شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
أسبوع من التصعيد الكلامي والعسكري

في وقت تراوح فيه المفاوضات على الجبهة الأميركية–الإيرانية مكانها، وتتزايد فيه الحوادث الأمنية في منطقة الخليج، تميّزت السلطات اللبنانية بتبنّي رؤية استراتيجية ذات طابع سيادي واضح. وفي المقابل، شهدت نهاية الأسبوع تصعيداً عسكرياً تمثل في قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتهديد إيراني لإسرائيل. «لبنان بلدنا وليس بلدكم». بهذه الكلمات التي أطلقها الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال مقابلة حظيت بمتابعة واسعة مع الإعلامية البارزة كريستيان امانبورعلى شبكة CNN يوم الجمعة، طبع مسار الأسبوع المنصرم في لبنان، وعزّز بوضوح الاتجاه المتنامي في الخطاب الرسمي نحو تبنّي الرسالة السيادية التي شكّلت محور خطاب القسم الرئاسي. وقد أثارت الانتقادات الحادة التي وجّهها الرئيس عون إلى النظام الإيراني وحزب الله هجوماً عنيفاً من بعض وسائل الإعلام الإيرانية على قصر بعبدا. وبالتوازي مع هذا التصعيد الكلامي، اختُتم الأسبوع بتطور عسكري خطير. فرداً على إطلاق صواريخ من جانب حزب الله باتجاه شمال إسرائيل، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي بعد ظهر الأحد ثلاث غارات استهدفت مركز عمليات للحزب المدعوم من إيران في الضاحية الجنوبية. ويُذكر أنه بعد التدخل الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حال قبل أيام دون تنفيذ هجوم واسع النطاق على الضاحية الجنوبية مقابل وقف حزب الله لإطلاق النار على إسرائيل، كان المسؤولون الإسرائيليون قد حذّروا من أن الضاحية ستتعرض للقصف إذا استأنف الحزب إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل. إلا أن الحزب عاد في نهاية الأسبوع إلى استهداف الأراضي الإسرائيلية، ما أدى إلى الغارات التي نُفذت الأحد بعد الظهر وأسفرت عن مقتل شخصين من كوادر الحزب وإصابة أحد عشر آخرين. وفي المساء، أعلنت تل أبيب أنها أبلغت واشنطن مسبقاً بقرارها تنفيذ الغارة على أحد مقار الحزب. وفي هذا السياق، أكد الرئيس ترامب مساء الأحد دعمه للهجمات الإسرائيلية ضد حزب الله، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ «ضربة دقيقة ضد حزب الله»، مضيفاً أنه مستعد لطلب مساعدة الرئيس السوري احمد الشرع في أي عمليات محتملة ضد الحزب. وعقب الغارات الثلاث على الضاحية الجنوبية، هدّد النظام الإيراني علناً بإطلاق صواريخ على إسرائيل. وردّ المسؤولون الإسرائيليون بالتحذير من أن أي هجوم إيراني قد يؤدي إلى تجدد الحرب مع إيران. المواقف السيادية للسلطة بالعودة إلى انتقادات السلطة اللبنانية لموقف الجمهورية الإسلامية تجاه لبنان، فإن تصريحات الرئيس عون على CNN سبقتها مواقف لا تقل حدة أطلقها رئيس الحكومة نواف سلام خلال إطلاق نداء للمساعدة الدولية لصالح النازحين من مناطق النزاع في لبنان. وأكد سلام في المناسبة أن «لبنان لا يمكن أن يكون ورقة في يد أي طرف». وكان يشير بذلك إلى خيار السلطات اللبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل منذ مطلع أبريل، بدلاً من إدراج الملف اللبناني ضمن المفاوضات الأميركية–الإيرانية كما ترغب الأحزاب الشيعية. ورغم أن هذه التصريحات لا تحمل جديداً بالكامل، إذ إن الرئيس عون يكرر منذ انتخابه ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يقتضي نزع سلاح حزب الله، ويحظى في ذلك بدعم رئيس الحكومة، فإن إرادته في إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني لم تبدُ يوماً بهذا الوضوح والحزم كما ظهرت خلال هذه المقابلة واسعة الانتشار على قناة أميركية. وقد وجّه الرئيس اللبناني انتقادات مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي كان أول من رفض اتفاقاً مبدئياً لوقف إطلاق النار في لبنان تم التوصل إليه خلال الاجتماع اللبناني–الإسرائيلي المنعقد في واشنطن يومي 2 و3 يونيو. وكما كان متوقعاً، أثارت هذه التصريحات غضب الأحزاب الشيعية وبعض وسائل الإعلام الإيرانية. ومن أبرز الردود ما جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي نصح الرئيس اللبناني بـ«إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي»، أي إسرائيل، مشيراً إلى أن «إيران ليست الدولة التي تحتل خُمس الأراضي اللبنانية». غير أن عراقجي تجاهل التذكير بأن الجبهة التي فتحها حزب الله دعماً لإيران في مواجهة الهجوم الإسرائيلي–الأميركي في 28 فبراير هي التي دفعت لبنان إلى هذا النزاع الدموي الجديد، وتسببت بعودة الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من جنوب لبنان. الهدنة المجهضة أسهمت تصريحات المسؤولين اللبنانيين أيضاً في تعميق الانقسام الداخلي مع المعسكر الموالي لإيران. ولم تقتصر أسباب غضب هذا المعسكر على التصريحات العلنية، بل شملت كذلك الاجتماعات التي عُقدت يومي 2 و3 يونيو في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، والتي أثارت ردود فعل حادة على الساحة الداخلية. فقد وصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاق بأنه «استسلام». والأهم أن رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري، الذي كان يُنظر إليه حتى الآن على أنه قد يتبنى موقفاً مختلفاً عن حليفه، هاجم الاتفاق بعنف واعتبره «ملغوماً» و«غير عادل». وكانت حدة مواقف الحزبين نابعة من أن الإعلان عن الاتفاق جاء في إطار بيان مشترك لبناني–إسرائيلي–أميركي. ولم يكن الخلاف على الشكل فقط، بل على المضمون أيضاً، إذ أدان الأطراف الثلاثة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، واعتبروا أن على حزب الله أن يوقف عملياته أولاً في إطار المواجهة المستمرة في الجنوب. وفي جميع الأحوال، سرعان ما تعرّض الاتفاق للاهتزاز، ليس فقط بسبب الرد السلبي الذي بعث به حزب الله إلى الرئيس عون، بل أيضاً نتيجة غياب إرادة إسرائيلية واضحة لوضع حد للقتال. فهل من مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يُظهر مرونة على هذه الجبهة فيما يواصل حزب الله هجماته، في وقت تتفاقم فيه خلافاته مع الرئيس الأميركي على الملأ ويستعد فيه للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في بلاده؟ ومهما يكن، فإن المفاوضات الجارية لم تنعكس تهدئة على الأرض، إذ لم تنخفض حدة المواجهات في جنوب لبنان من أي من الطرفين. بل أكثر من ذلك، عاد حزب الله إلى استهداف شمال إسرائيل، بعدما بدا قبل أيام أنه تراجع عن هذا الخيار. أما إسرائيل، فلم تعد تتردد في استهداف الجيش اللبناني، وقد فعلت ذلك أكثر من مرة خلال الأسبوع، ولا سيما في الهجوم الدامي الذي وقع السبت وأسفر عن مقتل ضابطين وجندي داخل آلية عسكرية على طريق النبطية. افتتاح مطار القليعات لكل هذه الأسباب، تبدو التصريحات المعادية للتدخلات الإيرانية التي أطلقها الرئيسان عون وسلام بمثابة بذور زُرعت للمستقبل، لكنها ما زالت تجد صعوبة في النمو في بيئة معادية. حتى تصريحات الرئيس الأميركي، الذي أكد أكثر من مرة أنه «تحدث إلى حزب الله» – وهو أمر يشكك فيه كثير من الخبراء الذين يرجّحون تدخل وسطاء، ولا سيما من الجانب الإيراني – قد تضع الموقف الرسمي اللبناني في موقف حرج. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو. فقد حظيت تصريحات الرئيس عون بدعم من عدد من الدول العربية، من بينها البحرين. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدت ردود الفعل منقسمة بشدة، لكن كثيرين رأوا في الرئيس حاملاً لإرادة غير مسبوقة تهدف إلى «تحرير» البلاد من مختلف أشكال التدخل الخارجي. وباختصار، يبدو لبنان اليوم ممزقاً بين تيارين قويين، يسير على حبل مشدود نحو مستقبل غير واضح المعالم. لكن المعسكر المعارض للهيمنة الإيرانية سجل نقطة إضافية هذا الأسبوع. ففي يوم السبت، أعطت إعادة افتتاح مطار القليعات في عكار، تلك المنطقة الشمالية التي أصبحت رمزاً للإهمال والتهميش، صورة مختلفة تماماً عن البلاد. ولماذا يُنظر إلى إعادة افتتاح هذا المطار باعتبارها خطوة تحررية؟ لأن فكرة إنشاء مطار ثانٍ في لبنان كانت تصطدم باستمرار برفض حزب الله وحلفائه، فيما لم تجرؤ الحكومات القريبة منه على المضي في هذا المشروع. فمطار بيروت، الواقع في الضاحية الجنوبية، كان يخضع عملياً لنفوذ الحزب الشيعي، فيما كان من شأن أي بنية تحتية بديلة تقع في منطقة خارجة عن نفوذه أن تفلت من سيطرته. ومن هنا يمكن فهم الحماسة التي رافقت صور افتتاح المطار يوم السبت، ولا سيما مع وصول رئيس الحكومة على متن طائرة خاصة حطّت على مدرجه، وهي مشاهد اعتبرها كثيرون رمزاً لتغيير حقيقي. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الزيارة التي قام بها قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهي الدولة التي تؤدي دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران. في الأثناء، على الجبهة الأميركية–الإيرانية أما المفاوضات الأميركية–الإيرانية، فقد أعطت طوال الأسبوع انطباعاً واضحاً بأنها تراوح مكانها. فالتصريحات المتكررة للرئيس ترامب عن قرب التوصل إلى اتفاق، والتي كانت تترافق في الوقت نفسه مع تهديدات بشن هجوم جديد، استمرت بالوتيرة نفسها من دون تحقيق أي اختراق حقيقي. وفي المقابل، واصل الإيرانيون نفي كل التصريحات الأميركية بصورة منهجية. وفي الحالتين، لم تفضِ هذه التصريحات المتبادلة إلى أي تقدم ملموس على مستوى المنطقة. وتتزامن هذه المنطقة الرمادية مع اقتراب انطلاق حدث رياضي عالمي قد يصرف الأنظار لفترة طويلة عن النزاع الجاري في الشرق الأوسط، وهو كأس العالم لكرة القدم الذي تستضيف الولايات المتحدة جزءاً من مبارياته وتشارك فيه إيران. ومن المقرر أن تخوض إيران مباراتها الأولى في لوس أنجلوس، وقد حصل لاعبوها هذا الأسبوع على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا الجمود السياسي، يزداد الوضع الميداني اشتعالاً. فالمواجهات بين الحرس الثوري الإيراني والقوات الأميركية تتكاثر في منطقة مضيق هرمز الذي ما زال مغلقاً جزئياً. وقد أدت الضربات الأميركية على جزيرة قشم الإيرانية إلى رد إيراني بدا موجهاً بصورة أساسية نحو دول الخليج. ومن أبرز هذه الأحداث الضربة التي استهدفت مطار الكويت يوم الثلاثاء وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة 63 آخرين، بعضهم بجروح خطيرة. كما ينبغي الإشارة إلى أن الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة شهد بدوره تصعيداً هذا الأسبوع، مع سلسلة هجمات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى. وفي الضفة الغربية، تتزايد الانتهاكات بحق الفلسطينيين، ولا سيما على أيدي مستوطنين غالباً ما يحظون بمساندة من جنود إسرائيليين. وقد أسهمت هذه الأحداث في رفع مستوى التوتر داخل إسرائيل نفسها. فقد سُمعت يوم الأحد أصوات إطلاق نار متزامنة في أربع مناطق إسرائيلية، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يواجه «حادثاً أمنياً» أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدد آخر. وقُتل أحد المهاجمين، فيما أُلقي القبض على مهاجم ثانٍ.

