شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حماس – الحيّة
بقلم
هشام دبسي
نُشر

تحوّلت حركة حماس خلال ثلاثة عقود من تنظیم سياسي لجماعة الاخوان المسلمين في فلسطين إلى حركة مقاومة مسلّحة في نهاية عام 1987 وإلى سلطة حاكمة لقطاع غزة في لحظة انقلابها على الشرعية الفلسطينية عام 2007 لم تعُدّ حركة حماس فصيلاً. مع العلم أنها وصلت للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية وسلميّة، وكان اسماعيل هنيّة رئيساً لوزراء السلطة الوطنية، إلا أن الانقلاب الدموي الذي راح ضحيته أكثر من 120 من رجال الامن وحركة فتح فضلاً عن 39 ضحيّة مدنيّة، خلال خمسة أيام من الهجوم الشرس على مؤسسات السلطة الوطنية واعتقال العشرات من منتسبيها حسب تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر. بينما هرب بحراً إلى مصر بعض القادة مثل محمد الدحلان وغیره، وتوقف عن العمل نحو 50 الف موظف حكومي وانحسرت ولاية السلطة الوطنية على مساحة الضفة الغربية فقط. بعد انقلابها على الشرعية الفلسطينية لم تعد حركة حماس فصيلاً ولا شريكاً ديمقراطياّ بالحكم، وآثرت فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والانفراد بالسلطة هناك، ورفعت شعار اسقاط سلطة "رام الله" واسقاط "اتفاق اوسلو". حماس - اسماعيل هنيّة خلال العقد الأول من زعامة اسماعيل هنية أي حتى عام 2017 شهدت الحركة تحوّلات عميقة في علاقتها بالمجتمع الفلسطيني وقياداته وفصائله. وكذلك في علاقاتها العربية والاسلامية والدولية. كما شهدت نُمُوّاً وتطوّراً نوعيّاً لجناحها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام) في القدرات القتالية والتسليحية، وصلت إلى ذروتها تحت قيادة يحيى السنوار. وهذا أسفر عن اعادة رسم خريطة التوازنات الداخلية، بالاستناد إلى مركز ثِقَلها في قطاع غزة، واتساع نفوذها الجماهيري في الضفة الغربية، مع موجة تأييد شعبي واسعة في البلاد العربية والاسلامية ساهمت في صنعه قيادة الاخوان المسلمين الدولية، مستفيدة من تحالفها مع ادارة البيت الابيض في عهد الرئيس باراك اوباما. وأدّت هذه التبدّلات والتجاذبات إلى تنحية رئيس المكتب السياسي المقيم بالخارج خالد مشعل بعد ثلاثة عشر سنة من قيادته. ونقل مقرّه الدائم من عمان الى اسطنبول والدوحة. ليصبح اسماعيل هنية يجمع بين رئاسته للحكومة في غزة، ورئاسة المكتب السياسي للحركة. لكنه في ادارته للتوازنات الداخلية والخارجية، لم يتوقع أن يأتي يوماً يجبر فيه على مغادرة القطاع، والاقامة في المنفى، بفعل سطوة القائد العسكري الجديد لكتائب القسام، يحيى السنوار. الذي هيمن على كافة الأجهزة الحمساوية والحكومية. هكذا التحق اسماعيل هنيه رئيس المكتب السياسي بِسلفِه خالد مشعل من دون أن يفقد لقبه ولا وظيفته كرئيس وزراء لحكومة حماس. وستبقى ملابسات هذا الخروج لعدد كبير من القادة، والكوادر الأولى، غير واضحة حتى تكشف قيادة الحركة عن حقيقة الأمر. لكن الصراعات الداخلية لن تقف عند حدود التوزّع الجغرافي بين القطاع والضفّة والشتات، بل تتّخذ أشكالاً متعددة من الموالين العقائديين لقيادة الاخوان المسلمين الدولية، وبين القادة السياسيين، بِعلاقاتهم مع تركيا وقطر وایران، وبين قادة عسكريين برغماتيّين، منهم المتطرّف ومنهم الأشد تطرّفاً، فهذا مَن يريد الاستفادة القصوى من ايران، وذاك من يريد مروحة علاقات مع مختلف الاطراف لتوسيع هامش مناورته وتوطيد نفوذه، مع عدم القطيعة مع الاميركي او الاسرائيلي عند الضرورة. في هذه المناخات صعد اسم خليل الحية بصفته مسؤولًا لحركة حماس في قطاع غزة ومقرّباً من يحيى السنوار الذي لا يمنح ثقته لأي أحد وفق مصادر متعددة ممّن عرفوه وعايشوا تجربته العسكرية. وفي هذا قيل أن دور خليل الحيّة المركزي في المفاوضات يرتبط بالثقة التي حاز عليها من يحيى السنوار. حيث نصبه السنوار نائباً له عندما تسلم رئاسة المكتب السياسي للحركة بعد مقتل اسماعيل هنيه باسبوع في نهاية تموز عام 2024 إلا أن اغتيال السنوار خلال شهرين من تنصيبه رئيساً للمكتب السياسي، صار نائبه خليل الحية منافساً للمرشح السابق خالد مشعل، واستطاع بفعل موقف الداعمين له في غزة من هزيمة خالد مشعل، ليصبح الرئيس الخامس للمكتب السياسي والقابض على مقدرات الحركة. إلا أن ما تقدم لا يختصر مشهد وصول خليل الحيّة لموقعه الجديد، إذ أشارت مصادر سياسية واعلامية من الخبراء المصريين، وعبر الفضائيات، بأن اللقاء التفاوضي الذي حصل في الدوحة، بحضور مندوبين أمنيين على مستوى رفيع من اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا بعد الغارة الاسرائيلية الشهيرة على قطر واستهداف قادة حماس، أسفر هذا اللقاء عن تفاهمات وتعهدات من اسرائيل بوقف استهداف قادة حماس وعدم مطاردتهم، وهذا ما شهدنا عليه واقعياً، ويمكن البرهنة عليه من دون أي دليل أيضاً. وبهذا التحوّل العميق في العلاقات الأمنية يمكن الاستنتاج، أن حماس – الحية، ليست حماس – احمد ياسين، وليست حماس – السنوار، حيث يركّز قائدها الجديد على تنفيذ التزامات سياسية – أمنية برعاية قطرية – تركية بالدرجة الأولى. وأن دورها المستقبلي له وظيفة مختلفة في جوهره السياسي ويرتكز على فن البقاء في السلطة مهما كانت الضرائب والخسائر كبيرة. لأن السلطة هي الهدف وليس مصلحة الناس. برنامج الحيّة في مطلع هذا الاسبوع، توجه قائد الحركة الجديد، بأول خطاب له ، ليعلن أنه عازم على: أوّلاً: وقف الاعتداءات الاسرائيلية والانسحاب الشامل من قطاع غزة. ثانياً: استعادة مقوّمات الحياة ومنع التهجير واعادة الاعمار وانجاز صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين. ثالثاً: حوار وطني لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على