شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
جبران خليل جبران: جسر من نور بين الشرق والغرب (1/3)

«ما أنا سوى غيمة صغيرة تسافر عبر السماء، لا تعرف إلى أين تذهب ولا من أين أتت ». ثمة أرواح لا تحدّها حدود، وتعجز التصنيفات عن تعريفها. وجبران خليل جبران واحد من هؤلاء. فهو، علىشهرته الواسعة يبقى شخصية غير معروفة بما يكفي في آن، وأحد أكثر الوجوه إثارة للدهشة في القرن العشرين. ولد في لبنان، ونشأ في صخب بوسطن ونيويورك. عبر نتاجه الأدبي والفني، دحض جبران نظرية كبلينغ القائلة بأن «الشرق والغرب لا يلتقيان»، إذ نجح في أن يجسّد، في آن معاً، أسمى ما في الشرق الصوفي وأفضل ما في الغرب الحديث والعقلاني. وإذ يُختصر جبران غالباً بالنجاح العالمي الهائل لروائع مؤلفاته، ولا سيما كتاب «النبي» (الكتاب الأكثر قراءة في الولايات المتحدة بعد الكتاب المقدس)، إلا أنه فنان شامل، و«باحث عن المطلق» طوّع الريشة بالشغف عينه الذي طوّع به القلم. ولا يزال عمله يتردد صداه اليوم بحداثة مذهلة. فهل كان رساماً، أم مفكراً، أم شاعراً، أم كاتباً، أم كل هؤلاء معاً؟ ويُنقل عن أوغست رودان، الذي التقاه في باريس، قوله عنه: «إن العالم ينتظر ويليام بليك جديداً، وقد وُلد في الشرق». وبالفعل، وعلى غرار ويليام بليك، لم يكن جبران يعتبر نفسه كاتباً يمارس الرسم، بل فناناً يعبّر عن فكره بالقلم أو بالريشة على حد سواء. وفي محاولة للإحاطة بهذه الشخصية، سنتطرق إلى المؤثرات التي صقلت المفكر والكاتب (الذي يُقال إنه الأكثر قراءة في العالم بعد شكسبير ولاو تسي) والرسام الذي تسعى لوحاته الأثيرية إلى تجسيد الروح البشرية، مجردةً من أقنعتها الاجتماعية. 1883-1931: حياة بين عالمين ولد جبران عام 1883 في بشرّي، وهي قرية مسيحية في شمال لبنان كانت آنذاك تحت الحكم العثماني، لنشأة في عائلة مارونية، وكان جده كاهناً. لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره حين هاجرت والدته إلى بوسطن في الولايات المتحدة، مصطحبة إياه مع شقيقتيه، هرباً من البؤس ومن زوج مدمن على الكحول. كانت البدايات في الولايات المتحدة قاسية، إذ طبعها رحيل أخيه غير الشقيق وشقيقته ووالدته، الذين خطفهم مرض السل. وبين عامي 1908 و1910، عاد إلى بيروت للدراسة في مدرسة الحكمة، قبل أن ينتقل إلى باريس حيث التحق بأكاديمية جوليان لعامين، صقل خلالهما تقنياته في الرسم، وهناك التقى، من بين آخرين، بالنحات أوغست رودان. المرأة في حياة جبران «المرأة هي هيكل الحياة». «في عيني المرأة، يمكن قراءة تاريخ الإنسانية، فهي تحمل في ذاتها سرّ الخلق وقوة الحب غير المشروط». لعبت المرأة دوراً جوهرياً في حياة جبران، إذ كان يكنّ لها تقديراً واحتراماً مطلقين، ولم ينظر إليها يوماً كأداة للمتعة. وكما كان يُردد دائماً، فقد حظي طوال حياته بدعم نساء استثنائيات. ورغم أنه لم يتزوج أبداً، إلا أنه أحبّ عدة نساء، ولم يتوقف طوال مسيرته عن الدعوة إلى تحرر المرأة العربية، مشجعاً إياها على كسر قيود التقاليد وهيمنة المجتمع الذكوري. بين النساء اللواتي طبعن حياته، تبرز أولاً والدته التي خصّها بتعلق شديد، معجباً بالشجاعة التي أبدتها حين تركت كل شيء لتهاجر إلى الولايات المتحدة تأميناً لمستقبل أفضل لأولادها. وثمة حادثة تلخّص بوضوح طبيعة علاقة جبران بالمرأة: فخلال إقامته في باريس، تأثرت عارضة كانت تقف عارية أمام الفنانين باحترام جبران الشديد لها، لدرجة أنها تعلّقت به. وتعبيراً عن امتنانها، كانت تغسل له ملابسه يومياً من دون مقابل. ماري هاسكل كانت مرشدته وراعيته، ولعبت دوراً كبيراً في حياته. هي من أدخلته إلى أوساط الفن والنشر في نيويورك، وساهمت في إطلاق مسيرته المهنية. ورغم أنها كانت تكبره بعشر سنوات، إلا أنها المرأة الوحيدة التي طلب جبران يدها للزواج. وقد فُصّلت طبيعة علاقتهما في مذكرات ماري هاسكل الخاصة التي نُشرت بعد وفاتها. مي زيادة هي واحدة من أجمل وأغرب قصص الحب في الأدب العالمي. كان جبران يعيش في نيويورك، بينما كانت مي زيادة، الكاتبة النسوية، تقيم في القاهرة. استمرت مراسلاتهما على مدى عشرين عاماً من دون أن يلتقيا قط، فكانت تبادلاتهما مزيجاً من السجالات الفكرية، والدعم المعنوي، والشغف الروحي. تجسّد هذه العلاقة بوضوح مفهوم جبران للحب: اتحاد الأرواح الذي يتسامى فوق العلاقة الجسدية والحدود الجغرافية، إذ كان يعتبرها «أناه الأخرى» (alter eg o ). ويمكن الإشارة أيضاً إلى علاقة الصداقة التي جمعته بسكرتيرته باربارا يونغ، التي ساعدته في كتاباته باللغة الإنكليزية في أواخر حياته.

ريمون إدّه، في مديح "الهزيمة"
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

في العاشر من أيار 2000، رحل ريمون إدّه، بعد منفًى تجاوز عقدين في باريس. كان إدّه، في المشهد السياسي اللبناني، شخصيةً فريدة من نوعها. تحتفظ ذاكرة سياسية بعينها من صورته اليوم بملامح المثالي المتعنّت، المنفصل عن الواقع، إذ رفض كلّ التسويات السياسية التي سعت إلى رتق الثغرات ترقيعاً موقتاً، انطلاقاً من غريزة البقاء الآني على حساب القيم الجوهرية للجمهورية والأسس الأولية للدولة، من اتفاقية القاهرة إلى اتفاق الطائف. أمتعند، العميد؟ غير أنّ المفارقة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً، إذ كان ما نُقم عليه داخل طائفته هو بالذات امتناعُه عن الانجراف مع تيّارات التعصّب الهوياتي، ورفضُه الإصغاء إلى نشيد العفاريت والرصاص، خلافاً لأحزاب الشارع والتنظيمات المسلحة في تلك الحقبة. على غرار ميشال الخوري، زعيم الكتلة الدستورية، واصل العميد قائد الكتلة الوطنية صدّ موجات التطرف، رافضاً الاستسلام لإغواء السلاح الذي كان يحصد في الشارع اللبناني والمسيحي، بما في ذلك بين أنصاره أنفسهم. غير أنّ العنف أجهز في نهاية المطاف على عزيمته. وبعد أن وقع ضحيةً لسلسلة من محاولات الاغتيال من أطراف متعددة، آثر الرحيل. دون أن يعلم، على الأرجح، أنّ هذا الرحيل سيكون إلى غير رجعة. الرجل الذي كان على حقّ تروي الرواية الصغيرة أنّ ريمون إدّه طلب أن يُنقش على قبره شاهدٌ قبري يقول: “هنا يرقد ريمون، الذي كان على حقّ”. كان العميد عنيداً، بالمعنى الحرفي للكلمة، كلّما تعلّق الأمر بالتمسّك بفقرات عموده الفقري الأخلاقي. بيد أنّ هذه الصياغة لم تخلُ، مع الوقت، من مزيج معقّد بين الإعجاب والسخرية وشيء من المرارة. كأنّها صارت شاهداً قبرياً لنمط بعينه من السلوك السياسي، مثاليّ إلى حدّ البراءة، يأبى الانحناء والتكيّف مع معطيات السياسة اللبنانية. وتكاد هذه الصورة تُعرِّف فئةً أنثروبولوجية قائمة بذاتها: السياسي اللبناني النزيه العاجز، القليل الموهبة في فنون الـ«virtù» الميكيافيلية. “خاسر”، بمعنى ما. هكذا، أبقى الزمن السياسي اللبناني من ريمون إدّه صورةَ رجل استشعر الكوارث مقبلةً، لكنّه، برفضه التنازلات حفاظاً على نقاء يديه، انتهى معزولاً في المنفى، وكاد يتحوّل إلى كاساندرا مارونية، في حين آثر الشارع أن يتبع الزعماء البراغماتيين والشعبويين أو رجال الميليشيا. ومن المرجّح أنّ إدّه وقع بالفعل ضحيةً لصلابته السياسية، حين رفض عرض ميشال الخوري بتوحيد الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية في قطب وطني واحد في مواجهة “الحربجيون”، مطلع السبعينيات. “لن يضع ابنُ إميل إدّه يدَه في يد ابن بشارة الخوري أبداً!” كان ردّه على الشيخ ميشال. وكان ذلك على الأرجح أحد أخطاء العميد السياسية، إذ إنّ غياب القطب المركزي الذي كان يمكن أن يمثّله هذا المحور الوطني فتح الطريق أمام صعود التطرف، وفي مقدّمته سيّد الخيوط حافظ الأسد، الذي أتقن توظيف النزاعات الداخلية ليتربّع ثلاثة عقود على كرسيّ الهيمنة على بلد الأرز. ` الوظيفة والقامة بيد أنّه ربّما حان الوقت، في ظلّ المعطيات الراهنة، للنسف النهائي لأسطورة «المثالية» و«الطوباوية» التي ما فتئت تُحيط بريمون إدّه، ذلك الغريب عن إطار الطائفية اللبنانية بمختلف تمظهراتها: الطائفية والهوياتية والشعبوية والعسكرانية. ريمون إدّه — وكاتب هذه السطور لم يعرفه شخصياً، غير أنّه يستخلص قراءته من مواقف الرجل ومساره — هو بلا شكّ الأكثر إثارةً للجدل بين الزعماء السياسيين المسيحيين (إن لم يكن بشارة الخوري، يا للمفارقة). لماذا؟ لأنّ السلطة التي كانت تستهويه لم تكن السلطة السياسية التي يتنافس عليها الساسة التقليديون. كان إدّه يبحث عن صلاحية حقيقية، قادرة على تجسيد شيء يتخطّاها: معرفةٍ وكيانٍ داخلي وانسجامٍ وتجربةٍ وقدرةٍ على الإرث، بل شكلٍ من أشكال النبل الروحي أو الفكري. كان يميّز بغريزة بين الوظيفة والقامة. في هذا، كان يحمل تصوّراً بالغ القِدَم للشرعية، يكاد يكون يونانياً أو وسيطياً. فالسلطة الحقيقية، إذ لا تنبثق من المنصب وحده، لا بدّ أن تنبع من تناغم حقيقي بين الكينونة والكلمة والفعل. كانت السلطة لديه تستلزم، في آنٍ واحد، شرطين نادراً ما يلتقيان: علوّاً حقيقياً في المعرفة أو التجربة أو الفكر، واعترافاً عضوياً صاعداً من القاعدة، من ثقل الواقع البشري ومن نبض الجماعة الحيّة. إن أخطأ في اختبار الواقع، فلم يكن ذلك لإحجامه عن شدّ سواعده. بل لرفضه الانخراط في لعبة الأبطال المزيّفين والميليشياويين. وثمّة فارق جوهري هنا. لم يشأ أن يرضخ لوهم الحلّ بالقوة والعنف. وفي ذلك، وبالفعل، كان على حقّ. وللأسف، والحال أنّ لبنان على ما هو عليه، فهو على حقّ في كلّ يوم دون انقطاع. جمع إدّه الثقافةَ والعمقَ وشيئاً من الاعتراف الشعبي المبني على مواقف المبدأ لا على البطولات الحربية. شعبيٌّ لا بالمعنى الانتخابي الخام، بل بالمعنى الذي يجعل الكلمةَ تلتقي فعلاً بالناس، فتتداولها الأرواح وتُحوِّل، وتُولِّد انتماءً حرّاً لا طاعةً مفروضة. لقد صنع إدّه السياسة حيث لم يتوقّف الآخرون طوال نصف قرن عن هدمها. في ذلك، نجد شيئاً بالغ التوسّطية، بالغ القِدَم مرّةً أخرى: الفكرة القائلة بأنّ السلطة ليست آليةً مؤسّسية فحسب، بل علاقةٌ حيّة بين إنسان ومدينة. شرعيةٌ ممتحَنة في الزمن الطويل. في هذا، كما في كثير ممّا سواه، كان متسقاً تماماً. ربّما كان متسقاً أكثر ممّا ينبغي لرجل السياسة؟ الخاسرون المجيدون فهل كان ريمون إدّه “خاسراً”، كما تُلمح إلى ذلك “مدرسة” سياسية بأسرها، تقيس النجاح بعدد الجماهير المحتشدة في التجمّعات وصناديق الاقتراع؟ كما شخصيات من بعده، كنسيب لحود وسمير فرنجية، لنذكر بعضهم فحسب؟ لقد آن الأوان لتحطيم أسطورة أنّ الشخصية التي لا تجعل عبادة الذات أساساً لشرعيتها السياسية محكومٌ عليها بأن تُطرح خارج الملعب السياسي أو تُهمَّش، بحجّة الواقعية. أن تكون مخطئاً مع سارتر بدلاً من أن تكون على حقّ مع آرون؟ لا. ثمّة شخصيات باتت مرجعيات بالتحديد لأنّ معرفتها اختُبرت وأُقرّت وتجسّدت. لقد عبرت تناقضات العالم الحقيقي دون أن تفقد عمودها الفقري كلّياً. جسّدت شكلاً من أشكال الحقيقة لم تُكافئها عليه لحظة التاريخ الآنية. وهذا يُضيف ثقلاً إلى كلامها لا يُنقص منه. درجت هذه الشخصيات على استشعار الكوارث مقبلةً، وإدراك المآزق، ورفض بعض التنازلات... ثمّ الخسارة على الرغم من ذلك. أو أحياناً بسببه. وفيها شيء من المأسوية بمعناها النبيل. ليس بالضرورة وضعيةُ الملعون الرومانسية، بل مواجهةُ الوضوح الراسخ لموازين القوى. وهي تكشف شيئاً عسيراً على القبول: أنّ الوقوف على أرض الحقّ لا يحمي من الفشل ولا من العزلة ولا من الدمار... لكنّه ربّما يقي من الشنار. أعطى ليونارد كوهين روايتَه الثانية هذا العنوان البديع: “Beautiful Losers”، أو “الخاسرون المجيدون” في الترجمة الفرنسية “Les Perdants magnifiques”. والترجمة تُفقد الصورة شيئاً من حدّتها. فهؤلاء «الخاسرون» ليسوا “رائعين”. هم ببساطة في سجلّ مغاير تماماً لسجلّ الآخرين. أجنحتهم الضخمة لا تتيح لهم السير في مدارج العامة. لبنان مليء بالمنتصرين التكتيكيين والخاسرين التاريخيين. كثيرٌ ممّن انتصروا في الحروب الرمزية أو العسكرية خلّفوا وراءهم فراغاً أو ركاماً أو خوفاً. في حين حافظت بعض الشخصيات «المهزومة» على شكل من أشكال الشرعية الأخلاقية، لأنّها أدركت شيئاً جوهرياً في مسألة العيش المشترك والسيادة والعنف والكرامة الإنسانية. ريمون إدّه واحدٌ من هؤلاء. قَبِل أن يدفع ثمن بُعد نظره بدلاً من أن يخون قراءته للواقع كي ينتمي إلى معسكر المنتصرين. يبدو كأنّه كان يسكنه توتّر سوفوكليّ تقريباً، يُؤثر الهزيمة العادلة على الانتصار المُهين. ليس حبّاً للهزيمة لذاتها، لا. بل لأنّ انتصاراً اشتُري بثمن الكذب أو العمى كان سيتحوّل في نهاية المطاف، في نظره، إلى ضرب آخر من الدمار. ولهذا، على الأرجح، لم يرد يوماً في أعماقه حقّاً أن يصبح رئيساً لجمهورية لم تتوقّف، بعد أكثر من عشرين عاماً على رحيله، عن بيع نفسها مراراً وتكراراً لمن يدفع أكثر، بدلاً من أن تقرر أن تكون.

إنقاذ الإنسانية المتكاملة
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

يتواصل الحديث عن "العولمة" كما لو أن الكلمة لا تزال تحمل معنىً عاماً. لكنها لم تعد كذلك. أو بالأحرى: كل ما تبقى منها هو غلافها الاقتصادي، تدفقات رأس المال، سلاسل الإنتاج، والمنصات الرقمية. لكن روحها قد تلاشت. العولمة، التي كانت تبشر باالانفتاح، توعد بعالم أكثر ملاءم للجميع، وتسعى لإيجاد لغة مشتركة بين الثقافات، هذه العولمة هي في طريقها إلى الزوال. مع العلم انها لم تكن مجرد واقع مادي، بل أيضآ أفقًا أخلاقيًا. العولمة استندت إلى فكرة بسيطة، تكاد تكون ساذجة: الامل بأن التواصل المتكرر بين الشعوب والثقافات والمعتقدات المشتركة سيُبطل في النهاية إغراء الحرب. بانها ستُقلّص المسافات بفضل التكنولوجيا، والنقل، وإلغاء الحدود الجمركية... بأننا سنلتقي في الجامعات، والمهرجانات، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الدولية؛ سنبني حلول، ومعاهدات، وبرامج تبادل. سنتعلم العيش معًا، مؤمنين بأنها الخيار أفضل. ظهرت هذه الرؤية مع جيل محدد: جيل الذين ولدوا في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي. جيلٌ تأثر بالحرب العالمية الثانية، والإبادة الصناعية، وهيروشيما، واكتشاف معسكرات الاعتقال. جيلٌ لم تكن كلمة "عالمي" بالنسبة له مجرد تجريد فلسفي، بل رد فعل على السقوط في الهاوية. على الهتلرية، والموسولينية، والفرانكية. على فظائع أوشفيتز. من هنا انبثق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسات الثقافية والعلمية الكبرى التي حاولت - على نحوٍ بسيط وغير كامل - خلق مساحة مشتركة. لقد طور هذا الجيل لغته الخاصة: لغة الإنسانية المتكاملة. إنسانية لم تسجن الإنسان في هويته المحصورة، ولم تُذيبه في السوق وحده، ولم تُضحِّ به على مذبح التعالي الغيور. إنسانية وضعت في صميمها كرامة كل إنسان، مواجهتا أوهام العرق والدين والعشيرة والأمة. لكن هذا الجيل يتلاشى. حاملا معه الهيكلة الرمزية التي كانت توعد بعولمة منفتحة شاملة. و هكذا، دخلنا منذ فترة وجيزة في حالة موءقتة وصفها جيداً انطونيو غرامشي: "العالم القديم يحتضر، والجديد يكافح ليولد، وفي هذه المرحلة الغارقة بين النور والظلمة، تظهر الوحوش". كان العالم القديم يتسم بالشمولية الكونية، ولوكانت هذه العبارة مجرد نفاق رسمي. أما العالم الجديد، فنراه يأتي مع الكتل والجدران والحروب بالوكالة والمنصات الرقمية التي تُجزّئ المجتمعات إلى قبائل معادية.