شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
طهران تماطل والتصعيد الإسرائيلي في لبنان

في مواجهة استعجالية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحريص على التقدم في ملف المفاوضات مع إيران قبل زيارته الأسبوع المقبل إلى الصين، تلعب طهران ورقة اللامبالاة المدروسة. في يوم الخميس، لم تكن الجمهورية الإسلامية قد أعطت حتى الآن ردها على الاقتراح الأمريكي الذي أعلنه الرئيس ترامب يوم الثلاثاء لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير بشكل دائم. وبحسب شبكة CNN الأمريكية، من المتوقع أن يأتي الرد في 'الساعات القادمة'. يمكن تقديم تفسيرين للامبالاة الظاهرية التي تبديها الجمهورية الإسلامية. الأول يتعلق بحقيقة أن طهران تعتقد أنها لا تزال قادرة على المناورة والمراهنة على عامل الوقت، على أمل تقليل الامتيازات التي يجب تقديمها للأمريكيين إلى الحد الأدنى، أو على الأقل دفع الأخيرين إلى إعادة النظر في شروطهم بخفض. التفسير الآخر قد يكون مرتبطاً بالانقسامات الداخلية في إيران التي تمنع وضع رد موحد، رغم الجهود التي يبذلها نظام الملالي للتركيز على ما يسميه التماسك الداخلي. في هذا السياق بالذات، يمكن وضع الإعلان الذي أدلى به الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم الخميس بشأن اجتماع 'استمر ساعتين' قال إنه عقده 'مؤخراً' مع المرشد الروحي الجديد مجتبى خامنئي، 'في مناخ من الثقة والحوار المباشر'. يُذكّر أن هذا الأخير لم يُرَ علنياً منذ تعيينه في أوائل مارس، وأُصيب خلال الحرب في الغارات التي أودت بحياة والده وسلفه علي خامنئي. بينما تعتبر إيران أن الولايات المتحدة تسعى لفرض 'استسلامها'، لم تغلق الباب، حيث أكد المتحدث باسم الدبلوماسية الإيرانية إسماعيل باقي أن بلاده 'تفحص الخطة والاقتراح الأمريكي'. في نفس السياق، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثة هاتفية مع نظيره الباكستاني إسحاق دار (الذي يضطلع بلده بدور الوسيط بين طهران وواشنطن)، وجرى التركيز فيها على 'أهمية الحفاظ على الحوار والدبلوماسية'، بحسب وكالات الأنباء الإيرانية. وأشارت الوكالات إلى أن النقاش تناول 'الأوضاع الإقليمية والجهود لتعزيز التعاون بين دول المنطقة'. على مدار اليومين الأخيرين، أظهرت طهران تضاربات بشأن الحوار مع الولايات المتحدة التي تستعد، مع دول الخليج، لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يطالب إيران بوقف هجماتها والكشف عن مواقع ألغامها والامتناع عن فرض رسوم على الملاحة. من المتوقع أن يتم التصويت في الأيام المقبلة. هذه المبادرة، يُذكّر، جاءت عقب الهجوم الإيراني على الإمارات العربية المتحدة الذي شن عندما قررت واشنطن فتح مضيق هرمز ومرافقة السفن العالقة في الخليج وبحر عمان. بالمناسبة، أعلنت الإمارات العربية المتحدة بدورها يوم الخميس عن تشكيل لجنة مسؤولة عن توثيق الهجمات التي شنتها إيران في الإمارة وآثارها، بهدف اتخاذ إجراء قانوني محتمل. العملية الأمريكية، المسماة 'مشروع الحرية'، التي انطلقت الاثنين، استغرقت أقل من 24 ساعة، حيث قررها الرئيس ترامب، في انتظار رد طهران على اقتراحاته. لكن بحسب شبكة NBC الأمريكية، جاء تراجع ترامب عن مشروع مرافقة السفن في هرمز خاصة بعد أن رفضت السعودية السماح للقوات الأمريكية باستخدام مجالها الجوي وقواعدها لهذه العملية. لكن بحسب واشنطن بوست، رفعت الرياض والكويت هذا الحظر. على أي حال، إذا ردت الجمهورية الإسلامية بشكل إيجابي على الاقتراح الأخير لترامب، فمن المفترض أن يرافق إعلان نهاية الحرب إعادة فتح مضيق هرمز. وإلا فالرئيس الأمريكي يبقى مصمماً، على الأقل في تصريحاته، على استئناف الضربات الموجهة ضد إيران، رغم معارضة محلية لهذه الحرب. وفي هذا السياق، طالب نواب ديمقراطيون بإنهاء صمت واشنطن حول الموقف النووي لإسرائيل. كمؤشر محتمل على تطور على الأرض، ستعيد بحرية الفرقاطة شارل ديغول التموضع في منطقة الخليج، بحسب السلطات الفرنسية، في الوقت الذي تبقى فيه التحالف الذي شكلته لندن وباريس مستعدة لتأمين مضيق هرمز بعد تسوية محتملة. لكن علامات حسن النوايا الأوروبية تتوقف عند هذا الحد. وزير الخارجية الفرنسي جان نويل باروت أشار يوم الخميس إلى أن رفع العقوبات عن إيران لا يُنظر فيه حالياً. وسيعتمد على ما قد يُقرر بشأن مضيق هرمز وسيبقى قائماً طالما بقي هذا الممر البحري الاستراتيجي مغلقاً، كما قال لراديو RTL الفرنسية. ذكّر الوزير الفرنسي بأن مضيقاً 'هو