شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لاوُن الرَّابع عشر... لبنان والاستِقلال الثَّالِث!

لَيسَت زيارةُ البابا لاوُنَ الرَّابعَ عَشَرَ إلى لُبنانَ زيارةً عاديَّةً، بل هي لحظةٌ تاريخيَّةٌ تفرِضُ استثنائيّتَها. ففي وطنِ الرِّسالة، وعلى امتدادِ الإقليم والعالَم، تتقاطعُ المواجهات الكبرى. السَّلامُ في وجهِ الحرب، والحِوار في وجهِ العنف، والاعتدال في وجهِ العصبيَّة، والتنوّع في وجهِ الأحاديّة، والأنسنة في وجهِ الشعبويّة، والدستور في وجهِ الأحكام العرفيّة، والقانون في وجهِ الفوضى، والمواطنة في وجهِ الأقلويّة والأكثرويّة، والدولة في وجهِ اللادولة، والحَوكمة في وجهِ الفساد. هذه المواجهاتُ يعيشُها لُبنان والعالَم الحُرّ، فيما يملِكُ لُبنان فرصةً نادرة ليُثبِتَ أنّه دولة قادرة على النهوض. لم ييأس الكرسي الرسولي، طوال خمسة عقود، من رؤية لبنان "دولة نموذجًا"، رغم الانهيارات السياسيّة والاقتصاديّة والسياديَّة. قد قال أحد الكرادِلة يومًا: "تظنّون أنّ لبنان التاريخيّ يُنازِع، لكنّ قيامتَه ستكون على أيدي نخبته من المقيمين/ات والمغتربين/ات". كانت العبارة صدمةً وإشارةً إلى أنّ الرهان لا يزال على اللُّبنانيين/ات أنفسهم. البابا الرَّاحل فرنسيس واجه هذا الواقع بوضوحٍ روحيّ وسياسيّ. قبّل علَم لبنان، وحرّك الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة بلا هوادة لحماية هويّته الحضاريّة، لكنّه رفض زيارة بيروت آنذاك في رسالةٍ صريحة: "لا لحِلف الأقليّات، لا للادولة، لا للفساد، لا لتماهي الكنيسة مع السلطة السياسيّة، ولا لتحويل لبنان منصّة للحروب". كان ذلك إعلانًا بأنّ الدولة تتآكل وأنّ صيغة لبنان الحضاريَّة مهدَّدة. اليوم، يأتي البابا لاوُنُ الرابع عشر حاملاً عنوانًا يتجاوز البروتوكول: "السَّلام". والسَّلام هنا ليس نقيض الحرب فحسب، بل نقيض "الانهيار الأخلاقيّ"، و"الاستقالة الوطنيّة"، و"التواطؤ على قتل الدولة". وهو فعل مقاومة في وجه السلاح غير الشرعي، وفي وجه التحالفات التي تُنتج أقليّات مُتخيّلة، وفي وجه العصبيّات التي تُطيح بالدستور، وتُعطّل المؤسسات، وتُهدّد العيش المشترك. يأتي البابا لاوُن ليقول إنّ لبنان يستحقّ الحياة، ويستحقّ القيامة، ويستحقّ دولة تُشبه رسالته. ويأتي ليعيد شحذ إرادة شعبٍ مُرهق، ويُذكّر نخبةً متردّدة بأنّ العالم لا يزال يرى في لبنان مساحة حريّة ومسؤوليّة. أما إختيار لبنان محطة أولى بعد تركيا فليس صدفة، بل رسالة بأنّ انهياره يضرب التعدديّة والعيش معًا، في الشرق كلّه. في العالم كُلّه. رسالة البابا للّبنانيين/ات واضحة: " إمّا أن تُنقذوا دولتكم… أو تضيع رسالتكم". لا مكان لـ"نصف دولة" أو "نصف سيادة". ولا لخلط الحوكمة الرَّشيدة بالدَّجل السياسي. ولا للخضوع لابتزاز السِّلاح بذريعة السّلم الأهلي. فالسِّلم الحقيقي يقوم على المواطنة، وعلى الالتزام بالدّستور والشرعيّة الدوليّة، وليس على الخوف أو المساكنة القسريّة. ولهذا يوجّه البابا رسالته إلى جوهر المأزق، "إستعادة الدَّولة". لا حماية جماعة. ولا مساومة على الحق والحقيقة والعدالة والحريّة. وللعالم أيضًا، يحمل البابا رسالة جوهريّة: "إنقاذ لبنان هو دفاع عن الإنسان"، وعن التعدديّة المهدّدة، وعن نموذج قادر على البقاء جسرًا بين الشرق والغرب. فالفاتيكان يدرك أنّ انهيار لبنان يفتح انهيارًا أوسع في المنطقة، ولذلك يتحرّك بثبات روحي–سياسي بعيدًا عن الاصطفافات. وهكذا يصبح "السلام" مشروع تحرير. تحرير الإنسان من الخوف، والدولة من الارتهان، والكنيسة من التماهي الملتبس، والسِّياسة من الفساد، والهويّة اللُّبنانيَّة من التَّشويه. من هُنا تغدو زيارة البابا لاوُن الرابع عشر فرصة لكتابة فصل جديد، الاستقلال الثالث إستقلال الدَّولة عن الفوضى، وإستقلال الحقيقة عن التزوير، وإستقلال الإنسان عن كلّ منظومة تُسقط إرادته في الخير العامّ. هذه لحظة لا تقبل "الرماديّة". والبابا يقولها بنبرة أبويَّة، وبصراحة نبويَّة، وبصلابة رجل دولة أخلاقيّ يعرف أنَّ الوقت يضيق، وأنَّ لُبنان، رغم كلّ شيء، لا يزال يستحقّ أن يُنقَذ.

دِيور، مادلين بروست للأزياء الراقية
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر

في قلب مدينة النور، بين الأرشيفات والمنحوتات وأقمشة الفساتين وكُرَيّات الخياطة، تنبض دار تستولي فيها رائحة وردة مايو على الذاكرة الشمّية للزوار. دار يتحاور فيها الماضي والحاضر. منذ الظل الخصيب الذي خلّفه جون غاليانو ووصول جوناثان أندرسون، يبدو أن قراءةً جديدة لإرث ديور آخذة في الظهور: أكثر مفاهيميةً، أعمق فنيةً، غير أنها تبقى وفيّة في جوهرها لروح الدار التي أُسِّست عام 1946. دراسة في الشكل في متحف رودان، ذلك المعجزة المكتنزة بمنحوتات الأستاذ الكبير أوغست، تجلّت هذه المرحلة الجديدة. في أعقاب عرض الأزياء الراقية الذي أُقيم خلال الأسبوع الأخير من يناير 2026، فتحت التهيئة البصرية "نحو الأشكال" (Grammaire des Formes) أبوابها للجمهور في الخيمة العابرة ذاتها التي شهدت التقديم الأول للمجموعة. خمس عشرة لوحة لأندرسون جاورت هناك تسع تحفٍ تاريخية للمسيو ديور، وعدداً من السيراميك للنحاتة الكينية مجدلين أودوندو. كان الإطار يكاد يبلغ حد الجذرية. الأرضية، المكسوة بباركيه النقطة المجرية من الفضة العتيقة اللامعة، كانت تهمس لسقف غارق في أزهار السيكلامين الوردية. هذه العلبة المُرصَّعة احتضنت الفساتين كما احتضنت منحنيات أعمال أودوندو. صُنعت تلك الأعمال يدوياً وتطوّر لغةً من التوترات مستوحاة من الجسد الإنساني ومن تقاليد الفخار الموروثة. في مجموعة أندرسون، تجد هذه الأشكال صدىً واضحاً: خصور محدّدة، أحجام منحوتة، صورٌ كأنها معمارية. يصبح الخياطة هنا مادةً، حواراً بين اللباس والنحت. مجموعات من الأطفال، جلسوا على الأرض وأقلامهم بأيديهم، يرسمون ويلوّنون النماذج في دفاترهم. لحظة بسيطة صامتة تُذكِّر بأن الأزياء الراقية هي قبل كل شيء نظرة تتشكّل. هذه المجموعة الأولى لأندرسون في ديور لا تسعى إلى الأثر المبهر. بل تشتغل كدراسة. غاليانو، الظلُّ الخصيب لا يمكن تناول هذه اللحظة دون استحضار جون غاليانو. الطفل المشاغب في عالم الموضة، ذلك الذي أودت به استفزازاته المتكررة إلى مطهر ليجلو أوزاره. قبل أندرسون، كان هو الذي أحدث التحوّل الحقيقي في ديور. خلال التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، حوّل غاليانو تلك الدار العريقة إلى مسرح: عروض مبهرة، مراجع تاريخية، صور أزياء لافتة. أندرسون لا يسعى إلى إعادة إنتاج تلك الدرامية. لكنه يبدو أنه احتفظ بجوهرها: فكرة أن على ديور أن تظل مكاناً للتجريب. حيث اشتغل غاليانو على السرد والمشهد الزيّي، يستكشف أندرسون الأرشيف والشكل. طريقة أخرى في أن تكون جذرياً، مع الوعي ذاته بالإرث. وأزهار السيكلامين في السقف ليست سوى امتداد لتلك الباقة الصغيرة التي أهداها الأستاذ للتلميذ، حين دعاه هذا الأخير، في معاينة خاصة، ليكتشف مجموعة من حلّ محلّه فعلاً. زهرة تُسكر كرجّة ميزان، جميلة كتحية. السترة Bar، مركز الثقل في صميم هذا التأمل تبقى قطعة تأسيسية: سترة Bar. أُنجزت عام 1947 لتُرافق الـ"نيو لوك"، ولا تزال تشكّل مصفوفة الدار بأكملها: خصر مقبوض، أوراك منحوتة، صورة معمارية. عند أندرسون، تظهر هذه السترة أحياناً سليمة، وأحياناً مزاحة أو مفكّكة، مقصّرة أو ممدودة، كمنحوتة تُفحَص من زوايا متعددة. هذا دليل على أن داراً يمكنها أن تتطور دون أن تتنكر لأصلها. استمر هذا الإثبات خلال عرض مجموعة الـ"بريت-أ-بورتيه" الأخيرة في حديقة التويلري بباريس، أمام بركة مزيّنة بأزهار اللوتس… أُشيدَ بالكلاسيكيات المُعاد تفسيرها لتوازنها بين الدقة التاريخية والنفَس المعاصر؛ لحظة بدت فيها الدار وهي تتبنّى هذا التوتر بين الأرشيف والطليعة. في الأدب والإنسانية يحافظ ديور منذ زمن على حوار خفيّ مع الثقافة. نجده اليوم في حقائب ديور بوك توت الواسعة التي باتت أشبه بأشياء أدبية. بعضها يحمل عناوين الكلاسيكيات الكبرى مطبوعةً على قماشها. من "أزهار الشر" إلى "مدام بوفاري"، ومن "العلاقات الخطرة" إلى "دراكولا"، باتت هذه الإكسسوارات تشبه كتباً يحملها المرء فوق كتفه، كما لو أن الأزياء الراقية نفسها باتت مكتبة. بيد أن تاريخ ديور ليس جمالياً أو فكرياً فحسب. فخلال الاحتلال، واصل كريستيان ديور عمله خياطاً في باريس بينما كانت أخته كاترين ديور تنخرط في المقاومة. اعتُقلت ثم رُحِّلت إلى معسكر الاعتقال في رافنسبروك، وعادت بعد الحرب… يُهدى إليها عطر ميس ديور. هذا التوتر بين الظل والنور يشكّل جزءاً من ذاكرة الدار. وهو يفسّر لماذا لم يكن ديور يوماً مجرد علامة تجارية، بل قصة إنسانية. دار تُعيد تعريف نفسها عرف ديور مراحل متعددة. كان ثمة جذرية الـ"نيو لوك"، ورؤى المديرين الفنيين المتعاقبة، ثم سنوات بدت فيها الدار تبحث عن هويتها. الشعارات، التي كانت ذات يوم خفيّة، تضخّمت قبل أن تجد شكلاً أكثر رقة. اليوم، تحت الدفع المتأمّل لدلفين أرنو، تبدو الدار وكأنها تريد استعادة التوازن بين الإرث والاختراع. يندرج وصول جوناثان أندرسون بوضوح في هذا الاتجاه. ذاكرة حيّة أحياناً يكفي أن تلمس جلداً، أو تتأمل قصّةً وترتديها، أو تشمّ عطراً رفيعاً، أو تفتح برفق حقيبة Lady Dior لتفهم الحمض النووي لهذه الدار. ديور ليس مجرد صورة، وليس مجرد جمالية. إنه ذاكرة إبداعية في حركة دائمة، أزياء وُلدت تحت نجم سعيد إذ لا تنسى أبداً من أين جاءت؛ وتواصل استكشاف ما يمكن أن تصبح: مادلين بروست للأزياء الراقية، في إعادة اختراع دائمة.

