شعار Levant Time
العودة إلى المقال
منظور

قف، الطريق الخاطئ…

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال توما
نُشر مايو 22, 2026 - 00:07

في الصراع الحالي الذي سيحدد على الأرجح مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن نتحلى بالشفافية ونقول الأمور كما هي، دون مجاملة أو تذبذب: فهناك عدد كبير من المسؤولين السياسيين رفيعي المستوى والخبراء والأكاديميين والصحفيين الذين يسيرون في الطريق الخاطئ في تقديرهم للمسألة الحقيقية لهذه الأزمة الوجودية التي تهز المنطقة بأسرها وتنعكس آثارها بطريقة غير مباشرة على السوق العالمية.

الخطأ الأكبر في السياق الحالي هو أن نخوض المعركة الخاطئة. الخصم الذي يجب محاربته اليوم ليس الرئيس دونالد ترامب بأي حال من الأحوال، مهما كانت الانتقادات التي قد نوجهها إليه بشأن سلوكه وغروره وتجاوزاته اللغوية وعلاقاته مع الحلفاء المفترضين. أليس من الضروري أن نذكّر في هذا الصدد، لتوضيح وجهة نظرنا، بأن الجنرال ديغول وجهت إليه الانتقادات نفسها زمن الحرب العالمية الثانية، لكن الجنرال ديغول، بينما كان في صراع دائم مع النظام النازي، لم يركز كل جهاده على الخلافات والخصومات التي كانت بينه وبين رئيس الوزراء البريطاني السابق.


إذا كان العديد من المسؤولين وخبراء السياسة اليوم يسيرون في الطريق الخاطئ في فهمهم للصراع الإيراني، فذلك لأنهم يرفضون الاعتراف بأن القضايا الحقيقية في هذا الصراع لا تقتصر على حرية الملاحة البحرية فقط في مضيق هرمز والحفاظ على الاقتصاد العالمي. المسألة لا تتعلق البتة بوقف التصعيد والعمليات العسكرية لصالح "الطريق الدبلوماسي" والبحث عن "حل تفاوضي يقبل به الطرفان".

كانت مثل هذه الأهداف مفهومة ومعقولة لو كان لدينا فصائل حتى لو متنافسة تتمسك بخط سلوك يتوافق مع المعايير العقلانية المألوفة. لكن هذا بعيد جداً عن الواقع عندما يتعلق الأمر بقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالأخص حجر الزاوية فيها وهو الحرس الثوري. أنصار "الطريق الدبلوماسي" والمعارضون للأسلوب الصارم الذي طبقه الرئيس ترامب يخفون، إما من خلال حسابات أنانية أو براءة مفرطة، ما يجب أن يكون المسألة الحقيقية في هذا الصراع: القضاء على النظام الإيراني، أو على الأقل على جناحه الصعب والحربي الممثل في الحرس الثوري.

هذا ليس مجرد صراع على السلطة أو فرض توازن قوى ما، بل هو صراع وجودي بطبيعته الأساس، من الخطر إغفال بعده الأيديولوجيوالإلهي...لقد حان الوقت فعلاً للاعتراف بحقيقة لا جدال فيها، تؤكدها وقائع ملموسة: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعالم الغربي بشكل عام ودول الخليج ودول بلاد الشام تواجه منذ عقود معاناة واعتداءات من سلطة إيرانية ثيوقراطية ديكتاتورية وفتاكة، تعتقد أنها مكلفة برسالة مسيانية وتسير على أساس رؤية متخلفة وظلامية للعالم والمجتمع والحياة والموت وموضع الرجل والمرأة في محيطهما.

هذا المشروع المجتمعي الخميني (لأننا يجب أن نسميه باسمه الصحيح) مبني على ممارسات وعادات وأسلوب حياة وقوانين اجتماعية من عصور غابرة. وقد حمله على كاهله الجناح الراديكالي للنظام الطهراني منذ وصول الخميني إلى السلطة سنة 1979. منذ البداية، اعتمد الحرس الثوري شعار "تصدير الثورة الإسلامية" ووضعه موضع التنفيذ بنشر ميليشيات تابعة له في لبنان والعراق واليمن وسوريا وغزة، وبانتهاج سياسة توسعية وعدم استقرار في عديد مناطق الإقليم، خاصة في عدة دول من دول الخليج.

