قال: «منذ 47 عاماً (أي منذ اعتلاء الخميني سدة الحكم عام 1979)، والنظام الإيراني يستخفّ بعقولنا، ويجعلنا ننتظر، ويقتل رجالنا (...)، ويقمع الانتفاضات الشعبية بوحشية (...)». ولا يندرج هذا الكلام، بأي حال من الأحوال، في خانة محاكمة النوايا؛ فملف السلاح النووي وتخصيب اليورانيوم يطرحه المجتمع الدولي بأسره، وليس الولايات المتحدة فحسب، منذ مطلع الألفية الثانية. ففي 31 تموز 2006، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1696 الذي «يطالب بالتعليق الفوري لتخصيب اليورانيوم»، وقد جرى التصويت على هذا القرار بموافقة روسيا والصين (دون استخدام حق الفيتو). وكما كان متوقعاً، لم يأبه النظام الإيراني مطلقاً بالإنذار الأممي، مما دفع مجلس الأمن، في 23 كانون الأول 2006، إلى اعتماد القرار رقم 1737 الذي فرض حزمة أولى من العقوبات على الجمهورية الإسلامية. ولكن دون جدوى... وبناءً على ذلك، اعتمد مجلس الأمن (ودائماً دون أي فيتو روسي أو صيني) ثلاث قرارات متتالية فرضت بموجبها عقوبات أشد صرامة على إيران، وهي: القرار 1747 الصادر في 24 آذار 2007، والقرار 1803 في 3 آذار 2008، والقرار 1929 في 9 حزيران 2010. واليوم، بعد مرور قرابة عشرين عاماً، نجد أنفسنا عند النقطة ذاتها، بل إن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يطل علينا ليعلن أن «المحادثات» بشأن هذا الملف النووي عينه، والمطروح منذ عام 2006 بل وقبل ذلك، يجب أن تُرجأ، بذريعة منح الأولوية لوقف الأعمال العدائية... لا ينبغي أن تفاجئ استراتيجية المماطلة والمناورة هذه أحداً، ولا سيما أنها ترافقت باستمرار، على مر السنين، مع سلوك عدائي دائم تجاه دول عربية وغربية عدة، وخصوصاً الولايات المتحدة، كما تجسده العمليات الإرهابية الكثيرة التي رعاها هذا النظام، بدءاً من احتلال السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن فيها لمدة 444 يوماً عام 1979. وتلت ذلك سلسلة طويلة من الأعمال العدائية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي: الهجوم بشاحنة مفخخة الذي دمر مبنى السفارة الأميركية في عين المريسة في نيسان 1983؛ الاعتداء المزدوج الدامي في تشرين الأول 1983 في بيروت ضد مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) ومقر المظليين الفرنسيين التابعين للقوة متعددة الجنسيات؛ تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس في تموز 1994؛ زرع خلايا تخريبية في قبرص، بلغاريا، ألمانيا، المملكة المتحدة، الكويت، البحرين، الإمارات، وسوريا... وما هذه إلا أمثلة قليلة، يُضاف إليها بالطبع اغتيال رفيق الحريري، والاغتيالات السياسية خلال ثورة الأرز، والحروب المفروضة على لبنان، وقبل كل شيء، القمع الوحشي لحركات الاحتجاج التي قادها الشعب الإيراني. مثل هذا السلوك، الذي يمتد عبر الزمن ولا يقيم وزناً لا للمكان ولا للوقت، يخضع لمنطق خاص جداً: منطق العقيدة «الإلهية» والمهمة المهدوية التي يعتقد حراس الثورة أنهم مكلفون بها. وهذا البُعد «المهدوي» واللاعقلاني، هو، وللأسف، ما يتعامى عنه بعض القادة، وبسببه فإن أي بحث عن مخرج للأزمة الحالية على أساس مقاربة عقلانية بحتة، ودبلوماسية «زائفة»، لا تأخذ في الاعتبار سوى المصالح الاقتصادية الظرفية أو ردود الفعل الوطنية الضيقة، لن يؤدي إلا إلى إرجاء المشكلة وزرع بذور حرب جديدة، وأزمة وجودية أخرى تكون أخطر مما سبقها. إن تفاوضاً على «حل» مع فصيل يستند سلوكه العقائدي «الإلهي» إلى منطقٍ مجافٍ للعقل، ولا يأبه عمله المستمر بأي شكل من الأشكال بالاعتبارات الأخلاقية أو الإنسانية، يشكّل خديعة كبرى ومقاربة مضلِّلة جوهرياً. ففي مثل هذا الموقف، يصبح من المحتم معالجة أصل الداء واجتثاث جذوره العميقة من أساسها. وأي مخرج آخر للأزمة لن يعدو كونه ذرّاً خطيراً للرماد في العيون...

