

في سلسلة مقالات، نسعى إلى تسليط الضوء على الوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزين الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل الهدف وتترك للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. في هذا السياق، آن الأوان لمواجهة الخطاب العقيم للمقاومة، ليس بخطاب مضاد، بل بنهج معمق يدعم سيادة القانون، التي لا يمكن بناؤها إلا على أساس السيادة.
قدّمت المقالتان الأوليان إعادة تفسير للأحداث المحيطة بصعود حزب الله إلى السلطة، بدءًا من اتفاق الطائف مرورًا بعملية "تصفية الحسابات" و"اتفاق يوليو" (1993)، وصولًا إلى عشية حربه الثانية مع إسرائيل.
المرحلة الثالثة: حرب عصابات حزب الله ضد أوسلو ومدريد
على مدى ثلاث سنوات تلت عملية "تصفية الحسابات" (يوليو/تموز 1993)، لم يتقدم تنفيذ اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل إلا ببطء شديد، مدفوعًا بضغوط واشنطن التي تمسكت باستراتيجيتها مهما كلف الأمر لاحتواء الصراع بين إسرائيل وحزب الله، بهدف منعه من تقويض عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، وسعيًا في الوقت نفسه إلى تعزيز جهود التقارب بين تل أبيب ودمشق. علاوة على ذلك، ناقشت واشنطن وتل أبيب علنًا إمكانية إجراء مفاوضات إسرائيلية لبنانية وشيكة، في ضوء أنباء من لبنان تشير إلى أن جيش البعث السوري شن حملة قمع ضد حزب الله. لاحقًا، تبين أن هذه الأنباء كانت تضليلًا إعلاميًا دبره الإيرانيون بتواطؤ من حافظ الأسد. لإضفاء مصداقية على خداعها، سربت طهران معلومات تشير إلى أن إيران ستقدم الآن مساعدات عسكرية لحزب الله عبر قنوات أخرى غير سوريا، ما يوحي بأن سوريا مستعدة لخفض التوترات في جنوب لبنان. ولزيادة إقناع المراقبين بحسن نوايا سوريا، أرسل الإيرانيون بالفعل شحنة أسلحة، تم اعتراضها في تركيا، الأمر الذي أثار استياء أنقرة. في الواقع، كان السوريون يلعبون بورقتين متناقضتين: من جهة، ورقة السلام، التي سمحت لهم بالتلاعب بواشنطن، ومن جهة أخرى، ورقة فشل مفاوضات السلام.
كان الأمريكيون، بعد أن اعتقدوا أن السوريين اختاروا السلام، مقتنعين بأن ضغطهم على تل أبيب ودمشق قد أتى ثماره... بينما في الحقيقة، لم يكن الأمر كذلك. كان حافظ الأسد في الواقع يستعد لفشل عمليتي أوسلو ومدريد، متقاربًا أكثر فأكثر مع إيران، ويلتقي سرًا بصدام حسين، الذي كان خاضعًا للعقوبات الأمريكية. استغل الأسد وطهران استراتيجية الاسترضاء الأمريكية، واقتناعاً منهما بحدود ضغط واشنطن، عززا مصالحهما في لبنان، لا سيما من خلال دعم حزب الله وتسليحه وتقويته. وبين عامي 1993 و1996، شنّ حزب الله حرب استنزاف ضد جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، مستخدماً الصواريخ والقذائف والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق. وردّ جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، من جانبهما، بالمدفعية والقوة الجوية. وحاول المتحاربون تجنيب المدنيين وفقاً لـ"اتفاقية يوليو 1993"، لكن دون جدوى. وفي كل مواجهة، تدخلت الولايات المتحدة سريعاً كوسيط، مانعةً إسرائيل من تصعيد أعمالها الانتقامية إلى ما بعد نقطة حرجة. وبحلول أوائل عام 1996، كان عدد القتلى الإسرائيليين في ازدياد. فمنذ انتهاء عملية "تصفية الحسابات"، وبسبب التكتيكات المتقدمة لحزب الله، قُتل 210 جنود إسرائيليين و110 جنود من جيش لبنان الجنوبي. بالإضافة إلى ذلك، سقط ما بين 60 و80 مدنياً لبنانياً داخل وخارج "المنطقة الأمنية"، نتيجة غارات عشوائية أو انفجارات. من جانبه، خسر حزب الله 200 مقاتل، بينهم عناصر اغتيلوا، وآخرون أُسروا، وآخرون نجوا من محاولات القبض عليهم.
