شعار Levant Time

تكريم

حسن الرفاعي، الحكيم المتمرّد
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
سبتمبر 4, 2026 - 23:28

تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟

في ذكرى سمير قصير… بعض الغياب لا يمر
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يونيو 1, 2026 - 23:20

في كل عام، عندما يحل الثاني من حزيران، يعود سمير قصير إلى الذاكرة وكأنه لم يغب يوماً. تمر السنوات، وتتبدل الوجوه والظروف والأحداث، لكن هناك أشخاصاً لا يستطيع الزمن أن يحولهم إلى مجرد ذكرى. يبقون حاضرين في تفاصيل حياتنا، في الكلمات التي نكتبها، وفي الأفكار التي ندافع عنها، وفي الأحلام التي لم تكتمل. واحد وعشرون عاماً مرت على اغتيال سمير قصير، وما زلت أشعر أن ذلك الصباح المشؤوم لم ينتهِ بعد. لم يكن سمير بالنسبة إليّ مجرد صحافي أو كاتب أو مفكر أتابع مقالاته وأفكاره. كان صديقاً وإنساناً استثنائياً، يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين الثقافة العميقة والبساطة الإنسانية، وبين الجرأة الفكرية والدفء الشخصي. كان يؤمن بلبنان كما يؤمن المؤمن بقضيته الكبرى. لم يكن لبنان بالنسبة إليه شعاراً سياسياً أو خطاباً إعلامياً، بل مساحة للحرية والحياة والتعددية. كان يرى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، ويقرأ المستقبل في زمن كان كثيرون عاجزين عن رؤية الحاضر. عرفته قريباً من الناس رغم مكانته الفكرية. كان يستمع أكثر مما يتكلم، ويحاور أكثر مما يهاجم، ويقنع بالفكرة لا بالصوت المرتفع. لذلك لم يكن مستغرباً أن يترك أثراً عميقاً في كل من عرفه أو اقترب منه. وعندما اغتيل سمير، لم أشعر أن لبنان فقد صحافياً كبيراً فقط، بل شعرت أن جزءاً من الحلم اللبناني قد تعرض لمحاولة اغتيال. يومها لم يكن الحزن شخصياً فحسب، بل كان وطنياً أيضاً. كان إحساساً بأن الكلمة الحرة أصبحت مستهدفة، وأن أصحاب الرأي يدفعون ثمن شجاعتهم من حياتهم. لكن القدر شاء أن تبقى شعلة سمير مضاءة من خلال شريكة حياته، جيزال خوري. كانت جيزال أكثر من زوجة لسمير. كانت رفيقة دربه الفكري والإنساني، وكانت شاهدة على أحلامه ومعاركه وانتصاراته وخيباته. وبعد اغتياله، كان يمكن لها أن تنكفئ إلى حزنها الشخصي، وأن تكتفي بحراسة الذكريات. لكنها اختارت طريقاً أصعب بكثير. اختارت أن تكمل ما بدأه سمير. حملت اسمه وقضيته وذاكرته بمحبة نادرة وإخلاص استثنائي. لم تسمح للزمن أن يطوي صفحته، ولم تسمح للقتلة أن ينتصروا على الفكرة التي اغتالوا صاحبها من أجلها. بقيت تتحدث عنه كما لو أنه حاضر إلى جانبها، وبقيت تدافع عن الحرية والعدالة والحقيقة كما كان يفعل. كنت أرى في جيزال شيئاً من سمير، وأرى في استمرارها استمراراً له. كانت تدرك أن الإنسان يرحل، لكن الرسالة تبقى. ولذلك لم تكن تحيي ذكرى سمير كل عام بوصفها مناسبة حزينة فقط، بل كانت تحوّلها إلى فعل وفاء وإصرار على أن تبقى الكلمة أقوى من الخوف. وعندما رحلت جيزال هي الأخرى، شعرت بأن الحزن تضاعف. كأن صفحة جميلة من تاريخ لبنان الثقافي والإعلامي قد أغلقت. رحل الجسدان، لكن الحكاية بقيت. حكاية حب جمعت بين شخصين آمن كل منهما بالآخر كما آمن بلبنان. وحكاية نضال من أجل الحرية لم تتوقف عند حدود العمر. في الذكرى الواحدة والعشرين لاغتيال سمير قصير، لا أستعيد فقط صورة الكاتب الكبير والمفكر اللامع. أستعيد الصديق، والإنسان، والوجه الذي كان يحمل دائماً إيماناً عميقاً بقدرة اللبنانيين على صناعة مستقبل أفضل. وأستعيد أيضاً جيزال خوري، التي أثبتت أن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل مسيرة تُعاش. فقد حافظت على الأمانة حتى آخر يوم من حياتها، وحملت الشعلة التي سقطت من يد سمير، لتسلمها بدورها إلى جيل جديد يؤمن بالحرية والسيادة والدولة. ربما نجح القتلة في إسكات صوت سمير في ذلك الصباح من حزيران 2005، لكنهم فشلوا في إسكات الفكرة. فالأفكار الكبيرة لا تموت، والرجال الذين يزرعون الحرية في عقول الناس لا يغيبون حقاً. اليوم، وبعد واحد وعشرين عاماً، يبقى سمير قصير حاضراً بيننا. في كل كلمة حرة، وفي كل صحافي يرفض الخضوع، وفي كل مواطن يحلم بدولة عادلة، وفي كل لبناني ما زال يؤمن أن هذا الوطن يستحق مستقبلاً أفضل. الغياب الطويل لم يُطفئ الذكرى، بل جعلها أكثر حضوراً. وبعض الأشخاص، مهما ابتعدوا في الزمن، يبقون أقرب إلينا من كثيرين يعيشون بيننا. هكذا كان سمير قصير. وهكذا بقيت جيزال خوري. وهكذا ستبقى حكاية الحرية والوفاء التي جمعتهما، حاضرة في ذاكرة لبنان ما بقي فيه من يؤمن بالكلمة الحرة وبحق الناس في الحلم. ستبقى أسماؤهما شاهداً على أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل مقاومة للنسيان، وأن الحرية التي دافعا عنها تستمد قوتها من الذين يرفضون التخلي عنها. وبين سمير وجيزال تمتد حكاية وطن يبحث دائماً عن نفسه، ويجد في أمثالهم سبباً إضافياً للتمسك بالأمل. فالأشخاص يرحلون، أما الأثر الصادق فيبقى، يضيء الطريق للأجيال القادمة ويؤكد أن لبنان لا يُبنى إلا بالحرية، ولا يُحفظ إلا بالذاكرة.

إلى أخي نصير الأسعد
بقلم
هادي الأسعد
نُشر
مايو 27, 2026 - 17:14

أربعة عشر عاماً مضت. أربعة عشر عاماً انقضت منذ رحيل شقيقي نصير الأسعد ، غير أنّ ذكراه تبقى حيّةً راسخةً في قلوب كلّ من عرفه وأحبّه وأجلّه، أو اعترض طريقه يوماً في مسيرة لبنانٍ كان يحلم به حرّاً سيّداً كريماً. كان نصير من ذلك الجيل من الرجال الذين لا يبحثون عن الأضواء ولا عن الألقاب. كان يؤمن إيماناً عميقاً بالقضايا العادلة دون أن يسعى إلى جني أيّ مكسبٍ شخصيٍّ منها. صانعٌ صامتٌ لكنّه راسخ العزم في ثورة الأرز عام 2005، إلى جانب سمير وفارس وإلياس وسمير، وكذلك وليد وجبران وسواهم، أدرك باكراً أنّ لبنان لن يصمد بغير الحرية والتعددية والدولة. كان ممّن يفعلون أكثر ممّا يتكلّمون. ممّن يبنون في الصمت. ممّن يرفضون المساومات ويحتفظون في الآن ذاته باحترامهم للآخرين وبتواضع الرجال العظام. لم يكن التزامه ظرفيّاً ولا انتهازيّاً. كان نابعاً من قناعةٍ راسخة: أنّ لبنان يستحق أكثر من الانقسامات والوصايات والسلاح غير الشرعي والتبعيات الخارجية. كان يؤمن بلبنانٍ منفتحٍ حديثٍ متجذّرٍ في تاريخه ووفيٍّ لرسالته في التعايش والحرية. لكنّ نصير، ما وراء صورة الرجل الملتزم، سيبقى في ذاكرتنا قبل كلّ شيءٍ رجلاً ذا تواضعٍ بالغ. على الرغم من مسؤولياته، وعلى الرغم من نفوذه الحقيقي في أوساطٍ سياسيةٍ وفكريةٍ عديدة، ظلّ يتحلّى ببساطةٍ نادرة وقربٍ صادقٍ من كلّ إنسانٍ وأناقةٍ أخلاقيةٍ كانت تفرض الاحترام. بالنسبة إليّ، لم يكن مجرّد رجل قناعات أو شخصيةٍ ملتزمةٍ في زمانه. كان قبل كلّ شيءٍ أخاً. أخاً أحببته حبّاً عميقاً، رفيقَ درب، نديماً للسرّ، حضوراً مطمئنّاً ووفيّاً. غيابه يترك منذ أربعة عشر عاماً فراغاً لم يملأه الزمن حقّاً. ثمّة روابط أخويّة تتخطّى الكلمات: هي مصنوعةٌ من الذكريات والنظرات والصمت ومن لحظاتٍ بسيطةٍ لا تزال تسكن حياةً بأكملها. أشتاق إليه في المحطّات الكبرى كما في تفاصيل الأيام. أشتاق إلى حكمته وحيائه ودعابته الهادئة وإلى تلك الطريقة الفريدة التي كان يُهدّئ بها الأمور دون أن يفرض حضوره يوماً. كان شابّاً حين غادرنا. شابّاً جدّاً. وكما يحدث في الغالب مع رجال القناعة، يبدو أنّ الزمن قد أضفى على مسيرته وإرثه قيمةً مضاعفة. اليوم، في حين يجتاز لبنان واحدةً من أصعب المراحل في تاريخه المعاصر، تذكرنا ذكرى نصير بأنّه لا يزال ثمّة رجالٌ قادرون على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، رجالٌ قادرون على الإيمان بلبنان حتّى حين يبدو كلّ شيءٍ يدفع نحو اليأس. إنّ أفضل تكريمٍ نستطيع أن نُسديه لذكراه ليس في الكلمات أو الذكريات وحسب. بل في مواصلة الدفاع عن القيم التي أفنى حياته في سبيلها: السيادة وكرامة الدولة والحرية والحوار والأمل. في مناسبة الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، نفكّر فيه بمشاعر الوجد والاعتزاز والوفاء. لأنّ بعض الرجال لا يغيبون حقّاً أبداً. يصبحون جزءاً من ذاكرة الأمم. إلى نصير، بالمحبة والامتنان والتقدير.