قف، الطريق الخاطئ…
بقلم
ميشال توما
نُشر
مايو 22, 2026 - 00:07

في الصراع الحالي الذي سيحدد على الأرجح مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن نتحلى بالشفافية ونقول الأمور كما هي، دون مجاملة أو تذبذب: فهناك عدد كبير من المسؤولين السياسيين رفيعي المستوى والخبراء والأكاديميين والصحفيين الذين يسيرون في الطريق الخاطئ في تقديرهم للمسألة الحقيقية لهذه الأزمة الوجودية التي تهز المنطقة بأسرها وتنعكس آثارها بطريقة غير مباشرة على السوق العالمية. الخطأ الأكبر في السياق الحالي هو أن نخوض المعركة الخاطئة. الخصم الذي يجب محاربته اليوم ليس الرئيس دونالد ترامب بأي حال من الأحوال، مهما كانت الانتقادات التي قد نوجهها إليه بشأن سلوكه وغروره وتجاوزاته اللغوية وعلاقاته مع الحلفاء المفترضين. أليس من الضروري أن نذكّر في هذا الصدد، لتوضيح وجهة نظرنا، بأن الجنرال ديغول وجهت إليه الانتقادات نفسها زمن الحرب العالمية الثانية، لكن الجنرال ديغول، بينما كان في صراع دائم مع النظام النازي، لم يركز كل جهاده على الخلافات والخصومات التي كانت بينه وبين رئيس الوزراء البريطاني السابق. إذا كان العديد من المسؤولين وخبراء السياسة اليوم يسيرون في الطريق الخاطئ في فهمهم للصراع الإيراني، فذلك لأنهم يرفضون الاعتراف بأن القضايا الحقيقية في هذا الصراع لا تقتصر على حرية الملاحة البحرية فقط في مضيق هرمز والحفاظ على الاقتصاد العالمي. المسألة لا تتعلق البتة بوقف التصعيد والعمليات العسكرية لصالح "الطريق الدبلوماسي" والبحث عن "حل تفاوضي يقبل به الطرفان". كانت مثل هذه الأهداف مفهومة ومعقولة لو كان لدينا فصائل حتى لو متنافسة تتمسك بخط سلوك يتوافق مع المعايير العقلانية المألوفة. لكن هذا بعيد جداً عن الواقع عندما يتعلق الأمر بقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالأخص حجر الزاوية فيها وهو الحرس الثوري. أنصار "الطريق الدبلوماسي" والمعارضون للأسلوب الصارم الذي طبقه الرئيس ترامب يخفون، إما من خلال حسابات أنانية أو براءة مفرطة، ما يجب أن يكون المسألة الحقيقية في هذا الصراع: القضاء على النظام الإيراني، أو على الأقل على جناحه الصعب والحربي الممثل في الحرس الثوري. هذا ليس مجرد صراع على السلطة أو فرض توازن قوى ما، بل هو صراع وجودي بطبيعته الأساس، من الخطر إغفال بعده الأيديولوجي والإلهي... لقد حان الوقت فعلاً للاعتراف بحقيقة لا جدال فيها، تؤكدها وقائع ملموسة: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعالم الغربي بشكل عام ودول الخليج ودول بلاد الشام تواجه منذ عقود معاناة واعتداءات من سلطة إيرانية ثيوقراطية ديكتاتورية وفتاكة، تعتقد أنها مكلفة برسالة مسيانية وتسير على أساس رؤية متخلفة وظلامية للعالم والمجتمع والحياة والموت وموضع الرجل والمرأة في محيطهما. هذا المشروع المجتمعي الخميني (لأننا يجب أن نسميه باسمه الصحيح) مبني على ممارسات وعادات وأسلوب حياة وقوانين اجتماعية من عصور غابرة. وقد حمله على كاهله الجناح الراديكالي للنظام الطهراني منذ وصول الخميني إلى السلطة سنة 1979. منذ البداية، اعتمد الحرس الثوري شعار "تصدير الثورة الإسلامية" ووضعه موضع التنفيذ بنشر ميليشيات تابعة له في لبنان والعراق واليمن وسوريا وغزة، وبانتهاج سياسة توسعية وعدم استقرار في عديد مناطق الإقليم، خاصة في عدة دول من دول الخليج. لحماية سلطتهم والنظام الخميني برمته، لا يتردد "حرّاس المعبد" - الحرس الثوري - أمام شيء ولا يكترثون بأي اعتبارات إنسانية. آخر مثال على ذلك: الإعدامات الجماعية للمراهقين والشباب في عز شبابهم والطلاب الجامعيين والإطارات العليا، المتهمين بالمشاركة في مظاهرات سلمية (600 إعدام منذ بداية السنة وأكثر من 2100 في سنة 2025، دون أن يثير ذلك استنكاراً حقيقياً من قبل "المثقفين" و"الرأي السليم"). أليس من الواجب تذكر أنه خلال آخر مظاهرات جماهيرية في معظم المناطق الإيرانية، قام الجهاز القمعي للنظام بمذبحة في يومين فقط، 8 و9 يناير 2026، أودت بحياة أكثر من 40 ألف مدني! هل من الضروري استعادة ذاكرة انتفاضة سنة 2009 ("الحركة الخضراء") التي نجمت عن إعادة انتخاب احمدي نجاد بالاحتيال والتي قمعتها الحرس الثوري بوحشية، أو "نوفمبر الدموي" سنة 2019 الذي خلّف لا يقل عن 300 قتيل، وخاصة احتجاجات "امرأة، حياة، حرية" الواسعة سنة 2022 التي أطلقتها وفاة الفتاة الكردية الأصل مهسا أميني في الاعتقال والتي تم قمعها بالدم عبر إطلاق الرصاص الحي والآلاف من الاعتقالات وحالات تعذيب فظيعة... لكن ذروة الفظاعة تحققت خلال الحرب مع العراق عندما أرسل النظام مئات الأطفال للموت على حقول الألغام لفتح الطريق أمام القوات النظامية! على الرغم من هذا الماضي المظلم، الذي يمكن الإطالة فيه بتفاصيل كثيرة عن القمع والأفاعيل الشريرة للنظام، يستمر عدد من الدول الغربية والدول العربية في الدعوة إلى "الحوار" وحل "دبلوماسي" لإنهاء النزاع المسلح الحالي والخروج من مأزق البرنامج النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم. تتظاهر هذه الدول بنسيان أن ذلك يتم منذ أكثر من... عشرين سنة (!) منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث يتم مناقشة ملفات البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم والتفاوض بشأنها والنقاش حولها والبحث فيها مراراً وتكراراً على مدار السنين، طولاً وعرضاً. أكثر من عشرين سنة من النقاشات العقيمة التي سمحت لنظام الملالي بكسب الوقت لتطوير برنامجه النووي بلا توقف وتسريع تخصيب اليورانيوم، حتى وصل إلى نسبة 60 بالمائة وأكثر. وضع الرئيس ترامب مؤخراً إصبعه على الجرح بالملاحظة الصحيحة التي يصرّ قادة آخرون على عدم الاعتراف بها: "منذ 47 سنة (منذ 1979)، يلعب النظام الإيراني بنا؛ يجعلنا ننتظر ويقتل رجالنا بالعبوات الناسفة المزروعة على جانب الطريق، ويقمع الانتفاضات الشعبية بقسوة، وقبل وقت قريب أيضاً ذبح 42 ألف متظاهر أعزل بلا دفاع" (...). في ضوء هذا الواقع المرعب والحقيقة البغيضة، هل بقي شيء للتفاوض بشأنه مع نظام قاتل كهذا، يحركه عشق الاستشهاد وأيديولوجية إلهية رجعية لا تكترث للإنسان، للفرد كقيمة مطلقة؟ هل كان يمكن تصور الدعوة في 1944-1945 للـ"حوار" مع هتلر للتوصل إلى "حل دبلوماسي" مع النظام النازي؟