ملك مشترك للإنسانية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُحجب، ولا أن يكون موضوع رسوم، ولا حتى أن يكون موضوع ابتزاز'، معبراً بذلك بشكل غير مباشر عن تحفظات بشأن اتفاق إيراني أمريكي محتمل لاستغلال هذا المضيق. الحوار اللبناني الإسرائيلي الأسبوع المقبل بينما يتماطل ملف إيران أمريكا، يبدو أن ملف المحادثات اللبنانية الإسرائيلية يتقدم بسرعة. وفقاً لقناة MTV اللبنانية، من المقرر عقد لقاء ثالث في واشنطن يومي الخميس والجمعة المقبلين، لكن بحضور السفير السابق سيمون قرم، المكلف من السلطات اللبنانية بإجراء المفاوضات مع الوفد الإسرائيلي. الهدف الأساسي لهذه الجولة هو الحصول على وقف الهجمات والعمليات الإسرائيلية المدمرة في جنوب لبنان. طموح يمكن الحكم عليه بأنه صعب في ضوء تصميم إسرائيل على إضعاف التشكيل الموالي لإيران بأقصى حد والاستمرار، في هذا السياق، في تصفية قياداته. اغتيال أحمد غالب بلوط، قائد قوة الرضوان النخبوية في حزب الله، قد يعقد أكثر مهمة المفاوضين اللبنانيين. خاصة وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أوضح بشكل جلي يوم الخميس، بمطالبته بهذه العملية، أن إسرائيل تبقى مصممة على تتبع قادة حزب الله. 'أقول لأعدائنا بكل وضوح: لا إرهابي له حصانة. من يهدد دولة إسرائيل سيموت بسبب خطئه'، قال. طريقة واضحة للإشارة إلى إيران بأن ملف حزب الله يبقى منفصلاً عن المفاوضات القادمة بين طهران وواشنطن. في نفس الوقت، كانت الطيران الإسرائيلي تنهال يوم الخميس على عدة بلدات في جنوب لبنان، موجهة بشكل خاص مدينة النبطية وبلدات في قضاء النبطية. وكما في معظم الأيام، أمرت الجيش الإسرائيلي سكان ثلاث قرى في الجنوب تقع بعيداً عن الحدود بالإجلاء، بينما كان حزب الله يطالب بدوره بسلسلة من الهجمات على مواقع إسرائيلية في جنوب لبنان. بعيداً عن الحرب، يستحق عنصر رئيسي من اليوم أن يُلاحظ. وهو الزيارة الرسمية التي ينوي رئيس الوزراء نواف سلام القيام بها السبت إلى دمشق، على رأس وفد من حكومته. على جدول أعمال المناقشات سلسلة من القضايا المتعلقة بالتعاون الثنائي. كانت الأجندة محددة مسبقاً، لكن الحرب لم تعد تسمح للحكومة بمتابعتها. حقيقة أخرى يجب الإشارة إليها، محاولة اغتيال نائب من الكتلة البرلمانية للحزب السوري القومي الاجتماعي هادي أبو الحسن في قبعي في جبل لبنان. رجل تمكن من تحديده واعتقاله ألقى قنبلة يدوية على النائب، لكنها لم تنفجر. على الصعيد الدولي، تجدر الإشارة إلى زيارة وكيل الخارجية ماركو روبيو للفاتيكان، التي تهدف إلى تخفيف التوترات بين الكرسي الرسولي وواشنطن، بعد انتقادات ترامب للبابا بسبب مواقف البابا بشأن الحرب في الشرق الأوسط. وفقاً لمصدر من وزارة الخارجية، التقى ليون الرابع عشر وماركو روبيو يوم الخميس في الفاتيكان في لقاء 'ودي وبناء'.

لبنان، الدولة الأنومية
بقلم
جميل كامل مروة
نُشر

لطالما اعتمدت التحليلات التقليدية للشأن اللبناني على “النموذج الطائفي”، الذي ينظر إلى الدولة بوصفها توازناً هشاً بين الفصائل الدينية. غير أن هذه العدسة تعجز عن استيعاب التفسخ المنظومي الراهن الذي يتخطى الحدود الطائفية. ومن خلال تطبيق نموذج إميل دوركهايم في الأنومي، تذهب هذه الورقة إلى أن الأزمة اللبنانية لا تتسم بالاحتكاك الطائفي بقدر ما تتسم بحالة عميقة من “انعدام المعايير” وفوضى الحياة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، لا تمثّل الطائفية السبب الجذري للانهيار، بل هي آلية بقاء متبقية تطفو على السطح في الفراغ الذي خلّفه عقد اجتماعي محطّم. أولاً: تحديد المنظور — الأنومي الدوركهايمي في كتابي تقسيم العمل في المجتمع (1893) والانتحار (1897)، عرّف إميل دوركهايم الأنومي بوصفه حالة من تفكك التنظيم الاجتماعي، حيث يعجز الضمير الجمعي عن توفير الإطار الأخلاقي الضروري لتقييد الرغبات والتطلعات الفردية. ينشأ الأنومي في مراحل التحولات المتسارعة والكارثية — الاقتصادية منها والاجتماعية — حين تتلاشى “قواعد اللعبة”. وفي مجتمع أنومي، تفقد المؤسسات التقليدية التي كانت تقوم بدور الوسيط بين الفرد والعالم — الدولة والقانون والاقتصاد — سلطتها، تاركةً الأفراد في حالة من “الاقتلاع” والإحباط المزمن. ثانياً: الأنومي العام في لبنان — ما وراء الحجاب الطائفي إذا كان النموذج الطائفي يوحي بأن المواطنين اللبنانيين تحركهم في المقام الأول الولاء لجماعتهم الدينية، فإن المعطيات تكشف عن واقع أعمق يتجاوز الانقسامات الطائفية: الانهيار