اسس ديمقراطية. رابعاً: تعزيز علاقات حماس مع محيطها العربي والاسلامي خامساً: تنسيق الجهد الدولي لوقف آلة القتل الاسرائيلي. سادساً: مطالبة الامم المتحدة بتوفير الحماية للشعب ومحاسبة قادة الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية. بهذه الأجندة التي تتطلّب تحالفاً دولياً من قوى عظمى لتنفيذها، يتحدث الحيّة من دون تردد ومن موقع القوة والاقتدار، لكن من فندقه. بينما تتداخل ميدانيّاً حركة الصراع العسكري مع اسرائيل في قطاع غزة مع أماكن ايواء النازحين والتجمّعات البشرية المكتظة بما يشبه الخِيَم، مما يجعل الناس تدفع ثمن قرارات الحركة وسلوكها القمعي مرتين، عبر جهاز أمنها الموكل له ضبط حركة مليونين من النازحين في وطنهم وثمن المطاردة الإسرائيلية لكوادرها وما ينتج عن ذلك من قصف وتدمير وتوسيع رقعة الاحتلال، وتوفير الأسباب والذرائع لمنع وصول الماء والغذاء والدواء. بين واقع الحال والبرنامج المعلن يتراكم البؤس واليأس والاحباط وتضج صفحات التواصل الاجتماعي في قطاع غزة، بصرخات لا تريد قيادة حماس سماعها، وانما تبحث عن مستقبل سلطتها ومصير استثماراتها. ثلاثة خيارات يبشر الوزير سموترش الفلسطينيين بثلاثة خيارات حسب تصريحاته المتكررة، إما الرحيل، او الموت او العبودية. وهذا ما يشاركه به الحكومة الراعية للاستيطان في كامل الاراضي الفلسطينية، وما يجري اليوم من اقتحامات للمسجد الاقصى، واطلاق موجة شرسة من العنف يقودها المستوطنون بحماية جيش الاحتلال، ليس سلوكاً مرتبطاً بأي تهديد وجودي، بل محاولة لتطبيق وتنفيذ "خطة الحسم" التي أعلنها وزراء الحكومة من المتطرفين التوراتيّين، وأيّدها اليوم رئيس الوزراء نتنياهو بتنظيم حملة عسكرية شاملة في الضفة الغربية لضم واستيطان كل ما تصل له يد المستوطنين وآلة الحرب الاسرائيلية. في لحظة الاعداد للانتخابات البرلمانية القادمة في أكتوبر من هذا العام وكما يعلن وزراء الحكومة رغبتهم بإسقاط السلطة الوطنية في رام الله، ومحاولتهم للتخلص من آخر معقل كياني فلسطيني يتبنّى الحل السلمي القائم على خيار الدولتين. حيث يصرّح اقطاب التطرف اليهودي التّوراتي بأن هذا الحل هو الخطر الوجودي على دولة اسرائيل. إنّ موجة العنف الأعمى التي تجري في الضفة الغربية الان ضد السكان الاصلانيين أصحاب الارض من شأنها أن تقضي على أي فرصة للسلام المستند للقانون الدولي. وهذا الأمر لن يؤدي إلا للصراع المفتوح لطالما أن المجتمع الدولي يكتفي بالحديث عن السلام في ارض فلسطين.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (13)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم الواقع الحالي على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الاستنتاجات التي يراها مناسبة. وقد تناولت الأجزاء الاثنا عشر السابقة إعادة قراءة للأحداث المرتبطة بصعود نفوذ حزب الله منذ اتفاق الطائف، وصولًا إلى التطبيق الناقص بصورة خطيرة للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006. قبل عامين من حرب الأيام الثلاثة والثلاثين عام 2006، وتحديدًا في 3 أيلول/سبتمبر 2004، وتحت ضغط مباشر من سوريا بقيادة بشار الأسد، مدّد مجلس النواب اللبناني ولاية رئيس الجمهورية إميل لحود ثلاث سنوات إضافية. وقد فُرض هذا التعديل الدستوري في تجاهل تام للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي كانت فرنسا والولايات المتحدة قد دفعتا إلى اعتماده في اليوم السابق. وكان القرار يطالب باحترام القواعد الدستورية اللبنانية واحترام الاستحقاق الرئاسي وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة من دون أي تدخل أجنبي. كما طالب القرار نفسه بحل جميع الميليشيات غير الشرعية، بما فيها حزب الله، وانسحاب القوات السورية من لبنان. ولإضفاء مظهر من الشرعية الشعبية في مواجهة الإدانات الدولية، حوّل إميل لحود قصر بعبدا إلى ساحة لإظهار الولاء. فتوافدت إليه الوفود الموالية لسوريا، والموظفون، والعسكريون، والضباط من مختلف الرتب، إضافة إلى مؤيدين مدنيين وأنصار حزب الله، لتقديم "التهاني الحارة" بصورة منظمة، في محاولة لإظهار وجود إجماع وطني واسع حول التمديد المفروض، بينما كان في الواقع معزولًا دوليًا وإقليميًا وداخليًا، باستثناء تأييد القوى الموالية لسوريا، وحزب الله، وحركة أمل. وكان رئيس الوزراء رفيق الحريري، الذي عارض تمديد الولاية الرئاسية تحت تهديد مباشر من بشار الأسد، قد استقال في تشرين الأول/أكتوبر 2004، قبل أن ينضم إلى صفوف المعارضة المناهضة للوجود السوري. اغتيال رفيق الحريري وثورة الأرز اعتبرت الأمم المتحدة، ولاحقًا المحكمة الخاصة بلبنان، أن هذا التحول السياسي شكّل الدافع الرئيسي لاغتيال رفيق الحريري مع عدد من مرافقيه وعناصر حمايته في 14 شباط/فبراير 2005. وقد أدى هذا الاغتيال مباشرة إلى اندلاع ثورة الأرز، ثم إلى الانسحاب القسري للقوات السورية من لبنان. وأعقب جريمة 14 شباط/فبراير 2005 حراك شعبي واسع استمر ثلاثة أسابيع في شوارع بيروت، طالب بإنهاء الاحتلال السوري للبنان، ورفع صور كبار الضباط الذين كانوا يديرون الأجهزة الأمنية اللبنانية، ومن بينهم اللواءات جميل السيد، وريمون عازار، وعلي الحاج، متهمًا إياهم بالتواطؤ في اغتيال الحريري، وواصفًا إياهم برموز المنظومة الأمنية اللبنانية ـ السورية. توثيق العلاقة بين لحود ونصر الله ولدعم إميل لحود، الذي كان يتعرض لمقاطعة متزايدة، والذي شكّل غطاءً قانونيًا فعليًا لحزب الله، ردّ حسن نصر الله بحشد جماهيره في تظاهرة 8 آذار/مارس 2005، واضعًا ما يشبه ميثاقًا للبقاء، إذ اعتُبر الدفاع عن الرئيس خطًا أحمر، وأصبح الرد على أي محاولة لإقصائه أمرًا