المنسيون في حرب إيران
بقلم
ميشال توما
نُشر
أبريل 7, 2026 - 10:32

كان اسمه أمير حسين حاتمي، وكان موسيقيًا وعازف جيتار موهوبًا، وفقًا لمقربين منه؛ كان يبلغ من العمر 18 عامًا؛ تم شنقه في ساحة سجن قزل حصار الإيراني، في ضواحي طهران... وقد اتُهم بـ «العداء لله»… محمد أمين بيكاري، 19 عامًا، سُمح له الأسبوع الماضي من قبل سجانيه بالاتصال بوالده عبر الهاتف لإبلاغه (قمة السادية والقسوة من جانب السلطة...) بأنه سيُشنق صباح اليوم التالي؛ وقد جرى الإعدام كما هو مخطط له. جريمته: المشاركة في المظاهرات الأخيرة ضد نظام الملالي... كان اسمه صالح محمدي، مصارع محترف، وقد شارك في مسابقات المصارعة تحت راية إيران؛ كان يبلغ من العمر 19 عامًا؛ تم شنقه قبل بضعة أيام لمعارضته الديكتاتورية القائمة... هذه ثلاث حالات، اختيرت عشوائياً، من قائمة طويلة – قائمة طويلة ومظلمة للغاية – تضم آلاف المراهقين و الشباب الإيرانيين في مقتبل العمر ، أو في بداية حياتهم المهنية، والذين تم شنقهم أو ينتظرون إعدامهم، ويتحملون جميع أنواع الانتهاكات في أماكن احتجازهم. هؤلاء «أطفال الحرب» – الحرب التي يشنها نظام الملالي ضد الشعب الإيراني الحر – هم المنسيون في هذا الصراع المسلح الذي يهز الشرق الأوسط والخليج بأكمله منذ أكثر من خمسة أسابيع. من الواضح أن الأجهزة القمعية للجمهورية الإسلامية تستغل اهتمام المجتمع الدولي بالعمليات العسكرية وتداعياتها لتنفيذ عمليات إعدام جماعية للشباب. إن مهمتهم المروعة لا تتأثر بالقدر المأساوي الذي تعانيه إيران نتيجة مباشرة للاستراتيجية الانتحارية والعدوانية التي اتبعها نظام الخميني لعقود. تندرج هذه السلسلة التي لا تنتهي من أحكام الإعدام والإعدامات بإجراءات موجزة منذ سنوات ضمن «تقليد» السلطة القضائية الإيرانية، وتأتي في أعقاب «محاكمات» صورية عاجلة استنكرتها جميع المنظمات الدولية. وهي توضح حقيقة مظلمة، تتمثل في الطبيعة المتوحشة والدموية والخالية من أي إنسانية للجناح المتطرف من نظام الملالي. لسوء الحظ، يبدو أن هذا التيار المتطرف والمتشدد في صراعه مع الولايات المتحدة، والعالم الغربي بشكل عام، يمسك الآن، وحده، بزمام السلطة في إيران، مستفيدًا من إقصاء المرشد الأعلى وخليفته، وما تبعه من تهميش واضح. هذه الحالة المظلمة يتم إخفاؤها عمداً من قبل «أصحاب الفكر الصائب» واليساريين الإسلاميين المزعومين الذين يصرون على عدم إدراك الخطر العميق والحقيقي الذي يمثله، ليس فقط لشعوب المنطقة ولكن أيضاً للمجتمعات الليبرالية، استمرار بقايا نظام الملالي في السلطة. عندما يذبل نبات، لن يكون من المفيد جداً، إذا رغب المرء في التخلص منه، أن يكتفي بتقليم الجذع والفروع مع الحفاظ على الجذور، لأنه سرعان ما سيعاود الظهور، أقوى مما كان عليه من قبل. وبنفس الطريقة، فإن قبول فكرة «تسوية» أو تسوية مع بقايا نظام الملالي سيعني السماح بولادة جديدة، على المدى القصير، وبمزيد من العدوانية، لسلطة دكتاتورية وضعت على مدار أكثر من عشرين عامًا برنامجًا لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية واضحة، وبنت على مر السنين آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى العواصم الأوروبية الرئيسية، وارتكبت مجزرة بدم بارد، في يومين، ما يقرب من 40 ألف متظاهر سلمي شاب، والذي لا يتردد في إطلاق الرصاص الحي على المظاهرات الحاشدة، والذي لا يتردد في شنق المئات، بل الآلاف، من المراهقين والشباب، والذي قام لسنوات بتمويل وتطوير الإرهاب الدولي، والذي زعزع استقرار عدة دول في الشرق الأوسط لإرضاء أطماعه الهيمنية من خلال محاكاة سلوكه الممارسات النازية المشؤومة، والذي أنشأ ميليشيات موالية له في عدة عواصم في المنطقة، والذي شكل خلايا تخريبية في الخليج وبعض الدول الأوروبية، والذي ارتبط بشبكات عالمية لتهريب المخدرات والعمليات المافياوية... هناك أيضاً، القائمة طويلة... إن المأساة التي يعيشها الشعب الإيراني وشعوب المنطقة اليوم هي النتيجة المباشرة للتساهل الذي لا يوصف والذي لوحظ، لأكثر من 45 عاماً، من قبل بعض القادة والدوائر الغربية في مواجهة الاستراتيجية العدوانية والتوسعية التي طبقها الحرس الثوري الإسلامي بصبر. إن الرغبة في «التفاهم» مع بقايا نظام لا يزال مشبعاً بأيديولوجية ثيوقراطية عفا عليها الزمن، والرغبة في إعادة إطلاق التساهل في مواجهة مثل هذه السلطة، سيعني خيانة القيم الإنسانية والعالمية التي يدعو إليها الغرب ويدافع عنها. خلال المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، لم يكن من الممكن، تحت ذريعة وقف الأعمال العدائية، التفكير في «تسوية» مع الناجين من النظام النازي. كان من الضروري استئصال هذا النظام بأكمله تمامًا لمنعه من الظهور مرة أخرى. وبنفس الطريقة، فإن الحفاظ على جذور المشروع الخميني سيعني منحه حياة جديدة وإدانة دول المنطقة بتحمل مرة أخرى، في وقت ليس ببعيد، ويلات حرب مدمرة أخرى ذات تداعيات اقتصادية تتجاوز بلا شك النطاق الضيق لمنطقة الشرق الأوسط وحدها.

في مواجهة الطاغية، "هتلر الشرق الأوسط الجديد"
بقلم
ميشال توما
نُشر
مارس 28, 2026 - 10:58