مضيق هرمز مرآة  لتناقضات العالم
بقلم
يقظان التقي
نُشر

وضع مضيق هرمز العالم أمام مرآة مكبّرة لتناقضاته مثل أزمة "كوفيد 19" أو الحرب في أوكرانيا وغزّة . فالرخاء الحديث يعتمد على الاستقرار العالمي والتدفقات المادية، والطرق البحرية، والجزيئات، والكابلات، والموانئ، وأسعار الفائدة في عولمة تعتمد على اقتصاد الواقع المعاصر . وفي مواجهة أزمة طاقة، أصبحت ردود الفعل مألوفة، يرتفع سعر النفط، تصبح الطاقات المتجددة أكثر جاذبية، يشتعل سعر الغاز، تزداد أهمية الطرق الأكثر أماناً، وتطرح مفاهيم السيادة المستحدثة. هذا المنطق ليس خاطئاً، لكنه ببساطة غير مكتمل. فمع أزمة هرمز، تدخل العولمة مرحلة الغرق في الأزمات وسيولتها في متاهات الكثبان الرملية . فالدول التي تريد في آن واحد إعادة التسلح، وإزالة الكربون، وحماية نموذجها الاجتماعي، وتمويل شيخوخة السكان، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ودعم صناعتها، وخفض ديونها تجد نفسها في سياق نمو ضعيف وهوامش ميزانية تتقلص، وفي انهيارات بنيوية جعلت من أوروبا" قلب العالم " أقرب إلى العالم الثالث في نهاية الجزء الخاص بالتقدمية الثقافية وفقدان السلطة الفكرية، وفي وتذمر حزين من سقوط الحلم الأميركي الذي تركه إعلان الاستقلال الشهير 1776، وذوبان فضاءات الديمقراطية في الفراغات والشعبوية السياسية. ولا يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني، أن يتوليّا المهمة في العودة إلى أفضل الأوضاع ، وأن يحلا محل الدولة عندما يتعلق الأمر بتحمل المخاطر السياسية أو الاستراتيجية. في الواقع، يأتي الاستقرار فقط بعد إزالة المخاطر (derisking) من قبل القطاع العام، وليس بدلاً منه. المعادلة صعبة، كلما أصبح العالم أكثر خطورة ، أصبحت الاستثمارات في السيادة لا غنى عنها. ولكنها تتطلب دولاً ذات ملاءة فكرية سياسية ومالية واجتماعية ، وكلما تضاعفت الأزمات، أصبحت هذه الدول نفسها أكثر هشاشة. فالخدمة العالمية في طريقها إلى التفكك ، ديون مشتركة، تقليص الطموحات، والحلول معروفة وكذلك الخلافات. ذلك أن أزمة االمضيق ليست مجرد صدمة في أسعار المحروقات، وتضخم في تكاليف الشحن وسلاسل التوريد والتكاليف الصناعية، بل الصدمة في قدرة المجتمعات الحديثة على التكيّف مع الصراعات والانهيارات في "برج بابل" التصدعات الجيوسياسيّة، وشر أقلية من المليارديرات الذين يقدمون أنفسهم متفوقين وقادرين على السيطرة وتدمير العالم من خلال المبالغة في مصالحهم من دون تكلفة أخلاقية. تبدو"هاملت"، تحفة شكسبير المسرحية عن الأمير المزاجي، وكأنها تعيش لحظة مميزة. القصة الخيالية للخسارة التي ألهمت إنشاء "هاملت" الشخصية البراغماتية بشكل دائم مثالية لعصرنا، حيث تتسببت سيولة الأخبار السيئة في إثارة استجوابات وجودية مستمرة، والناس منهكون من وابل المصائب في العالم. والرجل المتنوع عصبيًا، كيف يمكن أن يوجد في عالم يستمر في إساءة فهمه، وفي إعادة سرد قصص مبسطة تركز على قلق الشخصية الرئيسية، وبشأن التواطؤ في نظام عمل سياسي فاشل وثيق الصلة بالذي نعيشه حاليًا، لدرجة الشعور بالحزن العام. والعالم يعيّ أن كل ما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو "خذ هذا الشيء وافعل ما يحلو لك". وهو يخرج كل يوم فكاهته البدنية، مخاطبًا الجمهور مباشرة بثباته التمثيلي الذي يحمل ثقلًا كبيرًاً. وهذا الشيء يجعل العالم يشعر بالضيق، رئيس متصل بالإنترنت بشكل كبير على منصته" تروث سوشيال"، وكل ساعة تقريباً ينشر تصريحاً يشغّل العالم، وأشياء صعبة الفهم. اصبح إيقاع العالم يعمل على قصص أمريكا وإيران، تقتربان من اتفاق، أم ربما لا، وأن الاتفاق مع إيران قد أُنجز إلى حد كبير وسيتم الإعلان عنه قريباً، أو أنه لا توجد عجلة للإعلان عن أي اتفاق، بل قد لا يكون هناك اتفاق على الإطلاق. تلك ليست سوى عينة من رسائل ترامب المثيرة للحيرة. ويبدو أن الأطراف المتحاربة تقترب بالفعل من التوصل إلى اتفاق، على الرغم من أنه لن يكون اتفاقاً شاملاً ينهي الحرب بشكل نهائي. في أحسن الأحوال، من المرجح أن يكون اتفاقاً مؤقتاًعلى مجموعة من المبادئ العامة، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً على الأقل، واستغلال الوقت للتفاوض حول كيفية تنفيذ تلك المبادئ، وسيظل المفاوضون بحاجة إلى العمل على التفاصيل. كل تفصيل، كل كلمة في إعلان النوايا سيكون لها وزنها وسيتم فحصها بدقة. لكن الأهم سيعتمد على ما سيحدث لاحقًا. تريد إيران بأي ثمن تجنب سيناريو اتفاق مؤقت وهش ، قد يستخدمه خصومها لإعداد الحرب من غير المرجح أن يشنها ترامب مرة أخرى بعد انتهاء كأس العالم، وقبل أسابيع قليلة من انتخابات منتصف الولاية. ولكن هل يمكن لإيران أن تحصل على تعهد من الولايات المتحدة بأن إسرائيل ستكون أيضًا ملزمة بالاتفاق؟ ليس مؤكدًا على الإطلاق. ربما نجا النظام الإيراني من الحرب. عزز الحرس الثوري قبضته على السلطة وأثبت للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج أن حربًا واسعة النطاق لم تكن كافية لثنيّهم، ناهيك عن إسقاطهم. لقد اكتشفوا أن إغلاق مضيق هرمز كان رادعًا تقريبًا كسلاح نووي ويريدون الآن فرض رسوم عليه لتعويض الأضرار الناجمة عن النزاع .ولكن من سيتحقق من الامتثال؟ وماذا سيحدث للمنشآت النووية القائمة؟ ستكون هذه مناقشات نووية طويلة ومعقدة في مخزون إيران الذي يزيد عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم. طالبت أمريكا منذ فترة طويلة بشحنه إلى الخارج. وتصر إيران على تخفيفه في الداخل. ألمح السيد ترامب إلى أنه قد يوافق على الخيار الأخير، ربما تحت إشراف "لجنة الطاقة الذرية". لم يكن من الواضح ما إذا كان يقصد الهيئة الأمريكية التي تحمل هذا الاسم، والتي تم حلها في عام 1974، أم أنه يقصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة. القضية الأكثر تعقيداً هي مطالبة إيران بمنافع اقتصادية كبيرة. يأمل النظام في الحصول فوراً على جزء من أصوله البالغة 100 مليار دولار والمجمدة في بنوك أجنبية. يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم مستعدون لإصدار إعفاء يسمح لإيران بتصدير بعض النفط، لكنهم يرفضون الإفراج المباشر عن الأموال حتى يتم إحراز تقدم نهائي . فيما يتوقع النظام الثيوقراطي بالفعل كل ما يمكن أن يحققه، بدءًا بإعادة بناء برنامجه للصواريخ الباليستية وميليشياته بالمليارات التي ستملأ خزائنه بفضل الرفع المحتمل للعقوبات في إطار اتفاق نهائي يزيد الأوضاع تعقيداً. أوضاع مزعجة، أو حتى شبه مزعجة، حرب خاسرة جزئياً أو فاشلة جزئياً، حرب لا شيء أو فقط من أجل لا شيء. حرب لا تكون فيها الخسائر والمكاسب كافية للتنافس، والأهم تترك كل شيء في نهاية المطاف أقل بكثير من الوضع الراهن. أي الخوف السياسي في أن تترك دول الخليج والمنطقة في صدمة بمعنويات منخفضة، وما يهدد أنظمة سياسية لم تعتد من جانب، أو آخر على المساكنة مع عدم الاستقرار تحت شعار" السلام بالقوة" الذي يُفترض أن يمتد إلى الشرق الأوسط الجديد تمامًا. وإذا كانت الثقة لم تختف، بل ببساطة هاجرت منطقة الشرق الأوسط من خلال الرغبة الأميركية في احتلال كل المساحة على مسافة أميال بحرية من الصين، والتحكم بسيناريو كل شيء، وتحويل كل شيء إلى سرد قصصي، ويُنظر إلى كل وعد على أنه مصمم للبيع . وعلى العالم التوقف عن البحث عن ثقة مطلقة. إن العامين المقبلين سيكونان حاسمين في القدرة على البقاء في اللعبة العالمية صناعياً وتكنولوجياً وجيوسياسياً. سيصل الجميع بضغوطهم ومخاوفهم وأولوياتهم الوطنية الخاصة، في الوقت الذي يجب فيه على العالم أن يفكر بشكل جماعي لحل فاتورة الزمن الذي يمضي.

الدبلوماسية تتحرك: هيكل في إسلام آباد

تنشط الدبلوماسية الباكستانية على الجبهتين اللبنانية والإيرانية في آن واحد، من خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى إسلام آباد، وزيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران. وعلى الرغم من اختلاف المهمتين، فإنهما تندرجان في سياق الجهود المتواصلة الرامية إلى إعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة. أعلن الجيش اللبناني، السبت، مغادرة قائده إلى إسلام آباد تلبية لدعوة من نظيره الباكستاني ووزير الدفاع الباكستاني، من دون أن يحدد الهدف الرسمي للزيارة. وفي ظل التوتر المتصاعد بين بيروت وطهران، والذي تفاقم عقب اتفاق وقف إطلاق النار اللبناني ـ الإسرائيلي الذي أُعلن الأربعاء، تشير المعطيات إلى أن زيارة العماد هيكل إلى إسلام آباد تندرج في إطار الوساطة التي تضطلع بها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما أن ملف حزب الله يُعد أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران. وحرصاً منها على الحفاظ على نفوذها في لبنان، الذي تنظر إليه بوصفه دولة تدور في فلكها، لا تبدو الجمهورية الإسلامية مستعدة للتخلي عن هذه الورقة الأساسية قبيل مفاوضاتها المرتقبة مع واشنطن. وقد أظهرت ذلك مجدداً عندما اعترضت علناً، الخميس، على اتفاق الهدنة الذي يندرج أصلاً ضمن قرار سيادي لبناني. كما أن الموقف الإيراني الرافض، الذي تبناه حزب الله بدوره، يزيد من تعقيد تنفيذ الاتفاق. ثلاثة عسكريين لبنانيين قُتلوا في الجنوب ولا يزال وقف إطلاق النار، المرتبط بتوقف حزب الله عن إطلاق النار على إسرائيل، بعيد المنال. فالمواجهات مستمرة بالوتيرة نفسها منذ الأربعاء في جنوب لبنان، حيث أعلنت إسرائيل أنها استهدفت «نحو 150 هدفاً» تابعاً للحزب خلال 48 ساعة. وفي هذا السياق، قُتل ثلاثة عسكريين لبنانيين السبت في غارة إسرائيلية استهدفت منطقة بين الخردلي والنبطية. وقد دانت السلطات اللبنانية هذا الهجوم بشدة، فيما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في الحادثة، مشيراً إلى احتمال وقوع خطأ ناجم، بحسب قوله، عن «حركة اعتُبرت مشبوهة بالقرب من منطقة قتال». وسارع حزب الله إلى استثمار هذه الحادثة سياسياً، في وقت لا يزال يواجه صعوبة في تبرير المغامرة المدمرة التي جرّ لبنان إليها. واعتبر الحزب أن الغارة التي أودت بحياة عميد وقبطان وجندي «هي نتيجة استخفاف السلطة بالسيادة الوطنية وتقديمها تنازلات مجانية». ويرى مراقبون أن هذا الاتهام يندرج في سياق الحملة التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضد رئيس الجمهورية جوزاف عون، بعدما انتقد الأخير، خلال مقابلة مع شبكة CNN الجمعة، الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في لبنان. وقال عراقجي عبر منصة «إكس»: «من خلال تصريحات السيد عون، قد يظن المرء أن إيران هي التي احتلت خُمس لبنان، وهجّرت ربع اللبنانيين، وتقصف