
الاهمال الخطير في تطبيق القرار 1701

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهمٍ أفضل للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيدًا من الخطابات الانفعالية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الخلاصات التي تفرض نفسها.
وقد تناولت الأجزاء العشرة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتصلة بتصاعد قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، مرورًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في أيار/مايو 2000، وصولًا إلى حرب 2006 وتداعياتها.
أمرَت حكومة فؤاد السنيورة، في 16 آب/أغسطس 2006، بنشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، وهو المعروف بتسميته الدولية بـ«القوات المسلحة اللبنانية»، وكان يقوده آنذاك العماد ميشال سليمان. وقد بدأ هذا الانتشار، وهو الأول منذ عام 1968، فورًا فجر 17 آب/أغسطس، عبر عبور نهر الليطاني بواسطة جسور معدنية عسكرية وأخرى موقتة، بعدما دُمّرت الجسور الثابتة بفعل القصف الإسرائيلي.
وعلى الرغم من أنّ القوات المسلحة اللبنانية كانت أقل تجهيزًا بكثير مما هي عليه اليوم، وكان عدد جنودها أدنى بكثير، فإن هذا الانتشار السريع شكّل منعطفًا تاريخيًا، إذ أعاد، للمرة الأولى منذ عام 1968، الحضور العسكري للدولة إلى جنوب الليطاني، وهي المنطقة التي كان حزب الله يسيطر عليها منذ عام 2000. وقد أقرّ مجلس الوزراء العملية في 7 آب/أغسطس، وأُدرجت في إطار القرار 1701، على أن يبلغ عديد القوات اللبنانية المنتشرة حدًا أقصى قدره 15000 جندي، بدعم من اليونيفيل التي عُزّزت بدورها وارتفع عدد أفرادها من 4000 إلى 15000 عنصر.
تفاصيل الانتشار
نشرت القوات المسلحة اللبنانية سريعًا قوة أولية قوامها 9500 جندي في الأسابيع الأولى، جنوب الليطاني. وبسبب نقص العسكريين، جرى استدعاء 5000 من الاحتياط لسدّ النقص في العديد.
وتألّفت القوات المنتشرة من أربعة ألوية مشاة، ولا سيما الألوية السادس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، معززة ومدعومة في المرحلة الأولى بفوج المغاوير، وأفواج مستقلة، ومفارز من فوج الهندسة.
وشملت مرحلة المناورة التي افتتحت الانتشار تأمينًا تدريجيًا للطرق الرئيسية والمدن الأساسية، ولا سيما مرجعيون وصور والنبطية وبنت جبيل، وفق جدول زمني ضاغط. وقد نُفّذ عبور الليطاني والتمركز التكتيكي الأول في 17 آب/أغسطس، ثم تواصلت السيطرة التدريجية على أبرز عقد المواصلات حتى نهاية آب/أغسطس.
وأُنجز الانتشار رسميًا في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2006، بالتزامن مع الانسحاب شبه الكامل للقوات الإسرائيلية، باستثناء القطاع المتنازع عليه في الغجر، وهو في الواقع قرية سورية من الجولان المحتل، وسكانها إما سوريون أو عديمو الجنسية لا يملكون هوية، وقد وسّعوا قريتهم بصورة غير قانونية منذ عام 1975 داخل الأراضي اللبنانية.
كان هذا الانسحاب الإسرائيلي الثاني بعد انسحاب عام 2000. وعلى المستوى البنيوي، أنشأ الجيش اللبناني قيادة مخصصة للمنطقة الواقعة جنوب الليطاني، لم تكن موجودة قبل آب/أغسطس 2006. وقد اتخذ مركز قيادتها بدايةً في صور، ثم نُقل إلى ثكنة مرجعيون، لتتولى التخطيط التكتيكي واللوجستي وسلسلة القيادة المحلية.
وجرى التعاون العملياتي بتنسيق وثيق مع اليونيفيل، إذ كان تموضع القوات المسلحة اللبنانية في النقاط المحددة يتم تباعًا، مع تحقق قوات حفظ السلام من الانسحاب الإسرائيلي من تلك النقاط.
وكانت المهمات اللوجستية والأمنية مكثفة: فقد نشرت وحدات الهندسة جسور «بايلي» قدّمها لها المملكة المتحدة لعبور الليطاني، ونفذت عمليات إزالة الألغام من الطرق، وعالجت الذخائر غير المنفجرة، وأمّنت المداخل، فيما أقيمت عشرات الحواجز الثابتة والمتحركة على مختلف الطرق المؤدية إلى الجنوب لمراقبة حركة المركبات والأشخاص.
وكان الهدف السياسي والعملياتي المعلن واضحًا: استعادة سيادة الدولة اللبنانية على المنطقة وتأكيدها، ومنع أي سلطة موازية، والقيام، وفقًا للمهمة الموكلة، بمصادرة الأسلحة غير الشرعية أو الظاهرة جنوب الليطاني.