في مقابلة حديثة أجراها مع قناة تلفزيونية ناطقة بالإنجليزية، لم يُراوغ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في وصف المرشد الراحل علي خامنئي، ومن ثَمَّ، بالتبعية، نظام الملالي عموماً، بأنه “هتلر الجديد في الشرق الأوسط”… وفي قراءة بالغة الوضوح للسياق الجيوسياسي للصراع الراهن، أشار ولي العهد دون مواربة إلى أن السلطة الإيرانية تنتهج بجلاء موقفاً توسعياً، وتسعى إلى مدّ “مشروعها الخاص في الشرق الأوسط، على الطريقة ذاتها التي اتبعها هتلر” في أوروبا. وأكد محمد بن سلمان، واضعاً يده على الجرح: “لم تدرك دول عدة مدى خطورة هتلر إلا حين فات الأوان”، ليضيف: “لا أريد أن يحدث هذا هنا”. حين نُبسِّط الأمور إلى أقصى الحدود، يكشف التوازي مع هتلر عن بعض أوجه التشابه فعلاً، غير أنها تبقى في حدود الشكل والسلوك، المحسوس في أكثر من وجه: استراتيجية توسعية إقليمية ترمي إلى فرض هيمنة على شعوب أخرى، تستند إلى أيديولوجيا فاشية ذات طابع ثيوقراطي في الحالة الإيرانية فضلاً عن ذلك؛ وامتداد “الاحتلال”، غير المباشر ، لأراضٍ في دول عدة عبر السيطرة على سلطات محلية تابعة للقوة المستعمِرة؛ وإقامة تنظيمات مليشياوية تابعة في كل بلد (على غرار الغيستابو)، مُوكَل إليها قمع كل معارضة والإبقاء باستمرار على مناخ من الرعب والقمع. بيد أن المشروع الخميني الذي يرزح الشرق الأوسط تحت وطأته يتجاوز هذه المظاهر الاستعمارية ذات الطابع الطائفي والممارسات المليشياوية الفاشية التي يمارسها من اصطُلح على تسميتهم الوكلاء الإيرانيون إلى خطر من بُعد مغاير كلياً. فهو يُشكِّل تهديداً وجودياً في جوهره، لا يطال لبنان وحده بل يمتد ليشمل جميع دول المنطقة، دول الخليج مشمولةً. هذا المشروع السياسي، العابر للحدود في جوهره، يُنادي ببناء مجتمع محارب — محارب على الدوام — تقوم أسسه على قيم وثقافة وبنية فكرية وأعراف اجتماعية ونمط عيش غريبة كلياً عن شعوب المنطقة. والأدهى من ذلك أن غسيل الأدمغة يُمارَس ضمن هذا الإطار الأيديولوجي المنغلق منذ نعومة الأظفار، كما يجلّيه المنهج الدراسي المعمول به في مدارس حزب الله الحزبية، منذ المرحلة الابتدائية. المنهج المفروض على تلاميذ هذه المؤسسات مستنسخ من الأيديولوجيا الخمينية التي تُلقِّن الأطفال الصغار عبادة الشهادة. وليس ثمة ما يدعو إلى الاستغراب في هذا السياق — ولنستشهد بهذا المثال وحده — أن يحدد الحرس الثوري في طهران منذ أيام قليلة سن الانتساب إلى صفوفه بـ… 12 عاماً! غير أن الأيديولوجيا الاستبدادية التي تُغذِّي السياسة التوسعية في مثل هذه الأوضاع تقترن ببناء منظومة عسكرية لا تكاد تُخفي توجهاً عدوانياً حيال الدول والشعوب المصنَّفة في خانة “الأعداء”، لأنها لا تشاطر القوة “الأم” قيمَها وأسسها الحضارية. وتجلية لهذا المعنى، كشفت العمليات العسكرية الجارية منذ الثامن والعشرين من فبراير عن الحجم الفعلي للترسانة النووية والصاروخية التي أرسى نظام الملالي دعائمها باجتهاد على مدى عقود متتالية. ولا تفسير للعناد المَرَضي في تخصيب اليورانيوم إلى ما يتجاوز الستين بالمئة، وفي بناء صواريخ باليستية يبلغ مداها أربعة آلاف كيلومتر — قادرة على الوصول إلى العواصم الأوروبية —، وفي ضخ استثمارات هائلة لزعزعة استقرار دول المنطقة عبر مليشيات شبه-دولاتية تابعة للباسداران، إلا بالإرادة في تطبيق استراتيجية فتح وهيمنة، ليس على الصعيد الجيوسياسي وحسب، بل وقبل ذلك على الصعيدين الاجتماعي-الثقافي وفرض قيم «إلهية» اختزالية ومظلمة ورجعية في كل وجه. وصف الرئيس دونالد ترامب مساء الجمعة نظام الملالي بـ«طاغية الشرق الأوسط». «هتلر جديد» وطاغية سفّاح يُشيع الرعب في المنطقة لا ينبغي له في أي حال من الأحوال أن يحظى بأي موقف متسامح أو مهادن. فلا مناص من إزاحته عن الساحة. وأي تدبير منقوص في هذا الإطار سيكون خطأً استراتيجياً جسيماً. إذ لن يؤدي الإحجام عن مواصلة عملية الاجتثاث الجذري والكلي للطاغية الإقليمي حتى نهايتها إلا إلى زرع بذور صراع مسلح جديد في المستقبل القريب. لو لم يُمحَ النظام الهتلري كلياً ونهائياً من الخارطة في نهاية الحرب العالمية الثانية، لكان شبح النازية قد عاد إلى الظهور دون إبطاء. في مثل هذه الظروف، أي مثالية ساذجة يُبديها “أصحاب الرأي القويم” أو الووكيون المتظاهرون بالتقدمية تُعادل جريمة فادحة لا توصف في حق شعوب في خطر

الهدف هو مواجهة، ليس «اللبنانيين»، بل مشروع الخميني.
بقلم
ميشال توما
نُشر
مارس 15, 2026 - 14:27

كثيراً ما تحدثنا، خاصة قبل الحرب، عن «المعجزة اللبنانية»، عن لبنان الذي يشبه طائر الفينيق الذي ينهض من رماده. صورة جميلة... إلا أن لبنان الأرز، بعد أن نهض من رماده بلا توقف لأكثر من نصف قرن، أصبح اليوم يلهث... خاصة وأنه يقوّض من الداخل من قبل حزب لا يهتم بأي شكل من الأشكال بـ «مصلحة لبنان وبقاء شعبه»، كما أكد بحق الرئيس جوزيف عون في مداخلته، عبر الإنترنت، أمام قادة الاتحاد الأوروبي. لم يتردد رئيس الدولة في وضع الإصبع على الجرح باتهامه الصريح لحزب الله بإعادة تنشيط جبهة الجنوب اللبناني «لخدمة المصالح الإيرانية»، مؤكداً أن هدف التشكيل المتحالف مع الحرس الثوري هو إثارة «سقوط الدولة اللبنانية» ليدعي لاحقاً أنه هو، وحده، القادر على مواجهة إسرائيل. هذه هي إذن المشكلة الوجودية الحقيقية، بكل معنى الكلمة، التي يواجهها لبنان. إنها حقيقة بديهية للأحزاب وأقطاب النفوذ السياديين. ولكن عندما يأتي رئيس الجمهورية – الذي تتهمه بعض الأوساط باللين المفرط تجاه حزب الله – إلى وصم انحرافات الحزب الموالي لإيران أمام الهيئات الدولية، فهذا يعني أن الخطر على هذا الصعيد قد بلغ عتبة حرجة للغاية. ولسبب وجيه: إن سلوك حزب الله غير المنطقي، بل «غير المسؤول» – كما أكد السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة يوم الأربعاء – قد تجاوز كل تصور. وهذا هو بالتحديد الخطر الذي تجاهله قائد الجيش، اللواء رودولف هيكل، عندما خاطب قبل أيام ضباط «الصامتة الكبرى». سعياً لتبرير سلبية القوات في مواجهة التدفق الميليشيوي للتكوين الموالي لإيران، في انتهاك صارخ لقرارات مجلس الوزراء بهذا الشأن، أكد أن الجيش «يجب أن يبقى على مسافة متساوية من اللبنانيين». بوضوح، يجب على اليرزة، حسب رأيه، الامتناع عن تطبيق قرارات الحكومة لتجنب الدخول في مواجهة مع جزء من السكان. ولكن هذا يمثل مشكلة خاطئة، أو طريقة لطرح المشكلة بشكل مشوه تماماً. المطلوب ليس على الإطلاق مواجهة جزء من اللبنانيين. المطلوب هو مواجهة مشروع سياسي الذي يقوم أساسه الأيديولوجي، الثيوقراطي، العابر للحدود، على إنكار فكرة لبنان بحد ذاتها , لبنان التعددي، الليبرالي، المنفتح على العالم، الذي يحترم خصوصيات كل من مكوناته الاجتماعية. المشروع الخميني (إذ هو المقصود هنا) هو أيديولوجياً على النقيض التام من سبب وجود الكيان اللبناني، الذي لا يعترف بوجوده أصلاً، وينظر إليه فقط، وبشكل حصري، كساحة صراع بسيطة مع العالم الغربي وخط دفاع أول ضد إسرائيل. أليست إعادة فتح جبهة الجنوب في 2 مارس، للانتقام لمقتل المرشد الأعلى الإيراني، بكل ما يترتب عليها من عواقب على الصعيد اللبناني، هي أوضح دليل على الازدراء الكامل الذي يكنّه الحرس الثوري، وفي أعقابه حزب الله، للشرعية اللبنانية، ولأبسط مصالح لبنان، ولرغبة شعبه في البقاء؟ قد يرد البعض بأن مواجهة بين الجيش والميليشيا الموالية لإيران ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية والاستقرار الداخلي. فهل عواقب هذه الحرب الخامسة ضد إسرائيل في الجنوب، التي شنها حزب الله في 2 مارس بطلب من الحرس الثوري، أقل تكلفة؟ أكثر من ثمانمائة قتيل في أسبوعين، ما لا يقل عن 600 ألف من سكان الجنوب والضاحية أجبروا على النزوح، قرى جديدة دمرها الجيش الإسرائيلي، مئات الغارات الجوية المستهدفة بما تحمله من دمار وضحايا، وفوق كل ذلك، احتلال جديد يلوح في الأفق... وهذه المرة، على الأرجح، لن تقبل الدولة العبرية الانسحاب قبل فرض اتفاق يجعل حزب الله ومن يتبعهم يندمون على اتفاق 17 مايو أو شروط وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ولكن ما يهم، أليس هو بقاء الحرس الثوري والنظام الاستبدادي والدموي للملالي في طهران؟ في ضوء هذه الحقائق الملموسة، فإن إظهار التساهل والتراخي تجاه حزب تُمثل أيديولوجيته الثيوقراطية، وعمله الميليشياوي، ودوره الإقليمي، ووجوده بحد ذاته، نقيض وأساس إنكار أسس بلد الأرز، لا يقل عن كونه انتهاكاً للدستور وضربة غادرة موجهة إلى لبنان.