معلنًا وصريحًا. وترسّخ بقاء لحود في منصبه عندما رفض البطريرك الماروني نصر الله صفير إسقاطه عبر الشارع، تجنبًا لخلق سابقة في التاريخ اللبناني المعاصر. وقد احترمت قوى السيادة آنذاك هذا الموقف، رغم مرارته، حرصًا منها على التوازنات الطائفية في البلاد. وبعد أسبوع، حشدت القوى السيادية أنصارها ردًا على تظاهرة الثامن من آذار. وهكذا شهدت بيروت في 14 آذار/مارس 2005 تجمعًا تاريخيًا شارك فيه مئات آلاف من أنصار تيار المستقبل بزعامة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والقوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وحزب الوطنيين الأحرار، والتيار الوطني الحر الذي كان لا يزال مناهضًا لسوريا آنذاك، والحزب التقدمي الاشتراكي، وليبراليون شيعة، ويساريون، وغيرهم، مطالبين بانسحاب القوات السورية، وتفكيك المنظومة الأمنية اللبنانية ـ السورية، وتطبيق القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن. وعقب هذا التجمع، تأسس تحالف قوى 14 آذار، الذي ضم في طليعة شخصياته سمير فرنجية، وجبران تويني، وسمير قصير، ونايلة معوض، والرئيس الأسبق أمين الجميل، وآخرين. وأدى ذلك إلى توثيق العلاقة أكثر فأكثر بين لحود، الذي لم يعد يملك خيارات أخرى، وحسن نصر الله. ثقافة مؤيدة للميليشيا تتناقض مع دولة القانون منذ أن كان قائدًا للجيش اللبناني، رسّخ إميل لحود، من خلال مواقفه وتعليماته، تدريجيًا "ثقافة" تقبل الوجود السوري، و"ثقافة" التعاطف مع حزب الله، باعتباره حركة مقاومة وطنية ضد إسرائيل. وكان هذا النهج يتجلى في خطاباته ومذكراته الإدارية، التي تجاهلت عمدًا الأيديولوجيا الدينية الأصولية للحزب الموالي لإيران، والمتعارضة مع فلسفة قيام لبنان الكبير عام 1920. وعندما أصبح رئيسًا للجمهورية، واصل لحود الترويج لهذه الصورة عن حزب الله على مستوى البلاد، ليس فقط داخل الأوساط الشيعية المؤيدة له، بل أيضًا في أوساط مسيحية ودرزية وسنية. وقد ساعد على انتشار هذه الدعاية وتوسيعها زعماء امتلكوا طموحات سياسية كبيرة، وفي مقدمتهم رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، بعد عشرة أشهر فقط من عودته من منفاه في فرنسا، إلى جانب عدد كبير من السياسيين من مختلف الطوائف، مثل رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان، وبعض المنشقين عن الأحزاب السيادية الذين تمكنت الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة من استمالتهم. كما تسرب التعاطف مع الميليشيا إلى مؤسسات الدولة نفسها، فأصبح عدد من المسؤولين يشيدون بمنطق "المقاومة"، ويبررون الممارسات غير القانونية، ما أدى تدريجيًا إلى تراجع ثقافة دولة القانون. وهكذا، حلت ثقافة الخضوع لميليشيا تحمل أيديولوجيا دينية مذهبية، تحت شعار "المقاومة"، محل الثقافة السيادية التي تشكل أساس الدولة ذات السيادة، وتغلغلت هذه الظاهرة في المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية والقضائية اللبنانية. ولا يزال لبنان يعاني حتى اليوم من آثار هذا التراجع العميق في ثقافة الدولة. وخلال تلك السنوات، وجد عدد كبير من السياسيين اللبنانيين أنفسهم مرتاحين للخضوع للاحتلال السوري، ثم لاحقًا لهيمنة حزب الله. ولم يبذل هؤلاء أي جهد لترسيخ الكرامة الوطنية، بل فضلوا، لعقود، التركيز على مصالحهم الضيقة، وخلط الأعمال الخاصة بالشأن العام والخطاب الشعبوي. انتشار الجيش في الجنوب وحوادث مع حزب الله رغم التسوية التي قامت بين الشرعية اللبنانية وسلاح حزب الله، سُجلت منذ أيلول/سبتمبر 2006 عدة حوادث خلال انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، عقب الانسحاب الإسرائيلي الذي بدأ في 17 آب/أغسطس. وقد تجلت هذه الحوادث، على سبيل المثال، في اعتراض الجيش شاحنات محملة بالذخائر كانت قادمة من سوريا إلى البقاع، أو من البقاع باتجاه الجنوب. وكان العسكريون الذين نفذوا هذه العمليات، بدافع حرصهم على أداء واجبهم، يشعرون بالإحباط عندما كانت تصدر قرارات سياسية تلزمهم إما بإعادة الذخائر المصادرة، أو بالإفراج الفوري عن الشاحنات المضبوطة والعناصر المسلحة الذين كانوا يرافقونها. ومن الأمثلة الأخرى التي أعاقت استعادة سيادة الدولة، تحديد مناطق، غالبًا ما كانت حرجية ومحصنة، مُنع الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من دخولها، بناءً على تعليمات من رئيس الجمهورية إميل لحود. وكانت هذه المناطق تخضع حصريًا لسيطرة مقاتلي حزب الله. أما المواطنون الذين كانوا يحاولون الاقتراب منها، فكان عناصر الحزب يمنعونهم من ذلك، إما بذريعة أنها "محميات طبيعية"، أو بالإعلان صراحة أنها مناطق تابعة للحزب، تحولت عمليًا إلى جيوب مغلقة خارج سلطة الدولة، ضمن منطقة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب. اقرأ أيضًا حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (12) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (11) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (10) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (9) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (8) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (7) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (6) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (5) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (4) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (3) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (2) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (1)

بالنسبة لحزب الله، الصراع الحالي هو امتداد لمعركة كربلاء!

