

ستتيح هذه السلسلة من المقالات فهمًا أفضل للوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزةً الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي لا تُحقق الغاية المرجوة، تاركةً للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. علاوة على ذلك، فقد آن الأوان لمواجهة خطاب المقاومة العقيم بجدية، لا بخطاب مضاد، بل بعمل جاد من خلال تعزيز سيادة القانون، التي لا يمكن إرساءها إلا من خلال السيادة.
قدّمت الأجزاء الأربعة السابقة قراءة للأحداث التي طبعت صعود نفوذ حزب الله منذ اتفاق الطائف، مروراً بحربيْه الأوليين مع إسرائيل، وصولاً إلى حرب الاستنزاف التي خاضها على مدى أكثر من عقد من الزمن.
المرحلة السابعة: مفاوضات حزب الله وإسرائيل في برلين
بوساطة ألمانية مع إيران، وبطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، انخرط حزب الله وإسرائيل في مفاوضات غير مباشرة في برلين حول الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. عُقدت الجولة الأولى في الأول والثاني من آذار 2000، تلتها جولة ثانية في السابع من الشهر عينه، حيث تولى الألمان دور الوساطة المكوكية بين الوفدين.
ترأس الوفد الإسرائيلي أوري لوبراني، الذي كان يشغل آنذاك منصب منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان. وبناءً على توجيهات باراك، وافق لوبراني في الجولة الثانية على تقديم تنازلات استجابةً لكل مطالب حزب الله: انسحابٌ غير مشروط للجيش الإسرائيلي، والتخلي عن جيش لبنان الجنوبي. وفي المقابل، يتولى حزب الله ضبط الحدود والحفاظ على الهدوء هناك.
وقد باركت كل من واشنطن وطهران هذا الاتفاق عبر مبعوثين رفيعي المستوى مثلوا البلدين في المفاوضات، كما فعلت فرنسا التي أُحيطت علماً بالأمر لاحقاً. وبحسب يوسف بودانسكي(1)، فإن الممثل الإيراني في المفاوضات لم يشأ تصديق حجم التنازلات الإسرائيلية إلا بعد تأكيدٍ من الجانب الألماني.
ودائماً وفقاً لبودانسكي، الذي يروي الوقائع في كتابه «الثمن الباهظ للسلام» (The High Cost of Peace)، فقد أبقى باراك ولوبراني الاتفاق المبرم مع حزب الله طي الكتمان لمدة شهرين، ولم يُطلعا الجيش الإسرائيلي عليه إلا عشية الانسحاب. أما جيش لبنان الجنوبي، الذي استُبعد هو الآخر عن هذه الأجواء، فكان ينسق مع الجيش الإسرائيلي عملية التسلم والتسليم في المنطقة الأمنية، معتقداً أن رجال الجنرال أنطوان(2) لحد هم من سيتولون المهمة. وكان الأخير قد بدأ استعداداته بناءً على معلومات تفيد بأن الانسحاب سيتم في تموز 2000، كما أعلن باراك سابقاً، بعدما حصل على وعود من تل أبيب بتقديم دعم مالي ولوجستي، إضافة إلى غطاء جوي في مرحلة ما بعد الانسحاب.
وحتى 23 أيار، تاريخ رحيل القوات الإسرائيلية، استمر باراك في مناوراته الدقيقة لإبقاء جيش لبنان الجنوبي في حالة من الجهل التام بشأن اتفاق برلين.
كان باراك يسعى إلى الوفاء بوعوده الانتخابية والخروج من المستنقع اللبناني بعيداً عن الضغوط الداخلية أو مطالبات لحد، والأهم من ذلك، من أجل التفاوض على اتفاق سلام مع سوريا بمعزل عن الضغوط العسكرية في جنوب لبنان. وفي تلك المرحلة، كان حزب الله قد عزز قدراته العسكرية بشكل ملحوظ بفضل الأسلحة التي كانت تصله من طهران عبر سوريا، فباتت إسرائيل مطمئنة ومستعدة لتسليمه المنطقة الأمنية، إيماناً منها بأنه سيلتزم الهدوء على الحدود.
بيد أن سوريا وجدت نفسها، نتيجة لذلك، محرومة من ورقة ضغط أساسية على إسرائيل، في حين ظلّ لبنان الخاسر الأكبر. أما الرابح الفعلي فكانت إيران، التي حصدت رافعة نفوذ قوية في لبنان، بل وفي سوريا أيضاً. ويبدو أن واشنطن وتل أبيب قررتا آنذاك القبول بوجود نظام الملالي، ظنّاً منهما أن المخاطر، مهما بلغت، ستنحسر بعد الانسحاب الإسرائيلي.
لم تدرك واشنطن أن هذا النظام، ورغم خروجه منهكاً من حرب السنوات الثماني ضد عراق صدام حسين، كان لا يزال قادراً على تصدير أيديولوجيته داخل أقليات المنطقة؛ ليس لترسيخ نفوذه فحسب، بل لإذكاء التوترات الداخلية أيضاً، وحرف أنظار الدول المعنية عن أزماتها الوطنية، والأهم من ذلك، منع انبعاث عراق قوي مجدداً على أعتاب طهران.