أزمة النظام الإيراني: اقتلاع الجذور بدلاً من التقليم
بقلم
ميشال توما
نُشر
فبراير 19, 2026 - 14:58

في أوقات الحرب الشاملة أو الأزمات الوجودية الحادة التي تهدد مصير شعب بأسره، لم تعد المواقف المترددة أو الحذرة أو المتذبذبة مقبولة. عندما يصبح بلد ما هدفاً لطموحات توسعية وهيمنة من قبل قوة بلا مبادئ ولا أخلاق، وعندما ينخرط نظام استبدادي ودموي في مجازر واسعة النطاق بلا محاسبة، مستهدفاً المدنيين والشباب والمراهقين بلا تمييز… في مثل هذه الظروف القصوى، يفرض الحسم والوضوح نفسيهما، بعيداً عن أي مراوغة مخجلة. وهذا هو، بلا شك، حال السلطة الإيرانية الراهنة – كما يمكن للقارئ أن يستشفّ. المفاوضات الجديدة (مرة أخرى، والألفية من نوعها خلال عقود!) بين المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين ليست سوى سرابٍ. وهذا ما تؤكده تجارب الماضي العديدة: فقادة الجمهورية الإسلامية أتقنوا فنّ «الحوار» العقيم. إنهم يبدون انفتاحاً على النقاش والتسوية، بينما يقتصر هدفهم الحقيقي على كسب الوقت والمراوغة في انتظار تغير الظروف. يعتمد ملالي طهران على التناوب الحتمي في السلطة في المجتمعات الغربية لاستغلال أي ضعف أو تغيير في النظام في بلد «مستفز». تتيح لهم هذه المناورة الكلاسيكية العودة بقوة واستئناف حملتهم العدائية ضد الطرف المعارض. إلا أنه في الوقت الذي ينغمسون فيه في لعبتهم المفضلة، أي «التفاوض» بحثاً عن «صفقة» مزعومة – لن يلتزموا بها أبداً – يقوم هؤلاء الملالي بالتحريض على مجازر لا توصف واعتقالات جماعية واسعة النطاق، تستهدف خصوصاً الشباب والطلاب. في هذا السياق، تجرأ أحد أعضاء لجنة التربية في البرلمان الإيراني قبل أيام على الإفصاح عن أن 28 في المئة من المعتقلين عقب انتفاضة يناير/كانون الثاني الماضي هم دون سن العشرين... والأسوأ من ذلك، أن جمعية إيرانية نشرت قائمة بأسماء 200 طفل قتلوا خلال التظاهرات الأخيرة! وقد دفع حجم هذه المجازر المحلل السياسي والمستشار الأمريكي من أصل لبناني، وليد فارس، القريب من أوساط الحزب الجمهوري، إلى حث قادة واشنطن، إذا أصروا على متابعة «الحوار»، على فرض التوقف الفعلي والحقيقي للمجازر والاعتقالات الجماعية، وإطلاق سراح المعتقلين منذ يناير/كانون الثاني، كشرط لا غنى عنه لأي مفاوضات مع الإيرانيين. لم يخطئ الرئيس دونالد ترامب في هذا الصدد، إذ أشار بحكمة خلال إحدى رحلاته إلى أن كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية يستمرون منذ 47 عاماً في إعطاء الانطباع برغبتهم في «الحوار» مع الغرب عندما يجدون أنفسهم في مأزق، بينما يقومون في الوقت ذاته، بطريقة متقطعة، بمجازر وجرائم لا توصف، ويقع آلاف السجناء السياسيين ضحاياها في المعتقلات. وقد أبرز وزير الخارجية ماركو روبيو، ببراعة، الطبيعة العقيمة لأي مفاوضات مع نظام مثل نظام الملالي، مذكراً بأن إيران محكومة من قبل رجال دين شيعة متطرفين، تتحدد توجهاتهم وقراراتهم الاستراتيجية على أسس دينية بحتة، بعيداً عن أي منطق جيوسياسي. لكن ما برز بشكل خاص كان التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي أظهرت بوضوح شديد ميل نظام الملالي الخادع إلى الانخراط في نقاشات عقيمة، مع إيجاد طرق جريئة لتجنب الالتزام بتعهداته المكتوبة. بعد وقت قصير من آخر اجتماع في جنيف مع الوفد الأمريكي، أقر صراحة أن «صياغة النص النهائي لاتفاق محتمل مع الولايات المتحدة ستكون صعبة».بعبارة أخرى، تقلص طهران أي اتفاق مع واشنطن إلى مجرد تمرين بلاغي، مليء بالفخاخ اللغوية، وغامض عن قصد، يفتح المجال لكل نوع من التفسيرات، بما يمكّنها من التملص بخفاء من الالتزامات الفعلية المنصوص عليها في الاتفاق مع الطرف الآخر. يمكن تشبيه الوضع الذي وصلت إليه اليوم الجمهورية الإسلامية بوضع نبات في مرحلة متقدمة من الذبول. فالاقتصاص، أي قطع الساق والفروع الذابلة مع ترك الجذور مدفونة في الأرض، غير مجدٍ لوحده… فهذه الجذور، إذا تركت دون اقتلاع، ستمكن النبات من النمو مجدداً، وفي فترة قصيرة نسبيًا، وبشكل أقوى من ذي قبل… وهذا سيكون مصير أي صفقة هشة ومليئة بالفخاخ يتم إبرامها مع نظام الملالي إذا اكتُفي بعدم اقتلاع الجذور العميقة، التي تعمل بصبر ودقة في الظل لإعادة الحياة إلى نبات كان قد تآكل بالكامل.