خبر عاجل: بدأت الحرب!
بقلم
زينه زيادة
نُشر

لا شيء جديدًا في العبارة، لكن وقعها هذه المرة مختلف، سرعة وتيرتها تخرقني بضجيجها. نتصل جميعًا ببعضنا للاطمئنان. تتوالى الإجابات كما لو أنها بروتوكول يومي: نحن بخير، ماذا عنكم؟ بخير! كأن الكلمة تعويذة نحتمي بها. أمي بخير. أخي الأكبر وعائلته بخير. أخي الأصغر في وجهته الخليجية بخير. أختي وعائلتها هنا بخير. من يحبّهم قلبي ومن أعشق بخير. بخير! نكتبها ونكرّرها حتى تفقد حدّتها. أقاربي الذين أتوا من فرنسا ليمضوا أسبوعا في بلاد الأرز ومنهم من تعرّفنا عليهم للمرة الأولى، خاصة الأطفال، يعودون الى بلادهم بعد ساعات قليلة. الحقائب عند الباب. طفلان يسألان: لن نذهب إلى المطار؟ أمّ تحاول أن تبتسم كي لا ينتقل ارتباكها إلى ملامح الصغار. آباء يتظاهرون بالتماسك. أُلغيت رحلة الساعة الثالثة بعد الظهر، وأُغلق باب العودة المباشرة. رأيت في عيونهم ذلك القلق الذي تعلّمناه نحن أبناء هذه الأرض: قلق لا يصرخ، بل يحسب الاحتمالات. نجتمع ونقرّر سريعًا، لأن الوقت في الأزمات لا يمنح رفاهية التردّد. بعد اتصالات متلاحقة وبحث في الخيارات المتاحة، أُمّنت لهم مقاعد من بيروت عند التاسعة والنصف ليلًا إلى إسطنبول، ثم إلى بلجيكا، ومنها إلى ليل. عشر ساعات من السفر والتنقّل بين مطارات عدة، بدت أفضل من البقاء في مدينة يقترب لهيب المنطقة من شواطئها وسمائها. بيروت، التي كنت أتجوّل في ساحتها قبل أيام كسائحة أفتّش في حجارتها عن أثر الماضي، بدت لي الآن وكأنها تقف على رؤوس أصابعها. المدينة التي تتقن السقوط والقيام، تعيد ترتيب أنفاسها مرة أخرى. أدركت أن الأمان لا يُمتلك، بل يُستعار. أقلعت طائرتهم. وصلوا إسطنبول. رسالة قصيرة: نحن بخير. صورة يفترشون فيها الأرض أو كراسي صالة الانتظار. الأطفال يبتسمون رغم التعب. ثم الطريق إلى ليل. أطمئن، ليس طويلا. تتوالى الأخبار العاجلة، أقرأ، لا أصدّق، ثمّ أقرأ مجدّدا: المنطقة تشتعل، عواصم عربية تقصف. أهلي هناك، أمّي، إخوتي، نصف عائلتي هناك! أمسك هاتفي لأراسل أحبّتي. أتردد كي لا أنقل لهم قلقي. وأعود إلى السؤال ذاته، كأنه طقس عائلي: بخير؟ لكن أيُّ خيرٍ هذا الذي يُقاس بعدد المطارات التي عبروها أو ينتظرون عبورها بسلام؟ وأيُّ طمأنينةٍ تحتاج إلى تأكيد كل بضع ساعات؟ نحن بخير لأن الطائرة أقلعت وهبطت. بخير لأن السماء بقيت مفتوحة قبل أن تمطر علينا القذائف ويرتجّ التراب تحتنا. بخير لأن الخطر ظل احتمالًا لا واقعًا لبضع دقائق. أفكر في تلك اللحظة التي كنت فيها في الساحة أشرح لأقاربي عن بيروت. لم أكن أعلم أنني بعد أيام سأعيش درسًا جديدًا في هشاشة الجغرافيا. المدينة التي شرحت تاريخها بفرنسيتي المطعّمة بالإنكليزية، تعود لتذكرني بأن فصول تاريخها تُكتب ونحن نمشي فيها. هل نحن فعلًا بخير؟ أيُّ خيرٍ هذا؟ وأيُّ بلادٍ هذه؟ وأيُّ منطقة؟ وأيُّ طمأنينة؟ وأيُّ حياة؟ نحن جيل يتابع حركة الطيران وخرائط المناطق التي ستُقصف واتجاه الصواريخ كما يتابع تقلبات الطقس. نتقن وضع خطط بديلة قبل أن نجرؤ على الحلم بخطة أساسية. نعيش تعبًا مزمنًا، ونحمل قدرة غامضة على الانتظار. نحب، نقلق، ونحاول النجاة كل يوم، من كل شيء. في ذلك المساء بدأت المنطقة تشتعل… وعند فجر الإثنين اشتعل لبنان. وأنا، لا أزال أتمسّك بجملة صغيرة: بشوف وجّكن بخير!

قوة كوماندوز إسرائيلية في النبي شيت؛ بزشكيان «يعتذر» للدول العربية!

شهدت ليلة الجمعة 6 إلى السبت 7 مارس/آذار توغلاً إسرائيلياً بطائرات مروحية في إحدى قرى البقاع، وكان الهدف الظاهري منه البحث عن رفات رون أراد، الطيار الإسرائيلي الذي اختفى عام 1986 بعد إسقاط طائرته. سمع سكان عدة مناطق لبنانية، وخاصة جبل لبنان، الضجيج المتواصل للطيران الإسرائيلي على ارتفاع منخفض طوال ليلة الجمعة إلى السبت. بينما كانت العملية نفسها تدور في قرية نبي شيت في بعلبك بشمال البقاع، والتي كانت مسرحاً لعملية وحدة كوماندوز. في منتصف الليل، لفت وجود الجنود على الأرض انتباه عناصر من حزب الله وسكان المنطقة. ونتيجة لذلك، وقعت مواجهة كانت حصيلتها ثقيلة بشكل خاص على الجانب اللبناني، حيث خلف 41 قتيلاً وعدد مماثل من الجرحى (وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية) ومشهد دمار شامل في القرية، كما أظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت صباح السبت. وبالفعل، من أجل إخلاء جنودها، قصفت الطائرات الإسرائيلية البلدة بشدة. بينما روى حزب الله هذه المواجهة في أحد بياناته، مؤكداً أنه «صد» توغلاً، جاء التفسير من الجيش الإسرائيلي بعد ذلك بقليل: يبدو أن معلومات قدمها عضو في حزب الله محتجز لدى تل أبيب وضعت الإسرائيليين على درب أدلة حول مصير الطيار رون أراد الذي اختفى عام 1986 في لبنان. ووفقاً لرسالة من المتحدث العربي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، لم يتم العثور على رفات رون أراد في الموقع. وأوضح السيد أدرعي أن العملية لم تسفر عن وقوع ضحايا في صفوف العسكريين المشاركين. فهل يكفي البحث عن رفات رجل مفقود منذ 40 عاماً، مهما كانت أهميته، لتفسير هذه العملية الخطيرة أم أن هناك تبريراً أكثر عقلانية لم يُكشف عنه بعد؟ الأخطر في الأمر هو تورط الجيش اللبناني في الحادث، حيث أن ثلاثة من جنوده سقطوا بين القتلى. وقد أوضح الجيش في بيان له أن دورياته رصدت تحركات غير اعتيادية للمروحيات الإسرائيلية في الوقت الذي استمر فيه القصف العنيف للقرى المحيطة. ومع ذلك، فإن تبادل إطلاق النار جرى بشكل أساسي مع «سكان» المنطقة، بحسب النص. إصابة قوات حفظ السلام الخبر الهام الآخر في الساعات الـ 24 الماضية هو استهداف موقع لليونيفيل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مما أسفر عن إصابات بين قوات حفظ السلام الغانية. وقد ردت الأمم المتحدة بقوة، محذرة من تصعيد الأوضاع في جنوب لبنان. بالإضافة إلى ذلك، تتواصل عمليات القصف الإسرائيلية المسبوقة – أو غير المسبوقة – بتحذيرات على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل شبه متواصل على الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى مناطق جنوب لبنان والبقاع. وتتواصل أوامر الإخلاء من الجانبين: آخرها الذي أصدره الإسرائيليون شمل مرة أخرى المنطقة بأكملها جنوب الليطاني، وتحديداً منطقة صور. وقد أصبحت المدينة بعد ذلك بقليل هدفاً لقصف مدمر. ورد حزب الله بدعوة سكان مستوطنات نهاريا وكريات شمونة (على بعد بضعة كيلومترات