التام للسلطة الأخلاقية للدولة. ١. تفكك التنظيم الاقتصادي: إن انهيار القطاع المصرفي وتبخّر الطبقة الوسطى ليسا حدثاً طائفياً؛ بل هما حدث أنومي. حين تتلاشى مدخرات العمر ويفقد النقد 98% من قيمته، ينقضّ العقد الاجتماعي القائم على معادلة “العمل مقابل المكافأة”. سواء في الأشرفية المسيحية أم في الضاحية الشيعية، تُفضي قناعة “الجدارة كذبة” إلى حالة مشتركة من انعدام المعايير. ٢. الفراغ المؤسسي: رأى دوركهايم أن المجتمع يحتاج إلى “هيئات وسيطة” لكي يعمل. في لبنان، كل هيئة وسيطة — من السلطة القضائية إلى المنظومة التعليمية — مشلولة. وقد أفرز ذلك “أنومياً جماعياً” لا يعرف فيه المواطنون بعد الآن أي قوانين يطبقون، وأي عملة يتعاملون بها، وكيف سيبدو "الطبيعي” في المستقبل. ٣. التضخم الديموغرافي للشباب بوصفه قوة أنومية: يمثّل “التضخم الشبابي” اللبناني الوجه الديموغرافي للأنومي. بالنسبة لشريحة 15–24 سنة على اختلاف طوائفها، سُدّت المسالك التقليدية لبلوغ مرحلة الرشد — التوظيف والزواج وتملّك السكن. ينتج عن ذلك ما أسماه دوركهايم “داء اللانهائي” — رغبات لا يتيح لها البنيان القائم أي إمكانية للإشباع، مما يفضي إما إلى اللامبالاة التامة (هجرة الكفاءات) أو إلى التطرف (البحث عن نظام جديد كثيراً ما يكون عنيفاً). ثالثاً: لماذا يتفوق نموذج الأنومي على النموذج الطائفي النموذج الطائفي عدسة ساكنة؛ يفترض أن المشكلة تكمن ببساطة في تكاثر الهويات. أما نموذج الأنومي فهو عدسة متحركة؛ يُدرك أن المشكلة تتمثل في غياب واقع مشترك. العَرَض في مقابل السبب: الطائفية في لبنان عام 2026 هي «عَرَض» من أعراض الأنومي. لا يتحصّن الناس في ملاجئ طائفية لأنهم متعصبون في جوهرهم؛ بل يتحصنون لأن الطائفة هي “الهيئة الوسيطة” الوحيدة المتبقية التي تقدّم الحماية في فراغ أنومي. وبتركيز نظره على الطائفية، يعالج المحللون العَرَض متجاهلين السبب: تفكّك التنظيم الكلي للحياة اللبنانية. عالمية الأزمة: يوحي المنظور الطائفي بأن الأزمة تؤثّر في الجماعات بصورة متفاوتة. أما منظور الأنومي فيُثبت أن الأزمة ذات طابع كوني. المهندس المسيحي في جبيل والعامل السني في طرابلس يعانيان معاً من الانهيار ذاته في منظومة التنظيم الاجتماعي. وكلاهما فقد ثقته في قدرة الدولة على توفير بيئة يمكن التنبّؤ بها. القدرة التنبؤية: يُفسّر الأنومي سبب إخفاق “الإصلاحات السياسية” — كرئيس جديد أو حكومة جديدة — في تحقيق الاستقرار. إذا كان النسيج الاجتماعي أنومياً، فإن رأساً سياسياً جديداً يغدو عديم الأثر، لأن “المعايير” التي يُفترَض به أن يصونها لم تعد موجودة في وجدان المواطنين. رابعاً: خاتمة — خارطة الطريق نحو التنظيم لحل الأزمة اللبنانية، لا بد من السعي إلى إعادة تنظيم المجتمع عوضاً عن “موازنة” طوائفه. وهذا يقتضي تجاوز الهروب إلى الأمام الطائفي والتركيز على أسس عقد اجتماعي جديد. ولن يتحقق الاستقرار إلا حين يحل نظام أخلاقي واقتصادي جديد — نظام مُرتكز على حقائق عام 2026 الفعلية — محل فراغ الأنومي. وحتى ذلك الحين، يبقى لبنان مجتمعاً «منفلتاً» من حدوده ذاتها، حيث غياب الأرضية المشتركة ليس خياراً هوياتياً، بل هو نتيجة موت مؤسسي.

أخطاء لبنانية لا مفرّ من دفع ثمنها
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يربط بين الأخطاء اللبنانية التي لا مفرّ من دفع ثمنها في 2026 حبل غليظ يربط بين كلّ تلك الأخطاء التي أدت في نهاية المطاف إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي. ما نشهده حاليا نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء بدأ في مرحلة ما قبل اتفاق القاهرة في تشرين الثاني – نوفمبر 1969، وهو اتفاق مشؤوم، بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينيّة. كرس الإتّفاق سقوط الدولة اللبنانيّة في ضوء تخليها عن سيادتها على جزء من أرضها. من يتخلّى عن جزء من أرضه إنما يتخلّى، عمليا، عن السيادة على الأرض كلّها. لم يوجد سياسي لبناني يتحدّث وقتذاك عن كارثة إسمها إتفاق القاهرة غير العميد ريمون إدّه الذي أدرك خطورة الحدث وأبعاده... قبل توقيع إتفاق القاهرة، استخف لبنان بما تشهده المنطقة من أحداث، بما في ذلك نسف إسرائيل اسطول طائرات الـ"ميدل ايست" في مطار بيروت في الأيام الأخيرة من العام 1968 ردّا على استخدام مجموعات فلسطينية لمطار العاصمة اللبنانيّة. كانت هذه المجموعات تنطلق من بيروت لخطف طائرت متجهة لإسرائيل، بما في ذلك طائرة كانت في رحلة بين أثينا و تلّ أبيب! لم