و مع الذكاء الاصطناعي الذي يُختزل الجميع إلى "حقيقتهم"، ونرجسيتهم، موفر لهم ثمة "راحة فكرية". إنه إدمان افتراضي آخر متسترًا بقناع التقدم. بين هذين النقيضين، تتكاثر الوحوش: أنظمة استبدادية تتحدث بلغة الديمقراطية لتفرغها من جوهرها؛ شعبوية تُحوّل الغضب الاجتماعي إلى كراهية للعدو الداخلي؛ وسياسات هوية دينية وعرقية وحضارية تجعل من الاختلاف تهديدًا وجوديًا. لقد أصبحت الكراهية، للأسف، العاطفةَ الهيكليةَ للسياسة، حيث كانت إرادةُ العيشِ معًا، مهما تداعت، أملًا في عالمٍ أفضل. كان هذا بلا شكٍّ هو الحال حتى كارثة 11 سبتمبر/أيلول 2001 المحورية. كانت الكراهيةُ والعنفُ في يومٍ من الأيامِ ظلالًا تُلقيها الصراعات؛ أما اليومَ فقد أصبحا قوتَها الدافعةَ العلنية. لم تعد الحدودُ أداةً للتنظيم، بل اداة رمزية تُشَيَّد الجدران و تجعل من الحواجزُ الجمركيةُ أسلحة. تحلم بالعودةِ إلى التقوقع، كما لو كان من الممكنِ إلغاءُ الترابطِ الماديِّ بمرسوم. ثمة مفارقةٌ قاسيةٌ هنا: في اللحظةِ التي لم تكن فيها التبادلاتُ قطُّ بهذه الكثافةِ - البياناتُ والصورُ ورأسُ المالُ والسلعُ تتداولُ بسرعةِ الضوء - تضيقُ خيالاتُنا. لم نعد نحلمُ بعالمٍ مشترك؛ بل نشرع بالدفاعِ عن حصوننا. فرضية خاطئة كانت العولمةُ الثقافيةُ لجيلِ ما بعد الحرب العالمية الثانية متاثرة بلا شك بالحضارة الغربية، متغطرسةً أحيانًا، وغيرَ متكافئةٍ في كثيرٍ من الأحيان. لكنها كانت تحتوي على عنصر تعريض الذات للخطر: فقد تواصلنا مع الآخرين، وواجهناهم، وسمحنا لأنفسنا بالتحول. افترضت ان هذا العالم غير قابل للتقسيم إلى كتل ثقافية متماسكة. لكن هذا الافتراض قد تحطم الآن. فالقرن الحادي والعشرون مكتوب بصيغة الجمع المغلقة: "الحضارة المسيحية" مقابل "الحضارة الإسلامية"، "العالم الروسي" في مقابل "الغرب المنحط"، "الشعب الحقيقي" مقابل "النخب العالمية"، "نحن" بوجه "هم"، دائمًا و في كل مكان. هذا ما ندد به بلا كلل البابا فرانسيس حتى وفاته. لم يعد السؤال: ما الذي نشترك فيه، بل: ما الذي يفرقنا، وكيف يمكن التغلب عليه واستغلاله؟ أما الإنسانية المتكاملة، فقد وقعت في فخّها. فمن منظور السوق، تُرفض باعتبارها ساذجة: لم يعد المهم هو الشخص، بل الملف الشخصي، والبيانات، ومستوى المستهلكين. وهكذا، يجرد الفرد إلى سلوكيات قابلة للقياس، بهدف البيع و الشراء. ومن منظور الهويات، تُدان باعتبارها مكرًا غربيًا: فالعالمي ليس سوى قناع للهيمنة، وغطاء أخلاقي يُطبق على علاقات القوة الاستعمارية. والرد: العودة إلى الانتماءات "الأصيلة"، إلى المجتمعات التي يُفترض أنها محمية، و إلى العصبيات القبلية. فبينما اصبحت الانسانية عالقة بين سخرية رأس المال العالمي واستياء الهويات المجروحة، لم تعد الإنسانية المتكاملة تجد لها مكانًا سياسيًا. فهي لا تزال باقية في المؤسسات المهددة بالتحجر، وفي الخطاب الدبلوماسي، وأحيانًا في ضمائر بعض الأفراد. لكنها لم تعد تُشكل المخيلة الجماعية للمجتمعات. ولعلّ الجانب الأكثر إثارة للقلق هو الفجوة بين الأجيال. حمل جيل الستينيات في دواخله ذكرى مباشرة أو موروثة عن كوارث القرن العشرين. لقد رأوا إلى أين يؤدي التجريد الجذري من الإنسانية، وهذه الذكرى هي التي، رغم كل شيء، جعلت وعد العالمية الهشة جديرًا بالتصديق.اما الأجيال اللاحقة، فقد نشأت في عالم معولم، مترابط، ولكنه أيضًا ممزق. بالنسبة لهم، غالبًا ما يبدو الكوني خطابًا منهكًا، او رواية رسمية لا علاقة لها بالواقع. إنهو جيل يغرق في تراجع الوفرة الاقتصادية، وأزمة المناخ، والحروب المتكررة، ودوامة المعلومات. آثار عالم مضى ردة الفعل الأكثر طبيعية للجيل الحالي ليس الانفتاح، بل الدفاع: الدفاع عن العمل، والأرض، والهوية، والراحة، والسردية. في حالة كهذه، تصبح رموز الانفتاح غير مسموعة. سواء كان ابناء هذا الجيل يتحدثون باسم الإيمان، أو العقل، أو حقوق الإنسان، أو الأدب، يبدون أنهم يتحدثوا لغة غير مفهومة. يبدون كآثار من حقبة غابرة - حقبة كان لا يزال يُعتقد فيها أن الحوار قادر على التأثير في الواقع. في المقابل، يلمع نجم الزعماء السياسيين الذين لا يؤمنون الا بمبدأ القوة. سواءً أكانت أسماؤهم بوتين، ترامب، أردوغان، محمد بن سلمان، نتنياهو، أوربان، أو لوبن، فإنهم جميعًا يستجيبون للخوف الغريزي عند الشعوب من أن يُبتلعوا ويُجردوا من كل اختلاف في عالمٍ بلغ، بفضل التكنولوجيا، ذروةَ التقارب للشعوب وخصوصياتها. هل نستطيع الاستنتاج ان وعد العولمة الانسانية اصبح من الماضي؟ ربما، و لكن نهاية العولمة المفتوحة لا يعني نهاية العالمية الشمولية كشرط. بل يعني أن الشكل التاريخي الذي اتخذته هذه العالمية قد بدأ يفقد زخمه. ويبقى السؤال الصارخ والمرير: كيف يُمكننا أن نتحدث عن كرامة الإنسان، وعن الحقوق، وعن المصلحة العامة، في عالمٍ لم يعد يؤمن بهذه القيم؟ لا شك أننا سنضطر إلى البدء من جديد من الصفر، في المدن والمدارس والجمعيات، في تلك الأماكن الصغيرة التي يُصرّ فيها الأفراد على الاعتقاد بأن الآخر ليس شرط ان يكون عدوا. لن تُبعث الإنسانية المتكاملة من قمة دبلوماسية أو معاهدة جديدة، بل من ثقافة مضادة: ثقافة ترفض لغة الكراهية والعزلة أفقًا لها؛ ثقافة لا تخلط بين ذكرى الجروح وإدامة الانتقام. ربما تكون العولمة المفتوحة قد ولت. ولكن ما دام هناك رجال ونساء قادرون على قول "نحن" خارج قبائلهم، وعلى الارتقاء فوق "الأنا" للاحتفال بثقافة التواصل وتعزيزها، هنالك امل لعولمة اكثر انسانية. و لكن الطريق سيبدو بالتاكيد متعرج، طويل، مليء بالعثرات. لذا، يجب أن نتحد، ونعمل. "الشر، كما قال ادموند بورك، هو تقاعس الصالحين".

خطوة لبنانية غير مسبوقة ضد إيران في الأمم المتحدة

خطوة لبنانية غير مسبوقة استحوذت عمليًا على الأضواء على الصعيد المحلي يوم الأربعاء، متفوقة على موعدين رئيسيين هما استئناف المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن والقمة بين ترامب وشي في بكين. في أمس الحاجة إلى هذين الموعدين الحاسمين لتأثيرهما على الحرب في المنطقة، وجهت بيروت إلى الأمم المتحدة مذكرة اعترضت فيها على حقائق تقدمها طهران للاحتجاج لدى مجلس الأمن الدولي ضد الضربة الإسرائيلية التي أودت بحياة أربعة من دبلوماسييها في فندق رامادا بالراوشة في آذار/مارس الماضي. في هذه المذكرة، تطعن الدبلوماسية اللبنانية بالجمهورية الإسلامية، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية جنيف بشأن العلاقات الدبلوماسية والتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وفقًا لما ذكرته وكالة إندبندنت أرابيا. يتهم لبنان أيضًا طهران بجره عبر ذراعها العسكرية، حزب الله، إلى حرب مدمرة لا تعنيه. تندرج هذه الخطوة من وزارة الخارجية اللبنانية، الهادفة إلى إعادة الحقائق إلى سياقها الصحيح، في تتمة لقرارات الحكومة التي حظرت الأنشطة المسلحة لحزب الله واعتبرت سفير طهران المعتمد لدى بيروت، محمد رضا شيباني، شخصية غير مرغوب فيها. تكمن أهميتها، على أمس الحاجة إلى الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، في الرسالة المزدوجة التي توجهها: من جهة، تصميم الدولة اللبنانية على المضي قدمًا في العملية التي يُفترض أن تمكنها في نهاية المطاف من استعادة سيادتها على كامل الأراضي. من جهة أخرى، اعتراف رسمي لبناني، وإن كان ضمنيًا، بتبعية حزب الله لنظام الملالي. في النص، يؤكد لبنان 'حقه في تحميل إيران المسؤولية الدولية وجعلها تتحمل عواقب انتهاكاتها المتكررة لالتزاماتها الدولية'، بحسب وكالة إندبندنت أرابيا التي قالت إنها اطلعت على محتواه. أفادت الوكالة، مع ذلك، بتقديم لبنان شكوى إلى الأمم المتحدة. وفي بيان توضيحي نشرته في المساء، أوضحت وزارة الخارجية أنها في الواقع ردٌّ على رسائل إيرانية موجهة إلى مجلس الأمن. واختارت بيروت الرد عليها بسبب معلومات خاطئة قدمتها طهران باسمها. كان سفير إيران لدى الأمم المتحدة قد طعن في مجلس الأمن بعد الهجوم، متهمًا إسرائيل بـ'انتهاك خطير للقانون الدولي' باستهداف 'أربعة دبلوماسيين إيرانيين كانوا يؤدون مهام ممثلي دولة عضو ذات سيادة على أراضي دولة عضو ذات سيادة أخرى'. فسر لبنان من جهته أن الدبلوماسيين المزعومين الذين قُتلوا كانوا في الواقع أعضاء في الحرس الثوري الإسلامي. استند في تأكيداته على صور لهم بالزي العسكري مع رتبهم واضحة جليًا. قدم لبنان هذه التوضيحات للأمم المتحدة لأنه في رسالتها، ادعت إيران أنها 'أخطرت السلطات اللبنانية بتنقل الأربعة دبلوماسيين إلى فندق رامادا قبل اغتيالهم'. غير أن لبنان أكد أنه لم تكن هناك أي تنسيق، معتمدًا على مذكرة رسمية من 16 آذار/مارس، اعترفت فيها السفارة الإيرانية بأنه 'لم يكن ممكنًا لها إخطار وزارة الخارجية بوجود الأربعة دبلوماسيين في فندق رامادا'. علاوة على ذلك، ذكّرت هذه الوزارة بطلبها مرتين قائمة محدثة بالدبلوماسيين الإيرانيين الموجودين في لبنان، دون تلقي ردٍ. فصّل لبنان أيضًا في الوثيقة التدخلات الضارة لجسم الحرس الثوري في البلاد وأعاد التذكير، لتوضيح انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف، بشن الهجوم المنسق الأول مع حزب الله منذ بداية الحرب في شباط/فبراير. كان ذلك يوم 11 من آذار/مارس، أي بعد أسبوع من قرار الحكومة حظر الأنشطة المسلحة لحزب الله. في ذلك اليوم، أعلن الحرس الثوري نفسه الضربات المنسقة التي استهدفت حوالي خمسين موقعًا في إسرائيل. أداة سياسية بعيدًا عن أن يكون لها تأثير مباشر على الحوار اللبناني-الإسرائيلي يوم الخميس، فإن المبادرة اللبنانية من شأنها أن تكون بمثابة أداة سياسية للبنان حريص على إثبات رغبته في استعادة السيطرة على قرار الحرب والسلام، الذي ظل مرهونًا حتى الآن بحزب الله. إشارة ذات أهمية حاسمة خاصة وأن إسرائيل لا تزال مركزة على تأمين