الوصية المقلقة لغصيبة كيروز، الذراع اليمنى لنيكولاس كلوترز اليسوعي (3/3)

أعاد عيد القديس يوسف (19 آذار)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد الأب فرانسوا بويديك اليسوعي، ذكرى ألبان دي جيرفانيون، أول شهيدٍ يسوعي في الحرب المتمادية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي فُتح في مطلع آذار الجاري فصلٌ جديد منها، نرجو أن يكون الأخير. فبعد الأب دي جيرفانيون، سقط خمسة شهداء آخرين من الرهبنة في هذه الحرب. وتحيةً لذكراهم، ومع صدور سيرةٍ جديدة مخصصةٍ لإحدى أكثر تلك الشخصيات قداسة، الكاهن الهولندي نيكولاس كلوترز الذي بدأت دعوى تطويبه، نعرض هنا هذا المؤلَّف الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع قتلته. ونستخلص، في الوقت عينه، المعنى الشامل لبذل الذات التي قدّمه للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجاً لـ « الحرية والتعددية » للشرق والغرب معاً، في اللحظة التي تهدد فيها أمّةٌ مُعسكرة ببتر جزءٍ أساسي من أرضه يحمل ذكرى مرور المسيح. جاءت تقدِمةُ المحبة التي بذلها نيكولاس كلوترز اليسوعي متماهيةً، على نحوٍ لافت، مع تلك التي قدّمها صديقه الشاب الإكليريكي غصيبة كيروز، ابن قرية نبحا المجاورة. كان غصيبة يصغر كلوترز بعشر سنوات، وقد أبدى مواهب استثنائية في التعليم المسيحي، مما دفع بنيكولاس إلى احتضانه ومواكبة مسيرته نحو الكهنوت. في زمن ميلاد عام 1975، قُتل غصيبة بينما كان في طريقه إلى منزله لقضاء الأعياد مع والدته وشقيقته. وفي الليلة التي سبقت رحيله، وبناءً على حدسٍ غامض، كتب غصيبة وصيّةً تركها على مكتبه في غرفته بمدرسة سيدة الجمهور؛ وصيّةٌ خطّها لشعوره باحتمال اختطافه وقتله، معلناً فيها سلفاً الصفح عن قاتليه. طافت هذه الرسالة الرفيعة أرجاء العالم، وإليك فحواها: «باسم الآب والابن والروح القدس: «عندما بدأتُ كتابة هذه الوصية، خُيّل إليَّ أنَّ شخصاً آخر هو من يتحدث بلساني. فالجميع في هذه الأيام، لبنانيين ومقيمين في لبنان، في خطر. وبما أنني واحدٌ منهم، أرى نفسي مختطفاً ومقتولاً على الطريق المؤدية إلى قريتي نبحا. وإذا ما صدق هذا الحدس، فإنني أترك كلمةً لعائلتي وأهل قريتي ووطني. أقول لأمي وأخواتي بكل يقين: لا تحزنَّ، أو على الأقل، لا تبكينَ ولا تندبنَ بنواحٍ مفرط؛ فهذا الغياب، مهما طال، يبقى قصيراً: سنلتقي، حتماً، سنلتقي في ديار السماء الأبدية؛ هناك يكمن الفرح، وتكمن الغصة إن افترقنا. لكن لا تخفنَ، فرحمة الله ستجمعنا معاً من جديد. «لي طلبٌ واحدٌ لديكم: اصفحوا من كل قلوبكم عن الذين قتلوني؛ واطلبوا معي أن يكون دمي، وإن كان دم خاطئ، فديةً عن خطيئة لبنان؛ وأن يمتزج بدماء جميع الضحايا الذين سقطوا، من كل المشارب والطوائف، قُرباناً لسلامٍ ومحبةٍ ووفاقٍ غابوا عن هذا الوطن، بل عن العالم أجمع. عسى أن يُعلّم موتي البشرَ معنى المحبة؛ وليعزِّكم الله، ويرعاكم، ويعنكم في هذه الحياة: لا تخافوا، فأنا لستُ نادماً البتة على فراق هذا العالم. إنما ما يحزُّ في نفسي هو حزنكم أنتم. صلّوا، صلّوا، صلّوا، وأحبّوا أعداءكم. «ولوطني أقول: "قد يختلف أهلُ البيت الواحد، لكنهم لا يتكارهون؛ قد يغضبون من بعضهم البعض، لكن دون أن يستحيلوا خصوماً؛ قد يتنازعون، لكن دون أن يتقاتلوا. تذكروا أيام الوفاق والمحبة، واطووا أيام الغضب والشقاق. معاً أكلنا وشربنا وعملنا، ومعاً رفعنا صلاتنا إلى الإله الواحد، ومعاً علينا أن نموت. كان والدي شريكاً لرجلٍ متاوليّ (شيعي) كنتُ أناديه "العم حسين"؛ وكم كنتُ أحبُّ مناداته هكذا؛ بقيا شريكين طوال خمسٍ وسبعين سنة، من دون أن ينقضا عهداً أو يدخلا في حسابات. تذكروا جيداً: كثيراً ما يعجز المرء عن استدانة مئة ليرة من شقيقه، بينما يكفيه أن يقصد أحداً من أبناء القرية، أكان متاولياً أم مارونياً، سنياً أم درزياً، حتى يفكَّ ضيقه. الكلُّ يعلم ذلك، لكن الخطيئة هي التي تُعمينا. على كلٍّ منا أن يعود إلى الصلاة بحسب معتقده وضميره، لعلَّ الله يزيل الغضب، وتستحيلُ مخططات كبار هذا العالم هباءً منثوراً فوق تراب هذا الوطن، الذي ليس ملزماً بأن يسدّد من دمه ثمن ألاعيبهم..." «في السماء، لن أعرف الراحة ما دام هذا الوضع قائماً في لبنان! «اجعلوا من جنازتي يوم سيامة، لا يوم دفنٍ أو حزن. «أما مراسم دفني، فليحتفل الأب بطرس بالقداس، بلا حشدٍ من الكهنة ولا نعيٍ رسمي. وإن استطاع أبو خليل أن يصنع تابوتي من بضعة صناديق خشبية عتيقة، فسأكون في غاية الامتنان. لا تقيموا مأدبة عزاء. وليسامحني الناس... بلا إطلاق رصاص؛ فأنا في النهاية تراب، لكن قوة الله ستجعلني شريكاً في الحياة الإلهية. هكذا ينبغي أن تكون الأمور. «سيتحدث الناس كثيراً، لكن لا تعيروا كلامهم أهمية. لو كان في قلوبهم ذرة من رحمة، لما تقاتلوا، ولما سمحوا للذئاب بأن تكون أفضل منا... يا لشدة ضلالهم!» زيتونةٌ سُقيت بالدماء تجرّع نيكولاس مرارة الموت العنيف الذي غيّب غصيبة كيروز، وكان حينها في أوروبا لفترة وجيزة. لقد كان موت غصيبة استشرافاً لموته هو، ولموت خمسة يسوعيين آخرين سقطوا في ميادين رسالتهم في لبنان. ووفقاً لـ كريستيان توتل، قيّم أرشيف جامعة القديس يوسف ومدير قسم التاريخ فيها، حصدت الحرب الأهلية أيضاً حياة الأب لويس دوماس، الذي كان يحيي قداس الصباح والذي أرداه قناصٌ في 25 تشرين الأول 1975؛ والأب ميشال ألّار، الذي قضىفي 15 كانون الثاني 1976 إثر سقوط قذيفة دمّرت غرفته؛ والأب ألبان دو جرفانيون، الذي اختُطف واغتيل في آذار 1976 بينما كان يرافق زائراً إلى المطار؛ والأب فينيغان، اليسوعي الأميركي، الذي أصابته قذيفة في 26 شباط 1984 وهو في طريقه من المقر اليسوعي في الأشرفية إلى مستشفى "أوتيل ديو دو فرانس" لإحياء القداس. كان الأب فينيغان يأنس بالبقاء إلى جانب المرضى؛ وحتى تحت وطأة القصف، كان يصرُّ على زيارة الجرحى في غرفهم ومواساتهم في آلامهم. كما خطفت الحرب حياة الأب أندريه ماس، مدير حرم جامعة القديس يوسف في صيدا، الذي قتله شخصان في 24 أيلول 1987 بعدما اقتحما مكتبه المفتوح للجميع. والأب جوزيف نصار اليسوعي، الذي وجد جثمان أندريه غارقاً في دمائه، غسل الأرض عقب تقديم الإسعافات الأولية، وسقى بمزيج الماء والدم شجرة زيتون كان قد زرعها. من دون أن يسعى لمواجهة الدكتاتورية السورية أو الفكر الإسلامي الأحادي، وفي زمنٍ كانت فيه إسرائيل تحتلُّ جزءاً من لبنان، واصل الأب كلوترز، رسول يسوع والتنمية والتنوع، تنقله بحرية في البقاع، غير آبهٍ بأمنه الشخصي؛ رافضاً الانكفاء في برقا أو أي عزلةٍ من شأنها أن تشوّه رسالة المسيح وتحصرها في فئوية ضيقة. لم يكن في خدمة مسيحيي لبنان فحسب، بل في خدمة «عيشهم المشترك». هذا الموقف جعله في مرمى الاتهام كجاسوس لسمير جعجع، وأدى إلى تصفيته وتغييبه عن أرضٍ لم يكن يُراد لها أن تبقى «نموذجاً للحرية والتعددية للشرق والغرب»، بل أن تتحول إلى عالمٍ من القمع، وسجنٍ للفكر، ومثالٍ للتعصب. جعل استشهادُ نيكولاس منه بطلاً لـ«الكنوزيس» (إخلاء الذات)، وهو المفهوم الذي تناوله الرئيس الإقليمي لليسوعيين، الأب داني يونس، خلال حفل تكريم الأب أندريه ماس الذي سقط بعد عامين. واقتباساً من كلمات المسيح: «ليس أحدٌ يأخذ حياتي مني، بل أنا أضعها من ذاتي»، أكد داني يونس أن «الأب أندريه ماس تخلّى عن حياته لخدمة بلدٍ في حالة حرب». وأضاف: «أندريه لم يأتِ ليموت في لبنان؛ نعم، خياره كلفه حياته، لكن هذا الخيار يمثل قيمة جوهرية في الرهبانية اليسوعية كما في جامعة القديس يوسف. فالتعليم هو دائماً نوعٌ من التحرر، ومهمة سلام في قلب مجتمعٍ تنهشه الحرب. إن إحياء ذكرى أندريه ماس اليوم يدفعنا إلى تغذية الشغف ذاته الذي كان يسكنه، الشغف بالإنسانية الذي يندد ببنى الاستبداد». كلا، لا أندريه ماس، ولا نيكولاس كلوترز، ولا أيٌّ من شهداء الرهبانية اليسوعية الذين سقطوا بفعل الحرب، «جاءوا ليموتوا في لبنان». بل العكس هو الصحيح تماماً؛ لقد جاءوا ليبثّوا الحياة. جاءوا لكي يكون للبنانيين، جميع اللبنانيين، دون تمييزٍ بين أديانهم، «حياةٌ وتكون لهم بوفرة». ولا بدَّ من قول ذلك بإصرار، في وقتٍ تهدد فيه أمةٌ محاربة ببتر جزءٍ من لبنان، جزءٍ قدّسه مرورُ المسيح، وهو أغلى عليه من الوادي المقدس، والأرز، وقلعة البحر، وهياكل بعلبك وقصر بيت الدين مجتمعةً. اقرأ في الموضوع نفسه: – «مات كي يحيا لبنان»، التضحية القصوى للأب نيكولاس كلوترز اليسوعي – استشهاد الأب نيكولاس كلوترز في لبنان: مواجهة الشّر