يستوعب لبنان ما الذي يعنيه نسف طائرات الـ"ميدل إيست". بدل فهم معنى الدرس، ذهب إلى توقيع أتفاق القاهرة مع ما يعنيه ذلك من فتح حدود لبنان أمام مجموعات فلسطينية لشن هجمات على إسرائيل. ذهب لبنان، في ارتكاب الأخطاء إلى أبعد من ذلك. انتخب مجلس النواب سليمان فرنجيّة الجد رئيسا للجمهوريّة في العام 1970. كان سليمان الجدّ شخصا وطنيا، لكنّ ثقافته السياسية كانت محدودة إلى حد كبير، خصوصا على الصعيد الإقليمي. كيف لسليمان فرنجيّة استيعاب معنى أحداث في غاية الخطورة تدور في المنطقة بدءا بوفاة جمال عبد الناصر وحلول انوار السادات مكانه وصولا إلى تولّي حافظ الأسد مقاليد السلطة في سوريا مرورا بطرد الفدائيين الفلسطينيين من الأردن وانتقال هؤلاء إلى لبنان عبرالأراضي السورية. وقعت كلّ هذه الأحداث التاريخيّة في العام 1970 في غياب سلطة لبنانيّة على تماس مع ما يدور في المنطقة. ذهب سليمان فرنجيّة من محاولة القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان في أيّار – مايو 1973 إلى التوجه إلى الأمم المتحدة في 1974 للتحدث باسم العرب عن قضيّة فلسطين. لم يكن هناك من إدراك لبناني لمغزى النتائج المترتبة على حرب تشرين الأول – أكتوبر 1973 والطلاق بين مصر وسوريا نتيجة تلك الحرب. اتجه أنور السادات إلى تسوية مع إسرائيل، فيما اتجه حافظ الأسد إلى السيطرة على لبنان وعلى القرار الفلسطيني، الذي كان في بيروت حيث مقرّ إقامة ياسر عرفات. كان الأسد الأب يعتبر القرار الفلسطيني المستقلّ "بدعة" وكان يعتبر لبنان مجرّد ساحة تعوض عن خسارة سوريا الجولان. كانت السيطرة على لبنان، بالنسبة إلى الرئيس السوري الراحل، أهمّ بكثير من استعادة الجولان. دخل لبنان الحرب الأهلية في العام 1975، من دون تنبّه مسيحي، إلى وقوعه في الفخّ الذي نصبه له حافظ الأسد. حصل حافظ الأسد في العام 1976 على ضوء أخضر أميركي وإسرائيلي من أجل وضع اليد على لبنان، خصوصا على "قواعد المسلحين الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير" على حدّ تعبير المسؤولين الأميركيين وقتذاك. كان على رأس هؤلاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الذي اعتبر الدخول العسكري إلى لبنان كفيلا بمنع مواجهة إقليمية يمكن ان يتسبب بها الوجود الفلسطيني المسلّح في منطقة يمكن أن تهدّد شمال إسرائيل. ليس أمام لبنان سوى استعادة هذه الفترة من تاريخه في حال كان يريد المحافظة على نفسه. من الضروري أكثر من أي وقت التعلّم من الفرص الضائعة وقبل ذلك من الأخطاء التي أدت إلى الإستخفاف بما تستطيع أن تفعله إسرائيل التي لا يمكن ان تنسحب من جنوب لبنان من دون ثمن. ليس مطلوبا في الوقت الحاضر من لبنان دفع ثمن الحربين الأخيرتين (حرب اسناد غزّة وحرب إسناد إيران) اللتين ذهب إليهما "حزب الله" بناء على تعليمات إيرانية فحسب، بل المطلوب أيضا دفع ثمن التراكمات. يزيد عمر الأخطاء المتراكمة على 57 عاما، هي عمر إتفاق القاهرة السيء الذكر وما سبقه ومهّد له من أحداث على أرض لبنان وفي المنطقة المحيطة به. العبارة المفتاح حاليا هي القدرة على استيعاب التطورات الإقليميّة والدوليّة، وهي قدرة اتقنها حافظ الأسد في السنوات الطويلة لحكمه. اتقنها إلى درجة جعل من دخول لبنان عسكريا خدمة يؤديها للأميركيين والإسرائيليين الذين سمحوا له مجددا بوضع اليد على البلد في 1990. وقتذاك، دخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة بفضل غباء ميشال عون، الذي يعبّر عن غباء قسم لا بأس به من المسيحيين وانتهازيتهم. اعتقد ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 أنّ صدآم حسين، الذي غرق في وحول الكويت، سيهب لنجدته وإبقائه في قصر بعبدا! لم يوجد في لبنان من يحاسب ميشال عون على جريمته. على العكس من ذلك، وجد "حزب الله" أنّه يستحق مكافأة على هذه الجريمة. كانت المكافأة إيصاله إلى موقع رئيس الجمهوريّة اللبنانية في 2016. سيتوقف الكثير لبنانيا على كيفية إدارة المفاوضات مع إسرائيل. صارت المفاوضات أمرا واقعا. إسرائيل تريد ثمنا. كيف للبنان أن يدفع هذا الثمن وكيف يحصل في المقابل على استعادة أراضيه المحتلة وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، حتّى لو كانت مدمّرة؟ لا يمكن الإكتفاء بارتكاب الأخطاء طوال كلّ هذه السنوات. للأخطاء ثمن لا مفرّ من دفعه. لكنّ الأهمّ من الثمن التعلّم من الأخطاء. هل تعلّم لبنان في 2026 من أخطاء الماضي كي يدرك أنّ بقاءه على قيد الحياة صار أقرب إلى معجزة أكثر من أيّ شيء آخر...