بلداتها على الحدود الشمالية مع لبنان. في الوقت الراهن، يبقى الاهتمام اللبناني إيقاف الأعمال العدائية التي أسفرت بالفعل عن ما لا يقل عن 2882 قتيلًا، بينهم 200 طفل. حول هذا الهدف - الذي رفضته إسرائيل حتى الآن - ستبدأ يوم الخميس محادثات لمدة يومين بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، يقودهما على التوالي السفير السابق سيمون كرم ويشعياهو ليتر، رئيس البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في واشنطن، وتضمان، من بين آخرين، عسكريين. تبشر المناقشات بأن تكون صعبة بسبب الاختلافات في الأولويات. يريد لبنان خاصة احترامًا صارمًا لوقف إطلاق النار في 17 نيسان/أبريل وإيقاف التدمير الإسرائيلي في القرى الحدودية للسماح بعودة النازحين الجنوبيين. من جهتها، تطلب إسرائيل خطة واضحة لنزع سلاح حزب الله، وهي حالة كانت قد وضعتها بالفعل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب التي أطلقتها أيضًا هذه المجموعة الموالية لإيران دعمًا للحماس في غزة. كانت تل أبيب قد أعلنت بالفعل أنها لن تنسحب من المنطقة العازلة التي تستمر في توسيعها جنوبًا، طالما يُعتبر حزب الله تهديدًا. كما لو لإعادة تأكيد تصميمها على تحييد هذه المجموعة، مكثفت الجيش الإسرائيلي ضرباته يوم الأربعاء ضد أهداف حزب الله في جنوب لبنان. استهدفت أيضًا أربع سيارات على ساحل الشوف وجنوب لبنان. قُتل ما مجموعه تسعة أشخاص، بينهم طفلان. تم إطلاق نداءات لإخلاء القرى أيضًا. أُمر سكان تسع محليات في نطاق النيران الإسرائيلية بمغادرتها 'نحو مناطق مفتوحة'. قمة بكين على المستوى الإقليمي، تركز الأنظار على المحادثات التي سيجريها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الصيني شي جينبينج، خلال زيارته لمدة يومين إلى بكين حيث وصل يوم الأربعاء. قمة ذات رهانات عالمية كبيرة، من التجارة الدولية إلى الحرب مع إيران، مرورًا بتايوان. من المتوقع أن يطلب الرئيس الأمريكي خاصة مساعدة الصين في مواجهته الدبلوماسية مع إيران. خاصة وأنها قد تؤدي إلى استئناف العمليات العسكرية إذا وقفت طهران على مواقفها التي تعتبرها واشنطن 'غير مقبولة'. في قلب المفاوضات، مسألة مضيق هرمز الذي تبقى طهران مصممة على رغبتها في السيطرة عليه 'لأن إيرادات حقوق الممر أعلى من تلك الناجمة عن بيع النفط'، كما أكدت طهران يوم الأربعاء. خيار غير مقبول عمليًا على الصعيد الدولي، بسبب تأثيره الجيوسياسي والاستراتيجي والتجاري. ملف مهم آخر على جدول أعمال مناقشات بكين: التعاون الاقتصادي الذي يعلق دونالد ترامب عليه أهمية خاصة، كما يدل على ذلك تكوين الوفد الذي يرافقه، المكون من حوالي خمسة عشر رئيس شركة من الطراز الأول.

الأصول: الفصل الثاني
بقلم
نديم تابت
نُشر

في الفصل الأول من هذه السلسلة من النصوص حول التاريخ الكبير وتاريخ ابني رافاييل — “زمن الجنوب، زمن الشمال” — كانت الموضوعة تتمحور حول الفرق بين بلدان الجنوب، حيث لا يزال التاريخ يسير قُدُماً، وتلك البلدان الشمالية التي، وفق فوكوياما، تعيش في “نهاية التاريخ”. غير أن الخاتمة عادت إلى حدس الشاعرة إيتيل عدنان، القائل بأن لبنان — حيث يطفو الماضي باستمرار على سطح الحاضر — يغدو “النموذج الأولي” لعالم الغد. بالطبع، قد تبدو هذه العلاقة بالزمن مضادةً للحدس بالنسبة إلى المدافعين عن التقليد التأريخي الذي يرى للتاريخ اتجاهاً محدداً. تقليدٌ يجد أصله في التاريخ التوراتي لداود، كما ورد في سفرَي صموئيل، وقد استأثرت به من بعدُ فلسفاتٌ تاريخية عديدة تكاثرت في القرن التاسع عشر. لكن من يعنى بدراسة التأريخية يعلم أن ثمة، إلى جانب هذه الرؤية، تقليداً آخر يصف الزمن التاريخي بالدورية. هذا ما ذهب إليه رائد فلسفة التاريخ ابن خلدون في “كتاب العبر” الصادر في القرن الرابع عشر، ثم، في القرن العشرين، الفيلسوف الكبير في مدرسة فرانكفورت والتر بنيامين، الذي دافع عن رؤية للتاريخ يمكن فيها لشظايا الماضي أن تبرز في الحاضر. ومن يتابع الأحداث يعلم أننا نشهد اليوم، على الصعيد العالمي، عودة شظايا كثيرة من الماضي. ١ — أيّ عصر تاريخي نعيشه من جديد؟ أكثر العودات استحضاراً، لا سيما في الغرب، هي بالطبع عودة ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت أوروبا ملوَّثة بالفاشية. مع الأذرع المرفوعة لبعض السياسيين الأمريكيين، وشيطنة اليسار المتطرف، وصعود واضح لمعاداة السامية مصحوباً بخطابات الكراهية تجاه المسلمين، يسهل فهم سبب عودة هذه المقارنة التاريخية إلى واجهة النقاش العام. وإن كنت أتبنى هذه القراءة، فإنني أشعر، من جهتي، بأننا نشهد قبل كل شيء عودة حقبة أبعد في الزمن — حقبة ترجع إلى القرن السادس عشر، حين بدأت أوروبا، في أعقاب اكتشاف الأمريكتين، تُنتج خطاباً حول تفوقها الحضاري الذاتي. أحد الأحداث المؤسِّسة لهذا التحول كان «جدل بلد الوليد» (Controverse de Valladolid)، حيث ناقش عام 1551 لاهوتيون وفقهاء طبيعةَ الشعوب الأمريكية الأصلية، للبتّ فيما إذا كانوا الحائزين الشرعيين لأراضيهم أم أنه، وفق معايير أرسطو، يمكن تصنيفهم “عبيداً بالطبيعة”. وإن انتهى هذا