أثارت هذه المهمة آمالًا كبيرة، لكنها كانت تنذر أيضًا بتوترات متوقعة على الأرض بشأن وضع سلاح حزب الله والتنفيذ الفعلي لحصرية السلاح بيد الدولة.
التسوية بين الدولة والحزب ودور إميل لحود
منذ تسعينيات القرن الماضي، حين كان قائدًا للجيش، ثم رئيسًا للجمهورية في عام 2006، أدّى إميل لحود دورًا محوريًا في تحصين ترسانة حزب الله، بوصفه الضامن المؤسسي والعسكري والقانوني الأبرز لعدم نزع سلاحه، جاعلًا من ترسانته غير الشرعية، أيًا تكن المقاربة، عنصرًا يُقدَّم على أنه مكمّل للقدرات المحدودة المزعومة للقوات المسلحة اللبنانية.
فمنذ أن أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار 1559 عام 2004، مطالبًا بنزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية، بما فيها الميليشيا الموالية لإيران، أقام إميل لحود غطاءً مؤسسيًا يحول دون أي تطبيق يستهدف حزب الله.
ومستفيدًا من ولايته الرئاسية التي مُدّدت بفعل الإملاء السوري وحده، استخدم إميل لحود، أمام استحالة إيجاد وضع قانوني لحزب الله، منبره ليعلن أن القرار لا ينطبق على الحزب الموالي لإيران، واصفًا إياه بـ«حركة تحرير وطني» و«مقاومة»، لا بميليشيا، مانحًا إياه بذلك قدرًا من الشرعية.
وقد عطّل هذا التموضع محاولات إدارية وعسكرية لحصر أسلحة الحزب أو مصادرتها، ومنع أي تنفيذ قسري لنزع سلاحه.
وخلال حرب تموز/يوليو 2006 والمداولات الحكومية حول القرار 1701، برز لحود مدافعًا متشددًا عن المصالح الاستراتيجية لحزب الله في قمة الدولة، على الرغم من أن الحكومة القائمة آنذاك كانت تاريخية: فقد كانت أول حكومة تُشكَّل بعد انتهاء ثلاثين عامًا من الاحتلال السوري للبنان، كما كانت أول حكومة تضم وزراء من حزب الله إلى جانب وزراء مناهضين لسوريا، باعتبارها حكومة وحدة وطنية.
وكان رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، المنتمي إلى ائتلاف 14 آذار السيادي، الذي كان يملك غالبية الوزراء الأربعة والعشرين. كما ضمّت الحكومة خمسة وزراء من ائتلاف حزب الله وحركة أمل برئاسة نبيه بري، إلى جانب وزراء آخرين قريبين من إميل لحود.
وخلال الجلسات المتوترة لمجلس الوزراء في آب/أغسطس 2006، في وقت كان فيه فريق الأكثرية الحكومية يسعى إلى الحصول على تفويض واضح للجيش كي يصادر السلاح جنوب الليطاني، وضع لحود خطًا أحمر مطلقًا.
وتحت ضغطه، الذي نقله الوزراء القريبون منه والوزراء الخمسة التابعون لائتلاف حزب الله - أمل، أقرّت الحكومة تسوية عملياتية حملت عنوان «عقيدة اللامرئية».
وبموجب هذه العقيدة، كان يمكن للجيش أن ينتشر في الجنوب، ولكن من دون القيام بتفتيش منهجي للممتلكات الخاصة، ولا بنزع قسري للسلاح ما دامت الأسلحة غير ظاهرة في العلن.
وقد أدى ذلك عمليًا إلى إجهاض تطبيق القرار 1701 منذ البداية، وزرع بذور النزاع المقبل.
وبصفته رئيسًا للجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية، حرص لحود على ألا تتضمن الأوامر الموجهة إلى قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، أي مهمة لمصادرة مخابئ السلاح، ضامنًا بذلك بقاء البنية العسكرية لحزب الله، التي كانت غالبًا تحت الأرض أو مخفية، على حالها.
وبقوة الدعم السوري، الذي ظل مؤثرًا في لبنان على الرغم من انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وفّر إميل لحود لحزب الله «مظلة دولتيّة» شملت ليس فقط حماية سياسية، بل أيضًا غطاءً خطابيًا.
وقد استخدم لحود قدرته على التعطيل المؤسسي بما أتاح للحزب الموالي لإيران أن يحافظ، في مرحلة أولى، ثم خلال العقد التالي، على ترسانته وأن يعززها ويوسعها، من دون أن يخشى تدخل الجهاز الأمني اللبناني.
وكان من نتائج هذه الاستراتيجية ترسيخ دور حزب الله على المدى الطويل، تحت غطاء خطاب الدفاع الوطني والحفاظ على الترسانة غير الشرعية، التي باتت تُصوَّر كعنصر مقبول، إن لم يكن مشروعًا، في المشهد الاستراتيجي اللبناني.
اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه:
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4)