اختُتم الأسبوع المنصرم، يوم الأحد، على تطورين بالغي الأهمية. أولهما تمثّل في زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى بغداد، حيث أجرى محادثات مع المسؤولين العراقيين ركّزت بصورة أساسية على الشأن الاقتصادي. ورافق رئيس الحكومة وزير الطاقة جو صدي، وقد ناقش مع نظيره العراقي إمكانية إدراج مصفاة طرابلس ضمن مشروع إعادة تشغيل خط الأنابيب الواصل بين العراق وسوريا بهدف تصدير النفط العراقي. وكانت سوريا والعراق قد وقّعا قبل أيام اتفاقاً بهذا الخصوص، فيما تسعى الحكومة اللبنانية إلى إعادة إحياء دور مصفاة طرابلس في هذا السياق. أما التطور الثاني، فيحمل بعداً سياسياً شاملاً يتجاوز الحدود الوطنية، ويتمثل في تبادل رسائل بين حزب الله والمرشد الأعلى الإيراني الغامض عصيّ الفهم مجتبى خامنئي. ويتبيّن من هذه الرسائل أن حزب الله جدّد تأكيد ولائه للمرشد الإيراني، مشدداً على أن الصراع الدائر حالياً في المنطقة هو «امتداد لمعركة كربلاء». كما أعاد الحزب التأكيد على عزمه مواصلة «المقاومة المسلحة»، مشدداً على «تضامنه الكامل مع إيران والحرس الثوري الإسلامي»، ومضيفاً أنه «يبقى بقيادة الشيخ نعيم قاسم» وأنه «وفيّ لقيادة مجتبى خامنئي». وفي سياق هذا التأكيد المتجدد على البيعة التي أعلنها حزب الله، نُسبت إلى مجتبى خامنئي رسالة موجّهة إلى الحزب، جاء فيها أن «الثبات على طريق المقاومة سيجلب النصر الإلهي الموعود للمجاهدين السائرين على طريق الحق». هدوء حذر على الجبهة الأميركية – الإيرانية على الصعيد العسكري، تشهد الجبهة الأميركية – الإيرانية منذ مساء الجمعة حالة من الهدوء الحذر. فبعد ثلاثة عشر يوماً متواصلة من الغارات الأميركية على الأراضي الإيرانية، والردود الإيرانية التي استهدفت دول الخليج المجاورة، مرّت ليلتا الجمعة والسبت بهدوء، في وقت تتصاعد فيه المواجهات على الجبهة اليمنية، فيما لا يزال جنوب لبنان، حتى الآن، بعيداً عن أي تصعيد كبير. وقد دخلت الحرب الأميركية على إيران مرحلة جديدة يبقى مستقبلها غامضاً. ففي حين كانت وتيرة التصعيد واضحة طوال الأيام الثلاثة عشر الماضية، مع القصف الأميركي المكثف داخل إيران واستمرار الردود الإيرانية على دول الخليج والأردن، شهد التوتر العسكري تراجعاً مفاجئاً اعتباراً من يوم الجمعة. وعاش الإيرانيون، صباح الأحد، الليلة الثانية على التوالي من الهدوء. وبحسب وسائل إعلام أميركية، فإن هذا الهدوء جاء نتيجة أمر أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الجمعة، فيما أوقفت إيران بدورها هجماتها الصاروخية على الدول المجاورة. وتطرح هذه التطورات جملة من التساؤلات في وسائل الإعلام: هل هذا الهدوء مؤقت أم أنه مرشح للاستمرار؟ وهل سيفضي إلى استئناف المفاوضات أم إلى تصعيد أكبر قد يصل إلى مواجهات برية؟ وما الأسباب الحقيقية التي دفعت الرئيس ترامب إلى اتخاذ هذا القرار؟ ويكتسب هذا السؤال الأخير أهمية خاصة، إذ ترى وسائل إعلام أميركية عدة، من بينها نيويورك تايمز وسي إن إن، أن الإدارة الأميركية تخشى تراجع مخزون صواريخ الاعتراض المستخدمة لحماية دول الخليج، كما تخشى اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط. أما ترامب، فما زال يواصل سياسة الجمع بين التصعيد والانفتاح. ففي الوقت الذي يؤكد فيه استعداده لتوجيه ضربات أشد قسوة إلى إيران، أعلن في المقابل أنه «يتحدث حالياً مع المسؤولين الإيرانيين»، معتبراً أنهم «باتوا أكثر جدية»، وذلك «لسبب واضح»، في إشارة إلى الضربات المدمرة التي نفذها سلاح الجو الأميركي داخل إيران.ويتناقض هذا الهدوء المفاجئ مع السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة. ففي الوقت الذي أُبعدت فيه إسرائيل عن الهجمات الأخيرة على إيران، بعدما كانت الشريك المفضل، إن لم تكن المحرّض الأساسي، في بداية هذه الحرب ضد إيران أواخر شهر شباط/فبراير، اتخذت السلطات الإسرائيلية خلال هذا الأسبوع إجراءات احترازية مشددة، مطالبة السكان بالبقاء على أهبة الاستعداد للنزول إلى الملاجئ في أي لحظة. كما علّقت عدة شركات طيران رحلاتها إلى تل أبيب خلال الأيام الماضية. وبحسب بعض المعلومات، كانت إسرائيل مستعدة لتنفيذ ضربات دقيقة داخل الأراضي الإيرانية، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حال دون ذلك. غير أن الحكومة الإسرائيلية صادقت، صباح الأحد، على تمديد حالة الطوارئ حتى الحادي عشر من آب/أغسطس. ومهما يكن، فإن محطة الأسبوع المقبل التي تستحق المتابعة عن كثب تتمثل في اللقاء المرتقب، يوم الثلاثاء في واشنطن، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي. وقد تأخر نتنياهو في الحصول على هذا الموعد، في مؤشر على استمرار التباينات بين الرجلين بشأن الحرب على إيران. فهل سينجح رئيس الوزراء الإسرائيلي في التأثير على خيارات شريكه الأميركي، علماً أن كليهما يواجه استحقاقات انتخابية داخلية حاسمة خلال الأشهر المقبلة؟ فبالنسبة إلى الرئيس ترامب، قد تشكل انتخابات التجديد النصفي تحدياً صعباً، بعدما أثرت الزيادة في أسعار النفط وارتفاع معدلات التضخم، المرتبطان بالحرب على إيران، سلباً على شعبيته. أما نتنياهو، فهو يخوض مرة جديدة معركة مصيره السياسي. ومع ذلك، فإن هذه الخلافات والحسابات لا تبدّل الكثير في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. وقد عزّز هذا الاستنتاج تطور شهدته الساحة هذا الأسبوع، إذ أعلن وزير الطاقة الأميركي، يوم الخميس، قرب التوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية لتطوير برنامج نووي مدني، الأمر الذي أثار قلق عدد من النواب الديمقراطيين وأوساط إسرائيلية، خشية أن يؤدي ذلك إلى سباق جديد نحو التسلح النووي في الشرق الأوسط. وفي اليوم نفسه، نشر الرئيس ترامب رسالة على منصته Truth Social حملت مضموناً لافتاً، أكد فيها أن هذا الاتفاق مع السعودية لا يمكن أن يرى النور إلا إذا اعترفت المملكة بإسرائيل وانضمت إلى اتفاقيات أبراهام التي سبق أن وقعتها عدة دول خليجية. وقد قوبل هذا الموقف بارتياح في إسرائيل، حيث اعتبر نتنياهو أن ذلك سيكون «تطوراً تاريخياً». أما من الجانب السعودي، فقد ساد الصمت. أول انتشار شاق للجيش اللبناني في جنوب لبنان على الأرض، يتضح أنه في حين التزمت إيران بهذه الهدنة الضمنية مع الولايات المتحدة، وامتنعت عن إطلاق صواريخها وطائراتها المسيّرة طوال يومين، فإن الجبهة اليمنية، حيث ينشط الحوثيون الموالون لإيران، لا تزال تشهد تصعيداً متواصلاً. فقد اتسمت تحركات الحوثيين طوال الأسبوع بطابع تصعيدي، إذ وجّهوا صواريخهم نحو المملكة العربية السعودية، في سابقة هي الأولى منذ عام 2022، كما زادوا من تعقيد حركة الملاحة في البحر الأحمر. واستهدف الحوثيون خلال الأسبوع ناقلتي نفط سعوديتين، بينما أكدت السلطات السعودية إصابة ناقلة واحدة فقط. وردّت الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من السعودية بشن هجمات على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ويبدو أن هذه الجبهة اليمنية، التي فعّلتها إيران، باتت في الوقت الراهن تتقدم على جبهة جنوب لبنان. فحزب الله لا يزال يمتنع عن الرد على العمليات الإسرائيلية المتواصلة في المناطق المحتلة وحتى خارجها. ورغم تأكيد مسؤولي الحزب التزامهم بوقف إطلاق النار، ولا سيما ذلك الذي تفاوضت عليه إيران ضمن مسار إسلام آباد، وليس الاتفاق الذي توصلت إليه السلطات اللبنانية مباشرة مع الإسرائيليين في الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن، فإن قيادة الحزب تأخذ في الاعتبار حالة الإرهاق التي تعاني منها قواتها، وكذلك، والأهم، حالة الإنهاك التي يعيشها جمهورها، في ظل استمرار نزوح قسم كبير منه. وفي جنوب لبنان أيضاً، شهد الأسبوع حدثاً مفصلياً على صلة بالاتفاق الإطاري اللبناني – الإسرائيلي، تمثل في انتشار الجيش اللبناني، يوم الثلاثاء، داخل بلدة زوطر الغربية الواقعة على أطراف المنطقة المحتلة. ولم يخلُ دخول الجيش اللبناني إلى البلدة من التوتر، إذ أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاه الجنود اللبنانيين، من دون أن يسفر ذلك عن إصابات، مدعياً أن الآليات العسكرية اللبنانية تجاوزت حدود المنطقة المحددة. إلا أن الجيش اللبناني نفى هذه المزاعم نفياً قاطعاً. عون في واشنطن ومع ذلك، تواصل السلطات اللبنانية، رغم الانتقادات المتكررة التي يوجهها إليها المحور الإيراني، السير في طريق البحث عن سلام دائم. وقد تجلّى ذلك في الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، يوم الأربعاء، إلى بلدة زوطر الغربية، حيث رفع العلم اللبناني في البلدة ووجّه رسالة طمأنة إلى أبناء الجنوب، مؤكداً التزام الدولة بالوقوف إلى جانبهم. وجاءت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في اليوم التالي لتعزز هذا الانطباع. وتكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية بالنسبة إلى سكان المناطق المنكوبة. وقد كانت ردود فعل أهالي زوطر، عند معاينتهم حجم الدمار بعد السماح لهم بالدخول لتفقد منازلهم عقب انتشار الجيش، مؤثرة إلى حد بعيد. غير أن الحدث الأبرز هذا الأسبوع في سياق استعادة هيبة الدولة جرى في واشنطن. فقد وصل الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى الولايات المتحدة منذ يوم السبت، حيث خضع لبرنامج حافل من اللقاءات مع مسؤولين أميركيين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد، قبل أن يستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، في البيت الأبيض. وعلى صعيد الشكل، أظهرت المؤتمر الصحافي المشترك بين الرئيسين انسجاماً واضحاً بينهما، فيما حملت الرسائل الصادرة عنهما مؤشرات إلى تطور إيجابي في العلاقات الثنائية. أما على مستوى المضمون، فقد جاءت المؤشرات إيجابية أيضاً. ففي مساء اليوم نفسه، أعلن الرئيس الأميركي خطوة رمزية لكنها ذات دلالة كبيرة، تمثلت في استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة وبيروت، بعد انقطاع دام أكثر من أربعين عاماً. من جهته، أعرب الرئيس اللبناني في أكثر من مناسبة عقب هذا اللقاء عن ثقته بأن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. وصحيح أن الشكوك لا تزال قائمة وأن التحديات تبقى جسيمة، إلا أن موعد واشنطن لم يكن فرصة ضائعة. وكما كان متوقعاً، حظيت زيارة الرئيس إلى العاصمة الأميركية وأداؤه خلالها بدعم واسع داخل الطبقة السياسية اللبنانية. حتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس حركة أمل الحليفة لحزب الله، والذي كان قد ابتعد في الأسابيع الأخيرة عن بعض خيارات الرئيس، بادر إلى الاتصال به فور عودته إلى لبنان. أما حزب الله، فواصل هجومه العنيف على الرئيس عون. ففي بيان شديد اللهجة صدر يوم الخميس، اتهم الحزب رئيس الجمهورية بأنه «فشل في انتزاع أي مطلب وطني سيادي»، معتبراً أنه «لم ينجح في الحصول على أي التزام أميركي بانسحاب إسرائيلي». وعلى هذا الصعيد أيضاً، يبدو أن الحزب يزداد عزلة يوماً بعد يوم. وقد تلقى الرئيس، يوم السبت، جرعة إضافية من الدعم خلال قداس تطويب «أبي لبنان الكبير»، البطريرك إلياس الحويك، الذي أقيم في المقر الصيفي للبطريركية المارونية في الديمان (قضاء بشري، شمال لبنان)، من خلال المواقف التي أعلنها البطريرك الماروني بشارة الراعي. وفي هذا الاحتفال الديني والسياسي، الذي جمع شخصيات من مختلف الطوائف اللبنانية، باستثناء لافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري، أشاد البطريرك الراعي «بالإشارات الإيجابية» التي أفرزها لقاء واشنطن، وجدّد دعمه لرئيس الجمهورية.