الجدل “رسمياً” بالاعتراف بإنسانية الأمريكيين الأصليين، فإن هذا الخطاب لم يلبث أن تعاظم في ما بعد، بلغ ذروته في القرن التاسع عشر مع نظريات العرق وخطابات الرسالة الحضارية لتبرير منطق الإمبراطورية وتوسع الأقاليم الاستعمارية. ٢ — عودة خطاب التفوق الحضاري ما يجعلني أرى هذه اللغة تعود اليوم بالذات هو، أولاً، أن نتنياهو يوظّفها لتسويق مجازره المتعددة في الشرق الأوسط باعتبارها “صداماً للحضارات”، مقدِّماً بلاده على أنها المدافعة عن قيم الغرب اليهودي-المسيحي. لكن حين نرى التجديفات العديدة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق رموز دينية مسيحية، كما هو الحال في لبنان، فمن المشروع التشكيك في نظرية صدام الحضارات. لهذا السبب، يبدو لي أن الأدقّ من نظرية صموئيل هنتنغتون الحديث عن عودة الخطاب الحضاري. خطاب أطلّ برأسه مؤخراً على لسان ماركو روبيو في مؤتمر تناول فيه حقبة كريستوف كولومب والكونكيستادورات بوصفها حقبة رمزية لعظمة الغرب. وقد أُلقي هذا المؤتمر أمام نخبة من القادة الأوروبيين بهدف دعوتهم إلى التحالف مع الولايات المتحدة للتواصل مع ذلك الماضي الذي كان، كما هو معلوم، مصنوعاً في جوهره من التوسع الإقليمي وإخضاع الشعوب ومحو الحضارات. بالطبع، بوصفي لبنانياً، لا يسعني إلا أن أنتبه حين يستذكر وزيرٌ من وزراء القوة العظمى الأولى في العالم تلك الحقبةَ التاريخية بفخر. غير أن الأشد إثارةً للقلق هو أن اللجوء إلى هذا الخطاب “الأثري” يصدر كذلك عن رواد تكنولوجيات المستقبل. ٣ — التسارعية هذا هو حال، على سبيل المثال، أليكس كارب، الرئيس المثير للجدل لشركة “بالانتير”، الذي يُحيل في بيانه من أجل “مستقبل الغرب”، المنشور مؤخراً على منصة X، إحالةً صريحة إلى خطابات التفوق الحضاري: "Some cultures have produced vital advances; others remain dysfunctional and regressive." وحين نعلم أن “بالانتير” تبيع برامج المراقبة إلى وكالة المخابرات المركزية وإلى إسرائيل، وأنه لا يخفي إعجابه بسياسة نتنياهو، فثمة ما يستدعي القلق على سكان الشرق الأوسط، وأعتقد كذلك على الصعيد العالمي. على أي حال، ثمة مفارقة غريبة أن يحرص أليكس كارب على إعداد رسالة دكتوراه في الفلسفة بفرانكفورت ليقرن اسمه بهذا التقليد الفلسفي. مفارقة غريبة لأن هذه المدرسة كانت يوماً موئلاً لفكر نيّر كفكرة “الهالة” لدى والتر بنيامين، في حين هي اليوم مرتبطة بمقاول قريب من تيار فكري، هو “التنوير المظلم” (Dark Enlightenment)، يريد تسريع مجيء حضارة جديدة متخلصة من تثاقلات الديمقراطية ومحكومة بكفاءة التكنولوجيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي. كل هذا يوحي بأن النقاش الذي انطلق في القرن السادس عشر يعود بدوره، لكن مع تراتبية حضارية مبنية على إتقان الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وأن السؤال الذي طُرح ذات يوم في «جدل بلد الوليد» حول إنسانية الأمريكيين الأصليين سيتحول إلى: ما الفائدة من وجود البشر في مثل هذه الحضارة؟ ما العمل في مواجهة الوصول المرجَّح لهذه الحضارة؟ لا أعلم، لكن المصادفة شاءت أنه في اللحظة ذاتها التي نُشر فيها بيان أليكس كارب، كنت أكتشف في السينما فيلماً أحداثه في القرن السادس عشر: Magellan للمخرج الفلبيني لاف دياز. ٤ — “Magellan” والأشباح فيلم بديع بصرياً يرسم، كما يدل اسمه، مسار هذا المبحر البرتغالي الذي أتم في القرن السادس عشر أول رحلة حول العالم، وحين بلغ الجزر الفلبينية، اصطدم بمقاومة زعماء «أصليين» رفضوا التنصير القسري وفاءً لثقافتهم الموروثة. على الرغم من بعض الأخطاء الواقعية، ما يأخذ بالألباب في هذا الفيلم ليس فقط رنينه مع الأحداث الراهنة، بل أيضاً طريقته في تصوير جميع الشخصيات على صورة ضد البطل. لا تمجيد لأيٍّ كان — أجسادٌ متعبة فحسب، هشّة وملتصقة بضعفها. بعبارة أخرى، نحن بعيدون كل البعد عن الـ biopic الهوليوودي الرامي إلى تمجيد شخصية تاريخية، وأبعد من ذلك بكثير عن الوصف المتحمس جداً الذي قدَّمه ماركو روبيو لتلك الحقبة في خطابه. وما يصيب فيه هذا المنهج المضاد للبطولة هو أنه لا يدين أحداً بعينه، بل يكشف كيف أن نظاماً ما — في هذه الحالة نظام الاستعمار — يستعبد الجميع دون تمييز بين المستعمَرين والمستعمِرين، ويقذف بهم جميعاً في أتون العنف. ونستشف جيداً كيف أن أولئك الذين يبيعون لنا اليوم حضارة «الاستعمار التقني» بابتسامات عريضة سيجدون هم أنفسهم في المستقبل مستعبَدين للتكنولوجيا التي يمجدونها. لكن حتى لا أختم على نبرة قاتمة، سأستحضر نهاية الفيلم التي تروي معركة ماكتان، حيث قتل محاربون بقيادة لابو-لابو ماجلان. أكسب هذا الانتصارُ لابو-لابوَ مكانةً أسطورية في الفلبين، حيث تحمل مدينة اسمَه اليوم. لكن باختياره تصوير لابو-لابو شخصيةً طيفية، يمنح لاف دياز صدقيةً للأطروحة القائلة بأن هذه الشخصية ربما لم تكن موجودة قط. طريقةٌ ربما أراد بها لاف دياز أن يقول إن انتصارات الحضارات المزعومة التفوق لن تكون أبداً نهائية، إذ ستظل مسكونة بطيف أولئك الذين حاولت إخضاعهم. وعن هذه الأهمية للأشباح يدور الفصل القادم.

التوغل شمال الليطاني: «رسالة» عشيّة محادثات واشنطن

في انتظار جلاء النوايا الحقيقية للرئيس دونالد ترامب حيال المسار الذي سيسلكه الكباش مع الجمهورية الإسلامية، وذلك في أعقاب الرفض الأمريكي للرد الإيراني على المقترحات الأمريكية الأخيرة بشأن «السلام» (ولكن عن أي «سلام» نتحدث؟)، انصبت اهتمامات الأوساط السياسية في هذا الثلاثاء، 12 أيار، على المعلومات التي أفادت بوقوع توغل إسرائيلي – هو الأول من نوعه في السياق الراهن – في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني. فمنذ تلك الحرب المشؤومة التي أشعل فتيلها «حزب الله» في تموز 2006 – لاعتبارات إيرانية صرفة – كانت جميع الحلول والمبادرات والإجراءات التي شكلت محور المشاورات الدولية والإقليمية تتركز على تهدئة المنطقة الواقعة جنوب الليطاني. إن القرار 1701، وكذلك اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه في تشرين الثاني 2024 – إثر حرب انتحارية أخرى فجّرها أيضاً «حزب الله» – كانا يهدفان إلى إنهاء أي وجود ميليشيوي في تلك البقعة الجغرافية من الجنوب. وعلى أثر الحرب الثالثة الهوجاء – والانتحارية في آن – التي فجّرها الحزب الموالي لإيران في 2 آذار 2026، ثأراً لمقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، كشفت إسرائيل عن أوراقها منذ البداية، مؤكدةً عزمها على إنشاء منطقة عازلة في تلك البقعة الجغرافية نفسها، أي جنوب الليطاني. إلا أن الإعلان الصاخب عن توغل الجيش الإسرائيلي شمال هذا النهر، وإقامة مركز ثابت في تلك المنطقة عند أطراف بلدة زوطر الشرقية، يشكل، في مكان ما، «انعطافة» عن كامل المسار الدبلوماسي والأمني الدولي المتعلق بجنوب لبنان، والمستمر منذ آب 2006، تاريخ صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن. بل إن تل أبيب تحدثت عن مواجهة في هذا القطاع ــ استمرت ثلاثة أيام ــ مع مسلحين من «حزب الله». وتكمن أهمية الكشف عن هذا التطور الخطير في توقيته؛ إذ يأتي عشيّة الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي ستُعقد الخميس المقبل، 14 أيار، في واشنطن برعاية إدارة ترامب، وبحضور السفير السابق سيمون كرم (ما يضفي بُعداً سياسياً جديداً على هذه المباحثات الثنائية). والرسالة الموجهة إلى السلطة اللبنانية واضحة: إذا لم يتحقق أي تقدم ملموس على صعيد نزع سلاح ميليشيا «حزب الله»، كما ينص عليه القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024، فإن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بحصر عملياته جنوب الليطاني، كما أُعلن في البداية، بل لن يتردد في توسيع نطاقها عبر تجاوز النهر شمالاً. وهذا الاحتمال عبّر عنه صراحةً القيادة السياسية في تل أبيب، حتى إن بعض المصادر ذهبت إلى حد الحديث عن تقدم محتمل للجيش الإسرائيلي وصولاً إلى الزهراني، جنوب صيدا... وقد تبرر الدولة العبرية مثل هذا التصعيد في عملياتها العسكرية في المنطقة الجنوبية بذريعة تصاعد هجمات الحزب الموالي لإيران ضد شمال إسرائيل. فمساء الثلاثاء تحديداً، فقد أغارت مسيّرات مفخخة عدة أُطلقت من جنوب لبنان، مساء الثلاثاء، على مواقع داخل الأراضي الإسرائيلية على مقربة من الحدود، موقعةً جرحى في صفوف العسكريين. الشق الإقليمي وفي حين يشتعل الفتيل على الجبهة اللبنانية، لا يزال الغموض سيد الموقف حيال الملف الإيراني. هذا الملف «المتفجر» سيكون محور نقاشات مستفيضة خلال الزيارة التي سيقوم بها الرئيس دونالد ترامب منتصف هذا الأسبوع إلى الصين، التي تربطها علاقات وثيقة بالجمهورية الإسلامية. وفي هذا السياق، صرّح سيد البيت الأبيض يوم الثلاثاء بأنه لا ينوي «التسرع» في ما يخص إيران، مشدداً على الأهمية البالغة لمفاعيل الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية. لكن في الوقت عينه، أكد الرئيس الأمريكي أنه ليس غافلاً عن مناورات التسويف التي ينتهجها النظام الإيراني. وتتقاطع هذه الجملة المقتضبة مع تصريحاته السابقة التي شدد فيها مراراً على أن الوقت قد حان لوضع حد للاعتداءات الدموية والممارسات المزعزعة للاستقرار التي ترتكبها الجمهورية الإسلامية ضد الدول الغربية ودول الشرق الأوسط، وهي التي «تتلاعب بنا منذ 47 عاماً»، وفق ما سجّله الرئيس الأمريكي، وبكثير من الدقة، في مطلع الأسبوع.