احذروا من الاستخفاف بالمجازر في إيران
بقلم
ميشال توما
نُشر
فبراير 6, 2026 - 13:14

لقد وضع وزير الخارجية ماركو روبيو يده على الجرح، دون مواربة. وأظهر، بالمناسبة، وبشكل متناقض، قلة «الدبلوماسية»، فقد أظهر صراحة رائعة بتلخيصه في بضع كلمات، وفي جملة قصيرة ومقتضبة، أساس الأزمة الإيرانية من زاوية العلاقات المتوترة بين واشنطن والجمهورية الإسلامية. «القيادة في إيران لا تعكس بأي حال من الأحوال الشعب الإيراني (…). لست متأكدًا من أننا يمكن أن نتوصل إلى اتفاق مع هؤلاء الناس»… تصريحات تتفق مع تلك التي أدلى بها وزير الخارجية والدفاع الفرنسي الأسبق جان إيف لودريان، الذي يعرف جيدًا مراكز القوة في طهران لأنه تعامل معها. «إنهم أقوياء جدًا في فن الخداع (…), كما أشار في مقابلة تلفزيونية. همهم الوحيد هو كسب الوقت و(ضمان) استمرارية النظام». كل شيء قيل… ولكن، لا يزال من الحيوي، خاصة في السياق الحالي، أن نضع في الاعتبار باستمرار البعد الأيديولوجي، والأسس الثيوقراطية العميقة (والخطيرة) لنظام الملالي، وخاصة الحرس الثوري (الباسداران). من خلال إدراك كامل لهذا البعد العقائدي، الظلامي من جميع النواحي، يصبح من الممكن إدراك مدى احتمال أن تكون «المحادثات» الأمريكية-الإيرانية المقرر إجراؤها يوم الجمعة 6 فبراير في عُمان مجرد خدعة كبرى… أو، الأسوأ من ذلك، خطأً استراتيجيًا وتاريخيًا، بل وأخلاقيًا جسيمًا. بعد المجازر واسعة النطاق التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية لنظام الملالي خلال أيام قليلة، لا يسع المرء إلا أن يدين أي «اتفاق» يتم إبرامه في عُمان ويكون في غاية اللاأخلاقية السياسية . فهو سيمثل في الواقع إعادة تأهيل مخزية، وإعادة تأكيد للشرعية المزعومة لسلطة قتلت بدم بارد، في 48 ساعة (8 و 9 يناير)، ما لا يقل عن 30 ألف شاب ومراهق في ريعان شبابهم (أكثر من ذلك بكثير، حتى، وفقًا لمصادر مختلفة)، بعضهم شنق من رافعة، وآخرون قتلوا من مسافة قريبة في أسرّتهم في المستشفى بعد إصابتهم بطلقات نارية حية، وآخرون تسمموا بالزئبق ببرود… دون احتساب اعتقال الأطباء المتهمين بمعالجة المتظاهرين (!)، والطلاب الذين اختطفوا من داخل الحرم الجامعي. إن تطبيع، تحت غطاء السياسة الواقعية الساخرة، الفظائع الشنيعة التي ارتكبها نظام الملالي، بمنأى عن العقاب، سيكون له بلا شك – إذا تأكد هذا الموقف المتسامح – تأثير يلقي بظلال ثقيلة من عدم المصداقية على من يقدمون أنفسهم كحاملي راية القيم الديمقراطية في العالم، والذين يُوصفون بالفعل، بمرارة، بـ «المتخاذلين» من قبل العديد من الإيرانيين. بالتوازي مع هذا الجانب الأخلاقي، فإن إعادة تأهيل السلطة القائمة من خلال اتفاق مزعوم، حتى لو كان شاملاً، لن تفشل في تعزيز وتشجيع الجناح المتطرف في الحرس الثوري، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب سياسية مزعزعة للاستقرار (على المستوى الإقليمي) ومدمرة (على المستوى الأمني) والتي قد يجلبها اتفاق مضلل بشكل واضح… لا يخفى على أحد، في هذا الصدد، أن قادة الجمهورية الإسلامية قد جعلوا الكذب و التقية (إخفاء النوايا السياسية الحقيقية) نظام حكم يقوم على أيديولوجية ثيوقراطية تفرض، بحكم طابعها الإلهي، ضمان استمرارية السلطة بكل الوسائل الممكنة. وفي هذا السياق، يصبح العنف الأعمى، والقتل الجماعي، وحمامات الدم، والقمع الوحشي، والتعذيب، وأحكام الإعدام، والإعدامات الموجزة «مشروعة» وتشكل حتى واجباً دينياً. الخداع و التقية، بالإضافة إلى السلطة السياسية المطلقة الممنوحة للمرشد الأعلى (الـ ولي الفقيه )، الإمام خامنئي، بصفته ممثل الإمام المهدي الغائب، يفسران لماذا يتظاهر نظام الملالي، بلا انقطاع، بمناقشة الملف النووي مع المجتمع الدولي، وخصوصاً مع القوى الغربية. إلا أن هذه المفاوضات مستمرة منذ ما يقرب من… 25 عاماً! وعندما يُبرم اتفاق، لا يتردد طهران في عدم احترام التزاماتها بوقاحة. في كل مرحلة صعبة تمر بها الجمهورية الإسلامية، يوحي المرشد الأعلى، بشكل خادع، بأنه يرغب في «الحوار»؛ ومع ذلك، فإن الهدف الحقيقي هو كسب الوقت، بانتظار تغيير السلطة في بلد صانع قرار أو تطور نحو ظرف أكثر ملاءمة يسمح باستئناف السياسة الهيمنية والتوسعية التي بدأها الحرس الثوري منذ عام 1979. قبل عام، تقريباً في نفس اليوم، في 9 فبراير 2025، صرح الرئيس دونالد ترامب بأنه يأمل أن تغير إيران مسارها، مؤكداً رغبته في التوصل إلى اتفاق مع طهران بدلاً من الانخراط في المسار العسكري. كان ذلك قبل عام… ونحن نعرف ما حدث لاحقاً. يعقد اجتماع عُمان اليوم في حين أن نظام الملالي لم يغير شيئاً، منذ عام… 1979، من سياسته المناهضة للغرب والمناهضة لأمريكا بشكل جوهري، والتي أظهرها بلا هوادة طوال 47 عاماً، كما يتضح من التحركات الإعلامية الأخيرة للنواب الإيرانيين الذين، متنكرين في زي ميليشيات الحرس الثوري، هتفوا بصوت واحد قبل أيام، في قلب البرلمان، «الموت لأمريكا»، بينما كانوا يحرقون بفرح علماً أمريكياً…