استشهاد الأب نيكولاس كلوترز في لبنان: مواجهة الشّر (2/3)

أعاد عيد القديس يوسف (19 آذار)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد الأب فرانسوا بويديك اليسوعي، ذكرى ألبان دي جيرفانيون، أول شهيدٍ يسوعي في الحرب المتمادية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي فُتح في مطلع آذار الجاري فصلٌ جديد منها، نرجو أن يكون الأخير. فبعد الأب دي جيرفانيون، سقط خمسة شهداء آخرين من الرهبنة في هذه الحرب. وتحيةً لذكراهم، ومع صدور سيرةٍ جديدة مخصصةٍ لإحدى أكثر تلك الشخصيات قداسة، الكاهن الهولندي نيكولاس كلوترز الذي بدأت دعوى تطويبه، نعرض هنا هذا المؤلَّف الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع قتلته. ونستخلص، في الوقت عينه، المعنى الشامل لبذل الذات التي قدّمه للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجاً لـ « الحرية والتعددية » للشرق والغرب معاً، في اللحظة التي تهدد فيها أمّةٌ مُعسكرة ببتر جزءٍ أساسي من أرضه يحمل ذكرى مرور المسيح. لم يكن غرسُ هولنديٍّ أصيل في بيئةٍ لبنانية ليتمَّ بلا عناء؛ بل استلزم قدراً وافياً من التكيّف والتجرّد. فنيكولاس كلوترز، الذي وُهب ذائقةً فنية رفيعة وكان يصبو لأن يكون رساماً قبل أن يكتشف في نفسه روح الرسول، وجد نفسه أمام مفارقةٍ كليّة: رقّة الفنّ في مواجهة قسوة البيئة البشرية. وعلاوةً على ذلك، آثر كلوترز بوعيٍ تام التخلّي عن الغرب، في وقتٍ كان أبناءُ رعيّته الجدد، على الأرجح، مأخوذين بما حقّقه ذلك الغرب من إنجازات وثروات... وأوهام. ففي مفكّرته، كما يشير كاتب سيرته، عُثر على هذه السطور: «إنني على قناعة بأن الثقافة الغربية تعيش انحطاطاً تاماً في كافة مجالات تعبيرها. وما إنجازاتها ومعارفها العلمية إلا هدرٌ عمليّ للقوى والطاقات. (...) إن عظمة الغرب الحالية تقوم على التفوّق العسكري والاقتصادي، لا على السموّ الروحي إطلاقاً». كان عليه أن ينقل قناعاته هذه إلى رجال ونساء رأوا فيه «دخيلًا» – لا سيما وأن نطقَه للعربية كان في البداية غير مفهوم – وأخًا في آنٍ معاً. وكان الضيق يساوره، بسبب عائق اللغة مثلًا، حين يرى كهنةً موارنة يمنحون الأسرار المقدسة لأشخاصٍ كان يُفترض أنهم من أبناء رعيّته. وهكذا، كانت تضطرم في قلبه حربٌ بين الدعوة الرسولية والمقاومة الاجتماعية. علاوة على ذلك، وضعه نشاطه الرسولي على تماسٍ مع « إكليروسية » شعر تجاهها، في بعض الأحيان، بـ « مقيتٍ شديد » . لدرجة أنه، قبل أشهر قليلة من استشهاده، رغب في وضع نفسه في خدمة الأوساط الأكثر فقرًا وفكّر في السودان، معتبرًا أنه لم يعد نافعًا في برقا. غير أن الأب بيتر-هانس كولفنباخ رأى، على العكس، أن راهبات القلبين الأقدسين لا يزلنَ بحاجة إلى وجوده. فكانت الأولوية لتمتين عمله وتثبيته، رغم الخطر المحدق؛ وهكذا، استأنف رسالته. تعذيبٌ واغتيال بشخصيته المتسمة بالاستقامة والوضوح، والحدة أحياناً – إذ صفع يوماً تلاميذ في الصف قبل أن يوبّخ نفسه – فرض الأب نيكولاس نفسه في برقا كمرجعيةٍ لا غنى عنها، روحياً ومدنياً. لكن لا يُظنَّنَّ أن حياة الأب كلوترز كانت جافة كشوك لبنان، أو أنه كان متنسكاً من حيث لا يدري؛ فهذا الرجل المرهف عرف كيف ينسج الصداقات، واستقطب كأي إنسان عادي نظرات الإعجاب التي كان يتحاشاها بحياء. بل إنه نال شعبيةً واسعة، وهي تحديداً ما كلفه حياته. «انظروا كيف يتبعه العالم»، لعلّ هذا ما قاله أعداؤه. فبات بنظر القوات السورية والقوى الشيعية (التي كانت في أوج صعودها) شخصاً «غير مرغوب فيه»، إذ كانوا يرغبون في «إفراغ البقاع من مسيحييه»، وفقاً لكاتب سيرته. وهكذا، جرى التفتيش عن فرصةٍ لتصفيته، حتى إنه تلقّى تحذيراً مباشراً من جندي سوري أو اثنين كان قد أقلّهما معه في سيارته. في الرابع عشر من آذار 1985، حانت الفرصة. فبعد زيارةٍ إلى منطقة الهرمل حيث احتفل بالذبيحة الإلهية مع مجموعةٍ من الراهبات، وإذ استعجل العودة إلى برقا، سلك الطريق التي تمرّ ببلدتي نبحا وقدّام المختلطتين، وهي الطريق التي كان ينصح زوّاره عادةً بتجنّبها. هناك، وقع في كمينٍ حيث اعتُقل وعُذّب وقُتل. سيُصعق قارئ سيرته، حتى بعد مرور أربعين عاماً على الجريمة. فبعد أيامٍ من البحث، انتُشلت جثته في حالةٍ متقدمة من التحلّل من هوةٍ سحيقة في المنطقة، كان قد أُنزِل فيه ميتاً، مكبّل اليدين، بواسطة حبل. وحدّد الطبيب الشرعي تاريخ الوفاة في الرابع عشر من آذار، وهو يوم اختفائه. أُقيمت مراسم جنازته في الثالث من نيسان 1985 في دير الآباء اليسوعيين في تعنايل، حيث يوارى جثمانه الثرى في مدافن الدير. الجحيمٌ حين يعمل إنَّ السادية التي أبداها معذّبوه وقتلته لكفيلةٌ وحدها بإثبات أنَّ يد البشر لم تكن وحدها الفاعلة، بل إنَّ الجحيم نفسَه قد دخل على الخط. ففي سياق نشاطه الرعوي، كان الأب نيكولاس قد لمس في لحظاتٍ معينة ظواهر غير طبيعية عَزاها إلى « أرواحٍ نجسة » . ويروي، على سبيل المثال، أنه يوماً وخلال مراسم عماد، تحطّم زجاج نافذةٍ انفتحت بعصفِ ريحٍ مفاجئ، « عندما أمرَ بطرد الشيطان ». مرتين أو ثلاثاً في حياته، كان الأب نيكولاس قد ساوره قلقٌ مبهم، إذ شعر كأنه يغرق في هوةٍ سحيقة. وإذا كان اليوم غائباً عن عالمنا ولم يعد بإمكانه رواية ذلك، فإنَّ انتشال جثته من هوةٍ سحيقة ليس، على الأرجح، مجرد تفصيلٍ عابر. فلكل حياةٍ مسيحية نصيبُها من الجهاد الروحي ضد « الخصم » ، ولها نزاعُها، ولها بستان الزيتون الخاص بها. لدينا في هذا الصدد شهادةٌ استثنائية لمراسل الحرب الفرنسي الكبير، جان كلود غييبو. ففي كتابه «كيف عدتُ مسيحياً»، يروي الأخير كيف واجه، خلال تغطيته لحرب لبنان، «قضية الشر » التي كتبها بحرف كبير في لغتها الأصلية)، وذلك جرّاء «مواكب المجازر الجنائزية » التي رافقت النزاع. وبالنسبة إليه، كانت هذه المجازر علامةً على «نشوةٍ بربرية لا تعودُ فحسب إلى مجرد هوى أيديولوجي أو ديني». رسمياً، جرى التعرّف على جثة الأب كلوترز من قبل طبيب أسنانه، الدكتور سليمان خنيصر، الذي ميّزه من خلال علاجاتٍ كان قد أجراها له في فكه السفلي. وأكّد الطبيب الشرعي أنه لم يَرَ في مسيرته المهنية جثةً «نُكِّل بها بمثل هذه البشاعة»؛ فإلى جانب الضرب، تحدّث عن خنقٍ وذبح. إنَّ تنكيل المعذّبين بجسد الأب نيكولاس كلوترز هي نموذجٌ صارخ للأهوال الشيطانية التي وسمت الحرب الأهلية اللبنانية. المقال المقبل: الوصية المقلقة لغصيبة كيروز، الذراع اليمنى لنيكولاس كلوترز اليسوعي اقرأ في الموضوع نفسه: «مات كي يحيا لبنان»، التضحية القصوى للأب نيكولاس كلوترز اليسوعي