مركزية اللغة السريانية في التراث الماروني 1/7

عند انتهاء أمسية تراتيل مارونية باللغة السريانية، يخرج الحاضرون وهم يتساءلون بدهشة كيف استطاعوا أن يعيشوا الكلمات والروحانية في أعماق كيانهم. لقد اختبروا مشاعر ذات كثافة غير مألوفة، بل أشد تأثيرًا مما يشعرون به عند الاستماع إلى لغة يفهمونها. فيطرحون السؤال: كيف يمكن للغة لم يعد معظمهم يفهمها أن تنفذ إلى نفوسهم بقوة تفوق لغة تعلّموها على مقاعد الدراسة؟ لغة الروح تقف اللغة السريانية عند منبع الروحانية المارونية، كما كانت بالنسبة إلى سائر الكنائس الأنطاكية. وعلى الرغم من تراجع حضورها، لا تزال هذه اللغة منقوشة في جوهر الهوية المارونية. فهي تخاطب العقل والروح، وتغذي الحياة الداخلية، وتروي عطشًا روحيًا عميقًا. ومن خلال موسيقاها وإيقاعها وغنى صورها الشعرية، تفتح السريانية فضاءً داخليًا فريدًا. وحتى عندما لا يعود المؤمنون يفهمون هذه اللغة فهمًا كاملًا، فإنهم يشعرون بأنها جزء من ذواتهم. وكما أشار عالم الليتورجيا اليسوعي روبرت تافت، فإن المشاركة الليتورجية لا تقتصر على الفهم العقلي للنص، بل تشمل أيضًا ذاكرة رمزية وحسية وعاطفية تشكل عنصرًا أساسيًا في اختبار الطقس الديني. وبعد تناول تاريخي ثم لغوي، تهدف هذه السلسلة المؤلفة من سبعة مقالات إلى إظهار كيف أن فقدان اللغة، بذريعة الانفتاح على المحيط والعالم، يقود إلى وهم الإيمان المطلق. فالبحث عن دين روحي صرف، منفصل عن أي تراث، منزوع الجذور ومتحرر من الهويات، قد يتحول في نهاية المطاف إلى أيديولوجيا. مجمع خلقيدونية من الناحية التاريخية، لا يسعنا إلا أن نلاحظ العلاقة الوجودية العميقة التي جمعت بين اللغة السريانية والموارنة، سواء بصفتهم كنيسة أو شعبًا. وفي هذا السياق، يشكل مجمع خلقيدونية، الذي دعا إليه الإمبراطور البيزنطي مرقيان وزوجته بولخاريا سنة 451، محطة مفصلية. فقد أكد هذا المجمع المسكوني الرابع بوضوح عقيدة الطبيعتين في المسيح، أي أن للمسيح طبيعتين: بشرية وإلهية، فهو إنسان حق وإله حق. وجاء في صيغة الإيمان المعروفة باسم «قانون خلقيدونية»: «مسيح واحد يُعترف به في طبيعتين، من دون اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال». أما السريان، الذين كانت مقاربتهم اللاهوتية أقرب إلى البعد الإنساني منها إلى الفلسفة، فقد وجدوا صعوبة في استيعاب هذه الدقائق اللاهوتية، ولا سيما أن لغتهم لم تكن تتيح دائمًا التمييز بين تلك المفاهيم الدقيقة. وإلى جانب الجدل العقائدي، كان هؤلاء المسيحيون يخشون خطر الاندماج السياسي والثقافي داخل الإمبراطورية البيزنطية الناطقة باليونانية. وأمام الاختيار بين الوحدة الكنسية والحفاظ على هويتهم الثقافية في مواجهة الاستيعاب اليوناني، انقسم السريان الغربيون إلى ثلاثة تيارات: 1- اختارت الفئة الأولى الوحدة المسيحية، فقبلت مجمع خلقيدونية بكل ما ترتب عليه من نتائج ليتورجية وثقافية وحتى هوياتية. وبعد اندماجها الكامل في الكنيسة البيزنطية الإمبراطورية، أصبحت تُعرف اليوم باسم الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، أو الملكية، أو الروم الأرثوذكس. 2- أما الفئة الثانية، التي تمسكت بقوة بهويتها الثقافية، فقد رفضت المجمع برمته. ورغم أنها كانت ميافيزية (أي تؤمن بالطبيعتين الإلهية والبشرية للمسيح متحدتين في طبيعة واحدة)، فقد وُصفت خطأً بأنها مونوفيزية. وكانت تُعرف في العصور الوسطى باسم اليعاقبة، أما اليوم فتُعرف باسم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. 3- أما الفئة الثالثة، فقد رفضت هذين الخيارين المتطرفين، واختارت طريقًا وسطًا يجمع بين الوحدة المسيحية الخلقيدونية والتمسك الراسخ باللغة السريانية. وقد أصبحت هذه الجماعة، في القرن السابع، كنيسة مارونية أنطاكية مستقلة (ذاتية الرئاسة)، وكان القديس يوحنا مارون أول بطريرك لها. ولولا هذا التمسك الثابت باللغة والثقافة والهوية والروحانية السريانية، لما كانت الكنيسة المارونية قد وُجدت على الأرجح. إذ كانت ستذوب، كما ذاب سائر الخلقيدونيين، في الثقافة البيزنطية الإمبراطورية. القديس يوحنا مارون إن فكرة لبنان نفسها تجد جذورها في عمل هذا البطريرك الأول، القديس يوحنا مارون، الذي منح كنيسته الناشئة بعدًا وطنيًا. فعلى خلاف سائر الكنائس السريانية والملكية والقبطية، لم تقتصر كنيسة يوحنا مارون على المجال الروحي، بل امتلكت مقومات الأمة. فقد أرسى هذا البطريرك دعائمها الإقليمية (جبل لبنان)، والدينية (المسيحية الخلقيدونية)، والعسكرية (المردة)، واللغوية (السريانية). وكان المردة، وهم شعب محارب يُرجح أن أصوله تعود إلى منطقة القوقاز، مكلفين بالدفاع عن بلاد الشام. وبعد معاهدة السلام التي أُبرمت سنة 667 بين الخليفة معاوية والإمبراطور قسطنطين الرابع، أمر هذا الأخير بسحب قوات المردة من لبنان. ثم جرى انسحاب ثانٍ لاثني عشر ألفًا منهم في عهد الإمبراطور يوستنيانوس الثاني. أما الذين بقوا في لبنان، فقد شكلوا النواة العسكرية للموارنة. وإذا كان التنظيم العسكري شرطًا أساسيًا لقيام كيان سياسي، فإن اللغة تبقى حجر الزاوية في كل بناء وطني. ولذلك وضع القديس يوحنا مارون اللغة السريانية في صميم مشروعه الروحي، فجعلها اللغة الليتورجية والمقدسة والرمزية لكنيسته.

الاستيعاب لا الصدام!
بقلم
رامي الريّس
نُشر

