شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
العفو العام: تراجع القضاء والسياسة والأخلاق!

بدل أن يتحوّل النقاش السياسي والقانوني لاقتراح قانون العفو العام إلى مناسبة لفتح البحث الجدي حول أسس نظام القضاء والعدالة والعقاب في لبنان، تحوّل إلى منازلة طائفيّة ومذهبيّة بعيدة تماماً عن مراعاة المنطلقات الأساسيّة للقانون المنتظر أي تحقيق العدالة ورفع الظلم عن موقوفين عانوا طوال سنوات من فقدان حقهم الطبيعي بمحاكمات في وقتها، ولمعالجة طبعاً قضيّة الاكتظاظ في السجون التي تنافي الحد الأدنى من حقوق الانسان، حتى ولو كان سجيناً أو موقوفاً، وهو ما يناقض جوهر الفكرة الإصلاحيّة للسجون ويحوّلها إلى مساحاتٍ لتكريس الإجرام أو الارتكابات. وكما في كل مناسبة سياسيّة أو تشريعيّة، انبرت الجماعات الطائفيّة والمذهبيّة إلى تناتش المطالب المطروحة محاولةً سحب الغطاء نحو جماعاتها المستفيدة بهدف تكريس النفوذ الطائفي واستدامته وجعل مجرّد التفكير بالتحرر منه مسألة في غاية الصعوبة والتعقيد، وبالتالي تعميق الانقسامات الطائفيّة في البلاد وإعاقة أي مسار إصلاحي قلما يُكتب له النجاح أساساً. فبمجرّد أن يتحوّل النقاش في قانون للعفو العام إلى تطييف للملفات (طائفة تدعو للإفراج عن الموقوفين الإسلاميين، وطائفة ثانية تريد معالجة ملف المخدرات التي تزدهر زراعتها في محافظة البقاع، وطوائف أخرى تطالب بإعادة المبعدين إلى إسرائيل في العام 2000)؛ فإن ذلك يعكس الحالة المرضية العميقة التي يمر بها المجتمع السياسي اللبناني وانعدام الرغبة الجدية في إحداث أي تغيير يُذكر على مستوى اختراق التركيبة القائمة. إلا أن مجرّد التفكير بإصدار قانون للعفو العام، وهو لا يأتي بعد انتهاء حرب أهليّة أو صراع دموي كما حدث في العام 1991، إنما يفترض أن يدفع بالكثير من الأسئلة التي تتصل أساساً بطبيعة النظام القضائي اللبناني واشكالياته المتعددة المتصلة بطرق العمل فيه وآليات المساءلة والمحاسبة نتيجة التأخير المتمادي في البت بالملفات القضائيّة بما يتجاوز، في الكثير من الأحيان، الفترات القصوى للعقوبات المفترضة في المئات من القضايا وهذا ظلم شديد وغير مسبوق بحق الموقوفين. فمن يعيد السنوات الضائعة التي هُدرت لهؤلاء الموقوفين؟ وإذا كانت آليات العمل القضائي شبه معطلة، من إصدار أحكام وتمييزها والبت بالدعاوى العالقة وأيضاً التفتيش والمحاسبة بحق القضاة المقصرين والمرتشين والمنكفئين عن القيام بواجباتهم، فثمة مسألة ملحة تطرح نفسها على العهد والحكومة تتصل بكيفيّة إطلاق عجلة إصلاح القضاء، وتبدأ من كيفيّة جعله حقاً سلطة مستقلة لا تخضع في مناقلاتها وترقياتها وتشكيلاتها إلى التدخلات والتأثيرات السياسيّة التي تحولها إلى حلبة للصراع وتقاسم النفوذ بما يطيح بجوهر الفكرة القضائيّة واستقلاليتها. لقد رفع رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون، من بين الشعارات العديدة الهامة التي رفعها في خطاب القسم وفي مواقفه السياسيّة اللاحقة، عنوان إصلاح القضاء، وعبّر عن قناعته بذلك مراراً أثناء مخاطبته الجسم القضائي. ويتقاطع هذا الموقف مع مواقف مشابهة، إن لم تكن متطابقة، مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي كان يتبوأ أحد أرفع المناصب الدوليّة قبل توليه رئاسة الحكومة اللبنانيّة وهو قاضٍ دولي وله كتابات عديدة في مجال القضاء والسياسة والإصلاح. صحيحٌ أن الحرب الإسرائيليّة قلبت كل الموازين وأعادت رسم الأولويات بشكل مغاير تماماً للتوقعات، وصحيحٌ أن لبنان- وجنوبه تحديداً- بات منكوباً بكل ما للكلمة من معنى وأن الأولوية تبقى لوقف الحرب والانسحاب العسكري الإسرائيلي وإعادة الإعمار؛ إلا أن الصحيح أيضاً أن السير بالعديد من الملفات الداخليّة ممكن ومتاح، لا بل من الأجدى القول أنه لن يكون ممنكاً ومتاحاً بانسيابيّة في ظل عدم وجود هذين الرئيسين تحديداً. في جانبٍ منه، من الضروري أن يتحوّل نقاش قانون العفو العام إلى نقاش في سبل تنشيط التفتيش القضائي، وتفعيل آليات المحاسبة داخل القضاء، تمهيداً للدخول في الموضوع الأكثر أهميّة الذي يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسيّة والقضاء، وفي سبل "تحرير" القضاء والقضاة حقاً من السطوة السياسيّة التي تدجن القضاء وتفرغه من مضمونه ودوره ورسالته. في اللحظة الاقليميّة الملتهبة التي تشهد متغيرات لم يكن ممكناً تخيّل البعض منها منذ سنوات قليلة مضت، وفي الوقت الذي يفقد فيه لبنان الكثير من الميزات التفاضليّة التي كان يتميّز بها لصالح بلدان صاعدة أخرى، لا يمكن مواصلة الدوران في حلقة مفرغة: حروب وانقسامات وفساد واهتراء.

إسرائيل تطلب إخلاء جنوب لبنان بالكامل حتى نهر الزهراني

انتهى يوم الأربعاء 27 مايو بتطورين لا يبعثان على التفاؤل: خلال اجتماع موسع لفريقه الوزاري، أكد الرئيس دونالد ترامب أنه «غير راضٍ عما يقترحه إيران» بشأن مذكرة التفاهم قيد المفاوضات حالياً بين البلدين؛ وفي الوقت ذاته، سجلت الجيش الإسرائيلي «حدثاً للمرة الأولى» بطلبه مساء الأربعاء من سكان «جنوب لبنان برمته» إخلاء مناطقهم والانسحاب «شمالاً من نهر الزهراني»، على بعد بضعة كيلومترات جنوب صيدا! بدأ المناخ السياسي العام يتحول إلى الأحمر في منتصف اليوم إثر معلومات أوردتها التلفزيون الإيراني الرسمي بشأن محتوى مشروع المذكرة قيد النقاش بين المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين عبر الوسيط الباكستاني. أفادت التلفزيون الإيراني، وتناقلتها وسائل الإعلام على نطاق واسع، بأنها حصلت على «مسودة اتفاق إطاري أولي غير رسمي لبروتوكول اتفاق مع الولايات المتحدة». بحسب الوسيط الإيراني، تنص شروط هذا الاتفاق الإطاري على أن «إيران ستعيد فتح الملاحة التجارية في مضيق هرمز خلال شهر واحد» وستسحب الألغام من المنطقة، بينما «تتعهد» الولايات المتحدة بإنهاء وجودها في المنطقة وحصارها للموانئ الإيرانية. لا توجد أي إشارة إلى الملف النووي... لم تبطئ البيت الأبيض في الرد بتأكيده أن هذه المعلومات «لا أساس لها من الصحة» و«مختلقة من صفر»، كما أفادت وكالة رويترز. تصريحات ترامب من جانبه، عقد الرئيس ترامب اجتماعاً لفريقه الوزاري الأربعاء في البيت الأبيض (وليس في كامب ديفيد كما كان مخططاً في الأصل) للنقاش في ملف المفاوضات مع إيران. قال الرئيس الأمريكي خلال الاجتماع: «نحن غير راضين عن المقترحات الإيرانية بشأن مذكرة التفاهم»، مضيفاً أن القوات الأمريكية قد تضطر إلى «العودة إلى إيران لإكمال المهمة». في وقت سابق من اليوم، صرح رئيس البيت الأبيض لـ بي بي سي نيوز بأن «إيران لن تحصل على تخفيف للعقوبات مقابل التخلي عن اليورانيوم المخصب». وأعاد الرئيس ترامب التأكيد على أن إيران «تريد صفقة وليس لديها خيار آخر»، مؤكداً أن إدارته «لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع إيران وليست راضية عنه». أشار في هذا الصدد إلى أن إيران «ضعيفة جداً» حالياً. من جهته، أصر وزير الخارجية ماركو روبيو على أن «الخيارات تبقى مفتوحة في الملف الإيراني، لكن ما هو مؤكد أن هذا البلد لن يحصل على سلاح نووي». وكأنها ترد على الإدارة الأمريكية، قال مسؤول كبير في الحرس الثوري الإيراني إن احتمالية حرب جديدة «منخفضة»، منتقداً «ضعف العدو». أكد أن القوات المسلحة الإيرانية تبقى جاهزة للتدخل «بحاويات مليئة». وفي تصريح مفاجئ آخر، لاحظت وزارة الاستخبارات الإيرانية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان جاهدتين إلى الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية «بوسائل جديدة»، بعد أن «فشلتا» في فعل ذلك من خلال الضربات. أوامر إخلاء جنوب لبنان في لبنان، التصعيد الإسرائيلي مستمر بلا هوادة. وكانت إحدى أهم الأنباء في اليوم هي إشعار بإخلاء جنوب لبنان بالكامل. دعت الجيش الإسرائيلي فعلاً جميع سكان الجنوب إلى الانسحاب حتى شمالي نهر الزهراني، موضحاً أن المنطقة جنوب هذا النهر هي «منطقة قتال». شددت تسهيل على عزمها شن هجوم قوي ضد حزب الله في هذه المنطقة. النقطة الساخنة جداً الأخرى في الجنوب هي بلدة زعتر الشرقية في منطقة النبطية، والتي شهدت اشتباكات عنيفة بين مسلحي حزب الله والجيش الإسرائيلي الذي يتقدم على هذا المحور. وفقاً لمحللين، يسعى الإسرائيليون للاستيلاء على قلعة بوفور، وهي تل استراتيجي للغاية، في طريقهم نحو مدينة النبطية. كما أن عملياتهم في صور تنبئ بتقدم في هذا الاتجاه. لا يزال حزب الله يستخدم بكثافة صواريخه ضد الجيش الإسرائيلي في لبنان، وكذلك أسلحته الأكثر فعالية حالياً وهي الطائرات المسيرة الانتحارية، خارج الحدود. إلى متى سيتمكن من تأخير التقدم الإسرائيلي؟ يبدو أن الحزب الموالي لإيران يتشبث بشكل متزايد بتكتيكات الحرب العصابية التي تضحي بالجغرافيا لصالح حرب استنزاف. قضية سد القرعون من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن الضربات الثلاث التي استهدفت يوم الثلاثاء الماضي، 26 مايو، سد القرعون في البقاع، أثارت ردود فعل منذرة من جانب السلطة الوطنية للليطاني واتحاد بلديات البحيرة، الذي يضم 19 قرية. (Facebook: اتحاد بلديات البحيرة على فيسبوك ، بلدية مشغرة ) سد القرعون تم بناؤه وفقاً لنموذج يسمى "سد-ثقل". اي في حين أنه يتضمن "جسماً" من الخرسانة في وسطه وحتى ارتفاع معين، إلا أن الضغط الذي تمارسه مياه البحيرة يتم احتواؤه بشكل أساسي عن طريق ردم ضخم يُتوّج هذه البنية الخرسانية. يلعب هذا الردم دوراً حاسماً في تثبيت الصخور ومنع انزلاقها نحو قاعدة السد. من الناحية الفنية والمعمارية، الطريق التي تم قصفها يوم الثلاثاء تشكل جزءاً لا يتجزأ من الردم المذكور. تم بناء جدار استنادي على طول هذا القسم من أجل الحفاظ على الكتل الصخرية في مكانها وحماية بنية السد من أي انزلاق أرضي أو تأثير هيكلي. وبالتالي، فإن الطريق التي استهدفتها الضربات الإسرائيلية ليست مجرد محور يربط الضفاف الغربية والشرقية للليطاني، بل هي عنصر هيكلي ووظيفي في نظام حماية السد. كانت الضربات الإسرائيلية تهدف على الأرجح إلى عزل البقاع الغربي عن جنوب لبنان، بقطع خطوط الاتصالات والدعم اللوجستي لحزب الله. بعد قصف الجسر الذي يربط قرية مشغرة (التي تعرضت يوم الثلاثاء لقصف إسرائيلي مكثف واكتُشفت فيها أنفاق) بقرية سحمر، معقل حزب الله الآخر على الضفة المقابلة للليطاني، كانت الطريق الوحيدة القابلة للمرور هي طريق السد. والآن، مع قطع هذا المحور، يتعين إما الاتجاه نحو الشمال باتجاه كفريا، أو سلوك طريق أخرى نحو الجنوب بالقرب من النبطية. في كلا الحالتين، هذه المسارات أطول وأكثر عرضة للخطر. في هذا السياق، أصدرت المصلحة الوطنية للليطاني بياناً تحذر فيه من الأخطار التي تشكلها الهجمات المتكررة بالقرب من منشآت السد. وتؤكد السلطة أن أي هجوم، مباشر أو غير مباشر، على سد القرعون أو منشآته قد يؤدي إلى عواقب كارثية على السكان والبنية التحتية والمرافق الحيوية الواقعة في المصب. (Facebook المصلحة الوطنية للليطاني، litani.gov.lb ) وقد أعادت نشر توقعات وضعتها وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID)، التي تصف السيناريوهات المحتملة للفيضانات في حالة انهيار السد، وتحدد المناطق الضعيفة التي قد تغمرها المياه في حالة الأضرار الهيكلية أو هجوم على السد.

هل مشكلتنا تكمن حقاً مع عقيدة حزب الله؟

يشيع رأي في لبنان، أن مشكلة اللبنانيين مع عقيدة حزب الله واتباعه لولاية الفقيه التي ابتدعها الخميني. لكن السؤال هل المشكلة حقاً في العقيدة نفسها، سواء وافقنا عليها او رفضناها، أم في فرض هذه العقيدة وما يترتب عليها من ممارسات علينا جميعاً وعلى الدولة؟ ليس لدينا أي حق في الاعتراض على ما يؤمن به الآخرون، ولا على حقهم الكامل في اعتناق ما يشاؤون من أفكار وعقائد مهما كانت. إن من حق أي فرد أو جماعة اعتناق ما يشاؤون من أفكار، دينية أو سياسية. هذا يدخل ضمن حرية الضمير، وهي حرية تدخل في صلب الدستور اللبناني، وهي في جوهرها، ليست موضع نقاش ولا ينبغي أن تكون. لكل فرد أو جماعة أن ترى العالم كما تشاء، وأن تبني منظومتها الفكرية والروحية كما تقتنع، دون وصاية من أحد. لكن ما يصبح موضع اعتراض ورفض، بل وقلق عميق، هو في تلك اللحظة التي تتحول فيها العقيدة من خيار شخصي أو جماعي حر، إلى قوة تفرض قانونها على الآخرين، وإلى مشروع يسعى لجرّ مجتمع بأكمله إلى مسارات لم يخترها. والمشكلة تتفاقم عندما تتحول العقيدة إلى: سلطة فوق سلطة الدولة أو أداة لفرض خياراتها على مجتمع متنوع ومتعدد، هنا لا نعود في مجال "الاعتقاد"، بل