"مات كي يحيا لبنان"، التضحية القصوى للاب نيكولاس كلوترزاليسوعي (1/3)

أعاد عيد مار يوسف (19 مارس)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد، فرنسوا بويدك اليسوعي، ذكرى ألبان دو جيرفانيون، أول شهيد يسوعي في الحرب التي لا تنتهي والتي اندلعت عام 1975 في لبنان، والتي افتُتحت حلقة جديدة منها، نأمل أن تكون الأخيرة، في بداية مارس. وقد سقط خمسة شهداء آخرين في هذه الحرب بعد الأب دو جيرفانيون. تكريمًا له، ومع صدور سيرة ذاتية جديدة مخصصة لإحدى أقدس شخصياتهم، وهي سيرة الكاهن الهولندي نيكولاس كلوتيرز، الذي تُجرى حاليًا عملية تطويبه، نقدم هنا هذا العمل الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع الذين قتلوا الأب نيكولاس. ونستخلص في نفس المناسبة المعنى العام للتضحية التي قدمها للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجًا لـ «الحرية والتعددية» للشرق والغرب، في الوقت الذي تهدد فيه أمة عسكرية بقطع جزء أساسي من أراضيه التي تحمل ذكرى مرور المسيح. يُحتفى بلبنان كأرض قداسة، ولكنه للأسف أيضًا بلد يُقتل فيه الكهنة. استذكر رئيس جامعة القديس يوسف الجديد، الأب فرنسوا بويدك، هذا العام (2026) في الخطاب السنوي حول وضع الجامعة ومستقبلها، شخصية أحد أوائل «شهداء» اليسوعيين في الحرب الأهلية: الأب ألبان دو جيرفانيون، الذي قُتل بوحشية على يد مجموعة من المسلحين في 14 مارس 1976، عند مفترق كنيسة مار مخايل، بينما كان متوجهًا إلى المطار لإنزال مسافر. تفتح كلمات الرئيس الجديد الطريق لاستذكار خمسة يسوعيين آخرين «ماتوا ليحيا لبنان»، ولا سيما الكاهن الهولندي نيكولاس كلوتيرز، الذي تُجرى حاليًا عملية تطويبه. وقد خصصت الكاتبة الروائية والصحافية كارول داغر سيرة ذاتية موثقة لهذا الكاهن النموذج (شغف لأرض مهجورة، ليسيوس). ملحق لهذا العمل، فن المصالحة في لبنان ممزق، صدر للتو، عن منشورات دار المشرق. وهو من تأليف فرانسيس بيركيميجير اليسوعي، وهو مواطن ومعاصر للكاهن المقتول. يقدم هذا العمل الجديد تفاصيل حول ظروف آلام وموت من يعتبر «فنان المصالحة» عنفًا؛ رجل نجح، بفضل العمل، واللباقة، ونكران الذات، والمثابرة، في تطوير برقا، وهي قرية مارونية منسية في البقاع، لدرجة أن سكانها لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى مغادرتها. فأكبر إنجاز للأب نيكولاس كلوتيرز هو بلا شك تحقيق المصالحة بين عائلتين من برقا كانتا لا تتحدثان مع بعضهما البعض. التفاصيل حول نهايته العنيفة، التي كُشفت لأول مرة في هذا الكتاب، تشهد على موت شجاع ومقدس في سن الـ 45 لرجل الله، بعد معاناة لا توصف؛ كما تكشف أيضًا إلى أي مدى يمكن أن يصل قصر النظر والتهكم والقسوة في دكتاتورية الأسد السورية، التي لا تزال أجهزة استخباراتها متورطة في وفاته. المسيحيون، التحدي الحقيقي «معجزة دعوتي في برقا هي أنني استطعت أن أرى كيف أصبح القرويون الذين كانوا يتقاتلون فيما بينهم رجالاً يعملون معًا»، كتب نيكولاس في يومياته. «في برقا، لا يوجد منزل لا توجد فيه صورة للأب نيكولاس»، يؤكد مؤلف السيرة الجديدة، مسؤول أرشيف الشركة. ويضيف: «أعتقد أن مصالحة عائلات برقا هي أعظم معجزاته». «بالنسبة لنيكولاس، لم تكن التوترات بين المسيحيين والمسلمين هي التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي كان بالأساس الثأرات بين العشائر المسيحية، حيث كانت الأمور غالبًا ما تصل إلى نزاعات دموية، وحيث لم يعد أفراد العائلات الذين يعيشون في نفس القرية يرغبون في التواصل مع بعضهم البعض»، يوضح كاتب السيرة. كانت هذه الخلافات تندلع بشكل خاص عند حدوث زيجات «بالخطف» ( خطفة )، يوضح الأب بيركيميجير. وفي دلالة محتملة على تطور العقليات نحو حرية اختيار الأزواج، كان جيل الكبار يقابل هذه الزيجات بصلابة سلوكية مطلقة أدت إلى قطيعة تامة بين العائلات، وأحيانًا إلى أعمال انتقامية. يقال إن ثني قضيب من الحديد باليد أسهل من تغيير القلوب. هذا التغيير كان المعجزة التي تحققت في برقا بفضل الأب نيكولاس. أحد وسائله كان ببساطة التواصل الشخصي. لقد حقق نتائج رائعة مع مجموعة من الفلسطينيين الذين كانوا يعرقلون بناء كنيسة صغيرة مخصصة لمار شربل، بالقرب من المراعي الجبلية التي كان رعاة الماعز من برقا يذهبون إليها في الصيف. انتهى المطاف بالفلسطينيين بمساعدة صب السقف. منطقة «مهجورة» وصل الأب نيكولاس إلى لبنان عام 1966، ومارس رسالته في الجزء الشمالي من سهل البقاع الأوسط، وهي منطقة زراعية بشكل رئيسي، ورغم غنى تربتها، إلا أنها ظلت فقيرة ومهملة. تعين على الوافد الجديد مواجهة الفقر الروحي والثقافي والمادي لبيئته الريفية. في برقا، حيث تركزت خدمته الرعوية، عاش عشيرتان من نفس العائلة المارونية دون أن يتحدثا مع بعضهما البعض، كانا يتوجهان إلى قداس الأحد، في كنيستين منفصلتين، تقعان في طرفي القرية. في هذه البيئة القبلية، كانت شريعة الثأر لا تزال سارية، والخطأ لا «يغسل» إلا بالدم. إلى هذا المجتمع المسيحي القاسي خصص الأب نيكولاس معظم طاقته، حيث عاش عدة سنوات بلا منزل، مشاركًا سكان القرية حياتهم، يأكل وينام عندهم. كشخص هولندي أصيل ومستقيم الطبع، كان عليه أن يعتاد على «الغموض اللبناني». لم تكن برقا هي همه الوحيد. فقد كان يتنقل كثيرًا في المنطقة، يقدم التعليم المسيحي، والأمسيات الإنجيلية، والمعموديات، ودورات الإعداد للمناولة الأولى، والقداديس. حول أرخبيل القرى المارونية المنتشرة عند سفوح جبل لبنان (الجانب الشرقي)، كانت جميع القرى شيعية أو «مختلطة». تُرِكوا لمصيرهم، وُضِعوا في وضع أقلية، وتعرضوا لتوترات الحرب ومخاطر النزوح خارج منطقتهم، ولم يفكر جميع السكان إلا في الهجرة. سرعان ما أدرك نيكولاس أن الخيار واضح: إما منح السكان وسائل البقاء، أو الرضوخ لرحيلهم. ولكن في رأيه، لم يكن هناك خيار: فقد انغمس بكل جوارحه في تطوير القرية. تحقيقًا لذلك، حصل حتى على دبلوم مساعد اجتماعي من المدرسة اللبنانية للتدريب الاجتماعي، التي أصبحت اليوم تابعة لجامعة القديس يوسف. بناء طريق وشبكة أنابيب في غضون بضع سنوات، نجح، بالتعاون النشط من السكان، في بناء طريق يؤدي إلى الأراضي الزراعية فوق القرية؛ وهناك، قام ببناء قنوات خرسانية لري أشجار الفاكهة - بديلاً عن زراعة الحشيش. كما نجح في بناء مدرسة تكميلية في وسط القرية، مما قرب بين قسميها المتنازعين، وحصل على قدوم راهبات من راهبات القلبين الأقدسين ليتولين إدارتها. في نفس الموقع، بفضل وسام مالطا، افتُتح مستوصف. وتمكن أخيرًا من إنشاء ورشة خياطة بالتعاون مع مصنع في بيروت كان يؤمن المواد الخام، مما أوجد فرص عمل لنساء القرية. حب الناس من أجل محبة الله لا يأتي من تلقاء نفسه. بالنسبة للعالم، لا وجود للإيثار. أما بالنسبة للمسيحي، فالإيثار هو الفضيلة الوحيدة التي تسمح بتجاوز الجحود الذي قد يُقابَل به العمل أحيانًا. لم تُفصل مكونات قداسة العمل الاجتماعي للأب نيكولاس بوضوح كافٍ لتُقدم كنموذج. يمكن القول إنها تشمل أولاً الاحترافية في أداء المهام. لم يكن التنمية المستدامة تحمل أي أسرار لنيكولاس كلوتيرز. لكنه كان رجلاً منهجيًا «يكره الارتجال»، كما يقول الأب بيركيميجير. كما شملت روح الشراكة بين عائلات برقا أو بين العائلات ورجال الدين. وأخيرًا، شملت عدم التمييز المطلق بين المستفيدين من المشاريع المنجزة. استفادت جميع القرى المحيطة ببرقا من مستوصفه. وشملت أخيرًا محبة الفقر، وأخوة الفقراء. «من أفواه الفقراء»، كما يقول يومياته، كان الرب يتحدث إليه مباشرة أكثر. المقالة القادمة: استشهاد نيكولاس كلوتيرز اليسوعي في لبنان، في مواجهة الشر (2/3)

وليد الخالدي، مهندس المعرفة الفلسطينية
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مارس 14, 2026 - 18:47

ليس من السهل اختصار، في أسطر وفقرات قليلة، مسيرة مؤرخ كبير عاش زهاء مئة عام وبقي حتى أيامه الأخيرة منغمساً في المتابعة والكتابة والتأليف ومنشغل البال حيال ما يجري في بلاده، وعلى الدوام كانت قضيته واحدة: فلسطين. وليد الخالدي الذي غاب عنا منذ أيام قليلة جمع في حياته المديدة الكثير من الصفات لعل أهمها ما وُصف به مراراً وما شهدت عليه أبحاثه وكتبه بأنه حارس رواية النكبة وهو نفسه الذي دحض الرواية الصهيونية في فلسطين. منذ رحيله، نُشرت عنه مرثيات في كبريات الصحف العالميّة والعربيّة تمحورت حول إنجازاته العملية الرصينة وحول الأدوار العديدة التي لعبها في السياسة، وحول العديد من الأنشطة الأخرى التي اتخذت أشكالاً مختلفة. يمكن القول أن صفتين أساسيتين تميّزت بهما شخصيّة الخالدي، الباحث الفلسطيني العربي الذي عرفه المجتمع الأكاديمي الغربي، كما عرفه المجتمع الأكاديمي العربي، بالنظر إلى معرفته الموسوعيّة ومرجعيته العلميّة خصوصاً المتصلة بقضيّة فلسطين. الصفة الأولى تتصل بتمسكه الصارم بالمعايير العلميّة والأكاديميّة في البحث العلمي وعدم تهاونه في هذا الأمر، وهو ما بنى له مصداقيّة عاليّة بين صفوف الأكاديميين في الجامعات الغريبّة والعربيّة على حد سواء. وفي كل كتبه المنشورة ومحاضراته ومقالاته، لم يحد الخالدي قيد أنملة عن هذا المعيار، لا بل عممّه على جميع العاملين معه، مكرّساً بذلك مساراً تأريخيّاً حاسماً وغير قابل للجدل. الصفة الثانية عقله المؤسساتي الذي ترجمه في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت سنة 1963 كمرجع علمي مختص بقضيّة فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي، وهي مؤسسة بحثيّة عربيّة مستقلة تماماً ولا تتبع لأي طرف سياسي، ولا تتوخى الربح التجاري، ولقد نشرت في الحقبة التي تولى فيها أمانة سرها ما يزيد عن 800 كتاب مرجعي حول القضية الفلسطينية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية، وتُرجمت بعض كتبها إلى لغات أخرى أيضاً. من الممكن تخيّل حجم التحديات التي واجهت مؤسسة بحثيّة كهذه المؤسسة، وسبل التعامل مع الضغوطات التي يمكن أن تعترض عملها من كل حدب وصوب، وهي التي تجعل من استقلاليتها مسألة في غاية الصعوبة خصوصاً أنها مختصة في البحث عن قضيّة معقدة، قضية فلسطين، التي اندلع حولها الصراع منذ ما قبل نكبة 1948. ويُضاف إلى ذلك، أن هذه المؤسسة تعتمد- في إطار سعيها الحثيث على استقلاليتها الأكاديميّة- على الدعم والتبرعات الماليّة غير المشروطة بما يحول دون استرهانها لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الطرف أو ذاك. وفي هذا المجال، يقول المدير العام للمؤسسة خالد فرّاج: "لقد عمل الخالدي على تكريس مجموعة من القيم والمفاهيم الجمعيّة داخل المؤسسة، ميّزتها من غيرها من المؤسسات وأماكن العمل الأخرى. وقوام هذه القيم هو انصهار العلين في المؤسسة مع القيمة العامة التي أرساها، ومع جوهر القضيّة التي أنشئت المؤسسة من أجلها، وهي تثبيت الحق لأصحابه عبر البحث العلمي الرصين". [1] إن مجرّد صمود مؤسسة بحثيّة عربيّة- في منطقة قلّما تهتم بالبحث العلمي- لأكثر من ستة عقود دون أن ترتمي في "أحضان" أي جهة سياسيّة أو ماليّة أو حزبيّة هو إنجاز يُسجّل لها وللقائمين عليها، وهو المسار الذي خطّه بالأساس وليد الخالدي، وعمل على تثبيته على مدى سنوات طويلة. *** كان وليد الخالدي صاحب مبدأ، وهو الذي عُرف عنه أنه استقال من جامعة أوكسفورد سنة 1956 رفضاً لانخراط بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل بعدها للبحث والتعليم في الجامعة الأميركيّة في بيروت. من الممكن تصوّر صعوبة اتخاذ قرار كهذا لأستاذ جامعي ثلاثيني يُدرّس في واحدة من أهم الجامعات الغربيّة، ففي هذه الحالة جعل الخالدي الموقف القومي المبدئي يسمو فوق اعتباراته الشخصيّة الخاصة، وفي طليعتها مسيرته الجامعيّة التي تعرّضت للانقطاع في أوكسفورد ومن ثم استأنفها في بيروت التي كانت تعج بالحياة والحريّة، الأمر الذي أتاح له بعد سنوات الشروع في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة التي لا يزال مقرها الرئيسي في بيروت إلى يومنا هذا. يقول عنه المؤرخ الإسرائيلي الشهير المناهض للصهيونية إيلان بابيه: "في حديث غير رسمي جرى بيني وبينه (...)، علمتُ أنه كان ثمّة سبب آخر لاستيائه من أكسفورد؛ إذ كان يسعى بصفته أكاديميّاً لأن يحاضر ويكتب عن نكبة 1948 حتى في ذلك الزمن، لكن اتضح له أن أكسفورد في تلك الآونة لم تعترف بالنكبة كموضوع جدير بالدراسة الأكاديميّة". [2] كثيرة هي البصمات الأكاديميّة التي تركها وليد الخالدي مثل كشفه عن مضمون "خطة دالت" التي وضعتها العصابات الصهيونيّة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية لا سيما في عامي 1947- 1948. وهي الخطة التي تناقض كل السرديّة التي تقوم على فكرة أن الأراضي الفلسطينية كانت غير مأهولة أو أن سكانها غادروها بإرادتهم. ويتوقف الخالدي بإسهاب عند قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة فيقول بشكل مبهر: "لقد أصبح قرار التقسيم الذي صـدر عـن الجمعيـة العامـة لـلأمم المتحـدة سـنة 1947 ذا أهمية حاسمة في رواية المنتصرين، إلى درجـة أن فقـداناً جماعيـاً للـذاكرة التاريخيـة محى كل ما سبقه من أحداث في الماضي البعيد والمتوسط والسابق مباشـرة لـه، كمـا لـو أن قـرار التقسـيم هـو بدايـة القضـية الفلسـطينية وأصـلها، لا الـذروة المأسـاوية (بالنسـبة إلى الفلسطينيين) لكل ما سبقه منذ بداية الصهيونية السياسية. [3] ولأن البحث العلمي لا ينفصل عن مجريات السياسة وتحولاتها، شارك وليد الخالدي- دون أن ينخرط بما يؤثر على استقلاليته الأكاديميّة- في العديد من مجالات النشاط السياسي، وساهم حيث يمكن في صياغة موقف ورؤية فلسطينيّة على قاعدة التمسك بالحقوق الوطنيّة المشروعة، فهو "كان ضمن الدائرة المقربة من مسؤولي حركة القوميين العرب ومحل ثقة العديد من قادتها (...)، كما نسج علاقات وثيقة مع مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية (...). وفي أوائل السبعينات، إنخرط الخالدي في اتصالات خاصة مع الولايات المتحدة نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية".[4] ولمن لا يعرف، كان له دور أساسي في كتابة الخطاب التاريخي الشهير لرئيس منظمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة سنة 1974. إلا أن المحطة الهامة الأخرى تمثلت في مشاركته في الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك في محادثات السلام في مدريد سنة 1991 التي قامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، والتي شكلت محطة مفصليّة في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي ولو أنها أفرغت من مضمونها تدريجياً وتم تجاوزها من خلال مفاوضات أوسلو التي اتسمت بالسرية وأفضت إلى الاتفاق الشهير سنة 1993. حول النكبة، والقرى الفلسطينية والتهجير المنهجي للفلسطينيين نشر وليد الخالدي كتابين مرجعيين: "كي لا ننسى" و"قبل الشتات"، ومراجعتهما كفيلة بدحض الرواية الإسرائيليّة التي تقول بأن دولة إسرائيل قامت على أرض بلا شعب! وسوف تبقى كتب وليد الخالدي ومؤلفاته مرجعاً للباحثين والطلاب لسنواتٍ إلى الأمام، وهو الذي كان معلماً مشرفاً على المئات من الباحثين الذين تتلمذوا على يديه سواء في الجامعات أم في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بعد رحيل هذا المؤرخ الكبير، يجب أن تبقى قضيّة فلسطين أمانة في أعناق جميع الأحرار حول العالم لأنها قضيّة أخلاقيّة وإنسانيّة تماماً كما هي قضيّة سياسيّة. [1] فرّاج، خالد. "في مئويّة وليد الخالدي: الرسالة التي تحوّلت إلى منهج عمل". ملحق خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 123. بيروت. صيف 2025. [2] بابيه، إيلان. "وليد الخالدي ونشأة الدراسات الفلسطينية 1963- 2025". المصدر أعلاه، ص 57. [3] مجلة الدراسات الفلسطينية. المجلد 9. العدد 33 (شتاء 1998). ص 3 [4] الخالدي، رشيد. "وليد الخالدي الرائد والمجدد". ملحص خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 18- 19. بيروت. صيف 2025.