بلاده يومياً». وأضاف: «لو كان لبنان ورقة مقايضة بالنسبة لإيران، لكنا توصلنا إلى اتفاق منذ زمن بعيد. أنقذوا لبنان من عدوه الحقيقي، سيادة الرئيس». وتجاهل الوزير الإيراني، بحسب منتقديه، الأسباب التي أدت إلى هذه الأوضاع، مركّزاً حصراً على نتائج السياسات التي تتحمل بلاده جانباً أساسياً من مسؤوليتها. وقد أثارت تصريحاته الموجهة إلى رئيس الجمهورية موجة استياء واسعة في لبنان، حيث رد النائب غياث يزبك (القوات اللبنانية) بسخرية قائلاً: «شكراً سيد عراقجي. نعفيكم من اهتمامكم بلبنان. اذهبوا ووقّعوا اتفاقاً مع واشنطن ودعونا نعيش بسلام». وأضاف أن إيران تمارس دور «رجل الإطفاء الذي يشعل الحرائق»، معتبراً أن سياساتها الخارجية تقوم على «سوء الجوار والتخريب وتصدير الفوضى وتسويق خدماتها». استهداف البحرين والكويت وتأتي هذه الاتهامات بعد ساعات من هجمات إيرانية جديدة استهدفت، ليل الجمعة ـ السبت، البحرين والكويت، اللتين أكدتا احتفاظهما بحق الدفاع عن نفسيهما. وجاءت الضربات الإيرانية عقب إعلان الجيش الأميركي اعتراض ستة من أصل سبعة صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة أطلقتها إيران باتجاه مضيق هرمز ودول خليجية حليفة لواشنطن. أما المقذوف السابع فلم يبلغ هدفه، وفق القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي أعلنت كذلك تنفيذ ضربات على مواقع رادار، بما فيها موقع في إحدى جزر مضيق هرمز، «دفاعاً عن النفس ومنعاً لهجمات إضافية». وفي ظل هذا التصعيد المتجدد، وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران السبت حاملاً، بحسب وسائل إعلام عربية، مقترحات أميركية جديدة تتعلق خصوصاً بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو مطلب تتمسك به الجمهورية الإسلامية. افتتاح مطار القليعات على صعيد آخر، أطلق لبنان السبت مشروع تطوير وتشغيل مطار القليعات في عكار خلال احتفال رسمي حضره رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من المسؤولين. كما استقبل المطار، بصورة رمزية، أول طائرة تهبط فيه. ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، بل تتعداها إلى البعد السياسي، إذ يشكل تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض خطوة إضافية على طريق التحرر من هيمنة حزب الله، الذي عارض المشروع مع حلفائه في لبنان لأسباب متعددة. فقد تمكن الحزب طوال سنوات من فرض حضور فاعل داخل مطار بيروت الدولي، الذي كان يمثل بالنسبة إليه موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، لا سيما بسبب موقعه الجغرافي. ويقع مطار بيروت الدولي في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب الرئيسي. ويكفي التذكير بأن حزب الله نفذ أحداث السابع من أيار 2008 بعدما قررت حكومة فؤاد السنيورة، في محاولة للحد من نفوذه داخل مؤسسات الدولة، إقالة رئيس جهاز الأمن في المطار وفيق شقير وتفكيك شبكة اتصالاته الخاصة.

الجرائم السورية ومعيار «ياماشيتا»

ما الذي لن يفعله متهم أو ملاحَق قضائياً لإنقاذ رقبته! فإذا كان ضابط سوري سابق من أجهزة المخابرات سيُحاكم أمام محكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، فماذا عساه ألا يقول دفاعاً عن نفسه وتنصلاً من أفعاله؟ أظافر أطفال درعا المنتزعة كان عاطف نجيب أول من مثل أمام «محاكمات دمشق». وقد تابعنا إفادته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان هذا المتهم يجيب عن أسئلة المحكمة الجنائية ببرود ولا مبالاة، وكأنه غير معني بمصير الفتيان الذين سلّمهم لأبشع صنوف التعذيب. صحيح أنه أقرّ بالوقائع كما هي: نحو خمسة عشر تلميذاً كتبوا شعارات مناهضة للأسد على جدران مدرستهم، فاحتُجزوا لأكثر من شهر وتعرّضوا لتعذيب شديد شمل الضرب المبرح واقتلاع الأظافر. ومع ذلك، أنكر عاطف نجيب بشدة أي تورط مباشر أو شخصي له في المعاملة اللاإنسانية التي أُلحقت بهؤلاء الشبان. وللتنصل من المسؤولية، ألقى باللوم على أجهزة أخرى كانت تتولى عمليات القمع. وباختصار، فإن التعذيب الذي تعرض له هؤلاء التلاميذ لم يكن، بحسب زعمه، نتيجة مبادرة شخصية منه، بل كان جزءاً من «سلسلة قيادة» أوسع. وكأنه يقول: ماذا كان بوسعي أن أفعل إذا كانت هذه هي الآلية الهرمية والجماعية التي تعمل بها أجهزة الأمن السورية؟ نقل المسؤولية: آلية دفاع متكررة إن إلقاء المسؤولية على «جهة أعلى أو غير محددة» أو على النظام القائم برمته، هو أسلوب دفاعي تقليدي يهدف إلى تبرئة الذات أو تمييع المسؤولية الشخصية. غير أن المحاكم الجنائية الدولية تحصّنت منذ زمن ضد هذا النوع من الدفوع الذي يلقي اللوم على التسلسل القيادي. ومع ذلك، فإن عاطف نجيب، سواء كان محقاً أم لا في استناده إلى الأوامر التي تلقاها، قد دعا ضمناً أصحاب القرار في أعلى هرم الدولة إلى تحمل مسؤولياتهم. وفي نهاية المطاف، ستُطرح هذه المسألة بحدة أكبر عندما يمثل أمام القضاء الجنرال خردل أيوب، المتهم بالتورط في الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013. معيار ياماشيتا في القانون الجنائي الدولي، تُعرف مسؤولية القيادة العسكرية (سلسلة القيادة) أيضاً باسم «معيار ياماشيتا»، نسبة إلى الجنرال الياباني الذي حوكم وأُعدم بسبب الجرائم التي ارتكبتها قواته خلال الحرب العالمية