من الحدود مع لبنان) إلى إخلاء الأماكن. لم يتوقف إطلاق الصواريخ أو القذائف أو الطائرات المسيرة من جانب حزب الله، مما أدى إلى ردود فعل انتقامية عنيفة بشكل متزايد على المناطق اللبنانية. ويأتي ذلك على الرغم من قرارات الحكومة اللبنانية باعتبار هذه الأنشطة «غير قانونية»: وفي هذا الصدد، تشير مصادر وزير العدل عادل نصار إلى أنه «يدرس» إمكانية رفع دعاوى قضائية ضد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. ترقبوا المزيد. وكما يفعل شبه يومي، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس تهديدات ضد لبنان، مسمياً هذه المرة الحكومة اللبنانية مباشرة، وحاثاً إياها على نزع سلاح حزب الله لكي لا «تدفع ثمناً باهظاً للغاية». من جهتها، دعت ممثلة الأمم المتحدة في لبنان، جانين هينيس-بلاسخارت، إلى محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وقت يطغى فيه صوت السلاح على أصوات الدبلوماسية إلى حد بعيد. خطاب ونقيضه من جانب إيران، كان الحدث الأبرز في الساعات الأخيرة هو الخطاب شبه السريالي للرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، الذي «اعتذر» فيه للدول المجاورة عن الضربات ضد أراضيها. وقد أعلن في الوقت نفسه «تعليقاً» لهذه الضربات، «إلا إذا تم شن هجوم من تلك الدول». وكما لو كان لينفي تصريحاته، كانت الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج شديدة بشكل خاص في الساعات الأخيرة. ومن أبرزها الصواريخ التي استهدفت مطار دبي مباشرة، مما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية من وإلى هذا المطار. كما أُطلقت عشر طائرات مسيرة على الأقل نحو قطر في نفس الوقت تقريباً. وتقول البحرين إنها اعترضت عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة. من جانبهم، أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عن هجمات ضد كردستان العراق. ونلاحظ في هذا الصدد أن الطيران الأمريكي والإسرائيلي قصف يوم السبت مواقع تابعة لنظام الملالي على الحدود العراقية الإيرانية. ويأتي هذا القصف في ظل تزايد الحديث عن هجوم بري، نحو إيران، من قبل المعارضين الإيرانيين الأكراد المتمركزين في العراق. وعلى أي حال، فقد تم دحض «اعتذارات» الرئيس بيزشكيان لدول الخليج والتزامه بأن إطلاق الصواريخ ضد هذه الدول لن يتكرر، وذلك بإطلاق صواريخ جديدة صباح السبت باتجاه قطر والبحرين ودبي، حيث استُهدف المطار، مما أدى إلى توقف حركة الملاحة الجوية مؤقتاً. فهل التناقض الظاهر بين تصريحات بيزشكيان والممارسة على الأرض تكتيك أم مؤشر على انقسام حقيقي بدأ يظهر داخل النظام، الذي هزته بشدة بالفعل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي؟ مهما يكن الأمر، لا تزال إيران تتعرض للقصف العنيف لليوم الثامن على التوالي. وقد أعلنت إسرائيل أنها شنت هجوماً بـ 80 طائرة مقاتلة أدت إلى تعطيل المطارات المختلفة. وردًا على الرئيس الإيراني الذي أكد أن بلاده «لن تستسلم أبداً»، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بتكثيف الضربات، واعدًا بـ «ضربة قاسية جداً» يوم السبت، تستهدف «مناطق وجماعات لم يسبق استهدافها بعد». ساعات حافلة بالتوتر في الأفق.