 جبران تويني، مدرسة الحرية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 12, 2025 - 19:23

قبل عشرين عاماً، سُحِق جبران تويني حرفياً في تفجير بسيارة مفخخة. لقد وضعه قتَلَتُه من محور دمشق–طهران، مع شركائهم اللبنانيين، على اللائحة السوداء لـ”الشخصيات الخطِرة” التي يجب تصفيتها حتماً، بقدر ما كانت هذه الأخيرة قد نجحت، خلال سنوات قليلة، في إعادة بناء فكرة لبنانية لجبهة تعددية ومتماسكة، ضامنة للسيادة والحرية. جبهةٍ صلبة، قادرة على تجاوز الانقسامات الموروثة عن الحرب الأهلية، والتقسيمات الطائفية التي رقص عليها المحور لعقود من الزمن ليُحكِم تفريق اللبنانيين، ويُنصِّب نفسه، تبعاً لمنطق رجل الإطفاء–مُشعل الحرائق، مرجعاً لحلّ النزاعات التي كان هو نفسه يصنعها. كان تويني يُجسِّد، بامتياز، نموذج الحماسة والشجاعة والقتالية لدى شريحة واسعة من شباب تلك المرحلة. وقد حظي باحترام فئات عريضة من المجتمع اللبناني، من مختلف الطوائف، بوصفه شخصية حرة، بلا خوف وبلا ملامة. وتمتّع بحضور إعلامي لا يُضاهى، لم يكن إرثاً من والده، العملاق غسان تويني. صحيح أن صحيفة “النهار” انتقلت من الأب إلى الابن، لكن جبران صاغ صوته الخاص، وهويته الخاصة، وشخصيته الخاصة، ومعاركه الخاصة، التي كانت في آنٍ واحد مشابهة ومختلفة عن معارك غسان. فحيث انسحب الأب من السياسة بمعناها الضيق، أي الفعل النضالي المباشر، ليكرّس نفسه لما كانه في جوهره: مانحاً للمعنى في السياسة، اختار جبران أن يتحمّل انخراطه الكامل في الميدان. كان في قلب الحدث، لا خارجه ولا فوقه. لقد أصبحت “النهار”، في ظل البصمة المزدوجة للأب والابن، إلى جانب سمير قصير وفريق لامع من الصحافيين والمحللين وكتّاب الرأي، أكثر من حزب سياسي واحد خلال فترة الوصاية السورية: لقد جسّدت فكرة أن لبناناً آخر ممكن، لبناناً حراً، سيداً، متحرراً من القيود القبلية والطائفية، مولِّداً للمعنى، وقادراً على استعادة رؤية ثقافية للبنان بوصفه بلدَ وصلٍ مع العالم. وأكثر من ذلك، زعزعت، عبر الكتابة والفكر، راحة الطغيان الباردة والمتراصة، من خلال فتح صفحاتها للمعارضين، ولا سيما السوريين منهم. يصعب استيعاب أن عقدين من الزمن قد مضيا من دون تلك الشعلة الملهمة والمعدية التي كانها جبران تويني، رجلٌ ذو كاريزما استثنائية، وخطيب قادر على تحريك الجماهير بقوة طاقةٍ تجمع بين الأناقة والغريزة. وليس من قبيل الصدفة أن يكون من بين مرجعياته جون كينيدي وتشي غيفارا، وكلاهما، على الرغم من الهوّة السياسية الفاصلة بينهما، خطيبان بارعان. على نحوٍ ما، تصالح في جبران الجانب الحيوي لكينيدي مع النزعة التمردية لغيفارا. كان قادراً على تركيب التوليفات، وإلغاء الحدود، وجمع المتناقضات. وفي نظر الأنظمة الاستبدادية والشمولية، هذا هو الذنب القاتل الذي لا يُغتفر. اليوم، بعد عشرين عاماً على اغتياله، يسهل الوقوع في إغراء تحويل جبران إلى أيقونة: أيقونة لمعركة سياسية قيل إنها انتهت، أو لحركة انهارت ودُفنت، أو لقضية منزوعٍ عنها اللحم والدم. “شهيد” لـ… وهذا، في الحقيقة، قتلٌ لجبران من جديد، وإلى ما لا نهاية. الأمر نفسه ينطبق على المثقفين والكتّاب والمفكرين، وعلى بعض الشخصيات السياسية الاستثنائية عند رحيلهم، ولا سيما حين تتم تصفيتهم عمداً. فالأفكار لا تموت مع أصحابها؛ بل تواصل مسيرتها، وتنضج، وتتوسع. بل إنها، على العكس، تدخل الحياة. لا تعود ملكاً لصاحبها. تختلط بالهواء، وتخاطب البشر بذاتها. وجبران، في حضوره الجسدي كما في فكره، لا يمكن أن يُحوَّل إلى تمثال. في ذلك عبثٌ وتناقض. يكفي أن نعيد قراءة مقالاته لندرك ذلك. لدى جبران تويني، لم تكن الحرية والسيادة يوماً شعارات جوفاء أو مواقف أخلاقية بلا مضمون. بل كانتا، في نظره، الشرطين المتلازمين لوجود لبنان السياسي. الحرية بوصفها قطيعة مع الكذب الحرية، عند تويني، لا تُفهم بوصفها حقاً مجرداً أو مبدأً زخرفياً، بل بوصفها، أولاً وقبل كل شيء، فعل كشفٍ وفضح. فهو يهاجم ما يمكن تسميته بالخيال السياسي الكبير، ذاك الذي يحوّل العنف إلى حوادث معزولة، والاغتيالات إلى أخبار عابرة، والخوف إلى قدر محتوم. في مواجهة هذا التخدير الجماعي، يصرّ تويني على أن العنف هو نتاج مناخ سياسي، وبنية هيمنة تستهدف أقلّ الأفراد وأكثرَ الفضاء العام الحر نفسه. هكذا تبدأ الحرية، لديه، برفض السرديات التبريرية. تسمية المسؤوليات، رفض التلطيف اللغوي، وإعادة الوقائع إلى سببيتها السياسية: ذلك هو الفعل الأول للتحرر. ومن هذا المنطلق، لا تكون الصحافة مجرد مهنة، بل وظيفة حيوية في المجتمع، مهمتها منع الخوف من أن يصبح قاعدة. السيادة بوصفها امتلاك القرار تقود هذه المطالبة بالحقيقة، بطبيعة الحال، إلى مسألة السيادة. وهنا أيضاً، يرفض تويني أي تعريف عاطفي أو رمزي. فالسيادة ليست علماً ولا ردّ فعلٍ هوياتياً، بل القدرة الفعلية للدولة على اتخاذ قرارها بنفسها. في نصوص شديدة المباشرة، يصف لبناناً جُرِّدت مؤسساته من مضمونها، واستُخدمت فيه العدالة أداة، وكُمِّمت فيه الصحافة، والأهم من ذلك، فُوِّض فيه القرار السياسي إلى الخارج. وهذه التفويضات لا تُفرض