الثانية. فالقائد العسكري مُلزم بمراقبة مرؤوسيه ومنعهم من ارتكاب الانتهاكات. وهذه الفكرة ليست حديثة العهد، فقد أرستها اتفاقيتا لاهاي لعامي 1899 و1907، ثم جرى تطويرها وتأكيدها باستمرار منذ ذلك الحين. ومن ثمّ، لا يمكن للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أن يدفع بجهله بهجوم كيميائي نفذه مرؤوسوه، سواء كانوا جنرالات أم جنوداً، أو أن يحتج بأنه لم يصدر أوامر محددة بهذا الشأن. فبموجب المعيار المذكور، وبصفته القائد الأعلى، يتحمل المسؤولية الجنائية متى «علم، أو كان ينبغي أن يعلم، بأن مرؤوسيه ارتكبوا جرائم، ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو لمعاقبة مرتكبيها». إدغار موران والتوبة رحل عنا مؤخراً إدغار موران Edgar Morin، عالم الاجتماع والمناضل المناهض للنازية. وهو يهودي سفاردي لم يدعُ إلى الانتقام من «مهندسي الحل النهائي». وتتجلى نزعته الإنسانية العميقة في نص خصصه لذاكرة المحرقة (الهولوكوست)، حيث قال: «أنا من أولئك الذين ينتظرون توبة الشرير. وأنا من أولئك الذين لم يحبسوا الإنسان الذي ارتكب جريمة داخل مفهوم المجرم الذي يختزله بالكامل.» غير أن منح الصفح لا يعني القبول بالنسيان أو طمس الحقيقة! لذلك، لا بد أولاً من إحقاق العدالة. ولن يكون من العدل أن يدفع في سوريا عاطف نجيب وخردل أيوب وحدهما الثمن نيابة عن الفارين الذين يتحصنون في موسكو! إن العدالة الانتقالية شرط أساسي للمصالحة الوطنية. لكن لا يمكن أن تتحقق أي عدالة حقيقية ما لم يمثل بشار وماهر الأسد وأعضاء القيادة السورية العليا أمام المحاكم المختصة. وما لم يقفوا داخل قفص الاتهام ليستمعوا إلى الحكم الصادر بحقهم.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8)

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتيح فهماً أعمق للوضع الراهن على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو العاطفية التي غالباً ما تجانب الواقع. ويعود للقارئ وحده استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. شكلت الأجزاء السبعة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتعلقة بتعاظم قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، وقيام ما يُعرف بـ «حزب الله لاند» في الجنوب واندلاع حرب الأيام الثلاثة والثلاثين في تموز من العام 2006، والتي أطلق شرارتها علي لاريجاني. حرب العام 2006 في غزة لم تكن العملية العسكرية الخارقة للحدود التي نفذها حزب الله على طول "الخط الأزرق" تحت اسم "الوعد الصادق" مجرد حدث عابر، بل حملت في طياتها هدفاً مزدوجاً: فتح جبهة ثانية لتخفيف الضغط العسكري عن جبهة غزة، والأهم من ذلك، حرف الأنظار والاهتمام الدولي عن ملف إيران النووي. في المقابل، كانت الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في حزيران وتموز من العام 2006 تحمل اسم "أمطار الصيف". وقد اندلعت هذه العملية في 28 حزيران، أي قبل أسبوعين تماماً من شرارة الحرب في لبنان، وجاءت رداً على أسر حركة حماس للجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط في 25 حزيران. وشكلت هذه المواجهة أول توغل بري إسرائيلي واسع النطاق داخل القطاع الفلسطيني منذ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب في العام 2005، والذي أُدرج آنذاك تحت مسمى خطة "فك الارتباط". هكذا، تزامن اندلاع النزاعين في غزة ولبنان خلال صيف 2006؛ إذ بلغت عملية "أمطار الصيف" ذروتها في 12 تموز مع توغل الجيش الإسرائيلي في عمق قطاع غزة، وهو اليوم عينه الذي نفذ فيه حزب الله هجومه ضد إسرائيل، لتنفتح بذلك جبهة حرب مدمرة. في مثل هذا المناخ الجيوسياسي المعقد، نادراً ما يكون للمصادفات مكان. فقد فسر العديد من المراقبين فتح الجبهتين في آن واحد كـ"مناورة إستراتيجية منسقة"؛ جمعت إيران وحركة حماس من جهة، وإيران وسوريا وحزب الله من جهة أخرى، وذلك بهدف خدمة مصالح طهران الإقليمية. وفي هذا الإطار، أكد الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" آنذاك (والذي اغتيل بأمر من دونالد ترامب في 3 كانون الثاني 2020 عقب خروجه من مطار بغداد)، بعد سنوات من تلك الأحداث، أنه دخل لبنان بنفسه عبر سوريا مع بداية النزاع للإشراف على العمليات العسكرية جنباً إلى جنب مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله (الذي اغتالته إسرائيل في أيلول 2023)، وعماد مغنية، القائد العسكري للحزب وصديقه الشخصي. تلقى مغنية تدريباته على أيدي ضباط إيرانيين منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ليتحول مع مرور السنوات إلى حلقة الوصل الرئيسية بين حزب الله وإيران لإدارة «العمليات الخاصة» في الخارج. ويشير خبراء في هذا الصدد إلى أن مغنية كان «يضع قدماً في حزب الله والأخرى في إيران»، متجاوزاً الهيكلية التنظيمية المعتادة ليرفع تقاريره ويتلقى توجيهاته مباشرة من "فيلق القدس". كما كان يتحدث الفارسية بطلاقة، ويتنقل باستمرار مستخدماً وثائق دبلوماسية إيرانية. وتفيد القراءات التحليلية بأن العديد من الهجمات الكبرى المنسوبة إليه، كـتفجيرات بوينس آيرس (1992 و1994) أو دعم الميليشيات الشيعية في العراق خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، قد جرى التخطيط لها وإدارتها بطلب مباشر من طهران. عملية «الوعد الصادق» في 12 تموز 2006، نفّذ حزب الله هجوماً استهدف دورية إسرائيلية مؤلفة من عربتي "هامفي" مدرعتين، أثناء سيرها على الطريق المحاذي للسياج الحدودي داخل الأراضي الإسرائيلية. واستخدم الحزب في الهجوم عبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع لشل حركة العربتين، وتزامن ذلك مع إمطار عدة مستوطنات في شمال إسرائيل ومواقع عسكرية عند المقلب الآخر من الحدود بوابل من الصواريخ وقذائف الهاون، في خطوة هدفت إلى التشويش على خطوط الاتصال وإرباك القيادة الإسرائيلية لشد انتباهها بعيداً عن موقع العملية. وفي الأثناء، تمكنت فرقة كوماندوز تابعة للحزب من اختراق السياج الحدودي ومهاجمة العربتين؛ ما أسفر في مرحلة أولى عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأسر اثنين آخرين (تبيّن لاحقاً أنهما قتلا أثناء العملية). وفي مرحلة ثانية، قُتل ثلاثة جنود آخرين كانوا داخل المدرعتين خلال تبادل إطلاق النار. وفور وقوع عملية الأسر، تخطت دبابات من طراز "ميركافا" الحدود في محاولة لتعقب المهاجمين، غير أن إحداها انفجرت بفعل لغم شديد القوة زرعه حزب الله مسبقاً، مما أدى إلى تدميرها بالكامل ومقتل طاقمها المؤلف من أربعة جنود على الفور، كما قُتل جندي إسرائيلي آخر برصاص هاون أثناء محاولته سحب جثث طاقم الدبابة. هذه العملية، التي نُفذت باحترافية ميدانية عالية، دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار فوري بخوض الحرب، لتشكل بذلك بداية ما عُرف بـ«حرب الأيام الثلاثة والثلاثين». وكانت هذه الكمائن قد خضعت لإعداد استمر عدة أشهر من قِبل وحدة النخبة في حزب الله، وبمعاونة ضباط من الحرس الثوري الإيراني. وقد تولى هؤلاء الضباط تقديم المشورة لقيادة الحزب بشأن تكتيكات التسلل، والتي تعين تغطيتها والتمويه عليها عبر عمليات تضليل من خلال فتح النار على قطاعات متعددة على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. يُذكر أن عناصر الكوماندوز المشاركين في العملية كانوا ينتمون إلى ما كان يُعرف آنذاك بـ«قوات التدخل» (والتي تحولت لاحقاً إلى "قوة الرضوان"). وقد تلقوا تدريباتهم على أيدي مدربين من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري على تقنيات الكمائن واستخدام الصواريخ المضادة للدروع، فيما تولى الإشراف المباشر على إدارة العملية عماد مغنية، الذي اغتاله "الموساد" بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ في سوريا. عملية «شبكة الفولاذ» جاء الرد الإسرائيلي عبر عملية عسكرية أُطلق عليها اسم «خيوط الفولاذ»، واختير هذا الاسم تحديداً للرد على الخطاب الشهير الذي ألقاه حسن نصر الله في ملعب كرة القدم ببلدة بنت جبيل قبل ست سنوات، وتحديداً بعد 24 ساعة فقط من الانسحاب الإسرائيلي في 26 أيار 2000؛ حيث وصف فيه إسرائيل آنذاك بأنها «أوهن من بيت العنكبوت». وشمل الرد في بدايته حملة جوية إسرائيلية مكثفة استمرت عدة أيام واستهدفت الأراضي اللبنانية كافة، قبل أن ينتقل الجيش الإسرائيلي إلى شن هجوم بري في جنوب لبنان طاول بلدات عدة. وكانت المعركة الأبرز في بلدة بنت جبيل، التي شكلت هدفاً رمزياً كبيراً نظراً لارتباطها بخطاب نصر الله الشهير، وهو ما جعلها مسرحاً لأعنف المواجهات الضارية وأشدها شراسة خلال المواجهة العسكرية. معركة بنت جبيل أطبق الجيش الإسرائيلي حصاره على بلدة بنت جبيل في 24 تموز، أي بعد 12 يوماً على اندلاع المعارك، وعقب السيطرة على بلدة مارون الراس المتاخمة لها من الناحية الجنوب شرقية. وفي 25 تموز، أعلن جنرال إسرائيلي فرض السيطرة الكاملة على المدينة، في وقت كانت فيه أحياء وسط البلدة تُواصل الصمود والمقاومة الضارية. وفي اليوم التالي، 26 تموز، وقعت قوة من لواء "غولاني" في الكمين الأكثر دموية طوال فترة النزاع، وذلك عند أطراف المدينة؛ إذ أسفر الكمين عن مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وإصابة العشرات بجروح. وإزاء العجز عن إحكام سيطرته على وسط المدينة، آثرت إسرائيل الاعتماد على الضربات الجوية المكثفة والقصف المدفعي العنيف، مما حوّل الحاضرة الجنوبية إلى حطام وركام. وكانت بنت جبيل تخضع لتحصينات يدافع عنها نحو 150 مقاتلاً، من بينهم عناصر ينتمون إلى "قوة الرضوان" (1) . وتمكّن هؤلاء المقاتلون، المتحصنون داخل ملاجئ محصنة وأنفاق تحت الأرض، من صدّ محاولات توغل بري متعددة، مستخدمين صواريخ مضادة للدروع وقذائف الهاون. ومما شكّل مفاجأة كبرى للمراقبين، هو أن مقاتلي حزب الله المنتشرين على طول محور بنت جبيل-وادي الحجير، كانوا مدججين بترسانة ضخمة من الصواريخ الموجهة والدقيقة المضادة للدروع من طراز "كورنيت" بنسختيه الروسية والإيرانية، وطراز "ميتيس" روسي الصنع، والتي جرى تزويدهم بها عبر سوريا وإيران. وكانت حصيلة معركة بنت جبيل ثقيلة على الجانب الإسرائيلي: بمقتل 17 عسكرياً، من بينهم ضابطان رفيعا المستوى على الأقل، فضلاً عن إصابة عدة دبابات من طراز "ميركافا" بأضرار بالغة جراء ضربات الصواريخ. أما من جانب حزب الله، فقد كانت الحصيلة أشد وزراً؛ إذ سقط له 60 قتيلاً، من بينهم قائد العمليات العسكرية في القطاع، بالإضافة إلى تدمير واسع النطاق للبنى التحتية ومستودعات الذخيرة. وفي سياق متصل، برزت معركة أخرى تركت بصمتها الواضحة على مجريات هذه الحرب، وهي معركة "وادي الحجير". (يتبع) (1) "قوة الرضوان" هي وحدة النخبة الهجومية في حزب الله، والمتخصصة في العمليات الخاصة والتوغلات الميدانية داخل الأراضي الإسرائيلية. وتنقسم هذه الوحدة إلى مجموعتين: تتولى الأولى مهمة فتح الثغرات على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، في حين تتركز مهمة الثانية على السيطرة على نقاط إستراتيجية في شمال إسرائيل. وكان الأمين العام للحزب حسن نصر الله قد هدد في أحد خطاباته بالسيطرة على الجليل، مستنداً في وعيده إلى القدرات الهجومية لـ"قوة الرضوان". إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

بيروت تتحدى طهران وتُسرّع المسار السيادي

أعقبت التصريحات التي وُصفت بـ«التاريخية» والصادرة الخميس عن مفاوضات واشنطن، مواقف غير مسبوقة وحاسمة صدرت الجمعة عن قمة الدولة اللبنانية، في خطوة تبدو أنها تُسرّع الدينامية الرامية إلى استعادة السيادة الكاملة للبنان في مواجهة إيران وذراعها المسلحة، حزب الله. فقد وجّه الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، الجمعة، تحذيرات شديدة اللهجة إلى طهران، داعيين إياها إلى وقف أي تدخل في الشؤون اللبنانية. وقال الرئيس عون في مقابلة مع شبكة CNN مخاطباً إيران: «هذا ليس بلدكم، بل بلدنا (...) وليس لكم أن تتدخلوا في شؤون بلادنا». كما دعا رئيس الجمهورية حزب الله إلى تغليب الحوار، قائلاً: «على حزب الله أن يدرك أنه لا يوجد أي حل آخر سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولا توجد وسيلة أخرى لإنقاذ ما تبقى من البلاد سوى عبر التفاوض والدبلوماسية». وأضاف: «إنه الشعب اللبناني، وليس شعب نعيم قاسم»، مؤكداً أن الأمين العام لحزب الله لا يمثل الشعب اللبناني، في إشارة إلى رفضه الخميس الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن. وتابع: «أغلبية الشعب اللبناني سئمت الحرب». وفي معرض حديثه عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، اعتبر جوزاف عون أن إسرائيل «قادرة على تدمير البلاد بأكملها، لكنها لن تحقق هدفها أبداً»، مضيفاً: «لقد حاولوا ذلك في غزة. فهل اختفت حماس؟ إنها لا تزال موجودة، أليس كذلك؟». وأكد الرئيس اللبناني أيضاً أن هناك «فرصة كبيرة» متاحة اليوم لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، مشدداً في الوقت نفسه على أن ملف حزب الله لا يمكن معالجته إلا ضمن إطار لبناني بحت. ووجّه عون رسالة إلى السلطات الإسرائيلية قائلاً: «عليكم أن تُظهروا إرادة حقيقية لإنهاء هذه الحرب. نحن مستعدون ولدينا الإرادة والالتزام. فماذا عنكم؟». من جهته، دعا نواف سلام إيران إلى التوقف عن استخدام لبنان «كورقة ضغط» في محادثاتها مع الولايات المتحدة الهادفة إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط. وتُصرّ طهران، في المقابل، على أن يشمل أي اتفاق مع واشنطن إنهاء الأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية وانسحاب القوات الإسرائيلية. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يلعب دور الوسيط مع حزب الله، فقد تحدث للمرة الأولى عن احتمال انسحاب الحزب من جنوب لبنان، شرط انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية والتوصل إلى وقف إطلاق نار «شامل وغير مشروط». وفي صدى لهذه التصريحات، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني، أنه يفضّل المسار الدبلوماسي في ما يتعلق بلبنان، رغم دعوات عدد من الوزراء إلى توسيع العمليات العسكرية، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية. غير أن نتنياهو أوضح أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يُحسم نهائياً بعد، إذ تشترط إسرائيل موافقتها بالحفاظ على منطقة عازلة في جنوب لبنان والإبقاء على حرية تحركها العسكري. وتأتي هذه التطورات في وقت تبدو فيه الهدنة الجديدة التي أعلنتها واشنطن بين إسرائيل وحزب الله مهددة بالتعثر منذ بدايتها. ويُذكر أن البيان الأميركي - اللبناني - الإسرائيلي المشترك الذي اختتم الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن شدد على أن «مستقبل العلاقات بين إسرائيل ولبنان يجب أن يقرره الحكومتان السياديتان في البلدين». كما أكد الموقعون الثلاثة رفضهم «أي محاولة من دولة أو جهة غير حكومية لأخذ لبنان رهينة»، في إشارة تكاد تكون مباشرة إلى إيران وحزب الله. ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي غاراته على جنوب لبنان بعد أن أصدر أوامر بإخلاء نحو عشر بلدات، محافظاً على ضغطه العسكري على حزب الله الذي كان قد رفض الاتفاق في اليوم السابق. كما نفذ الجيش الإسرائيلي غارة عند مدخل مدينة صور. ووفق مصدر في الدفاع المدني نقلت عنه وكالة فرانس برس، أسفرت غارات ليلية استهدفت المدينة بين الخميس والجمعة عن مقتل سبعة أشخاص وإلحاق أضرار طفيفة بمستشفى جبل عامل. في المقابل، أعلن حزب الله مسؤوليته عن عدة هجمات استهدفت القوات الإسرائيلية المنتشرة في أجزاء من جنوب لبنان، من دون أن يعلن عن أي عمليات ضد شمال إسرائيل. وأمام حجم الدمار الذي خلفه النزاع، ضاعفت الأمم المتحدة أكثر من مرتين نداءها الإنساني، وأصبحت تطلب الآن ما يقارب 640 مليون دولار لتغطية الاحتياجات خلال الأشهر الستة المقبلة.