علاوة على ذلك، وسعياً لاستقطاب العالم العربي الذي كان يخطو نحو السلام مع إسرائيل، سعى الملالي إلى تقويض هذه العملية عبر تأجيج المشاعر المناهضة لإسرائيل. وكان طموحهم يتلخص في وضع اليد على قيادة الصراع ضد الدولة العبرية، من خلال حزب الله وحركة حماس وسوريا حافظ الأسد، لتعزيز دورهم كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وضمان بقاء نظامهم.
وفي نهاية المطاف، انهارت مفاوضات السلام الإسرائيلية - السورية في 26 آذار، أي بعد ثلاثة أسابيع من اتفاق برلين، إثر فشل قمة جنيف بين حافظ الأسد والرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي عجز عن ردم الفجوة بين دمشق وتل أبيب.
المرحلة الثامنة: 24 أيار 2000.. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان
اتسم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بالتسرع الذي قارب حدّ الفوضى، إذ لم يصدر أمر الرحيل إلا قبل ليلة واحدة. ففي ليلة 23-24 أيار 2000، أخلت القوات الإسرائيلية مواقعها من طرف واحد.
وعلى المقلب الإسرائيلي الداخلي، وضع إنهاء الاحتلال حداً للاستنزاف البشري اليومي، بيد أن هذا الخروج نُظر إليه في جزء كبير من العالم، ولا سيما في لبنان، بوصفه انتصاراً لحزب الله. ومنذ تلك اللحظة، باتت إيران تملك خط مواجهة مباشراً مع الداخل الإسرائيلي عبر الحزب، وفي الوقت عينه، توفرت لها رافعة نفوذ تتيح لها التأثير المباشر في مسارات القرار اللبناني الداخلي.
وخلافاً للمخاوف الأولية التي أثارها خطاب الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، حين هدد بـ«قتل عناصر جيش لبنان الجنوبي في أسرتهم»، لم يَعقب الانسحاب الإسرائيلي حملة تصفيات دموية شنّها الحزب ضد المدنيين في المنطقة الأمنية السابقة. ومع ذلك، تعرضت بعض ممتلكات عناصر جيش لبنان الجنوبي للنهب أو المصادرة، ومن بينها منزل الجنرال لحد. وبموازاة ذلك، التقى مسؤولون من حزب الله وحركة أمل مرجعيات دينية مسيحية في الجنوب لطمأنتها بأن «النصر» ملك لجميع اللبنانيين وليس لفئة بعينها؛ وهي خطوة تندرج ضمن استراتيجية ضبط النفس التي انتهجها الحزب إعلامياً لتلميع صورته الوطنية وتعزيز شرعيته.
مصير عناصر جيش لبنان الجنوبي
إبان انسحاب الجيش الإسرائيلي، فرّ نحو 7000 عنصر من جيش لبنان الجنوبي مع عائلاتهم إلى إسرائيل خشية عمليات انتقامية. وفي وقت لاحق، غادر قسم منهم إلى كندا والولايات المتحدة وأوروبا، بينما عاد قسم آخر إلى لبنان، حيث خضع نحو 2700 منهم للمحاكمة بتهمة العمالة، علماً أن نواة هذا الجيش كانت قد خرجت من رحم المؤسسة العسكرية اللبنانية الرسمية.
فقد استند تشكيل هذا التجمع إلى مذكرة خدمة رسمية صدرت عام 1976، قضت بمهمة ضبط أجزاء من المنطقة الحدودية في مواجهة المنظمات الفلسطينية المسلحة آنذاك. ومع عزلة هذه الوحدات عن قيادتها، ثم تلقيها الدعم من إسرائيل، استقلت تدريجياً مع مرور السنوات، واتخذت اسم جيش لبنان الحر قبل أن تستقر على تسمية جيش لبنان الجنوبي.
تراوحت أحكام العمالة التي قضاها العائدون بين بضعة أشهر وثلاث سنوات من السجن الفعلي. وفي حين اعتبر هؤلاء اللبنانيون أنهم كانوا يدافعون عن أرضهم ووجودهم بصفة مشروعة، صنفتهم القوانين اللبنانية في خانة المتعاملين، فيما رآهم حزب الله مجرد عملاء لإسرائيل.
اليوم، يبلغ عدد عناصر جيش لبنان الجنوبي السابقين المقيمين في إسرائيل نحو 3500 شخص، مسجلين بصفة لبنانيي إسرائيل، وقد حصلوا على الجنسية الإسرائيلية عام 2004. ولا يزال لجميع هؤلاء عائلات في لبنان، تقطن غالبيتها في قرى لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الشريط الحدودي. (يتبع)
(1) عالم سياسة وكاتب أمريكي. مدير مجموعة العمل بمجلس النواب الأمريكي بشأن الإرهاب والحرب غير التقليدية من 1988 إلى 2004. مؤلف عدة كتب عن الشرق الأوسط.
(2) قائد جيش لبنان الجنوبي آنذاك والجنرال السابق من الجيش اللبناني.
إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه:
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4)
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3)