فحسب، بل تُستبطن أيضاً، وتُبرَّر باسم الاستقرار، والتوازنات، و«الواقعية». وهذا بالضبط ما حاربه جبران تويني بلا هوادة. ومن أجل التمرّد عليه قُتل. فالسيادة، في نظره، لا تُفقد فقط بالاحتلال العسكري، بل تتآكل كذلك بالتعوّد على التبعية، وبالقبول التدريجي بدولةٍ تحوّلت إلى واجهة. إنها «العبودية الطوعية» عند لا بويسي. الرسالة إلى بشار الأسد: السيادة بالكلمة في هذا السياق تحديداً، يجب وضع وفهم رسالته المفتوحة الشهيرة إلى بشار الأسد، البعيدة كل البعد عن أي استفزاز مجاني أو هجاء. إنها فعل سيادة فكرية في أنقى تجلياتها. علامة صحافية وأخلاقية وسياسية، بعد عقدين من الزمن. بمخاطبته المباشرة لرئيس النظام السوري، يرفض تويني موقع الخاضع. لا تضرّع أحمق، ولا عدوانية، ولا بهرجة. يتكلم نداً لند، كصحافي يواجه الطاغية-المحتل. هذا التحوّل البسيط في الموقع هو تحوّل حاسم، لأنه يكسر اللغة المشفّرة للوصاية، والحذر الإلزامي، والرقابة الذاتية المستبطنة التي كانت سائدة آنذاك. وفوق ذلك كله، تقوم الرسالة بقلبٍ جذري لمنطق الوصي: فالسيادة اللبنانية لا تُطرح فيها بوصفها عداءً لسوريا، بل بوصفها شرطاً لعلاقة سليمة بين دولتين. يؤكد تويني أن لا استقرار دائماً يُبنى على نفي حرية الآخر، وأن الهيمنة تُضعف من يمارسها بقدر ما تُضعف من يخضع لها. وهكذا تصبح حرية لبنان اختباراً أخلاقياً وسياسياً للسلطة السورية. وبالطبع، لم يكن تويني حالماً ساذجاً؛ كان يدرك تماماً أن الأسد لا يفهم إلا لغة القوة الغاشمة. ومع ذلك، قام بفعلٍ تأسيسي للسيادة. وهذا هو جوهر “المقاومة الثقافية” التي دعا إليها في تلك المرحلة الأب سليم أبو. الحرية، التعددية، والعيش المشترك لا تنفصل هذه المطالبة بالسيادة، لدى جبران تويني، عن التعددية اللبنانية. فالحرية التي يدافع عنها ليست حرية فريق أو طائفة أو عشيرة، بل هي النظام السياسي للعيش المشترك. حين يُصادَر القرار وتُكمَّم الكلمة، لا يُسكت الأفراد فحسب، بل تُضرب إمكانية قيام جماعة سياسية تعددية من الأساس. لذلك يشدد تويني على أن العنف السياسي لا يستهدف أشخاصاً فقط، بل الصيغة اللبنانية ذاتها. ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية التعبير، وسيادة الدولة، واستقلال القرار الوطني، هو دفاع عن العيش المشترك نفسه، في وجه الخوف، والتفكك، ومنطق الأمر الواقع. وقد كان تويني، الذي ناضل خلال الحرب في صفوف “الشرق المسيحي” السياسية، “لبنانياً” بالمعنى العميق للكلمة، ومن هذا الموقع الفكري دافع عن فكرة لبنان. وبعد عشرين عاماً، وفي مواجهة تصاعد خصوصية مسيحية قادرة على التعايش مع فكرة لبنان الممزق جغرافياً، يجدر التذكير بذلك. السيادة في مواجهة التسويات الزائفة يتمثل جانب أساسي آخر من فكره في شكّه الدائم بالتسويات الفارغة. فقد انتقد تويني باستمرار الترتيبات التي تكرّس، باسم الواقعية، نزع الملكية السياسية. صيغ «غسل القلوب»، والحوار بلا سلطة فعلية، والتوازنات التي تجمّد الظلم: كل ذلك يشكل، في نظره، سياسة واجهة تُضعف الحرية والسيادة معاً. فالسيادة الحقيقية تفترض احتكار الدولة للقرار، بما في ذلك قرار الحرب والسلم، ورفض مصادرة المصير الجماعي من قِبَل قوى لا تخضع للمساءلة أمام المواطنين. وهنا أيضاً، لا تكون الحرية مجرد حق الكلام، بل حق عدم الانجرار إلى خيارات مفروضة بلا رضى. ولا حاجة للتأكيد على مدى راهنية هذه الرؤية اليوم، في وقت لا يزال فيه لبنان يتعثّر في استعادة احتكار العنف المشروع. إرثٌ لا يزال مُقلقاً بعد عشرين عاماً على اغتياله، لا يزال فكر جبران تويني مُقلقاً لأنه لا يترك مجالاً للهروب: فهو يرفض الاستسلام كما يرفض المزايدة. وخلاصته الدائمة هي أن الحرية يجب أن تُمارَس بوصفها حقاً كاملاً، وأن السيادة لا تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد، بل تُدافَع عنها يومياً، بالكلمة، وبالمؤسسات، وبالشجاعة السياسية. فالفكرة، والكلمة، واللغة، لا وجود لها ما لم تُترجَم إلى أفعال عملية وحاسمة، إلى مرتكزات. ورسالة بشار الأسد هي بلا شك التعبير الأوضح عن ذلك: نصٌّ تتحول فيه الحرية من خطاب إلى فعل، وتُعاد فيه صياغة السيادة أولاً عبر الكلمة المباشرة، الصريحة، والمسؤولة. وعليه، لا تشكّل الحرية والسيادة معركتين متوازيتين، بل معادلة واحدة. فالحرية بلا سيادة هشة، مسموح بها، وقابلة للارتداد. والسيادة بلا حرية ليست سوى محاكاة فارغة. معاً، تشكلان الحد الأدنى لوجود شعبٍ سياسي، بلا خوف وبلا وصاية. أما الوحدة الوطنية والعيش المشترك فهما الإسمنت الذي يجعل من هذا الشعب قوة دافعة، متماسكة، قابلة للحياة، وحية. إن التفكير في جبران تويني بعد عشرين عاماً لا يعني مجرد إحياء ذكرى رجل أُسكت صوته، بل الخضوع لامتحان ضمير عميق، وامتلاك الشجاعة لطرح سؤال أكثر صعوبة: هل نعيش اليوم، في لبنان المتروك لكل الرياح، ضمن إطارٍ تستطيع فيه الحرية أن تُنتج سيادة، وتستطيع فيه السيادة أن تحمي الحرية فعلاً؟ والأهم، هل عرفنا كيف ندافع عن العيش المشترك الذي يشكل شرطها الذي لا غنى عنه؟ بهذا المقياس، على الأرجح، تُقاس فعلياً الأمانة لإرثه.