لحماية سلطتهم والنظام الخميني برمته، لا يتردد "حرّاس المعبد" - الحرس الثوري - أمام شيء ولا يكترثون بأي اعتبارات إنسانية. آخر مثال على ذلك: الإعدامات الجماعية للمراهقين والشباب في عز شبابهم والطلاب الجامعيين والإطارات العليا، المتهمين بالمشاركة في مظاهرات سلمية (600 إعدام منذ بداية السنة وأكثر من 2100 في سنة 2025، دون أن يثير ذلك استنكاراً حقيقياً من قبل "المثقفين" و"الرأي السليم").

أليس من الواجب تذكر أنه خلال آخر مظاهرات جماهيرية في معظم المناطق الإيرانية، قام الجهاز القمعي للنظام بمذبحة في يومين فقط، 8 و9 يناير 2026، أودت بحياة أكثر من 40 ألف مدني! هل من الضروري استعادة ذاكرة انتفاضة سنة 2009 ("الحركة الخضراء") التي نجمت عن إعادة انتخاب احمدي نجاد بالاحتيال والتي قمعتها الحرس الثوري بوحشية، أو "نوفمبر الدموي" سنة 2019 الذي خلّف لا يقل عن 300 قتيل، وخاصة احتجاجات "امرأة، حياة، حرية" الواسعة سنة 2022 التي أطلقتها وفاة الفتاة الكردية الأصل مهسا أميني في الاعتقال والتي تم قمعها بالدم عبر إطلاق الرصاص الحي والآلاف من الاعتقالات وحالات تعذيب فظيعة... لكن ذروة الفظاعة تحققت خلال الحرب مع العراق عندما أرسل النظام مئات الأطفال للموت على حقول الألغام لفتح الطريق أمام القوات النظامية!

على الرغم من هذا الماضي المظلم، الذي يمكن الإطالة فيه بتفاصيل كثيرة عن القمع والأفاعيل الشريرة للنظام، يستمر عدد من الدول الغربية والدول العربية في الدعوة إلى "الحوار" وحل "دبلوماسي" لإنهاء النزاع المسلح الحالي والخروج من مأزق البرنامج النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم. تتظاهر هذه الدول بنسيان أن ذلك يتم منذ أكثر من...عشرين سنة (!)منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث يتم مناقشة ملفات البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم والتفاوض بشأنها والنقاش حولها والبحث فيها مراراً وتكراراً على مدار السنين، طولاً وعرضاً. أكثر من عشرين سنة من النقاشات العقيمة التي سمحت لنظام الملالي بكسب الوقت لتطوير برنامجه النووي بلا توقف وتسريع تخصيب اليورانيوم، حتى وصل إلى نسبة 60 بالمائة وأكثر.


وضع الرئيس ترامب مؤخراً إصبعه على الجرح بالملاحظة الصحيحة التي يصرّ قادة آخرون على عدم الاعتراف بها: "منذ 47 سنة (منذ 1979)، يلعب النظام الإيراني بنا؛ يجعلنا ننتظر ويقتل رجالنا بالعبوات الناسفة المزروعة على جانب الطريق، ويقمع الانتفاضات الشعبية بقسوة، وقبل وقت قريب أيضاً ذبح 42 ألف متظاهر أعزل بلا دفاع" (...).

في ضوء هذا الواقع المرعب والحقيقة البغيضة، هل بقي شيء للتفاوض بشأنه مع نظام قاتل كهذا، يحركه عشق الاستشهاد وأيديولوجية إلهية رجعية لا تكترث للإنسان، للفرد كقيمة مطلقة؟ هل كان يمكن تصور الدعوة في 1944-1945 للـ"حوار" مع هتلر للتوصل إلى "حل دبلوماسي" مع النظام النازي؟

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل