
الرئيس الأميركي يمارس ضغوطاً متزايدة على نتنياهو للحفاظ على مسار التفاوض


في وقت كان يُعتقد فيه أن إيران أعادت نهائياً أدواتها الحربية إلى صوامعها، أطلقت طهران نحو ثلاثين صاروخاً باليستياً على الدولة العبرية في وقت متأخر من مساء الأحد.
وقدّمت السلطات الإيرانية هذا الهجوم على أنه ردّ على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة عشرين آخرين.
الرسالة واضحة: فإيران تعارض المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجارية برعاية واشنطن، وتسعى إلى تقديم نفسها بوصفها المدافع عن لبنان «في مواجهة العدو الإسرائيلي»، حتى وإن كان ذلك ينطوي على خطر تصعيد جديد. وتواصل طهران الإصرار على أن يُعالج النزاع بين إسرائيل وحزب الله ضمن الإطار نفسه الذي تُناقش فيه المواجهة الأوسع بينها وبين إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط.
عند منتصف نهار الاثنين، أعلن قائد القوات المسلحة الإيرانية "وقف العملية"، التي وُصفت بأنها "ردّ قاسٍ" على إسرائيل. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أنه "في حال استمرار العدوان والأعمال العدائية، بما في ذلك في جنوب لبنان، فسيتم اتخاذ إجراءات أشدّ وأكثر ردعاً مما سبق".
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف: "لقد كسرنا المعادلة القائمة على توقيع وقف لإطلاق النار على الورق ثم انتهاكه بشكل منهجي على الأرض".
ولم تتأخر تل أبيب في الرد، إذ دمّرت عدداً من أنظمة الدفاع الإيرانية. إلا أن الرد الإسرائيلي، وعلى خلاف التوقعات، جرى كبحه إلى حدّ كبير من قبل حليفته الرئيسية، الولايات المتحدة.
ففي حين كان الرئيس دونالد ترامب قد انخرط بكل ثقله في النزاع عند انطلاق الضربات ضد إيران في 28 فبراير الماضي، طلب بشكل صريح يومي الأحد والاثنين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التحلي بضبط النفس، معتبراً أن مسار المفاوضات تعرقله "الجهالة أو الغباء".
خلال الأيام الأخيرة، لم يُخفِ ترامب خلافاته مع نتنياهو. ووفقاً للبيت الأبيض، أجرى الزعيمان اتصالاً هاتفياً يوم الاثنين، حيث ضرب الرئيس الأميركي هذه المرة بيده على الطاولة لفرض وقف للأعمال العدائية.
مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، يسعى ساكن البيت الأبيض إلى إيجاد مخرج لنزاع بات شديد السلبية في نظر الرأي العام الأميركي. وقد أثارت مداخلته يوم الاثنين، إلى جانب تصريحاته المتكررة التي يؤكد فيها أنه صاحب القرار النهائي، تكهنات بشأن الظروف التي أدت إلى شن الهجمات على إيران في فبراير، في وقت كانت المفاوضات لا تزال جارية.
ويتهم عدد من المحللين والمسؤولين المنتخبين في الولايات المتحدة بنيامين نتنياهو بأنه عجّل بدخول الولايات المتحدة الحرب بعد وقت قصير من الضربات الأولى التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي.
وفي مقابلة مع موقع أكسيوس يوم الأحد، حذر الرئيس الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي من أي ردّ إضافي بعد إطلاق الصواريخ الإيرانية، قائلاً: "سأتصل ببيبي (اللقب الذي يُعرف به نتنياهو) فوراً لأطلب منه عدم الرد. إسرائيل نفذت ضربتها وإيران نفذت ضربتها. لسنا بحاجة إلى ضربة أخرى".
إلا أن نتنياهو، رغم خطر إغضاب أقرب حلفائه على الساحة الدولية، أعطى الضوء الأخضر لشن ضربات جديدة.
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل، تُعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها طهران الأراضي الإسرائيلية مباشرة، كما أنها المرة الأولى التي تقصف فيها إسرائيل الأراضي الإيرانية.
من الجانب الإسرائيلي، يواجه رئيس الوزراء بدوره ضغوطاً داخلية كبيرة للحفاظ على نهج متشدد تجاه إيران.
وفي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز يوم الأحد، رأى دونالد ترامب أن على الزعيم الإسرائيلي قبول أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن عبر التفاوض.
وقال الرئيس الأميركي للصحيفة الاقتصادية: "لن يكون لديه خيار. أنا من يقرر. أنا من يقرر كل شيء. هو لا يقرر...".
رداً على تصريحات البيت الأبيض، أكد نتنياهو أن بلاده سترد "بقوة" على أي هجوم إيراني جديد.
وأضاف الزعيم الإسرائيلي، الذي كان قد أمر بشن ضربات ضد إيران رغم اعتراضات الرئيس الأميركي، أنه أبلغ ترامب "باحترام" أن إسرائيل ستواصل ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها "كلما دعت الحاجة".
وفي وقت سابق من اليوم، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن بلاده "ستواصل العمل" ضد حزب الله. كما توعد بأن "أي محاولة إيرانية لربط لبنان بإيران بهدف مهاجمة إسرائيل ستلقى رداً بالغ القوة".
وفي مقابلة بثتها شبكة NBC مساء الأحد، دعا دونالد ترامب إلى تنفيذ ضربات أكثر "دقة" ضد حزب الله، مؤكداً أنه يريد "حياة أفضل" للبنان.