كيف وصلنا إلى هنا؟
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

عودة أخرى إلى الحرب، حرب ليست حربنا بعد، تلك التي تهدف للانتقام لموت دكتاتور ثيوقراطي. يقال إنه في أوقات الشدائد، يجب التضامن، وألا نسوي خلافاتنا إلا بعد ذلك. وهذا ما كانت تدعو إليه الأصوات الأخلاقية في 2023-2024. كلا! اليوم أكثر من أي وقت مضى، يجب أن ندين مرة واحدة وإلى الأبد أسباب مصائبنا. مصائبنا تعود بالطبع إلى حزب الله، ولكن أيضًا إلى التراخي السياسي، وإلى الموافقة على أمر واقع، من قبل جميع الأحزاب. التراخي لتجنب «الحرب الأهلية»؛ الموافقة التي تترجم إلى تحالفات غير طبيعية، لتقاسم المناصب أو للحفاظ على الحصص الطائفية. النفاق السياسي! هذا هو المصدر الحقيقي للمشكلة. تُرجم هذا النفاق بالقرار الأخير للحكومة: «الأعمال العسكرية والأمنية لحزب الله غير شرعية». من المذهل أن نميز (مرة أخرى) بين الفرع العسكري والفرع السياسي لهذه الميليشيا، خاصة وأن الاثنين يتحدان: رئيس الكتلة البرلمانية هو نفسه الرجل الثاني في هذه المنظمة شبه العسكرية. ما قادنا إلى الكارثة هو ضعف نظام سياسي فضل التسوية على الحقيقة. في نوفمبر 2024، شُرح لنا أنه يجب الحفاظ على الاستقرار، وعدم استفزاز حساسية المعسكر الخاسر، وعدم لومه على شيء، فالخطأ يقع فقط على عاتق «العدو الظالم» الذي لا يحلم إلا بإقامة إسرائيل الكبرى... شُرح لنا أيضًا أن انتقاد حزب الله يعادل تقسيم اللبنانيين، وكأن الانقسام لم يأتِ بالتحديد من وجود منظمة مسلحة تقرر وحدها الحرب والسلام. وكأن الوحدة الوطنية يمكن أن توجد عندما يعيش بعض المواطنين تحت سلطة القانون وآخرون فوقه. في الواقع، لم يكن هذا الموقف سوى استسلام تدريجي. كل تنازل تم باسم «الحفاظ على السلم الأهلي» أدى إلى تراجع سيادة الدولة خطوة أخرى. لم يجف حبر قرار مجلس الوزراء الذي حظر أعمال حزب الله العسكرية حتى أطلقت الميليشيا صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل. الحقيقة التي لا تقبل أي تفسير: طالما استمر هذا الشذوذ، سيبقى لبنان محكومًا عليه بمعاناة حروب ليست حروبه، مع ما يتبعها من قتلى ودمار. نحن مسؤولون بقدر حزب الله عما يحدث لنا. صمتنا وتساهلنا أخطر بكثير من ترسانته. لنتعلم من أخطائنا، حتى في زمن الحرب، لكي نكون قادرين أخيرًا على الحفاظ على السلام، إذا عاد يومًا ما....