إيران: في مواجهة إرهاب الدولة، كفى تهاونًا
بقلم
ميشال توما
نُشر
يناير 28, 2026 - 13:14

وهكذا، بعد الأداء العسكري «المبهر» (!) في «حرب الإسناد» لحماس وغزة، ها هو الشيخ نعيم قاسم يعدنا بـ«حرب إسناد» جديدة، ولكن هذه المرة بهدف إنقاذ فاعل إقليمي أبعد من ذلك: آية الله خامنئي والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهكذا قرر رئيس حزب الله، أو بالأحرى أعلن (بما أنه ليس هو من يقرر في هذا الشأن…), أن اللبنانيين يجب عليهم إظهار تضحية عمياء، بلا أي حدود، وصولاً إلى التضحية القصوى، من أجل «الدفاع» (?) عن قوة أجنبية… لكل من كانت لديهم شكوك في هذا الصدد، أو الذين رفضوا الاعتراف بالحقيقة، أكد الشيخ نعيم قاسم بوضوح ما كان بديهياً – للمراقبين المطلعين – وهو: أن حزب الله ليس حزباً لبنانياً. أعضاؤه لبنانيون بالتأكيد، لكن قراره السياسي، خط سيره، مشروعه السياسي، كلها ذات طابع عابر للحدود ولا تأخذ في الحسبان مطلقاً الحقائق المحلية والمصالح العليا لبلاد الأرز. في الواقع، منذ تشكيله في منتصف الثمانينات، أوضح الحزب في ميثاقه السياسي أن جميع القرارات ذات الطابع الاستراتيجي، بما في ذلك قرار الحرب والسلام، تكون فيه الولاء للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، بصفته ممثلاً إلهياً، مباشراً، للإمام الشيعي الثاني عشر الغائب، الإمام المهدي. وهكذا يكرس حزب الله للمرشد الإيراني، الولي الفقيه، «طاعة دينية» كاملة لا تبالي كثيراً بظروف هذا العالم، سواء كانت وطنية، حكومية، أو اجتماعية-اقتصادية. في ظل هذه العقيدة التي تمنح الولي الفقيه سلطة مطلقة تُمارس باسم الإمام الغائب، فإن وجود جمهورية إسلامية بناءً على هذه الأسس التي حددها آية الله الخميني عام 1979، وكذلك استمرارية «مقاومة مسلحة – في خدمة هذا المشروع – يصبحان واجباً دينياً عميقاً، وأكثر دوغماتية لأنه يهدف، كعامل محفز، إلى تمهيد الطريق لعودة الإمام الغائب. من أجل التمسك، مهما كانت الظروف، بالطابع المقدس لهذا البناء العقائدي، تصبح السلوكيات الأكثر غير عقلانية مسموحة، على سبيل المثال: القمع، حتى في الدم، وعلى نطاق واسع، لأي معارضة، تُقدم على أنها «مساس بالله» (مما يوفر ذريعة الأحكام السريعة التي تصدرها المحاكم الإسلامية الإيرانية ضد المتظاهرين)؛ العرقلة المنهجية لأي محاولة لبناء دولة مركزية قوية وذات سيادة، كما يوضح ذلك بشكل خاص الحالة العراقية وكذلك الموقف الحالي لحزب الله الذي يرفض تسليم ترسانته العسكرية للجيش؛ زعزعة الاستقرار بالقوة العسكرية لبلدان المشرق العربي من خلال تصدير الثورة الإسلامية، الذي بدأ عام 1979 على يد الحرس الثوري. بهدف خلق الظروف المواتية بشكل تدريجي ودقيق لتحقيق هذا المشروع الخميني العابر للحدود، يعتمد نظام الملالي على عامل «الوقت»… فإلغاء النظام القائم لا يمكن أن يتم إلا ببطء وتدرج، مع إثارة العراقيل وتمديد الأذرع إلى مختلف مستويات السلطة والقطاعات الاقتصادية. عندما لا تكون ظروف اللحظة أو توازن القوى مواتية لهذا المشروع الثيوقراطي، تكون الاستراتيجية المتبعة واضحة: إعطاء الانطباع بالرغبة في «الحوار» و«التفاوض» على اتفاق مع الطرف الآخر. لكن هذا ليس سوى تصور مضلل، والهدف الحقيقي هو كسب الوقت، والمماطلة، في انتظار أن تتغير الظروف غير المواتية أو تتطور. وهذا يفسر مفهوم «الصبر الاستراتيجي» الذي يدعو إليه خامنئي، والذي ليس سوى نسخة دبلوماسية من التقية، والتي تتمثل في إخفاء النوايا الحقيقية بانتظار أيام أفضل. لسوء الحظ، ينخدع بعض كبار المسؤولين، اللبنانيين والغربيين، بهذه اللعبة بسذاجة. فالمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني مستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً! وقد أظهرت السلطات في طهران طوال هذه الفترة أنها تسعى إلى اتفاق بشأن هذا الملف، لكن في الوقت نفسه، استمر تخصيب اليورانيوم بشكل متواصل، بعيداً عن الأضواء. وعلى أساس هذا النهج الخبيث نفسه، لا يفتأ حزب الله يؤكد استعداده لـ«مناقشة» نزع سلاحه. إلا أن هذه «المناقشة» مستمرة، بشكل متقطع، منذ عام 2006… عندما نظم رئيس مجلس النواب نبيه بري مؤتمراً حوارياً ناقش القضية طويلاً! فهل يتذكر اللبنانيون، في هذا الصدد، عدد المرات التي كانت فيها «سياسة الدفاع» المزعومة، منذ الطائف، محور النقاشات و«المحادثات» في أعلى مستويات السلطة؟ تُظهر التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، سواء في غزة أو في لبنان، ومؤخراً في إيران – مع حمام الدم الحقيقي الذي راح ضحيته السكان المدنيون – الحاجة الماسة إلى وضع حد أخيراً للسذاجة، أو ربما للنفاق السياسي، الذي يبديه بعض القادة في ظل المناورات الخبيثة والقاتلة للإيديولوجيين الذين يتمسكون بأساليب قروسطية، وغير إنسانية بالدرجة الأولى، في ممارسة السلطة. إن الضعف والتساهل والسلوك الجبان في مواجهة الابتزاز الميليشياوي وحملات التخويف ذات الطابع المافيوي، لا يمكن أن يؤديا في نهاية المطاف إلا إلى نقل إرهاب الدولة إلى المجتمعات الغربية، كما تُظهر التهديدات المباشرة التي أطلقتها وزارة الخارجية الإيرانية يوم الثلاثاء الماضي ضد دول الاتحاد الأوروبي، «مطالَبة» دون خجل بعدم إدراج الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية.