الخطوة الرابعة: عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية ضد حزب الله
أنهت الحرب الثانية بين حزب الله وإسرائيل، والتي أُطلق عليها اسم عملية "عناقيد الغضب" (11-27 أبريل/نيسان 1996)، "اتفاق يوليو/تموز"، ومثّلت تصعيداً خطيراً يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة بين الجانبين. كان هدف إسرائيل الضغط على لبنان وسوريا لاحتواء عمليات حزب الله. خلال هذه العملية، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي 1800 طلعة جوية، واستهدف 500 هدف، شملت بنى تحتية مدنية وعسكرية، وهجّر 400 ألف مدني - وهو رقم يتطابق تماماً مع الوضع الراهن، بالإضافة إلى تدمير قرى في الجنوب. بلغت هذه الحرب ذروتها بقصف المدفعية الإسرائيلية لمركز تابع لقوات اليونيفيل في بلدة قانا، حيث كان مئات المدنيين يسعون للجوء، مما أسفر عن مقتل 106 أشخاص. زعمت إسرائيل أن ما حدث كان خطأً، بينما وصفه حزب الله بأنه متعمد. ومع ذلك، أثارت مجزرة قانا ضغوطًا دولية هائلة، مما أدى إلى وقف إطلاق النار. فشلت عملية "عناقيد الغضب" في وقف إطلاق صواريخ كاتيوشا على إسرائيل، وانتهت بعد ستة عشر يومًا من القتال باتفاق مكتوب غير موقع، أُطلق عليه اسم "اتفاق أبريل"، بوساطة من فرنسا والولايات المتحدة. نصّ هذا الاتفاق على قاعدة اشتباك هشة وغير واضحة المعالم: "لن يطلق حزب الله النار من المناطق المأهولة بالسكان، ولن تقصف إسرائيل المناطق المأهولة بالسكان". علاوة على ذلك، شُكّلت لجنة تضم الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل لمراقبة الانتهاكات والتحقيق في الشكاوى. وهي تشبه إلى حد كبير "الآلية" التي أُنشئت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، والذي أعقب حرب غزة، وضمّ الأعضاء أنفسهم باستثناء سوريا، بالإضافة إلى قوات اليونيفيل. وبعد مرور 33 عامًا، أثبتت هاتان اللجنتان عدم فعاليتهما في وقف الأعمال العدائية.
أكد "اتفاق أبريل 1996" حق حزب الله في استهداف مواقع عسكرية داخل "المنطقة الأمنية" جنوب نهر الليطاني، التي تحتلها إسرائيل ويسيطر عليها جيش لبنان الجنوبي، مع تجنيب المدنيين والمناطق السكنية على ضفتي النهر وفي إسرائيل. واعتُبر هذا الاتفاق نقطة تحول حاسمة، إذ أضفى شرعية ضمنية على عمليات حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي داخل الأراضي اللبنانية، وعزز بشكل غير مباشر النفوذ الإيراني المتنامي في لبنان. في الواقع، كانت طهران الرابح الأكبر من هذا الاتفاق، وأثبتت لحلفائها السوريين والفلسطينيين، وكذلك لأعدائها الأمريكيين والإسرائيليين، قدرتها على شن حروب عبر وكلائها، وبالتالي تقويض مساري أوسلو ومدريد للسلام. ومن المفارقات، أن وقف إطلاق النار واستمرار أنشطة حزب الله يتوافقان تمامًا مع الأهداف الأمريكية المتمثلة في الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات لسوريا، وتشجيع سوريا على التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل (يتبع).
إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه: