شعار Levant Time

قراءة هادئة

خطوات حتميّة لرأب الصدع اللبناني
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مايو 5, 2026 - 08:48

مع تعمّق خطاب الحقد والكراهيّة بين اللبنانيين، تتزاحم الأسئلة عمّا يمكن فعله حقاً لرأب الصدع السياسي والإعلامي الذي يتجذر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بمتناول الجميع وتتيح لكل مواطن أن يكتب رأيه (وهذا أمر جيد بالمبدأ) دون أن يمارس الحد الأدنى من الرقابة الذاتية، فترى تدافع العصبيات الطائفية والمذهبيّة على سجيتها بعيداً عن أي رادع أخلاقي أو سياسي. ويعكس هذا الشرخ الاجتماعي الانقسام العامودي الذي تشهده البلاد وهو انقسام خطير يتصل بالخيارات الاستراتيجيّة الكبرى التي سوف تحدد هوية البلاد مستقبلاً ودورها الإقليمي، ويتناول عناوين محوريّة مثل: كيفية مواجهة إسرائيل واعتداءاتها المستمرة على لبنان وقضيّة حصر السلاح بيد الدولة تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي سلمت بموجبه جميع الميليشيات اللبنانيّة سلاحها في مطلع التسعينات باستثناء حزب الله تحت عنوان "المقاومة". وإذا كانت ثمة مبررات قد أتيح توظيفها للاحتفاظ بالسلاح لتحرير الأرض (الأمر الذي تحقق عام 2000 بما يمكن وصفه بأنه إنجاز تاريخي هام عنوانه إنسحاب إسرائيل من أراض تحتلها دون قيد أو شرط)، فإن الأكيد أن وظيفة السلاح قد تمددت بعد إتمام التحرير لتخلق دويلة ضمن الدولة اللبنانيّة ولتعزيز مكانة الحزب السياسيّة إزاء الأطراف اللبنانيّة الأخرى مما أدّى إلى حدوث صدامات على شكل السابع من أيار/ مايو 2008 عندما انقض الحزب على العاصمة والجبل اعتراضاً على قرارين حكوميين يصبّان عمليّاً في مصلحة بناء الدولة. المؤسف، لا بل المحزن، أن الطرف ذاته الذي يفاخر بتحقيق إنجاز التحرير التاريخي سنة 2000 هو الذي يتحمّل القسط الأكبر من المسؤوليّة السياسيّة والعسكريّة لإسقاط هذا الإنجاز من خلال حرب تموز/ يوليو 2006 إلى حربي الإسناد الأولى والثانية في 2024 و 2026 والتي تمكنّت إسرائيل من خلالهما لاعادة احتلال التلال الخمس في المرحلة الأولى ولأكثر من 55 قرية في المرحلة الثانية أطلقت عليها إسم "اللون الأصفر". وإذا كان ليس خافياً على أحد طبيعة الارتباط العضوي للحزب بإيران (وهو الأمر الذي يفاخر ويجاهر به كما هو معلوم)، فإن الأمر الذي يحبط الكثير من اللبنانيين هو اندفاع الحزب للانتقام للمرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، والإعلان عن التضامن مع الجمهورية الإسلاميّة بينما لم يسبق لإيران أن حركت ساكناً إزاء جميع الحروب التي تعرّض لها لبنان خلال الأعوام الماضية. كما أنها لم تنتقم لاغتيال أحد أبرز رموز محورها، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. بطبيعة الحال، كل هذه الاعتبارات لا تبرر لبعض اللبنانيين إشاحة النظر تماماً عن الاعتداءات الإسرائيليّة المتواصلة على لبنان وانتهاكها اليومي لسيادته، واستهدافها المدنيين كما حصل في الثامن من نيسان/ أبريل المنصرم، وأن حصيلة ضحايا هذه الاعتداءات في حرب 2026 وحدها تجاوز الـ 2600 ضحية. والبعض من هؤلاء يبدون على استعداد تام لتبرئة إسرائيل من جرائمها بما لا تطلبه هي لنفسها أساساً ويطالبون لتسريع خطوات التطبيع المجانيّة، لا بل يذهب قسم منهم لنفي مطامعها التاريخيّة بلبنان أقله حتى خط نهر الليطاني ورغبتها الدفينة بالتوسع نحوه وضم المنطقة الواقعة تحت نطاقه بما يعتبرونه حماية لمستوطنات الشمال والسكان فيها! كما يتغاضى هؤلاء عن التطورات الخطيرة التي تلاحق بها إسرائيل اللبنانيين لناحية تفريغ مناطق في جبل الشيخ أو متاخمة له وهي محاذية لمنطقة تحتلها أيضاً في سوريا (حيث وسعت هناك احتلالها أيضاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024). ويريد هؤلاء الذهاب نحو اتفاقية سلام وتطبيع مع إسرائيل ويتوسلون في سبيل إقناع الرأي العام بصوابيّة هذه الخطوة استحضار مثال اتفاقي "كامب دايفيد" بين مصر وإسرائيل ووادي عربة بين الأردن وإسرائيل رغم الفوارق السياسيّة وغير السياسيّة الشاسعة بين هذه الحالات المقارنة. بين الضغط الأميركي من جهة، والاعتداءات الإسرائيليّة من جهة ثانية، والاستغلال الإيراني للجبهة اللبنانية من جهة ثالثة، يقف لبنان على مفترق طرق في لحظة انقسام وطني حاد تنذر بعواقب وخيمة ما لم تُبتدع طريقة ما لحوار سياسي يضع الأمور الوطنيّة في نصابها الصحيح: حصر السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة وحدها، وضع الأسس المتينة للتفاوض مع إسرائيل (وقف النار، الانسحاب العسكري، إعادة الإعمار…) على أن تكون كل هذه الخطوات تحت سقف الدولة وحدها. لم يعد يحتمل لبنان تلزيم قراراته الوطنيّة، فهو ما عانى منه طوال العقود الماضية.

رائحة النار والبارود تملأ الشرق الأوسط
بقلم
رامي الريّس
نُشر
أبريل 17, 2026 - 17:38

تبخرّت الوعود السياسيّة والانتخابيّة التي نادى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا سيما في مجال السياسة الخارجيّة، وسقطت العناوين البراقة التي تحدث فيها عن إنهاء الحروب، وهو فعلاً تبجح بعد انتخابه بإنهاء "ثمانية حروب"، إلا أنه أطلق في المقابل حربين في فنزويلا وإيران، ويهدد جدياً كوبا بأن تكون محطته الثالثة. صحيحٌ أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مر من دون إشعال ردة فعل فنزويلية بسبب تخلي النظام عن رئيسه والتعامل بواقعية شديدة مع الضغط الأميركي، إلا أن الأمر لا ينطبق على إيران. لقد خالفت التطورات الميدانية التوقعات الأميركيّة والإسرائيليّة، إذ سرعان ما تبيّن أن توقع انهيار النظام بمجرد اغتيال رأسه، المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه عدد من القادر الكبار، لم يُفقد الحرس الثوري السيطرة على البلاد ولم يخفف من قبضته الحديديّة حولها. كما باء بالفشل أيضاً الرهان على اندلاع ثورة شعبيّة احتجاجيّة شعبيّة من الداخل الإيراني بمجرد اشتعال الحرب، ذلك أن المناخ الشعبي الإيراني- حتى ولو كان في قسم كبير منه يناوىء النظام- إلا أن لا يريد ركوب الموجة الأميركيّة. وإذا كان يرسخ في الذاكرة الشعبيّة والجماعيّة الإيرانيّة دور الولايات المتحدة الأميركيّة وجهاز الاستخبارات المركزي لديها في الإطاحة بحكومة مصّدق في انقلاب العام 1953، فلعل ثمة قناعة بأن الرهان على الأميركيين لا يمكن أن يستوي أو أن يسهم في التغيير الحقيقي، خصوصاً أن ترامب نفسه لا يكترث حقاً للتغيير السياسي من منطلق إصلاحي إنما حصراً من منطلق مصلحي. لم يكن ثمة مشكلة لدى الإدارة الأميركية في التعامل مع المرشد الجديد لو أنه أبدى ليونة كانت تتوقعها واشنطن، وعندئذٍ لم تكن لتكترث حقاً لمطالب الشعب الإيراني بالحرية والديمقراطيّة وحقوق الإنسان. المثال الفنزويلي لا يزال حاضراً، إذ أن ترامب استبعد زعيمة المعارضة رغم أنها تملقت له بتقديم جائزة "نوبل" للسلام، معتبرة أن تجييرها لأرفع جائزة دوليّة يمكن أن يزيد من حظوتها عند الرئيس الأميركي، فإذا به يتغاضى عن ذلك تماماً ويواصل العمل مع أركان نظام مادورو نفسه الذي يعتقله في زنزانة في مركز الاحتجاز الفدرالي في بروكلين- نيويورك، ويحقق ما يريده في مجال النفط. طبعاً، أحلام الشعب الفنزويلي بالتغيير تهاوت مع الريح أيضاً. الآن، يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب جزيرة كوبا التي أقلقت واشنطن على مدى عقود، وكانت بمثابة الشوكة في خاصرتها، ويبدو أنه سوف يطيح بكل جهود الاحتواء والمصالحة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لطي صفحة الماضي، ويفتح حرباً جديدةً في اتجاهها، وهو ما يؤكد عدم اكتراث واشنطن لأي من بديهيات العمل الدولي أو الحاجة للمرور عبر منظمة الأمم المتحدة، لا بل ثمة سعي واضح لتقويض المنظومة الدوليّة التي قامت بعد حقبة الحرب العالميّة الثانية وإضعافها، وليس "مجلس السلام" (ولو أن لا يزال متعثراً) الذي أنشىء عقب حرب غزة إلا أحد الأمثلة الواضحة حيال هذه السياسة. ولكن، من قال أن إغفال واشنطن للمصالح الحقيقيّة للشعوب يصب فعلاً في مصلحتها؟ ومن قال أن توثيق تحالفاتها مع معظم الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط وخارجه يصب أيضاً في مصلحتها؟ صحيحٌ أن استيلاد النظم الديمقراطيّة لا يحصل بين ليلة وضحاها، وصحيح أن النظام الديمقراطي المستورد من الغرب قد لا ينجح تماماً في كل المجتمعات، ولكن الصحيح أيضاً أن قمع الشعوب يولد الانفجار السياسي والاجتماعي في لحظة ما. وإذا كانت تجربة الثورات العربيّة قد انتهت إلى مآلات مؤلمة نتيجة ظروف معقدة منها ما كان يتصل بانقضاض الأنظمة على الثورة (سوريا مثلاً) أو ما كان يتعلق بعدم قدرة أصحاب الثورة على تنظيم صفوفها والسبب الأساسي في ذلك هو أن السلطات الديكتاتورية دجنّت المجتمعات وأفرغتها من النخب القادرة على قيادة مشروع التغيير؛ إلا أن كل ذلك لا يبرر أن ينكفئ الغرب نحو سياسة إعادة تعويم الأنظمة أو استبدالها بأنظمة لا تقل قمعية عن تلك التي أسقطتها. فيما يخص الشرق الأوسط، المسألة لم تعد تتعلق حصراً بطبيعة المجتمعات السياسيّة في المنطقة العربية فحسب، بل أيضاً في إمعان إسرائيل في إشعال الحروب بصورة متواصلة والجديد إغراقها للولايات المتحدة معها في حروبها المتعددة الجبهات، حتى ولو لم يكن ثمة خطر حقيقي على الأمن القومي الأميركي كما تسوّق له إسرائيل، وآخر هذه الحروب هي الحرب على إيران التي لم تقصّر بدورها في إيذاء جيرانها من دول الخليج العربي الأمر الذي سوف يجعل التعايش المستقبلي تحدياً مستمراً. هذا الإصرار الإسرائيلي على إشاحة النظر عن فكرة السلام لا بل الانقضاض عليها من خلال الحروب والاحتلالات سيكون له تداعيات بالغة السلبية في المنطقة برمتها ولأجيال إلى الأمام. فلسطينياً، لا تكتفي إسرائيل بتدمير غزة ودكها يومياً حتى بعد وقف إطلاق النار (وصولاً إلى عدد مخيف من الشهداء يناهزون 75 ألفاً!)، فهي تنقض أيضاً على الضفة الغربيّة وتزرع فيها مستوطناتها ما يقطع الطريق تماماً على أي حلول سلميّة أو مشروع الدولتين التاريخي الذي لن يكتب له النور إذا ما واصلت إسرائيل سياساتها في المنطقة. وسياسة فرض الأمر الواقع تعتمدها إسرائيل أيضاً في جنوب لبنان وجنوب سوريا التي احتلت منها مساحات إضافية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، فضلاً طبعاً عن احتلالها للجولان السوري منذ العام 1967، ورفضها الانسحاب منه، لا بل قامت بضمه رسمياً إليها ولن تتراجع عن ذلك الضم. ما لم تعد المنطقة إلى ضبط الإيقاع الإسرائيلي على قواعد ثابتة منها الضغط عليها للاقلاع عن سياسة الحروب الدائمة والمتدحرجة، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، فإنها لن تتمكن من استدامة مشروعها الاحتلالي، إذ تبين أن الاتفاقات الإبراهيمية لم تنفس الاحتقان في المنطقة لا بل فاقمته، ولم توفر الأمن لإسرائيل وهو الشعار الذي تبحث عنه من خلال الحروب تلو الحروب. رائحة النار والبارود تملأ الشرق الأوسط، فلا مفر من مقاربات جديدة وسياسات جديدة أيضاً.

ماذا عن المشهد اللبناني بعد الحرب؟
بقلم
رامي الريّس
نُشر
أبريل 3, 2026 - 20:33

كيف سيكون وضع لبنان والمنطقة عند انتهاء الحرب الأميركية- الإسرائيليّة على إيران، وكيف سيكون حال الانقسام اللبناني- اللبناني الذي تفاقم إلى درجات غير مسبوقة جراء هذه الحرب، وجراء انخراط حزب الله فيها والاعتداءات الإسرائيلية التي تتوسع على لبنان وقد ناهز عدد الشهداء الذين سقطوا خلالها أكثر من ألف قتيل والأرقام إلى ارتفاع يومي لا بل على مدار الساعة! بالنسبة لإيران، صمود النظام بعد نحو شهر من اندلاع الحرب هو انجاز بحد ذاته، وهو ما قد يُطلق عليه في أدبيات المحور الذي كان يسمّي نفسه "محور الممانعة" مصطلح "إنتصار". بطبيعة الحال، التسمية نسبيّة، وما قد يُعتبر انتصاراً بمعيار "المحور" هو إنكسار كبير بالفهم العام لمجريات الحرب. أن يبقى النظام وتُدمر البلاد لا يُعد إنتصاراً، فإيران سوف تحتاج إلى عقود طويلة للخروج من الكبوة التي سقطت فيها بعد هذه الحرب المدمرة. ولكن وفق الحسابات المصلحيّة للنظام الإيراني، وهو نظام ديني عقائدي متشدد، فإن بقاء السلطة في مواجهة أكبر دولة في العالم التي تفاخر بجبروتها العسكري وحليفتها الاقليمية التي تمكنت خلال أشهر قليلة من قلب موازين القوى في المنطقة، هو بحد ذاته إنجاز يُعتد به. ليس ذلك فقط، ففي المنطق الإيراني، استطاعت طهران تحدي منظومة القبة الحديدية واختراق "الأمن الإسرائيلي" واسقاط المئات من الصواريخ على المدن والمناطق الإسرائيلية بالتعاون طبعاً مع حزب الله الذي يطلق بدروه المئات من الصواريخ على شمال فلسطين المحتلة بالتوازي مع التصدي لقوات الجيش الإسرائيلي التي تسعى جاهدة للتوغل في جنوب لبنان والتقدم في احتلال قراه تمهيداً لخلق أمر واقع جديد يعكس نفسه في اتفاقية جديدة لوقف إطلاق النار خصوصاً أن اتفاقية العام 2024 يبدو أن مفاعيلها سقطت، وهي أساساً لم تُحترم من قبل إسرائيل منذ توقيعها وطوال أكثر من 15 شهراً انتهُكت فيها السيادة اللبنانية مئات المرات ولم تنجح لجنة "الميكانيزم" في تطبيق اي من بنود الاتفاق على إسرائيل. على الصعيد اللبناني الداخلي، لا يمكن لمن يراهنون على "انتهاء" حزب الله الاستمرار في إشاحة النظر عمّا يجري في إيران، ولا يمكنهم إنكار أن "الصمود الإيراني" ولو بأكلاف عالية جداً، سوف يوفر- بشكل أو بآخر- متنفساً ما للحزب عاجلاً أم آجلاً. والأهم من كل ذلك، أنه لا يمكنهم إدارة الظهر للاعتداءات الإسرائيلية التي تطال- فيما تطال- المدنيين الأبرياء والمسعفين والأطباء والصحافيين، كما أنها تستهدف البنى التحتية المدنية كالجسور والمنشآت العامة لقطع منطقة جنوب نهر الليطاني عن باقي المناطق اللبنانية، فضلاً عن التدمير الكامل لقرى الحافة الأمامية وتسويتها بالأرض بهدف خلق واقع جديد قوامه إخلاء تام لهذه المناطق من السكان تمهيداً لاحتلال طويل الأمد، وهو مغاير لما حصل بعد احتلال الجنوب بدءاً من العام 1978 مروراً بالعام 1982 عند حدوث الغزو الكبير الذي وصل إلى بيروت، حتى تحرير الأرض بالكامل في العام 2000. إذا كان هذا الواقع المستجد يحتّم على اللبنانيين المعترضين على انخراط حزب الله في هذه الحرب بإسم اللبنانيين جميعاً دون التشاور معهم أو موافقتهم (وهم على حق في ذلك) إعادة النظر في مواقفهم ورهاناتهم على القضاء على حزب الله؛ فإنه حري أيضاً بالحزب الاقلاع الفوري عن لغة التهديد والوعيد والتخوين وإطلاق الشتائم والتهم بـ "الصهينة" لهذا المسؤول أو ذاك. لا يمكن القبول بفكرة أن هذا الحزب المسلح الذي ورّط لبنان في حرب لا طائل له فيها سوف ينقض على سائر اللبنانيين بعد توقف الحرب، وهو ما يُهدّد به عدد من مسؤوليه أو بعض "الاعلاميين" الذين يدورون في فلكه، في تحد واضح لمشاعر فئات واسعة من اللبنانيين ولفكرة "الدولة" التي يفترض أن تكون الجامع بين مختلف مكونات المجتمع. لعل أكثر ما تستفيد منه إسرائيل هو تغذية الخلافات والأحقاد بين اللبنانيين، وتأليب الطوائف على بعضها البعض لأن ذلك من شأنه أن يوفر عليها الكثير من الجهد لالتهاء اللبنانيين بعضهم ببعض والانكفاء عن مواجهتها أو التصدي لمشروعها التوسعي الذي بدأ يأخذ منحنيات خطيرة مع تصاعد الأصوات من داخل إسرائيل التي تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" وضرورة التوسع شمالاً نحو جنوب لبنان لحماية القرى والمستوطنات التي لا تعرف الاستقرار. لقد خبر اللبنانيون التجربة السيئة في السابع من أيار/ مايو 2008 التي كانت بمثابة انقلاب مسلح على فكرة العيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني وهي أتت في ذروة قوة الحزب وسطوته المسلحة على الحياة الوطنية والدستورية والسياسية اللبنانية والتي لا يمكن القبول بتكرارها بأي شكل من الأشكال لأنها سوف تكون وصفة جاهزة للاقتتال الداخلي والتنكر لكل منجزات السالم الأهلي والإعمار والاستقرار (ولو الهش) التي تحققت بعد اتفاق الطائف (1989). المطلوب من اللبنانيين في هذه اللحظة التاريخيّة التواضع والانكفاء نحو المواقع الأساسيّة والتصدي لوقف الحرب والاعتداءات وإعادة بناء المناخات الوطنية المطلوبة لتحصين الاستقرار والسلم الداخلي بما يسقط أي مشاريع لتغذية الخلافات الداخلية عبر العنف الذي اختبر على مدى 15 سنة في حرب أهلية مدمرة.

لبنان بين فكي كماشة
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مارس 25, 2026 - 06:04

في أوقات الحروب والأزمات، ينقسم المشهد اللبناني بين من يستحضر كل الانقسامات والخلافات إلى السطح ويسعى إلى تأجيجها ومفاقمتها، وبين من يعمل على تعزيز مناخات الوحدة الوطنيّة بما يسهم في تجاوز المرحلة الصعبة بانتظار أجواء أكثر هدوءاً يمكن من خلالها النفاذ نحو مناقشة القضايا الوطنية الكبرى. الأكيد أن الغوص في مسائل عميقة وحساسة مثل مدى صلاحيّة اتفاق الطائف أو طبيعة النظام السياسي أو إلغاء الطائفيّة السياسيّة ليس وقتها الآن، لأن المرحلة هي مرحلة العمل على وقف الحرب ولملمة الجراح والبحث عن كيفيّة الخروج من المأزق الذي تورطت فيه البلاد والذي ليس ثمّة ما يوحي أن الخروج منه سيكون يسيراً في المدى القصير. ثمّة مسلمات لا يمكن التراجع إذا ما خرجت البلاد من المأزق العميق الذي تمر به راهناً، وهي مسلمات ثبُت بالبرهان أن التخلي عنها كانت أكلافها عالية جداً وهي تتمثل بالآتي: - حصريّة السلاح في يد الدولة اللبنانيّة: لا مناص من الوصول إلى هذا الواقع الذي هو بديهي في كل دول العالم. ليس هناك دولة تقبل بأن "تلزّم" الدفاع عن أراضيها إلى فصيل مسلح لا يأتمر بأوامرها، لا بل يرابط مع دولة خارجية في علاقاته وتمويله وتسليحه. لقد خطت الحكومة اللبنانيّة خطوات هامة إلى الأمام في هذا المجال، ولكن لا الضربات الإسرائيليّة المتواصلة ساعدتها على إتمام مهمتها، ولا طبيعة تنفيذ القرار الصعب بحصريّة السلاح والمتصل بكثير من التعقيدات والحساسيات الداخليّة أتاح لها ذلك أيضاً. أما للذين يراهنون على أن إسرائيل ستقوم بهذه المهمة، فلعل تجربة الأشهر الـ 15 الفاصلة بين وقف إطلاق النار وبين اندلاع الحرب مجدداً تجعل تصديق هذا الخيار صعباً رغم ضراوة الضربات التي طالت وتطال حزب الله. - قرار الحرب والسلم: وإذا كان ثمّة قناعة قد تشكلت لدى السواد الأعظم من اللبنانيين بأن الدولة يجب أن تحتكر السلاح ووظيفة الدفاع عن أراضيها، فإن الأمر سيّان بالنسبة لقرار الحرب والسلم الذي يعود للدولة وحدها امتلاكه. أما التذرع غير المسؤول برفضه تحت حجة أن إسرائيل هي من تقرر اليوم الحرب والسلم مع لبنان، فإن ذلك لا يلغي ضرورة حسم الأمر لبنانيّاً، وهذه حجة غير مقبولة تماماً كما القول سابقاً بأن إسرائيل كانت سوف تشن الحرب بكل الحالات حتى لو لم يطلق حزب الله صواريخه الست نحو الأراضي المحتلة. - الخطة الدفاعيّة: لا يمكن إشاحة النظر عن ضرورة أن يبحث لبنان جدياً عن كيفيّة حماية أراضيه مستقبلاً من الاعتداءات الإسرائيليّة التي لم تتوقف على أراضيه منذ نكبة 1948 ولو بنسب متفاوتة تفاقمت أو تراجعت بحسب الظروف السياسيّة والعسكريّة. وإذا كان لبنان لن يتمكن حتماً بقواه الرسميّة مجابهة الجيش الإسرائيلي الذي يحظى بدعم لا متناه من الولايات المتحدة يحفظ له تفوقه العسكري الإقليمي، فإنه لا بد من التفكير بصيغ أكثر مرونة تتيح له حماية حدوده الجنوبيّة وقرى الحافة الأماميّة كما اصطلح على تسميتها. يبقى أن التحديات السياسيّة والعسكريّة الماثلة أمام لبنان في المرحلة الحالية إنما تتطلب تحركاً ديبلوماسيّاً نشطاً تقوده الحكومة اللبنانيّة بما يضع المقترحات التي قدمها رئيس الجمهوريّة على الطاولة وذلك من خلال أصدقاء لبنان حتى ولو أن تلك المقترحات قوبلت ببرودة سياسيّة إسرائيليّة تقابل التسخين الميداني على الجبهة اللبنانيّة. واضحٌ أن حالة الشلل الديبلوماسي بعد أيام على بدء الحرب مرده إلى أن إسرائيل ترفض كل المقترحات وهي لا تبدو مستعجلة بتاتاً على إطفاء جبهتها مع لبنان لا سيّما بعد أن استعاد حزب الله، مدفوعاً بالغضب جراء مقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، شيئاً من زمام المبادرة وهو يطلق صليات من الصواريخ التي تجعل سكان الشماليّة المحاذية للحدود مع لبنان يفتقدون الأمان والاستقرار ويلجأون إلى المخابئ تحت الأرض. وإذا كانت إسرائيل غير مستعجلة لإنهاء الحرب على لبنان، فالأخطر هو سعيها لإعادة احتلال أجزاء واسعة من مناطق الجنوب اللبناني ما يُشكّل انتكاسة كبرى لتحرير لبنان الذي حصل بكثير من التضحيات والعزة والإباء سنة 2000 وتراجعاً عن مكسب لبناني هام تميّز به يومذاك إذ أنه البلد العربي الوحيد الذي أرغم إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها ليس فقط دون إتفاقيّة سلام بل أيضاً دون قيد أو شرط. لبنان اليوم أمام حقيقة مرة: هو يعرض المفاوضات مع إسرائيل وهي ترفضها، بينما في السابق سعت مراراً وتكراراً لعقد معاهدة سلام معه ولم يقبل بذلك. بين هذه الحال وتلك، المهم ألا يضيع البلد بالخطابات التحريضيّة من الجهتين: جهة تتبجح بقوتها رغم الضربات ولا تنفك تهدد الداخل اللبناني بالانقضاض عليه في وقت لاحق، وجهة على استعداد أن تغفر لإسرائيل كل اعتداءاتها واستهدافاتها وتكاد لا تقرأ أن أكثر من ألف شهيد قد سقطوا في لبنان في غضون أسبوعين فقط!

نقاش أميركي مستجد: هل إسرائيل حليف أم عبء استراتيجي لواشنطن؟

مع اندلاع الحرب الإسرائيليّة- الأميركيّة- الإيرانيّة الثانية، تتزاحم الأسئلة والملاحظات حيال هذه الحرب الكبرى التي سوف تغيّر وجه المنطقة والعالم دون أدنى شك، والتي سوف تترك الكثير من التداعيات حيال مستقبل الشرق الأوسط وطبيعة العلاقات السياسيّة فيه، ولعل هذه أبرز الملاحظات: من الواضح أن هذه الحرب لم يتم الإعداد لها جيداً، فعلى الرغم من القضاء على المرشد الأعلى ووزير الدفاع الإيراني والقيادة العليا من الساعات الأولى، إلا أنه من الواضح أيضاً أن إرشادات القيادة والسيطرة في إيران هي لامركزية والدليل إستمرار إطلاق رشقات الصواريخ في كل الاتجاهات. وبالتالي، عدم قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرب قدرة الرد الإيرانيّة (Second Strike Capability) يؤكد هذا الانطباع. كما أن الرهان على اندلاع المظاهرات الاحتجاجية في أنحاء إيران فشلت بدورها ولا يمكن التعويل عليها. ولا يمكن إغفال أن القتال الإيراني ينطلق من عقيدة دينية تعتبر الاستشهاد هدفاً وكسباً. بالتوازي مع كل الخسائر الايرانيّة الكبيرة، لا يمكن إشاحة النظر عن أن الصواريخ الإيرانيّة قد دمرت بالفعل كل القواعد العسكريّة الأميركيّة في دول الخليج وفق تقرير لافت أعدته صحيفة "نيويورك تايمز"، وهو ما يطرح التساؤل الجدي والعميق عمّا إذا كان الانغماس الأميركي في الحرب يصب في "المصلحة القوميّة للولايات المتحدة"! ولقد تكاثر الكلام السياسي عن أن إسرائيل قد "ورطت" واشنطن في هذه المعركة، وأعلمتها أنها ستخوض الحرب بينما في السابق كانت الحكومات الإسرائيليّة تسعى للحصول على "غطاء" وموافقة أميركيّة قبل شن أي حرب عسكريّة. وهذا يطرح السؤال حول شعار ترامب أن سيوقف كل الحروب وتفاخره بإنهاء ثمانية حروب على الأقل! ليس ثمة غطاء سياسي قانوني أو مؤسساتي لهذه الحرب، لا على المستوى الدولي أي تعمّد عدم المرور بالأمم المتحدة أو أي من هيئاتها، ولا على المستوى الأميركي المحلي، إذ تغاضى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس تماماً ولم يطلب موافقته متجاهلاً المؤسسة السياسيّة الأميركيّة والدستور الأميركي. يتوسع النقاش داخل الولايات المتحدة عن الأهداف الحقيقيّة للحرب، وما إذا كانت إيران تشكّل حقاً خطراً على الأمن القومي الأميركي. صحيحٌ أن طهران لطالما رفعت شعار "الموت لأميركا" وهي متهمة بتنفيذ العديد من الهجمات ضد القوات الأميركيّة، ولكن النقاش الجدي يدور حول ما إذا كانت تهدد الأمن الداخلي الأميركي حقاً؟ وهل أن شن الحرب عليها هو الخيار الأمثل للتعامل مع التحدي الذي تمثله؟ ويتناول هذا النقاش إسرائيل مجدداً، وأن التهديد يطالها هي وليس أميركا وأن إسرائيل قد جرّت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب. وها هي واشنطن تدفع ثمناً باهظاً أكثر مما تدفع إسرائيل. القصف الإيراني لدول الخليج يفترض أن يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير بعمق في تداعياته، وأن تقيم مقارنة لا مفر منها، ذلك أن دول الخليج تساهم في الاقتصاد الأميركي من خلال صفقات السلاح وغير السلاح بمليارات الدولارات، بينما إسرائيل تكلف واشنطن سنوياً عشرات المليارات من الدولارات وذلك منذ نكبة 1948. أليس ثمة شعور أميركي أن إسرائيل باتت "عبئاً استراتيجياً" أكثر مما هي حقاً "حليفاً استراتيجياً"؟ إنه نقاش سياسي جدي يدور في العديد من الأوساط الأميركيّة. مهما يكن من أمر، فإن المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، والتطلع الإسرائيلي لقيادة المنطقة وقضم أراضيها تباعاً قد لا يكون مهمة يسيرة على ضوء التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط راهناً، كما أن سياستها القائمة على رفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستمرار احتلال أراضي 1967، والإهمال التام لكل مبادرات السلام منذ عقود، وضربها عرض الحائط لكل الحلول المقترحة، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. من قال أن القبول العربي، وغير العربي، بسطوة إسرائيل التامة على المنطقة سيكون بمتناول اليد حتى ولو أن الأداء العربي على مدى العقود المنصرمة كان مخيباً للآمال وقاصراً عن مواجهة التحديات المتنامية التي مثلها المشروع الإسرائيلي في كل محطاته بدءاً من إقامة الدولة الصهيونيّة على أراضي فلسطين التاريخيّة إلى القضم التدريجي لأراض عربية أخرى، إلى رفض إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ومنع عودة اللاجئين أو التفاهم على ترتيبات معينة لمدينة القدس، وصولاً إلى إسقاط كل الحواجز السياسيّة والأخلاقيّة في حرب غزة الأخيرة التي ناهز عدد الشهداء فيها 70 ألفاً من المدنيين والأبرياء؟ المنطقة دخلت في مخاض عسير، والخروج من الحرب لن يكون يسيراً مثل دخولها، والتطورات والأحداث سوف تكون شاهدة على ذلك.

قضية فلسطين أمام منعطفات خطيرة: إسقاط الحق وتكريس الاحتلال

المنعطف الخطير الذي تمر به قضيّة فلسطين يكاد يكون الأكثر حراجة منذ النكبة سنة 1948، ليس فقط بسبب إسقاط مبدأ حق تقرير المصير عن الشعب الفلسطيني ومصادرة أرضه وإقامة دولة أخرى في تلك الأرض، بل أبضاً بسبب طبيعة المشروع الإسرائيلي الذي يتخذ الطابع الكولونيالي التوسعي ويسعى لقضم المزيد والمزيد من الأراضي مسقطاً حل الدولتين ومانعاً قيام دولة فلسطينية بحدودها الدنيا، أي حدود 1967. ليست المشاريع الاستيطانية التي تقرّها الحكومة الإسرائيليّة تباعاً إلا رأس الجليد مما يجري التخطيط له، وهي المشاريع التي ترمي إلى تغيير وجه الضفة الغربيّة التي انتشر فيها لغاية اليوم ما يزيد عن 800 ألف مستوطن بهدف تحقيق الهدف التوسعي ولكن أيضاً بهدف إسقاط أي فرص جديّة لإقامة دولة فلسطينية. ومع تراجع الرفض الدولي للتوسع الاستيطاني إلى مرتبة التنديد اللفظي فقط، تبدو الأمور مكفهرة في الضفة الغربيّة حيث يقتحم المستوطنون، بحماية الجيش الإسرائيلي، القرى والبلدات ويعيثون فيها تدميراً للبيوت والممتلكات والمزروعات. صحيحٌ أن المواقف العربيّة والاسلاميّة المنددة بهذه الخطوات المتلاحقة لم تخفت، إلا أنها تبقى عاجزة عن تغيير الواقع القائم، أو تجميده بالحد الأدنى، لا سيما أنها تكرر تمسكها بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمّة بيروت العربيّة سنة 2002، ولم تعرها إسرائيل أي اهتمام يُذكر منذ ذلك التاريخ، لا بل هي سعت إلى إضعاف "شريكها" الفلسطيني المفترض، أي السلطة الوطنية الفلسطينية التي انبثقت عن اتفاق أوسلو (1993)، وأشاحت النظر عن صعود خصمها التاريخي، أي حركة "حماس" عن قصد. وإذ تفاخر الإدارات الأميركيّة المتعاقبة في انحيازها لإسرائيل وتتبارى عمّن قدّم الدعم السياسي والعسكري والمادي الأكبر لها، فإن الرئيس الحالي دونالد ترامب يعتبر أنه قطع أشواطاً متقدمة في هذا المجال، وهو الذي أخذ في ولايته الرئاسيّة قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ضارباً عرض الحائط الطبيعة التعدديّة للمدينة ورمزيتها الدينيّة والتاريخيّة، ونقل سفارة بلاده إليها، كما اعترف بالسيادة الإسرائيليّة على الجولان السوري المحتل منذ العام 1967. وإذا كانت قضيّة فلسطين قد نالت تعاطفاً شعبيّاً واسعاً ترجم نفسه في مظاهرات احتجاجيّة شهدتها العديد من العواصم الأوروبيّة تواصلت على مدى أشهر متتالية، إلا أن هذا السخط الشعبي لم يعكس نفسه تماماً في سياسات الحكومات الغربيّة التي تغاضت عن المجازر التي ارتكبت في قطاع غزة، وفضحت سياسة المعايير المزدوجة حيال حالتي أوكرانيا وفلسطين، فأوحت وكأن الدم الفلسطيني هو دم رخيص بينما الدم الأوكراني يستحق كل الدعم. بطبيعة الحال، أي دم بشري هو دم غالٍ ولا يجوز استسهال اراقته. وأدّت هذه السياسات عمليّاً إلى "شيطنة" الفلسطيني وإلصاق تهمة الإرهاب به رغم أنه يسعى إلى تحرير أرضه، فيما أدّت إلى "أنسنة" الإسرائيلي ووضعت سلوكه دائماً في سياق "الدفاع عن النفس" رغم أنه هو الذي يحتل الأرض. وإذا كان استهداف المدنيين هو عمل مرفوض مدان ومستنكر في كل زمان ومكان، إلا أن ما يحدث في فلسطين لم يبدأ في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وهو الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أنه "لم يأتِ من فراغ" وتعرّض مذذاك لمضايقات سياسيّة وإعلاميّة كبيرة من إسرائيل ومناصريها داخل الأمم المتحدة وخارجها. وتمكنّت الدعاية الإسرائيليّة، بما تملكه من إمكانيات هائلة حول العالم، من قلب الكثير من الحقائق لا بل من اختلاق الروايات التي تصّب في مصلحتها ومصلحة السرديّة التي دأبت على تقديمها وهي أنها تدافع عن نفسها في كل ما تقوم به حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أكثر من 70 ألف قتيل من المدنيين في غزة، وبعضهم مات جوعاً وعطشاً عن قصد، وحتى لو أنها قصفت المستشفيات والمراكز الطبية والصحية والمدارس والجامعات والأندية الثقافية والمنشآت الرياضيّة. ولم تشفع وسائل التواصل الاجتماعي التي تشكل المساحة الأوسع للشباب والمراهقين من تصحيح السرديّة، أيضاً بسبب رقابة شديدة مارستها الشركات التي تمتلك وتدير تلك المنصات، فتراها حجبت المئات من الحسابات والمواقع التي كانت تعكس الرأي المؤيد لفلسطين والمناهض للتيار السائد الداعم لإسرائيل وحربها القاسية ضد الشعب الفلسطيني. وهنا أيضاً تبرز مشكلة السرديّة، إذا صح التعبير، بحيث كانت إسرائيل تروّج دائماً أنها تحارب حركة "حماس"، بينما هي في حقيقة الأمر كانت تحارب الشعب الفلسطيني برمته والدليل أن نسبة الدمار وصلت في قطاع غزة إلى أكثر من 80 بالمئة. كما أن الشعارات التي رفعتها عن تحرير أسراها بالقوة تبيّن أنها لم تتمكن من تحقيقها، رغم الدمار الشامل، وأنها اضطرت إلى وساطات سياسيّة للافراج عن الأحياء منهم والأموات من خلال صفقات تبادليّة. تشير الأرقام التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة إلى أن عدد المستشفيات المدمرة أو المعطلة في قطاع غزة بلغ 38، فيما بلغ عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية المدمرة 165 وعدد المدارس المدمرة 670 مدرسة، وعدد المساجد المدمرة 835. وتتواصل الأرقام المخيفة إذ بلغ عدد الشهداء من الكوادر الطبيّة 1670، ومن طواقم الدفاع المدني 140 وبلغ عدد شهداء الشرطة وعناصر تأمين المساعدات 787 وعدد الشهداء من موظفي "الأونروا" 203، ومن الصحفيين 254 ومن العلماء والأكاديميين والمعلمين 1023. من الواضح أن الصراع قد اتخذ اتجاهات جديدة في ظل التفلت من العقاب، وفي ظل مخالفة القوانين والأعراف الدوليّة بشكل غير مسبوق، وهو ما يضع العالم برمته على المحك، ويطرح تساؤلات جوهريّة حول الشعارات التي لطالما رُفعت وتغنّت بها دول معيّنة مثل حقوق الإنسان والديمقراطيّة والمساواة والعدالة، تماماً كما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام الدولي الجديد في ظل طغيان نظريّة البقاء للأقوى والتغاضي عن الحقوق الأساسيّة للشعوب المقهورة.

/