صحيحٌ أن الترجمة السياسيّة والعمليّة لزيارة رئيس الجمهورية اللبنانيّة جوزف عون إلى البيت الأبيض سوف تتطلب وقتاً وجهوداً مكثفة للعديد من الأسباب، ولكن الصحيح أيضاً أن الشكل له تأثيره في العلاقات بين الدول، خصوصاً عند رئيس غير قابل للتنبؤ مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف عنه تغليبه في بعض الأحيان الجانب الشخصي على الشق المؤسساتي في علاقاته مع رؤساء الدول والحكومات حول العالم، ذلك أن مشهد تقريع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في المكتب البيضاوي أمام عدسات الإعلام لا يزال ماثلاً في الأذهان. من هنا، لا يمكن القفز فوق الاعتبارات الشكليّة التي تفعل فعلها في القمم بين الرؤساء، خصوصاً بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان، لا يملك سوى سمعة أبنائه الناجحين في كل أقاصي الأرض، الذين يندمجون في المجتمعات التي يهاجرون إليها ويصلون إلى أعلى المناصب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وحتى اللحظة، يبدو أن المقولة القديمة الشهيرة "قوة لبنان في ضعفه" قد عادت لتطل برأسها على الواقع اللبناني خصوصاً مع سقوط كل الشعارات المتصلة بتوازن الردع وما إلى ذلك من العناوين التي صارت غير ذات مغزى بعد حربي 2024 و2026. ولكن، مهما يكن من أمر، هو شعار سيء للغاية والعودة إليه غير مقبولة. وإذا كان صحيحاً أن لبنان لن يتمكن من بناء ترسانة عسكريّة لحماية أرضه وحدوده أسوة بسائر الدول، ولكن الاتكال حصراً على "أصدقاء لبنان" كما اقترح أحد السياسيين ليس هو الحل أيضاً. لا يمكن بناء ديبلوماسية دولة معينة وسياستها الخارجيّة فقط على "الصداقات"، فليس ثمة صداقات دائمة في السياسة، إذ ما قد يتطابق مع مصلحة دولة ما في لحظة، قد يتغيّر في وقت لاحق دون تفسير أو تبرير. ولكن، ما يوازي القمة الأميركيّة- اللبنانيّة بالأهميّة، هو الكلام السياسي الهام الذي قاله رئيس الجمهوريّة في إحتفال السفارة اللبنانيّة في واشنطن والذي عكس فيه فهماً عميقاً للمعضلات الماثلة أمام الوضع الراهن، وسبل تجاوزها بما يوفق بين تحقيق المصلحة الوطنيّة العليا والسيادة وحصر السلاح بيد الدولة، وبين عدم تفجير الوضع الداخلي أو نقل الصراع إلى الساحة المحليّة بما يؤثر على الاستقرار والسلم الأهلي. وكلام الرئيس عن أن حزب الله ليس فرقة مرتزقة كلام مهم، فهؤلاء هم أبناء الجنوب، حتى ولو وقع الخلاف معهم من قبل قسم كبير من اللبنانيين، وحتى لو أن عقيدتهم الدينيّة صارت جزءاً من مشروع سياسي تتعدّى مرتكزاته حدود لبنان وقدراته. فالتعامل مع هذه الحالات لا يكون بالصدام العسكري (الذي لن يُكتب له النجاح أصلاً وسيحول مجريات الصراع من موقع إلى آخر)، بل بالاستيعاب، وهو لا يتحقق إلا من خلال رؤية متكاملة يمكن من خلالها إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني وبين الدولة. إن الهوّة بين تلك المكونات والدولة آخذة في الاتساع للعديد من الأسباب: منها ما يتعلق بالعقيدة التي تشربتها شرائح معيّنة وليس من السهل عليها تجاوزها أو مناقضتها بطروحات مقابلة سياسياً أو إجتماعياً وبطبيعة الحال دينياً ومنها ما هو مرتبط بتراكمات تاريخيّة تتعلق بعدم قدرة الدولة (وأحياناً عدم إكتراثها) لحماية الجنوب وأهله وتركه عرضة للاعتداءات الإسرائيليّة (حتى في مرحلة ما قبل نشوء حزب الله)، ومنها ما هو مرتبط أيضاً بضعف الدولة وامكانياتها وتمركز اقتصادها في العاصمة والمدن الكبرى وإهمالها المتعمد أو غير المتعمد للأرياف والزراعة والحرف والصناعات المحليّة الخفيفة التي تساعد في صمود أبناء المناطق في أرضهم. لذلك، يبدو تزامن الخطوات في المرحلة المقبلة مسألة ضرورية على ضوء الردم التدريجي لتلك الهوة السحيقة المشار إليها أعلاه، وهي تتمحور حول ضرورة أن تتولى الدولة ملء الفراغ مباشرة على المستوى السياسي والأمني والإقتصادي، وأن تبادر إلى الحضور حيث كانت غائبة منذ زمن. والخطوة الرمزية التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام بغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية عقب الانسحاب الإسرائيلي تصب في هذا الإطار، وثمة حاجة أن تُستكمل بخطواتٍ مماثلة على مختلف المستويات. وإذا كان هذا جانب من المطلوب على المستوى الداخلي، فإن المطلوب خارجياً هو دعم الجيش اللبناني باعتباره الحصن المنيع للسلم الأهلي، بما يمكنه من القيام بواجباته في هذا المجال، وفي المجال الموازي المتصل بحصر السلاح الذي لا بد من تحققه تطبيقاً لاتفاق الطائف قبل أن يكون تطبيقاً لهذا المطلب الخارجي أو ذاك، ودرءاً للمزيد من الحروب المتفلتة من أي ضوابط والتي أتت على دمار البلد وانكساره مراراً وتكراراً. إن تقوية الجيش اللبناني وتعزيز قدراته وبنائها هو بمثابة حجر الزاوية للمرحلة المستقبليّة، دون المس بعقيدته القتالية أقله ليس قبل جلاء الصورة الجنوبيّة والانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة الأرض المحتلة. وحدها الدولة هي الضامن الأساسي لجميع اللبنانيين حتى ولو أنها لا تملك في هذه اللحظة السياسيّة القدرة على توفير المظلة الآمنة بالكامل، بل إن جانباً من قدرتها على القيام بواجبها متصل بقدرتها على جمع اللبنانيين حول مشروعها لأن كل المشاريع الموازية أثبتت فشلها الذريع.

نهاية كأس العالم ما لها وعليها؟
بقلم
يقظان التقي
نُشر

نجاح يسجل للفيفا، والولايات المتحدة، والمشجعين في نهاية كأس العالم2026، ومن المتوقع أن تصل إيرادات كأس العالم إلى 13 مليار دولار، مما يجعله الحدث الرياضي الأكثر ربحاً في التاريخ، وهو ما يعزز موقف "إنفانتينو" لإعادة انتخابه رئيساً للفيفا العام المقبل. كانت هذه البطولة من بين أغلى الأحداث الرياضية في الولايات المتحدة على الإطلاق، حيث بلغ سعر التذكرة الواحدة في السوق الثانوية ذروته ، وبلغ متوسط سعر الشراء 10800 دولار. ووصل سعر تذكرة واحدة إلى 32000 دولار، وهو أمر يعتبر جيداً أو سيئاً اعتماداً على ما، إذا كنت تشتري التذكرة أو تبيعها. وعلى الرغم من أن الطقس عطل عدداً قليلاً من المباريات، وليس العشرات كما كان يخشى البعض، إلا أن الكوابيس اللوجستية لتنظيم البطولة عبر ثلاث دول لأول مرة - الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ، لم تتحقق. استضافت البطولة 48 فريقاً و104 مباريات، مما أفسح المجال لعدد من المفاجآت التي أضفت على البطولة بريقها وحيويتها. قدمت الرأس الأخضر، ثاني أصغر دولة تتأهل لكأس العالم، ظهوراً لا يُنسى، حيث تعادلت مع إسبانيا في مباراتها الافتتاحية. النرويج، التي شاركت في البطولة لأول مرة منذ قرن، وصلت إلى ربع النهائي بفضل المهاجم العملاق إيرلينج هالاند، الذي أصبح سريعاً مفضلاً لدى الجماهير بينما احتفل مشجعو الفريق بـ "احتفالية الفايكنج" التي انتشرت على نطاق واسع. كما خاضت كندا ومصر مباريات كأس العالم لأول مرة، ووصلت مصر إلى دور الـ16، لتصبح واحدة من تسع دول أفريقية تصل إلى الأدوار الإقصائية. ومن بين الاتحادات