موريس عوّاد، الرجل الذي أعاد إلى اللغة رحمها الأُمّي
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 9, 2025 - 19:24

رحل موريس عوّاد في 9 كانون الأول/ديسمبر 2019، وبقي استثناءً نادرًا في المشهد الثقافي والأدبي اللبناني. كان شاعرًا متمرّدًا، طُرح اسمه عام 2015 لجائزة نوبل للآداب، ورجلًا أقام علاقة وجودية جذرية مع اللغة الأُمّ، العاميّة اللبنانية، التي جعل منها رايته، وأرضه-المصفوفة، وسبب حياته. وُلد عام 1934 في “لبنان الكبير” الذي كان لا يزال يتلمّس حدوده ومعناه، وكان يحمل في أحشائه ما سيأتي لاحقًا: الاستقلال، العصر الذهبي، ثم العنف والعودة إلى أشكال جديدة من العبودية. غير أنّ ما يهمّ ليس ولادته بقدر ما تهمّ ولادة اللغة فيه. فقد كان يمكن تخيّل أنّه غُمر منذ اللحظة الأولى في “مَشيمة لغوية” لبنانية داخل رحم أُمّه، وسيكتب لاحقًا: «بتزَكَّر سَمِعتْ إمّي عم تبكي وأنا بَعِدني بْبَطْنا.» منذ طفولته في بسلّيم، تشكّل رابط لم ينفصم بينه وبين اللغة التي خرجت من فم أُمّه. تلك اللغة الأولى — اللبنانية المحكية — أصبحت منزله الأول، المنزل الوحيد الذي لم يتصدّع. وقال ببساطة: «لغتي هي لغة أمّي». لم تكن هذه جملة شاعرية، بل حقيقة جسدية، ذاكرة مُجسّدة تسبق الوعي وتؤسّس له. وفق مقاربة لاكانية، تشكّل اللغة الأمّ المرآة الأولى للذات، خصوصًا أنّ صورة الأب كانت غائبة. هناك إقصاء لاسم الأب، عنيف وغائب، إلى حدّ أن موريس، المولود خوري، “يتبنّى” اسم عوّاد ثم يذهب أبعد، فيُعيد صوغ نفسه باسم موريس كفرغريب. هكذا يُستبدَل اسم الأب باسم الاقتلاع والغربة، ويمكن في هذا السياق فهم إصراره على توطين اللغة كمرساة تمنع التلاشي. حياته بأكملها — ميتم غزير، العودة إلى القرية، سنوات المطبعة، القراءات الفرنسية، الترددات الرهبانية، الفقر الكريم، ليالي الكتابة — كانت تدور حول مركز واحد: ألا يبتعد يومًا عن اللغة التي وُلِد منها. بالنسبة له، الكتابة ليست انفصالًا عن الجسد، بل امتداد له. يقول: «لَمّا بِكْتُب، بْحِسّ كإنّي عم داعِب جِسِم.» والجسد الذي يداعبه ليس سوى جسد اللغة الأمّ. اللغة-المصفوفة: المكان الذي يسبق الكلام لا يرى الجميع في العاميّة اللبنانية سوى لهجة. أمّا موريس عوّاد، فكان يراها رحمًا. لم يعتبرها درجة أدنى أو لغة ناقصة، بل مصفوفة يولد فيها المعنى من جديد، مكانًا تعود إليه الكلمة لتتجذّر. القاف تُستبدل بالهمزة أو تُمحى. الهاء النهائية تُقصّ لأنها لا تُلفظ. القواعد تتراجع أمام النفس. لم يكن ذلك نزعة فلكلورية ولا مشروعًا لغويًا مغلقًا، بل عودة إلى اللغة قبل المدرسة، قبل السلطة، قبل الفصحى، قبل الأب. حين ترجم الأمير الصغير والعهد الجديد إلى اللبنانية، لم يكن “يبسّط” النص، بل كان يُعيده إلى الرحم، إلى حرارة الصوت ورعشة الجسد. ولو كان ليونارد كوهين عربيًا، لكان قال إن الكلمة تصبح جسدًا؛ غير أنّ عوّاد لم يحتج إلى من يرشده إلى مكان التجسّد، فقد عرفه منذ كان في بطن أُمّه. الولادة اللغوية: تقليد، قطيعة، واستمرارية كان موريس عوّاد يتحرّك بين عوالم عديدة: التقليد الشفهي، الفكر المسيحي، الشعر العربي، التأثيرات اللاتينية والفرنسية، آثار الحرب. لم يفصل بينها، بل حملها كلّها. لكنه رفض أن تُختزل العاميّة في الفولكلور، ورفض أن تكون الفصحى وحدها حاملة المقدّس. بذلك، صنع حداثة داخل التقليد. لم يكن يوازن بين قطبين، بل كان يحلّ صراعًا داخليًا: انتصار لغة الأمّ على لغة المدرسة. الانسجام التام: اللغة، الوطن، والنضال كل شيء كان متصلًا عند موريس عوّاد. قد يبدو رجلًا استعراضيًا، فوضويًا، شهوانيًا لغويًا، لكنه كان منسجمًا تمامًا. اللغة نفسها التي كتب بها قصائد الحب كتب بها بيانات الغضب، وأغاني الوطن، ونصوص الحرية. كان مدافعًا عن السيادة، ومناصرًا لحقوق الإنسان. لم يكن تابعًا لأحد؛ كان يعتبر أنّ الدفاع عن اللغة-المصفوفة هو ذاته الدفاع عن الوطن-الأمّ. هكذا يتقاطع مع سعيد عقل وكمال الحاج. مع عقل، يشاركه الجرأة على رفع العاميّة إلى مرتبة الأدب، ومع الحاج يشاركه الإيمان بأنّ اللغة عماد الوجود. لكن الفارق جوهري: كمال الحاج، الفيلسوف التلميذ لبيرغسون، بقي مؤمنًا بأنّ العربية هي الحاملة للروح. أمّا عوّاد، فترك اللغة الموروثة ليعانق لغة التربة، لغة القرى والمطابخ والأمهات. الحاج روحنَ الأمة؛ عوّاد جسّدها. الأول كتب للوعي؛ الثاني كتب للنفس. وعوّاد دفع القومية اللبنانية إلى أقصاها: البلد ليس فكرة — هو لغة خرجت من الرحم. كازانتزاكيس وإخوة لغات الرحم هذا الفعل المصفوفي يضع موريس عوّاد في أسرة عالمية من الكتّاب الذين أعادوا اللغة إلى جسدها: كازانتزاكيس حرّر الديموطقي، لوركا أعاد القشتالية إلى أندلس الدويندي، جويس فجّر الإنكليزية ليُمرّر دبلن، باسوليني رفع الرومانية المحكية إلى مرتبة الملحمة، درويش أعاد القرية إلى الفصحى، وثيودوراكس ضخّ دم الريمباتيكو في الموسيقى الحديثة. كلهم فعلوا ما فعله عوّاد هنا: أعادوا إلى اللغة رحمها، ليلها، حبّتها، وجُرحها. لغة الأمّ، لغة المدرسة: قراءة لاكانية قال عوّاد يومًا: «اللبنانيّة لغة الأمّ؛ العربية لغة المدارس». الأولى تُضمّد وتُحيط، الثانية تُهذّب وتُراقب. الأولى حرية؛ الثانية نظام. هذا هو اللالانغ عند لاكان. وقد قال عوّاد بطريقة لا تُنسى: «إيدي مْغَمَّسِة باللّغة اللّبنانيّي مِتل الجْنين برحِم إمّو.» بكلمة واحدة: اللغة رحم. وليست “أداة”. وعندما يقول إنه لم يبك في حياته سوى مرتين — عند وفاة أمه وعند وفاة عاصي الرحباني — فهو يربط تلقائيًا بين المصفوفتين: الرحم البيولوجي والرحم الموسيقي للبنان. هذا ما كان رولان بارت ليسمّيه حبّة الصوت: ليس الكلمة، بل كثافتها. العمل: إنجاب لبنان بلغته السبعة والخمسون كتابًا التي تركها — شعر، مسرح، رواية، ترجمة، ليتورجيا — ليست “أجناسًا”، بل عودات متكررة إلى العالم الأول. ترجمة العهد الجديد إلى اللبنانية تعني أن “الكلام” يجب أن يعود صوتًا قبل أن يعود معنى. وتلبنين الأمير الصغير هو طلب للعالم كي يولد من جديد في فم طفلٍ من هنا. لم يكن يسعى إلى العالمية، بل كان يصنعها من المحليّ الأكثر حميمية: من الرحم الأول. شاعر المصفوفة لم يكن موريس عوّاد يريد أن يعطي لبنان لغة جديدة، ولا كان مشروعه هوية ضيقة. كان يريد فقط أن يعيد اللغة إلى أحشاء الأرض — إلى رحمٍ ما، سواء كان رحم أمه أو رحم الحجر. كان يعطي اللغة أرضًا-رحمًا: مكانًا للولادة. في بلد يتفتت يومًا بعد يوم — حدود، مؤسسات، هويات، ثقافة — ذكّر عوّاد بأن الشيء الوحيد الذي لا يسقط هو ما يعود إلى البداية: لغة الأمّ. الوطن قد يخسر سيادته ورموزه وجيشه وأحلامه، لكنه يبقى ما دامت لغته-الرحم تبقى. ولهذا السبب، اليوم كما الأمس، يبقى الرجل الذي أعاد إلى اللغة رحمها الأُمّي.