وكان حزب الله قد أدخل لبنان في الحرب عندما هاجم إسرائيل بهدف الثأر لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل خلال هجوم إسرائيلي ـ أميركي.
وفي مقابلة أخرى نشرتها صحيفة نيويورك بوست الأربعاء الماضي، أكد الرئيس الأميركي أنه أجرى اتصالاً متوتراً للغاية مع بنيامين نتنياهو قبل يومين من ذلك. وخلال هذه المكالمة الهاتفية، وبّخ حليفه المقرب بسبب الهجوم الإسرائيلي الذي نُفذ في لبنان.
وعندما سُئل عن احتمال إدراج لبنان ضمن أي اتفاق مع إيران، أجاب الرئيس الجمهوري: "لا، لا". وأضاف: "على الإطلاق. أنا لا أفرض أي شيء. أعتقد أنهم يرغبون في ذلك، لكنني لا أفرض أي شيء".
تزايدت مخاطر التصعيد يوم الاثنين مع دخول الحوثيين في اليمن، حلفاء إيران، على خط المواجهة، ما أثار المخاوف من اتساع رقعة النزاع. فقد أعلنت الجماعة اليمنية مسؤوليتها عن هجوم استهدف إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اليمنية، كما فرضت حظراً على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، وهو ممر بحري استراتيجي آخر إلى جانب مضيق باب المندب.
حزب الله ينفي أي اتصال مع واشنطن
من جهة أخرى، أكد مسؤول حزب الله محمود قماطي، رداً على سؤال لوكالة فرانس برس يوم الاثنين، أن حزبه لم يجرِ "أي اتصال" مباشر مع دونالد ترامب، رغم التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي في هذا الشأن.
وكان الرئيس الأميركي قد صرح في 3 يونيو أمام صحافيين قائلاً: "لقد تحدثنا مع حزب الله للمرة الأولى".
وقبل ذلك بيومين، وفي وقت كانت إسرائيل تهدد باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب، قال إنه أجرى "محادثة مع ممثلين عن قيادة حزب الله"، مضيفاً أنهم "وافقوا على وقف إطلاق النار على إسرائيل وجنودها".
وأوضح مسؤول حزب الله أن الرئيس ترامب "كان ربما يشير إلى أن مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري يتواصل مع السفير الأميركي وينقل الرسائل".
وأضاف قماطي: "تُظهر هذه المزاعم إلى أي حدّ أن الإدارة الأميركية مستعدة لتجاوز السلطة اللبنانية بمجرد ظهور أي مؤشر على وجود تواصل مع الأطراف القوية والمؤثرة في لبنان".
من جانبه، كرر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يوم الاثنين أن "الدولة اللبنانية وحدها تتفاوض باسم لبنان، ولا أحد غيرها".
في صور: قتلى وآثار مهددة
ميدانياً، تعرضت أكثر من خمس عشرة بلدة وقرية في جنوب لبنان لغارات إسرائيلية يوم الاثنين، ولا سيما مدينة صور، حيث قُتل 14 شخصاً وأصيب 20 آخرون.
واستهدفت إحدى الغارات سيارة قرب مبنى تابع للصليب الأحمر اللبناني في المدينة الساحلية، ما أدى إلى إصابة أربعة مسعفين بشظايا زجاج.
من جهته، أعلن حزب الله مسؤوليته عن هجمات جديدة ضد قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، من دون أن يتبنى أي هجوم على شمال إسرائيل.
في المقابل، أكد الجيش الإسرائيلي أن ثلاثة مقذوفات أُطلقت من لبنان "باتجاه جنود إسرائيليين ينفذون عمليات في جنوب لبنان"، وأن مقذوفاً رابعاً "سقط بالقرب من القوات" من دون وقوع إصابات.

تُعدّ صور واحدة من أقدم مدن حوض البحر المتوسط، وتضم موقعين أثريين رومانيين محميين ومدرجين على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وجدد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة «دعوة إلى تجنب استهداف المواقع الأثرية في البلاد، ولا سيما آثار صور التي تشكل جزءاً من التراث الإنساني المشترك».
وقد تضررت آثار صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، جراء الغارات الإسرائيلية التي نُفذت يوم الأحد.
وقال علي بدوي، مدير المواقع الأثرية في جنوب لبنان، لوكالة فرانس برس إن ذلك يمثل "أكبر ضرر يلحق بالموقع منذ بداية الحرب".
وأضاف: "تضررت بعض القطع الأثرية بعدما أصابتها الأنقاض، إذ تساقطت كميات كبيرة من الحطام على مساحة واسعة"، موضحاً أن الأضرار طالت "الأعمدة والتيجان وقواعد الأعمدة والفسيفساء".
وأكد غسان سلامة أن إسرائيل "لا تحترم" اتفاقية لاهاي التي تلزم بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، كما لا تحترم "الدروع الزرقاء"، وهو الشعار الذي اعتمدته هيئة مرتبطة باليونسكو لحماية موقع صور الأثري.
وعقب الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله خلال عامي 2023 و2024، وضعت اليونسكو أكثر من 70 موقعاً تراثياً في لبنان، من بينها صور، تحت "حماية معززة مؤقتة".
ومنذ اندلاع الحرب مع حزب الله المدعوم من إيران في 2 مارس، تتعرض المدينة لحملة غارات إسرائيلية متواصلة، وقد استُهدفت مجدداً يوم الاثنين.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر يوم الأحد أمراً جديداً بالإخلاء شمل منطقة تضم أحد الموقعين الأثريين اللذين يحتويان على بقايا رومانية، قبل أن يشن غاراته.