القارية الستة للفيفا، كان أداء أفريقيا أفضل من أوروبا، حيث أرسلت 13 فريقاً إلى دور المجموعات. لم يترك ليونيل ميسي أي شك في أنه لاعب كبير في تاريخ كأس العالم، إن لم يكن في تاريخ كرة القدم ، حيث قاد فريقه إلى النهائي، وغادر الملعب في ملعب "ميتلايف" باعتباره اللاعب الثاني الذي يشارك في ثلاث نهائيات لكأس العالم (بتكوين إسباني رابح بالضرورة). لكن إذا كانت هذه هي النقاط المضيئة، فقد كانت هناك أيضاً نقاط سلبية. كانت هذه أكثر بطولات كأس العالم تسييساً، والأولى التي كانت فيها الدولة المضيفة، الولايات المتحدة، في حالة حرب مع إيران . كان لذلك تداعيات بدءاً من رفض منح تأشيرات لأكثر من اثني عشر عضواً من الوفد الرسمي الإيراني. كما رفضت وزارة الخارجية الأميركية دخول عمر عبد القادر أرتان، وهو حكم صومالي معتمد، بدعوى "التدقيق في المخاوف". وعلى الرغم من أن نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) اعتمد في المقام الأول لتنبيه الحكم الرئيسي إلى الأخطاء الواضحة والمؤكدة، أو الحوادث الخطيرة التي فاتته، إلا أنه أصبح في هذه البطولة تدخلياً، حيث ألغى هدفاً لكرواتيا، وكلف مصر ما كان يمكن أن يكون هدف الفوز .وهو أمر ينتقده البعض لأنه أزال أي شعور بالحكم أو التقدير، مما سلب اللعبة الكثير من دراميتها. فكرة القدم فن، وهذا هو سبب حب الناس لها. ثم كان هناك تدخل الرئيس ترامب الذي نسب الفضل لنفسه في قرارات الحكام في قضية المهاجم فولارين بالوغون، واعترف بأنه اتصل، وتم تعليق عقوبة البطاقة الحمراء. ولكن كما هو الحال دائماً مع الفيفا، المال هو الصوت الأعلى، وسلوك إنفانتينو المثير للجدل على مدى العام الماضي لا يبدو أنه كلفه الكثير من الدعم. وهذا هو السبب في أن إسبانيا لم تكن الفائز الوحيد في هذه البطولة، التي صارت فرعاً من العلاقات الدولية وتعبيراً عن القوة الناعمة. بطولة، هي آخر لغة عالمية يتحدثها البشر. مصنع للذاكرة، وللانتماء .وهنا تأتي الفيفا، وترامب، وإنفانتينو، والأموال، والرعاة، والـVAR، لا كوقائع منفصلة، بل كدليل على أن السياسة لم تعد تراقب المباراة من المدرجات، بل نزلت إلى أرض الملعب لكن رغم كل محاولات التسييس، لا يزال الناس يبكون لهدف، ويفرحون لمفاجأة، ويؤمنون بأن منتخباً صغيراً يستطيع إسقاط قوة كروية مفاجئة. هذه هي العدالة الرمزية التي لا تستطيع السياسة شراءها بالكامل) لطالما كانت أكبر بطولة لكرة القدم في العالم محاطة بالفضائح والنزاعات منذ أول بطولة أقيمت في أوروغواي عام 1930، إيطاليا عام 1934، إنجلترا 1966، وفي عام 2002). يمكن أن تكون مباريات كرة القدم بدائل سلمية للحرب، أو ممكن أن تساعد المشجعين في كل مكان على رؤية ما يشتركون فيه، بدلاُ من التقاتل المشترك، أو التسييس، أو الفساد المزعوم، أو الغسيل الرياضي. لكن، هذه ليست هي القصة الحقيقية. كأس العالم ليست سوى رفاهية. فكل 4 سنوات ، يتسلل عشاق كرة القدم حول العالم إلى أعمالهم للمشاهدة ، ويتركون أطفالهم يسهرون لساعات متأخرة. لا يمكن لأحد أن يمنع هذه المتعة. كأس العالم هي آلة لصناعة الذكريات. يتذكر المشجعون المخضرمون أين كانوا عندما شاهدوا أعظم انتصارات فرقهم وأكثر هزائمهم إيلاماً، ومع من كانوا في الغرفة الواحدة من الآباء الراحلين إلى الأصدقاء والأبناء الذين كبروا. في وقت، يمكن للفرق أن تمنح الأمل في مستقبل مختلف، مثل انتصارات الصدمة بأن الضعفاء في الفرق قد يرثون أرض الملاعب. دراما لا تمحى، كرة خلاص في الأناشيد الوطنية التي تشير أيضاً بالضرورة إلى العنف والجنود والحرب. إن انتشار نظريات المؤامرة دليل على مدى اهتمام الناس في كل مكان بكأس العالم. ووفقاً للفيفا، شاهد نحو 3مليار شخص نهائي 2026 على التلفزيون. وهذا يولد تدفقات هائلة من الإيرادات من حقوق البث، وصفقات الرعاية وتذاكر المباريات والضيافة. ومثل أسلافه الذين خدموا طويلاً، بلاتر وجواو هافيلانج ، أثبت إنفانتينو براعته في مخالطة الأقوياء. فقد حصل على ميدالية "وسام الصداقة" من فلاديمير بوتين، وابتكر "جائزة الفيفا للسلام" ليمنحها لدونالد ترامب. ومن خلال توسيع البطولة إلى 48 فريقاً، زادت الفيفا ً من نطاق الصراع والمصالح وسط الاضطرابات الجيوسياسية. إن القول بـ "إبقاء السياسة خارج الرياضة" هو المغالطة المعتادة، لا يمكننا توقع المثال، لكن يجب المطالبة بالاتساق والمساءلة. يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في تحقيق هذه الأهداف، لكنها يمكن أن تعقدها أيضاً، إذا ما تم التعامل معها خلف الستار الرقمي لحكم الفيديو المساعد (VAR). لا جدال في الأذواق( باستثناء، قليليلن لديهم حساسيتة جمالية تنفر من القمصان الرياضية باعتبارها لعبة عنيفة). فالجميع يهوس بكرة القدم، لأن الأمر يعود في النهاية إلى غرائز وردود أفعال عميقة كطقس جماعي. وكما يقول عالم الاجتماع إميل دوركايم، فإن الأشياء المقدسة "تكون منفصلة ومحاطة بالمحرمات". فالكرة للبعض هي يوم عبادتهم، كطقس يوفر شعوراً بالفخر المجتمعي، ويجمع الناس (بشكل سلمي) حول هويات مشتركة، دافعاً - رغبة في أن يكونوا جزءاً من شيء يتجاوز ذواتهم في "الإثارة الجماعية" (collective effervescence)، وسيلة لخلق غير المألوف والاستثنائي في خلق روابط تفاهم بين أشخاص قد لا يكون لديهم الكثير من القواسم المشتركة، وهم يحتفلون بانتصارهم غير المتوقع. هذا أيضاً قد يثير عوالم أخرى بطرق غير متوقعة. فموضوع الولاء في الأمة، الذي يتم التعبير عنه من خلال الهوية الوطنية للفرد، يمكن أن يصبح معقداً. قد ينظر إلى لاعب كرة القدم الأمريكي "فلورين بالوغون" على أنه "طفل مرساة (anchor baby) لوالدته النيجيرية، و كان بإمكانه اللعب لإنجلترا أو نيجيريا. لذلك، تشجيع اي فريق كرة القدم هو تشجيعا للمثل التعددية ولإنتاج "توليفات هوياتية" في تحولها من "أنا" إلى "نحن"، وهو ما جمع سكان نيويورك معاً. يجادل اللاهوتي الكاثوليكي "مايكل نوفاك" بأن "الرياضة تتدفق إلى الخارج كعمل من دافع طبيعي عميق نحو الكمال". والسياسة، بالطبع، هي التسلية الأخرى في ما تطلبه القبلية في الرياضة، وهو ألطف مما تجلبه صناديق الاقتراع. وهذا في حد ذاته نوع من الرحمة.