حان وقت التجرؤ على الكلام!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

هل يجب أن نبكي آية الله خامنئي؟ هل سننضم إلى موكب الثكالى أم سنطلق اسم هذا «الشهيد» على شارع في عاصمتنا؟ في تساهلهم، كانت حكوماتنا قد أطلقت اسم حافظ الأسد على شارع مزدحم للاحتفال إلى أبد الآبدين بعصره الذهبي على أرضنا*. بعد كل شيء، لقد صاغ المرشد الأعلى الإيراني لبنان وأداره بنفس طريقة المغتصبين الأسد، الأب والابن. وحتى لو كان ذلك عبر أشخاص بالواسطة، فقد ترك بصماته التي لا تمحى في تاريخنا، منتهكًا مؤسساتنا وممزقًا نسيجنا الاجتماعي الفريد. على مدى عقود، لم يكن بلدنا سوى اتحاد سوري إيراني، شريط من الأرض على طول البحر الأبيض المتوسط حيث مارست دمشق وطهران سيادتهما المشتركة في وقت واحد. رؤساء دولنا المعنيون، رؤساء وزرائنا، قادتنا العامون و«معاونوهم ومساعدوهم»، هؤلاء الأقطاب الخفية، لم يروا في ذلك أي مانع طالما كانت مصالحهم الخاصة مؤمنة وطالما ازدهرت زمرتهم، وطالما تمكنت عائلاتهم المقربة من بناء إمبراطوريات مالية وثروات عقارية! الخوف المفروض والربح الموعود لم يتخلّ محور الممانعة عن الساحة اللبنانية مع انسحاب القوات السورية عام 2005. فبعد أن استثمر في الدولة منذ ولاية إلياس الهراوي، وضع «مخلوقاته» على جميع مستويات الإدارة المدنية والعسكرية. وقد بث سمه في الجهاز الحكومي وأصابه بالفساد. والأسوأ من ذلك كله، فرض على وسائل الإعلام روايته الرسمية. شاء من شاء وأبى من أبى، كان لا بد من تبني فكره الأوحد الذي يمجد «المقاومة». وقد وصلنا إلى ترتيل أناشيده دون إرادة! كان تعاون نخبنا أمرًا طبيعيًا: فكما في كل مكان، كان مدفوعًا بالخوف الذي زرعه حزب الله وبالربح الذي كان يلوح به. ظلت الصحافة الحرة مكممة الأفواه، وبدأ المواطن العادي يتبع سلوكًا سيئًا، وهو عدم تسمية الأشياء بأسمائها. الصمت، سواء أسميناه صمتًا مطبقًا أو حذرًا، وهو تهذيب الجبناء، قد أتم المهمة. ولكن الآن، في هذه اللحظة الدقيقة من التدخل الأمريكي، عند هذه النقطة الفاصلة، ما الذي يمنع اللبناني، وهو متمرد بطبيعته إن وجد، من الصراخ: «كفى! اخرجوا أيها الإيرانيون! مرتزقتكم يتصرفون عندنا وكأنهم في بلد محتل! » تمجيد التصفية الجسدية لقد قضى القصف الأمريكي على وكيل الله في طهران. ميترا حجازيبور، بطلة الشطرنج، وهي من المعارضين للنظام، بالخبر من دون مواربة. وفي “جرأتها” لم تكبح جماح ابتهاجها، على عكس كثير من مسؤولينا السياسيين الذين يعيشون في خوف من ردّة فعل تطالهم. قالت حرفيًا، «“منذ عقود, ملايين الإيرانيين كانوا ينتظرون نهاية هذا الرجل وما يمثله. لا شيء سيعيد ضحايا هذا النظام، لا شيء سيمحو الأرواح المحطمة، التعذيب، الإعدامات، الإهانات. لكن منذ سبعة وأربعين عامًا وهذا النظام الدكتاتوري المجرم يسيطر على إيران، هذه هي المرة الأولى...». أيها اللبنانيون، الذين لا تزالون مكمّمين بفعل الخوف المسمى «اعتدال»، اقتدوا بميترا حجازيبور أو بنجمة البوب لدينا إليسا التي وصفت حزب الله بأنه منظمة إرهابية. إيرانية ولبنانية تجرأتا! ماذا تنتظرون لتنديد ما لا يطاق؟ *ثم لإعادة تسميتها وإهدائها لزياد الرحباني، إحياء لذكراه الأكثر عذوبة.