في مجال الإكراه. إن الاعتراض إذن ليس على "بماذا تؤمن" بل على "كيف ولماذا تريد أن تُلزم الآخرين به"؟. فهنا، لا نعود أمام اختلاف في الرأي أو التنوع في المعتقد، بل أمام انتقال خطير من مساحة الحرية إلى مساحة التسلط والهيمنة. وإذا كنت أؤمن بأن لا شأن لي بما تؤمن به، لكن لي شأن كامل عندما يصبح هذا الإيمان سبباً لجرّي إلى حرب، أو لتغيير نمط حياتي، أو فرض واقع سياسي عليّ دون إرادتي. وهذا ليس من موقف العداء تجاه أي طائفة أو فكر، بل هو دفاع عن: التعددية وحق الاختلاف واحترام حدود السلطة. إذن ليست المشكلة في "بماذا نؤمن"، بل في "كيف نتعامل مع هذا الإيمان على أرض الواقع". فحين يصبح الاعتقاد مبرِراً لفرض قرارات مصيرية على مجتمع متعدد، أو لاحتكار السلاح واستخدامه للتهديد، ومن ثم لتحديد خيارات الحرب والسلم خارج إطار الدولة ومؤسساتها، فإننا نكون قد تجاوزنا حدود الحرية، ودخلنا في منطق الاستبداد والهيمنة. وظهر ذلك مؤخراً في إعلان البعض من مسؤولي الحزب وجماعته: "بأن سلاحهم باقٍ حتى ظهور المهدي"!! هنا يتخطى الأمر المنطق العاقل ليلامس الهذيان الجماعي. في مجتمع كلبنان، قائم بطبيعته على التعدد والتوازن الدقيق، إن أي محاولة لفرض نموذج واحد - أيديولوجي أو ديني - لا يمكن إلا أن تؤدي إلى اختلال عميق. ليس لأن هذا النموذج خاطئ بالضرورة في ذاته، بل لأنه يُفرض خارج التوافق، وخارج قواعد العيش المشترك. من هنا، يصبح من الضروري إعادة وضع الأمور في نصابها: الدفاع عن حرية الاعتقاد لا يعني القبول بفرضه على الآخرين. والتعددية لا تعني أن يتحول فريق إلى وصي على خيارات الجميع. إن ما نحتاجه اليوم ليس نقاشاً عقائدياً يُعمّق الانقسام، ويكون خارج الموضوع؛ نحتاج الى اتفاق واضح على حدود الممارسة: حيث تنتهي حرية الفرد أو الجماعة عندما تبدأ حرية الآخرين، وحيث لا يجوز لأي فكرة - مهما كانت - أن تتحول إلى سلطة فوق المجتمع والدولة. غير أن هذه الإشكالية لا يمكن فهمها بالكامل، إذا اكتفينا بمستوى السلوك أو القرار السياسي الظاهر من قبل جماعة حزب الله. هنا تبرز أهمية المقاربة التي قدمها وضاح شرارة، الذي لم ينظر إلى الظاهرة بوصفها مجرد ممارسات، بل كبنية متكاملة تُنتج نمطاً خاصاً من الالتزام والانضباط والولاء. في دولة حزب الله، يظهر الحزب كفضاء يتجاوز التنظيم السياسي إلى "مجتمع داخل المجتمع"، له منطقه الخاص في تعريف الشرعية، والانتماء، والواجب. من هذا المنظار، يصبح انخراط الأفراد المنتمين الى منظومة حزب الله، أو امتثالهم لا يعود مجرد خيار فردي بسيط، بل يصبح جزءاً من عقل جمعي يُعيد تشكيل إدراكهم للعالم ولموقعهم فيه. هذا العقل الجمعي لا يقوم فقط على القناعة، بل على منظومة رمزية ومعنوية عميقة: الشهادة، التضحية، القداسة، والانتماء إلى قضية تتجاوز الحدود الوطنية. وهنا تحديداً تكمن صعوبة النقاش، لأننا لا نكون أمام قرار سياسي قابل للأخذ والرد فقط، بل أمام بنية ذهنية وأخلاقية متماسكة. لكن حتى مع فهم هذه البنية، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يبرر هذا التماسك الداخلي تحويله إلى قوة تُفرض على الخارج؟ وهل يمكن لعقل جمعي - مهما كان متماسكاً أو مؤمناً بذاته - أن يختزل مجتمعاً متنوعاً ويفرض عليه مساره؟ إن التحدي الحقيقي، إذًا، ليس في تفكيك المعتقد بحد ذاته، ولا في الدخول في سجال عقائدي قد يكون عقيماً، بل في رسم الحد الفاصل بين المجال الذي يحق فيه لهذا العقل الجمعي أن يعيش ويعبّر عن نفسه بحرية، والمجال الذي لا يحق له تجاوزه عندما يتعلق الأمر بمصير مجتمع بأكمله. ` بهذا المعنى، يصبح النقاش الأكثر دقة: ليس صراعاً بين معتقدات، بل صراعاً على حدود السلطة، وعلى من يملك حق تقرير المصير المشترك. وهنا، لا يكفي فهم الظاهرة، بل لا بد من إعادة تأكيد مبدأ بسيط وحاسم: لا شرعية لأي قوة تتجاوز المجتمع الذي يفترض أن تنتمي إليه، ولا لأي فكرة تتحول إلى قدر مفروض على الآخرين.

إلى أخي نصير الأسعد
بقلم
هادي الأسعد
نُشر

أربعة عشر عاماً مضت. أربعة عشر عاماً انقضت منذ رحيل شقيقي نصير الأسعد ، غير أنّ ذكراه تبقى حيّةً راسخةً في قلوب كلّ من عرفه وأحبّه وأجلّه، أو اعترض طريقه يوماً في مسيرة لبنانٍ كان يحلم به حرّاً سيّداً كريماً. كان نصير من ذلك الجيل من الرجال الذين لا يبحثون عن الأضواء ولا عن الألقاب. كان يؤمن إيماناً عميقاً بالقضايا العادلة دون أن يسعى إلى جني أيّ مكسبٍ شخصيٍّ منها. صانعٌ صامتٌ لكنّه راسخ العزم في ثورة الأرز عام 2005، إلى جانب سمير وفارس وإلياس وسمير، وكذلك وليد وجبران وسواهم، أدرك باكراً أنّ لبنان لن يصمد بغير الحرية والتعددية والدولة. كان ممّن يفعلون أكثر ممّا يتكلّمون. ممّن يبنون في الصمت. ممّن يرفضون المساومات ويحتفظون في الآن ذاته باحترامهم للآخرين وبتواضع الرجال العظام. لم يكن التزامه ظرفيّاً ولا انتهازيّاً. كان نابعاً من قناعةٍ راسخة: أنّ لبنان يستحق أكثر من الانقسامات والوصايات والسلاح غير الشرعي والتبعيات الخارجية. كان يؤمن بلبنانٍ منفتحٍ حديثٍ متجذّرٍ في تاريخه ووفيٍّ لرسالته في التعايش والحرية. لكنّ نصير، ما وراء صورة الرجل الملتزم، سيبقى في ذاكرتنا قبل كلّ شيءٍ رجلاً ذا تواضعٍ بالغ. على الرغم من مسؤولياته، وعلى الرغم من نفوذه الحقيقي في أوساطٍ سياسيةٍ وفكريةٍ عديدة، ظلّ يتحلّى ببساطةٍ نادرة وقربٍ صادقٍ من كلّ إنسانٍ وأناقةٍ أخلاقيةٍ كانت تفرض الاحترام. بالنسبة إليّ، لم يكن مجرّد رجل قناعات أو شخصيةٍ ملتزمةٍ في زمانه. كان قبل كلّ شيءٍ أخاً. أخاً أحببته حبّاً عميقاً، رفيقَ درب، نديماً للسرّ، حضوراً مطمئنّاً ووفيّاً. غيابه يترك منذ أربعة عشر عاماً فراغاً لم يملأه الزمن حقّاً. ثمّة روابط أخويّة تتخطّى الكلمات: هي مصنوعةٌ من الذكريات والنظرات والصمت ومن لحظاتٍ بسيطةٍ لا تزال تسكن حياةً بأكملها. أشتاق إليه في المحطّات الكبرى كما في تفاصيل الأيام. أشتاق إلى حكمته وحيائه ودعابته الهادئة وإلى تلك الطريقة الفريدة التي كان يُهدّئ بها الأمور دون أن يفرض حضوره يوماً. كان شابّاً حين غادرنا. شابّاً جدّاً. وكما يحدث في الغالب مع رجال القناعة، يبدو أنّ الزمن قد أضفى على مسيرته وإرثه قيمةً مضاعفة. اليوم، في حين يجتاز لبنان واحدةً من أصعب المراحل في تاريخه المعاصر، تذكرنا ذكرى نصير بأنّه لا يزال ثمّة رجالٌ قادرون على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، رجالٌ قادرون على الإيمان بلبنان حتّى حين يبدو كلّ شيءٍ يدفع نحو اليأس. إنّ أفضل تكريمٍ نستطيع أن نُسديه لذكراه ليس في الكلمات أو الذكريات وحسب. بل في مواصلة الدفاع عن القيم التي أفنى حياته في سبيلها: السيادة وكرامة الدولة والحرية والحوار والأمل. في مناسبة الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، نفكّر فيه بمشاعر الوجد والاعتزاز والوفاء. لأنّ بعض الرجال لا يغيبون حقّاً أبداً. يصبحون جزءاً من ذاكرة الأمم. إلى نصير، بالمحبة والامتنان والتقدير.

لبنان في دوّامة عنف جديدة
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر

غداة تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«سحق حزب الله» وتوسيع عملياته العسكرية في لبنان، استيقظت البلاد على وقع دوامة جديدة من العنف، أعادت إلى الواجهة مخاوف العودة إلى مواجهة مفتوحة. و هذه المخاوف باتت أكثر مشروعيةً في ظلّ شروع الجيش الإسرائيلي في توسيع ما يسمّيه المنطقة الأمنية التي يسيطر عليها في جنوب لبنان. وفي موازاة ذلك، جدد المسؤول الإسرائيلي، الذي نال ضوءاً أخضر أمريكياً لشن عملية واسعة النطاق ضدّ الحزب، تأكيده يوم الثلاثاء، رفضه «تخفيف الضغط أو التراجع»، مشيراً إلى أن جيشه يكثّف عملياته في لبنان و«يؤمّن مواقع استراتيجية». كما أشار رئيس الوزراء إلى «جهود وطنية تُبذل لمواجهة تهديد المسيّرات الانقضاضية التابعة لحزب الله». إزاء هذا المشهد، يتوقع اللبنانيون الأسوأ، في وقت يبدي فيه حزب الله لامبالاة تامة إزاء الكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والمادية الباهظة والمروعة لهذه الحرب المدمرة، التي جرّ البلاد إليها خدمةً للمصالح الإيرانية. وتكثفت الغارات الإسرائيلية طوال يوم الثلاثاء؛ فمنذ بعد ظهر الإثنين، ترزح مدينة النبطية تحت نيران متواصلة من الطيران الحربي والمسيّرات الإسرائيلية، لتواجه مصيراً مشابهاً لمصير بنت جبيل التي تحولت إلى ركام من الرماد، بالتزامن مع استهداف بلدات في البقاع الغربي، معاقل الحزب الموالي لإيران. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان مدينة النبطية بوجوب إخلائها بالكامل والتوجه «إلى شمال نهر الزهراني». وللمرة الأولى أيضاً، شنّ الجيش هجوماً بهذه الضراوة على بلدات البقاع الغربي. ففي قرية مشغرة المختلطة وحدها، لقي خمسة عشر شخصاً حتفهم في غارة نُفِّذت عقب أمر بالإخلاء، حيث يتحصّن مقاتلو الحزب داخل المنازل التي هجرها أصحابها أو بالقرب منها، لإطلاق صواريخهم باتجاه المواقع الإسرائيلية. ومنطق هذه الجماعة، التي يدين لها لبنان، فضلاً عن الدمار، باحتلال إسرائيلي لمساحات واسعة من أراضيه الجنوبية - فلا يزال على حاله: ففي ظلّ عجزهم عن صدّ الجيش الإسرائيلي، يركّز المقاتلون جهودهم على تكبيده خسائر بشرية، غير أنها تبدو ضئيلة قياساً بما يتكبّده لبنان. فتل أبيب تحصي 23 قتيلاً في صفوف جيشها منذ الثاني من آذار، في حين يسجّل لبنان 3,185 قتيلاً و9,633 جريحاً. وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع أكثر إذا ما نفذت إسرائيل تهديداتها. وكان بنيامين نتنياهو قد أجرى مشاورات عسكرية مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس ورئيس أركانه إيال زامير، قبل ساعات قليلة من تأكيد الجيش الإسرائيلي لوكالة «رويترز» عزمه على توسيع «الخط الأصفر» الوهمي شمالاً، وهو الخط الذي يرسّم حدود ما يسمى بـ«المنطقة الأمنية»التي أنشأها على طول حدوده الشمالية. وفي الواقع، نفّذ الجيش الإسرائيلي، ليل الإثنين-الثلاثاء، توغلاً شمال هذا الخط بعمق نحو عشرة كيلومترات، بهدف دحر مقاتلي الحزب. واليوم، ثمّة خطر جدّي من أن تمدد إسرائيل منطقة نفوذها حتى نهر الزهراني على بُعد كيلومترات قليلة جنوبي صيدا، تماشياً مع رغبات وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية. أو ربما المضي قدماً في تنفيذ خطتها الأولية، والتي كانت تقضي بشنّ توغل في البقاع، انطلاقاً من المواقع التي تسيطر عليها عند قمة المقلب اللبناني من جبل الشيخ (حرمون)، لإقامة منطقة أمنية هناك أيضاً، وتحييد تهديد حزب الله بانتظار ترتيبات أمنية مع لبنان. وثمة تطور ميداني يعزز هذه الفرضية، يتمثل في استهداف الطرقات في البقاع؛ إذ عطل الطيران الإسرائيلي الطريق الاستراتيجي المحاذي لبحيرة القرعون عند نقطة السد، والذي يربط بين بلدتي القرعون ومشغرة. وبحسب المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، فقد استُهدف هذا المحور الطرقي أربع مرات، دون أن يؤدي ذلك إلى إلحاق أضرار بالسد. وتعيد هذه التكتيكات - المتمثلة في قطع طرق المرور لعرقلة تحركات مقاتلي الحزب - إلى الأذهان الاستراتيجية نفسها التي طبقها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان قبيل إطلاق عمليته البرية. وأمام هذا السيناريو الكارثي، يغدو من المشروع التساؤل عما إذا كان حزب الله، بدفع من إيران، قد تعمّد في الأيام القليلة الماضية تكثيف هجماته بالمسيّرات ضد الجيش الإسرائيلي - مدركاً أن الأخير لن يقف مكتوف الأيدي - وذلك بغية تحقيق هدف مزدوج: تقويض جولة المحادثات المباشرة الجديدة بين بيروت وتل أبيب، والتي كانت مقررة مبدئياً يوم الجمعة في واشنطن، وتحويل لبنان مجدداً إلى ورقة ضغط بيد طهران في إطار مفاوضات معقدة ومحتملة مع الولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، لا يبدو أن إسرائيل ولا حزب الله في وارد خفض التصعيد العسكري، مما يُغذّي المخاوف من الغرق في حرب باتت السلطات اللبنانية عاجزة تماماً عن السيطرة على مجرياتها. وساطة في طريق مسدود في ظل هذه الأجواء المشحونة، لم تقتصر الأمور على بقاء جهود الوساطة الرامية إلى استئناف الحوار الإيراني-الأميركي في طريق مسدود، بل إن حدة التوتر عادت لتطفو على السطح مجدداً بين الأطراف المتنازعة. إذ استعادت طهران لغة التهديد والوعيد، غداة الضربات الأميركية التي استهدفت زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري (الباسداران) في بندر عباس عند مضيق هرمز. واتهمت وزارة الخارجية الإيرانية واشنطن بارتكاب «انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار»، في وقت أكد فيه الجيش الأميركي أنه استهدف مواقع لإطلاق الصواريخ وزوارق يُشتبه في قيامها بزرع ألغام بحرية. وشددت الوزارة في بيان لها على أن «إيران تحمّل النظام الأميركي المسؤولية الكاملة عن كافة التداعيات الناجمة عن هذه الأعمال العدوانية وغير المبررة». من جانبه، حذر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي من أن القوات الأميركية لن تجد بعد اليوم «أي ملاذ آمن في المنطقة»، فيما أعلن الحرس الثوري إسقاط طائرة مسيّرة أميركية واستهداف طائرات أخرى دخلت المجال الجوي للبلاد. وفي سياق هذا التصعيد المتجدد، يتوجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب غداً إلى كامب ديفيد، وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست»، لإجراء مشاورات تتعلق بالملف الإيراني مع أركان إدارته، بمن فيهم مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، التي كانت قد تقدمت باستقالتها قبل أربعة أيام. وبعيداً عن التوترات الإقليمية، تستدعي خطوة تجميد مرسوم رئاسي إيراني كان يقضي بإعادة تشغيل خدمة الإنترنت في البلاد التوقف عندها؛ إذ إنها تؤكد بوضوح هيمنة الحرس الثوري المطلقة على القرارات الاستراتيجية في إيران، علمًا أن قرار إبطال الإجراء الرئاسي صدر عن وزارة العدل الإيرانية.

اتفاق الطائف وضمانة العيش المشترك في مواجهة أزمات لبنان

يكثرُ الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورةِ تغييرِ نظام الصيغة اللبنانية بوصفها "ولّادة أزمات"، ويستسهل البعض الكلامَ عن لبنانٍ "آخر" في مرحلةٍ شديدة التعقيد تمرُ بها المنطقة. هناك من اعتبرَ منذ 1989، أن اتفاق الطائف هو اتفاق "الضرورة"، بمعنى أنه "لا يُعجبنا" لكن للضرورة أحكام: ضرورة إنهاء الحرب، ضرورة الانتقال من الحرب إلى السلم، ضرورة التخلّص من خصمٍ داخلي، ضرورة التمسك بهذا الاتفاق في وجه سلاح "حزب الله". وهناك من يعتبرُ أنه "جرّبَ الاتفاق وفشلَ"، ويعود هذا الفريق منذ لحظة الاعلان بأمثلة تؤكّد على فشله ضارباً بعرض الحائط الآليات التي تحكّمت بنتفيذه انتقائياً: سلاح سوريا من العام 89 حتى العام 2005 سلاح ايران منذ العام 2005 حتى يومنا هذا. وبحجّةِ أنه "فشِلَ" في إدارة البلد، يخرجون عن النصِ مدافعين عن صيغٍ جديدة مثل الفدرالية ولبنان الصغير وغيرها. أنا أنتمي إلى الفريق الذي يدافعُ عن الدستور بوصفه حامياً لمعنى لبنان القائم على ثلاثية: نهائية الكيان – عروبة لبنان – والعيش المشترك. كما أفتخرُ بإعلان الفاتيكان تطويب البطريرك الياس الحويّك، وأحذّرُ من: أ‌- خطورة الخروج المتمادي عن الدستور واتفاق الطائف في مرحلةٍ يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة وتتعيّن فيها الأحجام والأدوار السياسية والإقتصادية نحن أمام مفترقِ طرقٍ تتوضّح فيه معالم ترسيمِ المنطقة من جديد وذلك بعد مئةِ عام من انهيار الامبراطورية العثمانية وبدايةِ مرحلةِ اتفاق سايكس- بيكو. اليوم، تتصدر تيارات اسلامية، سنّية وشيعية غير عربية، المشهد وتحاولُ تحديد أحجامها السياسية والاقتصادية والعسكرية على حساب هوية المنطقة. وللحؤولِ دون سقوطِ لبنان وتحميلِه الثمن خلال مراحل التغيير الكبير نتمسّكُ بما اتّفقَ عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف الذي أصبح دستوراً والذي يؤكد على نهائيةِ الكيان اللبناني وانتمائه إلى الهوية العربية. عليه، تشكّلُ نهائيةَ الكيان اللبناني الضمانة المطلوبة الرئيسية كي لا يتجه لبنان الى الاصغر أو أن يذوب في إطارٍ أكبر. ان عروبةَ لبنان وانتماءه إلى محيطه العربي يؤمنان له ضمانةَ الدخولِ في نظام المصلحة العربية الذي ترتسمُ معالمُه في العقود الأولى من هذا القرن. ب‌- خطورة الانقلاب على اتفاق الطائف والدستور وقرارات الشرعية الدولية إن الخروجَ من الدستور في لحظةٍ يحاولُ "حزب الله" فرضَ معادلة " السلاح مقابل الدستور "، أي تحقيقَ مكاسبَ لفريقٍ على حساب التوازن الداخلي خطيرٌ جداً، لأن لبنان لا يُحكم بموازين القوى بل بقوةِ التوازن. التمسّك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية لا سيما القرارات 1559 و1680و1701، والتي تأخذُ من اتفاق الطائف المستند القانوني لها، بمعنى ان التمسك باتفاق الطائف يعني التمسك بقرارات الشرعية الدولية – كما الانسحاب من اتفاق الطائف يعني الانسحاب من قرارات الشرعية الدولية. قد تكونُ إحدى نقاط الضعف (حتى الآن) لمضمون المفاوضات مع اسرائيل في واشنطن تكمنُ في غياب النص السياسي (الشفهي أو المكتوب) عن قرارات الشرعية الدولية 1559، 1680 و1701. ج‌- مسألة العيش المشترك والشراكة السياسية في ظلّ تمرّد فريقٍ على العدالة اللبنانية والدولية نحن في لحظةِ إعادةِ ترتيب المنطقة، حيث تبحثُ كلُ جماعة ودولة عن موقعٍ لها يشكّل سببَ وجودها في عالمٍ يتغيّرُ بسرعةٍ فائقة. نحن مؤتمون على تجربة لبنانية مرتكزة على العيشِ المشترك، والذي برأيي هو - أي هذا العيش المشترك - ليس رغبةَ المسيحيين بالعيشِ مع المسلمين والعكس إنما هو نتيجة استحالةِ كلِ فريق العيشِ لوحده. هذه هي المعادلة التي تعلّمناها خلال الحرب وبعدها، وتشكّلُ اليوم جوهرَ معنى لبنان في المرحلةِ القادمة في المنطقة والعالم. وعدَ الرئيس أحمد الشرع بصياغة دستور لسوريا الجديدة خلال 4 سنوات، نتمنى له التوفيق لأننا نعرف تعقيدات الأمورِ مع الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين والاسلاميين والمسلمين والعلمانيين و... نحن لدينا دستور فلنُحافظَ عليه. د‌- تصويب النقاش حول مسألة الحياد بما لا يتناقض مع هوية لبنان وانتمائه إن الحيادَ يرتكزُ على توقّف كل فريق داخلي عن الاستقواء بخارجٍ ما على حساب الشراكة الوطنية. لأن هذا الاستقواء يرتكز على المقايضة التالية: يعطي فريق داخلي جزءًا من السيادة مقابل جزءٍ من المكاسب على حساب الشريك الداخلي. لذا يجب تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية. إن تجربة لبنان المئوية تؤكد ان