واشنطن وطهران: 48 ساعة حاسمة بين آفاق السلام والتصعيد الكلامي

شهدت الجبهة الإيرانية - الأميركية، في السادس من أيار، يوماً طويلاً من التصعيد الكلامي والتصريحات المتضاربة. وتأتي هذه التطورات في أعقاب الإعلان المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنهاء المرحلة الهجومية من الصراع، والمعروفة بـ «عملية مشروع الحرية» في مضيق هرمز، مع الإبقاء على الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وفي مستهل اليوم، نقل تقرير نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، وتداولته وسائل الإعلام على نطاق واسع، معلومات تشير إلى إمكان التوصل إلى اتفاق قريب بين طهران وواشنطن. وتحدث التقرير تحديداً عن مهلة 48 ساعة حاسمة للغاية لإرساء السلام. كما استعرض التقرير النقاط الرئيسية التي ستشكل جوهر المفاوضات المحتملة، وفي مقدمها تعليق تخصيب اليورانيوم لعدد غير محدد من السنوات، مقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات، على أن يتبع ذلك إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. وفي السياق نفسه، أكد مصدر باكستاني (حيث تلعب باكستان دور الوسيط في هذه الحرب) لوكالة «رويترز» وجود مؤشرات حقيقية على قرب التوصل إلى اتفاق. وفي مواقفه المتعددة على مدار اليوم، أوضح ترامب أن آفاق الاتفاق باتت وشيكة، مشيراً إلى أن اليورانيوم المخصب في إيران سيُصدَّر إلى الولايات المتحدة، وأنه سيُسمح بدخول مراقبين إلى الأراضي الإيرانية. ورغم ما يبدو عليه الرئيس الأميركي من عجلة لتحقيق إنجاز على الجبهة الإيرانية قبل زيارته المرتقبة للصين الأسبوع المقبل، فإنه استبعد إمكان إجراء مفاوضات ثنائية مباشرة في المستقبل القريب، بالنظر إلى الوضع الراهن للاتصالات. ومع ذلك، لم يتخلَّ ترامب عن لغة التهديد، مؤكداً أنه سيقصف إيران بكثافة غير مسبوقة في حال عدم التوصل إلى اتفاق. من جهة أخرى، كشف تقرير للأجهزة الأمنية الأميركية نقلته وكالة «رويترز»، أن وزارة الأمن الداخلي الأميركية ترى في الحرب على إيران «دافعاً محتملاً» وراء محاولة الاغتيال الأخيرة التي تعرض لها ترامب في 26 نيسان الماضي في واشنطن. أما على المقلب الإيراني، فلا تزال الأصوات الصادرة تتسم بالتفاوت نفسه. فقد أكد مصدر في وزارة الخارجية أن الورقة الأميركية قيد الدراسة حالياً، وفق ما نقلت وكالة أنباء إيرانية. وفي وقت لاحق، أكدت الوزارة أن تبادل المقترحات مستمر عبر الوسيط الباكستاني. ومع ذلك، كتب نائب إيراني على منصة «إكس» خلال النهار، أن تقرير «أكسيوس» «يعكس الرغبات الأميركية» أكثر مما يعبر عن الواقع. وبدورِه، رفع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف نبرته، متهماً الأميركيين بمحاولة إخضاع الإيرانيين عبر الضغوط الاقتصادية والرهان على الانقسامات الداخلية، مؤكداً فشل هذه المحاولات. فهل يسعى هذا الرجل، الذي بات يشغل موقعاً محورياً في الحياة السياسية الإيرانية، إلى التغطية على ما تسرّبه تقارير عدة من الداخل الإيراني حول خلافات عميقة تعصف بنظام أنهكته الحرب؟ ميدانياً، تعرّضت سفينة تابعة لشركة الشحن الفرنسية «CMA-CGM»، يوم الأربعاء، لنيران إيرانية، في مؤشر واضح إلى تصاعد حدة التوتر والمخاطر المستمرة في المضيق. وفي تطور آخر بارز اليوم، توجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين بعد زيارته لروسيا. وجاءت تصريحاته لتسلط الضوء عمداً على أهمية الحليف الصيني؛ إذ أعلن أنه أبلغ نظيره الصيني بأن بلاده «جادة» في المفاوضات مع واشنطن، لكنها لن تقبل بأقل من اتفاق «عادل وشامل». من جانبه، أكد الوزير الصيني أن بلاده «مستعدة للمساعدة في خفض حدة التوتر». يُذكر أن البلدين يرتبطان بعلاقات تجارية وثيقة، لا سيما في مجال تصدير النفط والغاز الإيراني بأسعار تفضيلية. وبحسب العديد من المراقبين، فإن الصين قد تكون الهدف الحقيقي الكامن وراء هذا الصراع، وهي الوجهة التي من المقرّر أن يزورها ترامب خلال أيام قليلة. لبنان - إسرائيل: المفاوضات على وقع الغارات الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، تسير عملية المفاوضات المباشرة قدماً، مع توارد معلومات عن إمكان عقد اجتماع جديد الأسبوع المقبل بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، وتحديداً في مقر وزارة الخارجية الأميركية. ويُتوقع أن يقود هذه المحادثات الجديدة السفير السابق سيمون كرم، وبحضور مرجّح لممثل عسكري، إلى جانب السفيرة ندى معوض. أما مسألة عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، وفق ما يرغب فيه الرئيس الأميركي، فلم تُحسم بعد، علماً أن الموقف اللبناني لا يزال ثابتاً في هذه المرحلة؛ إذ يرى جوزاف عون أن هذا اللقاء لا مبرر له في الوقت الراهن. ميدانياً وسياسياً، شهد يوم السادس من أيار انفراجاً نسبياً في العلاقات المتوترة بين قطبين رئيسيين في السلطة: جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري (رئيس حركة أمل وحليف «حزب الله»). وتمثلت أولى مؤشرات هذا الانفراج في اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بالرئيس نبيه بري في مقر رئاسة الثانية في عين التينة ببيروت، وهو ما يُعتبر خطوة أولى تمهد لعقد الاجتماع المؤجل بين الأقطاب الثلاثة في قصر بعبدا الرئاسي. وجاء المؤشر الثاني عبر تصريح لبري لقناة «الجزيرة»، أكد فيه أن «العلاقة مع رئاسة الجمهورية متينة ومهمة للاستقرار»، معتبراً في الوقت عينه أن «أي اتفاق مع إسرائيل يجب أن يتضمن ضمانات، لأن تل أبيب لا تحترم التزاماتها». وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد تطرق بدوره إلى هذا الملف يوم الثلاثاء في مؤتمر صحافي، معتبراً أن المفاوضات لا تهدف إلى «التطبيع» بل إلى «السلام». وشدد سلام على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني محدد. أما بشأن اللقاء المحتمل بين عون ونتنياهو في واشنطن، فقد اعتبره خطوة سابقة لأوانها، مركزاً على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار الذي يشهد خروقات يومية من كلا الطرفين، «حزب الله» والجيش الإسرائيلي، في جنوب البلاد. أما الشق الآخر والبالغ الأهمية في تصريح رئيس الحكومة، فيتعلق بإعادة النظر في الخطة اللبنانية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يعني نزع سلاح الميليشيات وفي مقدمها «حزب الله» (وهو القرار الذي اتُّخذ أساساً في آب 2025 وباشر الجيش اللبناني بتطبيقه، قبل أن تتعثر الجهود بفعل تجدد الحرب). وفي هذا السياق، طرح نواف سلام خياراً يتردد بشكل متزايد في الخطاب السياسي الحالي، وهو نشر «قوة دولية» في جنوب لبنان، وذلك بالتزامن مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان («اليونيفيل»). إنذارات إخلاء في البقاع الغربي وغارة على الضاحية الجنوبية ميدانياً، تتجسّد حالة التوتر في جنوب البلاد من خلال الخروقات الإسرائيلية اليومية لوقف إطلاق النار وهجمات «حزب الله»، في دينامية تصادمية مستمرة منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في 16 نيسان الماضي. وقد شهد يوم السادس من أيار تطورين بالغي الخطورة: تمثل الأول في غارة مسائية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (في منطقة الغبيري، وهي الأولى منذ 16 نيسان)، في حين تمثل الثاني في إدراج بلدة زلايا في البقاع الغربي ضمن إنذارات الإخلاء الإسرائيلية، لتكون بذلك أول بلدة خارج نطاق الجنوب يشملها التهجير القسري. وبالفعل، تعرضت البلدة لغارات أسفرت عن سقوط شهيد واحد على الأقل، تبين أنه رئيس بلديتها الذي استُهدِف منزله بشكل مباشر. وفي ما يتعلق بالغارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، سارع الجيش الإسرائيلي إلى إصدار بيان أكد فيه أن «الغارة نُفذت بموافقة نتنياهو»، وأنها استهدفت قائد «قوة الرضوان» التابعة لـ «حزب الله»، مالك بلوط. وبعد وقت قصير، أعلن نتنياهو بنفسه عن هدف الغارة، مؤكداً أنها رمت إلى «إحباط مخططات» هذه القوة النخبوية في «حزب الله». ولاحقاً، أكدت القناة 14 الإسرائيلية اغتيال هذا المسؤول إلى جانب مسؤولين آخرين في الحزب، كانوا متواجدين جميعاً في المجمّع المستهدف. أما في ما يخص الوضع في جنوب لبنان، فلا يزال على حاله مع استمرار المعارك، وتواصل إنذارات الإخلاء التي شملت اثنتي عشرة بلدة على الأقل. وفي هذا السياق، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جولة أجراها في المنطقة الحدودية، أن الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد لتوسيع عملياته ضد «حزب الله»، بهدف المساهمة في تفكيك بنى الحزب وإضعافه. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من... الفاتيكان؛ إذ حرص البابا لاون الرابع عشر شخصياً على الاتصال بكهنة البلدات المسيحية الصامدة على الحدود، وتحديداً في المنطقة التي تحتلها إسرائيل. وتأتي هذه المبادرة بالتنسيق مع السفير البابوي باولو بورجيا، الذي برزت تحركاته من خلال زياراته المتكررة لهذه البلدات رغماً عن المخاطر المحيطة بها. وخلال هذا الاتصال الذي وصفه الكهنة بـ «المؤثر»، وفق ما نقلت وكالة «المركزية»، طمأن البابا رجال الدين وحثّهم على الصبر والرجاء.

ماتيس، عالمٌ تخترقه الألوان
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر

في قصر غران باليه، يستضيف معرضٌ نادر الاتساع، جامعاً أكثر من ثلاثمائة عمل من مجموعات دولية، يستكشف حتى السادس والعشرين من يوليو المقبل السنوات الثلاث عشرة الأخيرة من مسيرة هنري ماتيس. والمعرض، إذ يكشف لحظةً من الكثافة اخترقتها المرضُ فأعاد فيها الفنان ابتكار لغته من الأساس، ليس خاتمةً بل فتحاً جديداً. لوحاتٌ ورسوماتٌ وكتبٌ ومنسوجاتٌ ونوافذ زجاجية ملونة وغواش مقصوصة تتألف منها رحلةٌ تصوّرت على غرار ورشة حيّة: ورشة رجلٍ اختار، وهو على أعتاب النهاية، أن يظلّ منفتحاً. إشراقٌ وضياء. ثمة معارض تنفتح كالأبواب، وثمة أخرى تفرض نفسها ببطء، في هدوء شبه تام، حتى تزيح شيئاً أقدم من النظرة ذاتها: طريقةً في استيعاب الزمن، وأسلوباً عميقاً كثيفاً في الوقوف أمامه، في بطئه كما في ضوئه. في قصر غران باليه، يقف هذا المسار المكرّس لماتيس في ذلك الفاصل الهشّ بالذات، حيث تضيق الحياة وتتسع الأعمال في الآن نفسه. ففي عام ١٩٤١، إثر عملية جراحية أضعفته طويلاً، كاد الفنان أن يلقى حتفه. وقد تحدّث لاحقاً عن «حياة ثانية»، كفضاء مسروق يعيد فيه كل شيء بدءاً مختلفاً؛ لا بالقطيعة، بل بتكثيف صامت للنظرة. احتضان العالم تحمل القاعات الأولى في خفوتٍ ثقلَ العالم. الحرب تجتاح الحقبة دون أن تتمركز فيها مواجهةً مكشوفة، غير أنها تسري في الغيابات والتحفّظات، وفي حركات ماتيس نفسه إذ بقي في فرنسا ورفض أي تصوير مباشر للعنف. في رسوم «مواضيع وتنويعات» (١٩٤١-١٩٤٢)، يتقدّم الخطّ كنفسٍ محبوس. تبرز الأشكال ثم تتلاشى ثم تعود في مكان آخر، كأن الهيئة لا تسعى إلى الثبات بقدر ما تسعى إلى البقاء حيّة. لا شيء يستقر حقاً، ولا شيء يضيع. ليس هذا انسحاباً من العالم، بل طريقةٌ أخرى في سكنه، أبطأ وأكثر هشاشةً ربما، لكنها من مطالبة نادرة. وفي اقتصاد الكاد ولا شيء ذاك، يستقر شيءٌ ما بالفعل: سلامٌ لا يرتكز على مكتسب، بل على انتباه متواصل. الضوء لا يُعزّي ثم يتفتّح اللون ببطء، دون إيماءة مسرحية. في «البلوزة الرومانية» (١٩٤٠)، تتنفس الخلفية الفاتحة كنسيج كتّاني مكشوف في الهواء، فيما تؤكّد نفسها الأحمرُ والأزرق والأصفر بكثافة كادت تكون جسدية. الضوء لا يليّن شيئاً؛ بل يخترق ويُلحّ ويصمد. عند ماتيس، الضوء ليس ديكوراً. الضوء قرارٌ، موقفٌ داخلي تقريباً: طريقةٌ في البقاء إلى جانب ما يستمر. فانس، الزمن المتمهّل في فانس، يتغيّر للزمن وزنه. في «داخليات فانس» (١٩٤٧-١٩٤٨)، ومنها «الداخلية الحمراء الكبيرة» (١٩٤٨)، لا يغطّي اللون الفضاء بعد الآن: بل يتشرّب فيه. يصير الأحمر مادةً ودفئاً وحضوراً متواصلاً. والأشياء — الطاولة والنبتة والنافذة — ليست سوى نقاط توازن في اهتزاز أوسع. لا يُنظر إلى هذه الأعمال بعد الآن؛ بل يُدخل إليها. وشيئاً فشيئاً، ينفكّ شيءٌ ما في الإدراك ذاته، كأن العالم قَبِلَ ألّا يثقل على النحو ذاته تماماً. القصّ في الضوء مع «جاز» (١٩٤٣-١٩٤٧) ثم الغواش المقصوصة، يجري انزياحٌ أكثر جذريةً مما يبدو للوهلة الأولى. في «إيكار» (١٩٤٧)، يبدو الجسد الأسود طافياً وسط وميض ملوّن يخفق حوله، بين السقوط والتعليق. في «العرايا الزرق» (١٩٥٢)، يصبح الأزرق كثافةً، صمتاً شبه صلب، غير أنه مخترَقٌ بحضور جسدي لافت. في «حزن الملك» (١٩٥٢)، تتجاوب الأشكال كموسيقى بطيئة، تبدو فيها كلُّ لون حاملةً عاطفةً محتبسة، لا تنهمر. مع «الحزمة» (١٩٥٣)، ترتفع الأشكال النباتية في حركة شبه عضوية، كأن اللوحة تسترجع نسغاً قديماً، اندفاعاً من الحياة بلا رواية. ثمة في هذا كله ما يبدو وكأنه أُعيد تقطيره إلى جوهره؛ لا بالاختزال، بل بالتكثيف. فضاءٌ قابل للسكن تمثّل كنيسيّة الوردية في فانس (١٩٤٧-١٩٥١) إزاحةً تامة. لم يعد ماتيس يؤلّف أعمالاً، بل يبني مكاناً. فضاءً تشارك فيه كل عناصره: الجدران والزجاج الملون والخزفيات والأثواب الكهنوتية. تنكمش الخطوط إلى بضعة علامات واضحة، شبه منفوثة، وتُصوَّر الألوان — الأزرق والأخضر والأصفر — لكي يخترقها ضوء النهار. في الصباح، تبدو طازجةً شفيفة. في منتصف النهار، تكتنز وتهتز بقوة أكبر. في المساء، تتراسب، كأن الضوء ذاته يهدأ. كل شيء هنا يرتكز على انتباه لمرور الزمن وأرقّ تدرّجاته. الإيماءة الأخيرة في ختام مسار المعرض، تكاد اللوحة أن تتلاشى كلياً. يمضي ماتيس، المنهَك، يقصّ أوراقاً ملوّنة يُزحزحها حوله كحديقة معلّقة. الأشكال لا تُرسم بعد الآن، بل تُضبَط وتُزاح وتُعاد إلى إيقاعها، كأن الصورة تولد مباشرةً من الحركة والنفَس. لا شيء يبدو اكتمالاً. كل شيء يبدو، على العكس، يتخفّف أكثر، حتى يلمس ضرباً من الضرورة العارية. في مذكرة من عام ١٩٥٠، تعبر هذه الحقبةَ جملةٌ كهمس هادئ، كأنها بوحٌ موجَّه إلى الزمن: «أتمنى أن نموت شباباً مهما طال بنا العمر.» ليس بمعنى الجسد، بل بتلك القدرة على البقاء منفذاً، ما زلنا، لما يأتي. ما يتركه الضوء ما يمنحنا هذا المعرض رؤيته يتجاوز بكثير تسلسل أعمال متأخرة. يكشف عن طريقة في اجتياز الزمن والمرض والقيود دون الانغلاق أبداً. أمام ما يضيق، لا يستجيب ماتيس لا بالمأساة ولا بالقطيعة، بل بحركة معاكسة: انفتاح متواصل، شبه غريزي، تصبح فيه البساطة كثافة. لا تفرض الصور نفسها بصفة دائمة. بل تمضي بطريقة أخرى، كإحساس بطيء منتشر يواصل اشتغاله في النظرة بعد الخروج بوقت طويل. ويبقى ذلك الانطباع، خافتاً لكن راسخاً: أن الفن، حين يبلغ هذا الصواب، لا يمسك بالعالم. بل يدعه يتلوّن حتى يصبح ضوءاً.

نبيل نحاس في بينالي البندقية الحادي والستين، عملٌ ضخم

يتصدّر نبيل نحاس، أحد أبرز وجوه الفن المعاصر اللبناني-الأميركي، الأحداث الفنية الدولية حالياً؛ إذ تم اختياره رسمياً لتمثيل لبنان في بينالي البندقية للفنون المقبل، الذي سيقام من 9 أيار إلى 22 تشرين الثاني 2026. ويحتل نبيل نحاس مكانة فريدة تماماً في المشهد الفني المعاصر، حيث يعتبر من الفنانين القلائل الذين نجحوا في تحقيق توليفة مثالية بين التجريد الأميركي الراديكالي والحس الشرقي المتجذر عميقاً في الطبيعة والروحانية. يقام المعرض الذي يحمل عنوان «Don’t Get Me Wrong» تحتإشراف القيّمة الفنية والمفوضة ندى غندور بالتعاون مع الجمعية اللبنانية للفنون البصرية (Lebanese Visual Art Association - LVAA)، وذلك في «الأرسنال» (قاعة الأسلحة - Sala d’Armi)، الذي يُعدّ أحد أعرق مواقع بينالي البندقية. ويقدم نبيل نحاس من خلال هذا المعرض تجربة ضخمة تعيد صياغة العلاقة بين المشاهد واللوحة. مسيرة الفنان ولد نبيل نحاس في بيروت عام 1949. وقد أمضى سنواته العشر الأولى في القاهرة، حيث تأثر بعظمة المناظر الطبيعية المصرية ودقة الفن الإسلامي. وفي عام 1973، حصل على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة(MFA) من جامعة ييل (Yale) في الولايات المتحدة، حيث عاصر كبار أسماء الفن وتأثر بالحركة التعبيرية التجريدية. استقر بعد ذلك في نيويورك وسرعان ما عُرف بـ«سيدٍ للألوان والملامح». وبعد الحرب الأهلية، شكلت عودته إلى لبنان نقطة تحول في مسيرته الفنية؛ إذ بدأ في رسم أشجار الأرز والزيتون والصنوبر، لا كمجرد مناظر طبيعية، بل كرموز للصمود. أسلوب نبيل نحاس يتميز أسلوبه بتأثير مزدوج: التعبيرية التجريدية الأميركية والارث المتوسطي. وما يميز نحاس عن معاصريه هو الماديّة المفرطة في اعماله الفنية. يستوحي نبيل نحاس أعماله من الأشكال الهندسية المعقدة في العالم الطبيعي (نجوم البحر، الأرز، الأنماط البحرية) ومن الفن الإسلامي. وغالباً ما يستخدم مسحوق حجر الخفاف أو الصخور البركانية الممزوجة بالطلاء لابتكار ملامح خشنة، تكاد تكون عضوية، تحول اللوحة إلى مجسم نحتي يشبه سطحاً قمرياً أو الشِعاب المرجانية. بلا عنوان، أكريليك وحجر خفاف على قماش. (مؤسسة دلول للفن) نجوم البحر: يكمن أحد أشهر ابتكاراته في تثبيت نجوم بحر حقيقية (أو قوالب لها) على القماش، ثم تغطيتها بطبقات متتالية من الطلاء، مما يخلق سطحًا بارزًا عضويًا يتحدى مفهوم اللوحة المسطّحة التقليدية. مفهوم الهندسة الكسرية «الفركتال»: استوحى نحاس من عالم الرياضيات بينوا ماندلبروت (Benoît Mandelbrot)، مفهوم «الهندسة الكسرية»، بحيث تخضع الطبيعة لنظام هندسي خاص بها. وعلى غرار الطبيعة نفسها، تبدو لوحاته وكأنها قابلة للتمدد والتضاعف إلى ما لا نهاية، بلا حدود او نقطة انطلاق معينة. الاعتراف الدولي لا يُعدّ نبيل نحاس مجرد «رسام لبناني»، بل هو قامة مؤسسية في المشهد الفني العالمي؛ إذ تُعرض أعماله وتُقتنى في كبرى متاحف العالم، ولا سيما متحف المتروبوليتان للفنون (MetropolitanMuseum of Art) في نيويورك، ومتحف «تيت مودرن» (Tate Modern) في لندن، والمتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم أبوظبي (Guggenheim Abu Dhabi). وفي عام 2013، نال وسام الأرز الوطني، وهو تكريم نادراً ما يُمنح للفنانين التشكيليين في لبنان، مما يبرز دوره كسفير للثقافة والفن اللبناني. وتحظى أعماله بإقبال كبير في سوق المزادات العالمية (مثل سوتبيز وكريستيز)، محققةً أرقاماً قياسية تجاوزت 240,000 دولار لقطعه الفنية الأكثر ضخامة. معرض «Don’t Get Me Wrong» صُمّم المعرض ليكون تجربة بصرية غامرة وشاملة؛ إذ جرى تصوره خصيصاً ليتناغم مع فضاء «الأرسنال» في إطار البينالي. يتسم حجم المعرض بالضخامة؛ إذ يتألف من 26 لوحة من الأكريليك على القماش، تمتد على طول مذهل يبلغ 45 متراً وارتفاع 3 أمتار. وقد رُفعت اللوحات بمقدار مترين عن الأرض، مما يجبر الزائر على رفع نظره إلى الأعلى، في مشهد يحاكي طريقة تأمل الجداريات في كنائس عصر النهضة الأوروبية. وفي هذا المعرض، يتبنى نحاس مفهوم الهندسة الكسرية، داعياً الزائر إلى تجوال تأملي تبدو فيه الأشكال وكأنها تتضاعف إلى ما لا نهاية. تقدم ندى غندور، في ثالث إدارة لها للجناح اللبناني، أعمال نحاس بوصفها انعكاساً للهوية اللبنانية، التي تصفها بأنها «جوقة متعددة الأصوات»، وتشبهها بنسيج من خيوط متعددة (التاريخ، الروحانية، الطبيعة)، تسعى من خلالها إلى تفسير لبنان عبر تعقيده الثقافي. وترى غندور أن أعمال نبيل نحاس تمثل مزيجاً من الفن والثقافة والروحانية، إذ تحمل في آنٍ واحد أبعاداً رمزية وفلسفية. وفي عالم ينقسم فيه الفن غالباً بين مفهومين (ذهني) وزخرفي، يطرح نحاس مساراً ثالثاً، يتمثل في تجريدٍ ذي روح. وهو يثبت بذلك أنه من الممكن الانتماء إلى «مدرسة نيويورك» مع البقاء مرتبطاً بعمق بالجذور المتوسطية المشرقية. وفي بينالي البندقية 2026، يرمز حضوره إلى قوة وإبداع لبنان الذي، على الرغم من الأزمات، يستمر في مخاطبة العالم بلغة الجمال وفكر شعري عالمي.