العودة إلى الإرث السياسي لمحمد مهدي شمس الدين
بقلم
ميشال توما
نُشر
يناير 19, 2026 - 13:42

أحيا لبنان، وتحديدًا الطائفة الشيعية، مؤخرًا الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة الإمام محمد مهدي شمس الدين، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للشيعة، في العاشر من يناير/كانون الثاني عام ٢٠٠١. لأكثر من عقدين، كان شمس الدين الزعيم الروحي للطائفة الشيعية اللبنانية، خلفًا للإمام موسى الصدر الذي اختفى في ظروف غامضة خلال زيارة إلى ليبيا عام ١٩٧٨. وقد ترك وراءه "وصية" سياسية يجهل وجودها وأهميتها الحقيقية (أو يُتجاهل وجودها عمدًا) لدى الكثير من اللبنانيين والأجانب، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والصحفية. ويتجلى البعد التاريخي والوجودي لهذا الإرث في التطورات الدراماتيكية التي تشهدها لبنان والمنطقة حاليًا. يحتاج لبنان وبلاد الشام، أكثر من أي وقت مضى، إلى إسهام شخصية في الحياة العامة، كالإمام شمس الدين، تجمع بين السلطة الأخلاقية والانفتاح الفكري والفهم العميق للواقع الاجتماعي والسياسي الراهن. في أواخر حياته، ورغم ضعفه بسبب المرض، سجّل مذكراته وتوصياته على أشرطة كاسيت بشأن المسار الذي ينبغي على الشيعة في لبنان والمنطقة اتباعه. وحثّ على وجه الخصوص أبناء دينه على عدم تبني "مشروع سياسي خاص بالشيعة"، وعلى خوض النضال من أجل نيل حقوقهم "بالاندماج في المجتمع الذي يعيشون فيه". باختصار، كان يرفض، بشكلٍ غير مباشر، مبدأ تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية، الذي أطلقه الحرس الثوري (باسداران) عقب وصول الخميني إلى السلطة عام ١٩٧٩. وقد عارض بشدة النظام الذي أسسه الخميني، القائم على سلطة ولي الفقيه، أي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية - في هذه الحالة، هو وخلفاؤه - الذي، بصفته سليلًا مباشرًا للنبي، كان يمتلك سلطة اتخاذ القرار المطلقة والنهائية في المسائل الاستراتيجية، بما في ذلك قرارات الحرب والسلام. بتأسيسه هذا النظام السياسي، زرع آية الله الخميني بذور عدم استقرار إقليمي مزمن، نتيجة نظام استبدادي أغرق الشرق الأوسط بأكمله في الفوضى لأكثر من أربعة عقود. ولسبب وجيه: فقد صُممت ولاية الفقيه لتكون سلطة مطلقة ليس فقط للإيرانيين، بل لجميع الشيعة أيضًا. من الناحية الدينية، يتعين على كل جماعة أو فرد شيعي اختيار مرشده الروحي. إلا أن منح نفسه السلطة استنادًا إلى "شرعية" إلهية (وبالتالي لا تقبل النقاش)، جعل قائد الجمهورية الإسلامية الجديد (الخميني، ثم خامنئي، وحاليًا) نفسه فوق جميع السلطات الدينية الأخرى، ليخدم - وهنا تكمن المشكلة - مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، توسعيًا، هيمنيًا، وقمعيًا، يُضفي الشرعية على العنف كأسلوب عمل. إن هذا "التدخل" الخميني في الكيان الاجتماعي السياسي الديني الشيعي لا يمكن إلا أن يكون مصدرًا للتوتر والصراع في العالم العربي، تحت وطأة "تصدير الثورة الإسلامية" والسلطة الإلهية الممنوحة للمرشد الأعلى. وقد رأى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، صاحب الرؤية الثاقبة، الخطر المحدق، فنأى بنفسه بوضوح عن أسس ولاية الفقيه وعن طموحات الحرس الثوري الإسلامي التوسعية. كان هذا النهج مشابهاً لنهج المرشد الروحي للشيعة في العراق، آية الله السيستاني، والإمام موسى الصدر، وحتى الشيخ محمد حسين فضل الله، الذي وصفه العديد من المراقبين الغربيين خطأً بأنه "المرشد الروحي لحزب الله"، بينما هو في الحقيقة كان يُشكك في السلطة الإلهية للولي الفقيه، وبالتالي أبدى تحفظات على مسار حزب الله في لبنان. بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أظهرت الأحداث الطبيعة الرؤيوية للإرث السياسي للشيخ شمس الدين. ففي الواقع، استناداً إلى "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، الذي ندد به الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي، لجأ النظام الإيراني إلى ميليشيات من دول عربية لقمع شعبه بوحشية قبل أيام. إن شعار "لا غزة ولا حزب الله، نبذل أرواحنا فداءً لإيران"، الذي أطلقه الثوار الإيرانيون، يُلخص وحده البُعد التاريخي والوجودي الكامل للرؤية التي عبّر عنها الإمام شمس الدين. قبل كل شيء، يعكس ذلك الاستياء العميق تجاه السكان العرب الذي يتجلى في شريحة كبيرة من الرأي العام الإيراني، والذي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن للجناح الراديكالي للنظام الإيراني أن ينفق عشرات المليارات من الدولارات للحفاظ على وكلاء في الدول العربية.يأتي هذا في وقت تواجه فيه إيران أزمة اجتماعية واقتصادية حادة وغير مسبوقة. وعلى هذا الأساس نفسه، أي "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، يواصل الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، إعطاء الأولوية لمصالح النظام الإيراني على حساب ضرورة بناء دولة لبنانية قوية ذات سيادة. بل وصل به الأمر إلى تهديد وزير الخارجية جو راجي (الذي يُعتبر متشددًا في دعم السيادة!)، ولم ينسَ التلويح بشبح الاضطرابات الداخلية في حال نفذت الحكومة قرارها بنزع سلاح حزب الله. وفي أحد خطاباته العلنية الأخيرة، دعا الرئيس جوزيف عون حزب الله إلى "التحلي بالعقلانية"، الأمر الذي أثار استياء نعيم قاسم (الذي يرى أن مصالح إيران تحتل الصدارة!). ولإيقاف هذا الانزلاق الانتحاري من جانب الحزب الموالي لإيران، بات من الضروري اتخاذ خطوة حاسمة وعاجلة: التوافق مع توصيات الإرث السياسي النبوي لمحمد مهدي شمس الدين. حتى لو تطلّب هذا حتمًا - وسيتعين عليهم الاعتراف بذلك يومًا ما - "ثورة ثقافية" حقيقية لإعادة صياغة عقيدتهم السياسية التي طُوّرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي...

/