السيادة لا تتجزأ ولا مكاسبَ خاصة لفريقٍ على حساب الشراكة الداخلية الكاملة. كل الطوائف والافرقاء في لبنان اختبروا الاستقواء بالخارج. فلم تسلم طائفة أو حزب من عواقب "مغامرات" الاستقواء. إن الدعوة إلى الحياد أكثر إلحاحاً، والحياد هو عقدٌ لدى اللبنانيين يعلو على الاعتبارات الدستورية والقانونية وكان في أساس الفكرة اللبنانية. والحياد ليس محطةً تأسيسيةً تُضاف إلى المحطات التأسيسية السابقة، مثل تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، أو الميثاق الوطني سنة 1943 واتفاق الطائف في العام 1989. فالحياد المطلوب اليوم كضرورة وطنية حامية وجامعة لكل اللبنانيين إنما يندرج في سياق الحفاظ على العيش المشترك الاسلامي- المسيحي في ظلّ التوازن وفي ظلّ العدالة والحرية . هـ - مناقشة دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي... بهدف استعادة ميزاته التفاضلية في هذا المجال للخروج من عزلته العربية والدولية الراهنة ندخلُ اليوم الى مرحلة أوصلت اسرائيل الى عمق المنطقة، كما تتمدد إيران وتركيا وروسيا بشهيات إمبراطورية عُلّقت لقرن وتعود اليوم مع انهيار النظام العربي القديم. يتزامنُ كلُ ذلك مع تراجع دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي. والمطلوب، وعلى عجلٍ، هو إطلاق ورشِ عمل في كل المجالات المذكورة لاستعادة الدور على مستوى العالم ككل. انتهى زمن "لبنان مركز خدمات المنطقة" نظراً لتطوّر غالبية الدول العربية وتداعيات العولمة والذكاء الاصطناعي. وإذا كان صحيحاً أن لبنان عانى من مشكلات العالم العربي ودفع أثماناً باهظة لقضايا العرب مع بروز التيارات الوحدوية واندفاعة الثورة الفلسطينية وغيرها.. إنما في الأمانة الإعتراف بالمقابل، أن لبنان جنى حضوراً ونهضةً وانتعاشاً نتيجة انتمائه إلى العالم العربي: أجيال طلائع طلاب الهندسة والطب والاقتصاد منذ أربعينيات القرن الماضي، والذين أطلقوا ورشة إعمار الخليج. قانون سرية المصارف في العام 1956 استدعى الرأس المال العربي هرباً من التأميم في سوريا ومصر والعراق.. إقفال قناة السويس في العام 1967 جعل من مرفأ بيروت قناة سويس المنطقة. أموال الفلسطينيين والعرب والنفط. اليوم انتهت هذه المرحلة وعلينا ابتكار حاجة لنا في هذا العالم (Raison d’etre) جديدة. لا أدّعي معرفة معالمها إنما أعرف أن صيغة العيش المشترك هي ما تبقّى لدينا هذا إذا ما عرفنا كيفية الحفاظ عليها. لا يغيبُ عن بال أحدِ أن وزيري الأشغال في تركيا والمملكة السعودية وقّعا على مشروعِ بناء سكة حديد "السلطان عبد الحميد" التي تربط اسطنبول بمكّة من دون المرور بلبنان. ولا يغيب عن بال أحدٍ أن خطاً بحرياً يمتدّ من الإمارات حتى العقبة في الاردن ومنها إلى حيفا-اسرائيل، ومن حيفا إلى أوروبا دونَ المرورِ بلبنان. كما لا يغيبُ عن بال أحدٍ ما قاله الرئيس أحمد الشرع للصحافة العربية، أن "زمن موسى كان زمن السحر، وزمن المسيح – زمن الطب، وزمن محمد – زمن اللغة، أما زمن اليوم فهو زمن التنمية". و- هواجس الطوائف المتكررة عاشت الطوائف اللبنانية منذ قيامِ الجمهورية اللبنانية هواجسَ اعتبرتها وجودية، وقد كانت هذه الهواجس عاملاً أساسياً في دخول لبنان الحرب المشؤومة. تعود اليوم، في ظل الأزمات الداخلية التي يعاني منها لبنان بالإضافة إلى التحولات الكبيرة في المنطقة، هواجسُ الطوائف إلى الظهور مجدداً، حيث يعيشُ المسيحيون هاجسَ الديموغرافيا الذي لم يفارقَهم، معتبرين اليوم أن العودة إلى "لبنان الصغير" هي "الضمانة" لهم، ويعيش الشيعة هاجسَ التهميش ويحاولون الخروج من هاجسهم هذا مستغلين الدعم الايراني ومتمردين على الدولةِ ومؤسساتها، كما يعيشُ السنّة هاجسَ الكبت، معتبرين أنه بالرغم من الامتدادِ العربي هم في لبنان طائفة كسائر الطوائف، ويُضاف اليوم إلى هذا الامتداد بروزِ قيادةٍ سنّية جديدة في سوريا، فيما يعيش الدروز هاجسَ الطائفةَ المؤسِّسة والتي تحوّلت إلى أقلية مستهدفة، يُضاف إلى ذلك هواجس الدروز في الاقليم. إن اتفاقَ الطائف هو الضامن الوحيد الذي، من خلال تطبيقه بالكامل، يطرحُ الحلولَ لهذه الهواجس كافة من خلال تثبيت العيش المشترك وضمانة الجماعات وحقوق المواطنين. هناك واقع مشترك بين الجميع، وهو ثقافة الخضوع للأمر الواقع، حيث أن الجميع تأقلموا مع هذا الامر الواقع من أجل الحصول على مكاسب شخصية. لا جماعة أو طائفة خرجت عن استخدام "سلّم وصولٍ" خارجي على حساب الداخل اللبناني: تسلّق البعض سلّم الانتداب، وتناوب آخرون على منظمة التحرير واسرائيل وسوريا وايران. إن جوهر اتفاق الطائف يرتكز على: "لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".