شعار Levant Time

بوصلة المشرق

انتصار تكتيكي في فراغ استراتيجي
بقلم
ريان البصير
نُشر
مايو 25, 2026 - 22:57

رواية القيادة المركزية الأمريكية للحرب على إيران مثيرة للإعجاب. ما تتركه من فراغات هو ما سيكون له الوزن الحقيقي. في الرابع عشر من مايو 2026، وقف قائد القيادة المركزية الأمريكية أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ ليصف حرباً أرجع فيها، على حدّ قوله، “أربعين عاماً من الاستثمار العسكري الإيراني” إلى نقطة الصفر في غضون ثمانية وثلاثين يوماً. ورواية الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني لعملية “إيبيك فيوري” مثيرة للإعجاب من أي زاوية نُظر إليها: 85 % من البنية الصناعية الإيرانية المخصصة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والدفاع البحري إما تضررت أو دُمِّرت، و82 % من منظومات دفاعها الجوي أُعطِبت، وأكثر من 90 % من مخزونها من الألغام البحرية أُزيل، و161 سفينة أُغرقت تنتمي إلى ست عشرة فئة مختلفة، و1450 ضربة استهدفت منشآت الأسلحة و2000 أخرى طالت عقد القيادة والسيطرة. وخلص إلى أن “إيران لم تعد قادرة على بسط نفوذها في المنطقة”. هذا الادعاء مدافَعٌ عنه تكتيكياً، غير أنه استراتيجياً سردية تعتريها ثغرات لافتة. إذ يقدم الإفادة تشريحاً دقيقاً للهزيمة الاصطلاحية لإيران، لكنه يصمت إلى حد بعيد عن منظومة القدرات غير المتماثلة التي أذكت توسع طهران الإقليمي على مدى أربعة عقود، وأشد صمتاً حين يتعلق الأمر بالكيفية التي تعتزم بها واشنطن تحييد النفوذ المزعزِع لإيران في الشرق الأوسط. يُقرّ كوبر في إفادته بأن “علينا أن نتوقع أن إيران ستسعى إلى إعادة بناء ما تستطيع، بأسرع ما يمكن”. والتاريخ يُسوّغ هذا التحذير. فعقب «حرب الاثني عشر يوماً» في يونيو 2025، كانت مصادر أمريكية وإسرائيلية قد قدّرت بالفعل أن نصف الترسانة الإيرانية من صواريخ سطح-سطح وثلثَي منصات الإطلاق قد دُمِّرا، فضلاً عن أضرار بالغة في نطنز وفوردو وأصفهان. وبحلول فبراير 2026، كانت إيران قادرة مجدداً على تنفيذ هجمات بالأمواج، مما يعني أن قدراً كبيراً مما جرى إحصاؤه “مدمَّراً” في 2025 قد أُخفي مسبقاً أو أُعيد بناؤه في أقل من تسعة أشهر. فالاكتفاء الذاتي الإيراني في مجال الصواريخ يرتكز على تشتيت الإنتاج نحو بنية تحتية مخفية، لا على الاستناد إلى المخزونات وحسب. والرقم الذي يُشير إلى 85 % لا يُخبرنا بما إذا كانت النسبة الأكبر تتعلق بطاقات لا يمكن تعويضها أم بمنشآت ذات استخدام مزدوج قابلة لإعادة البناء. وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن إيران قد تستعيد معدلات إنتاجها من الصواريخ قبل الحرب في غضون اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً من توقف القصف. ما لم تمسّه الضربات وإذا كانت الأضرار الاصطلاحية قابلة للإصلاح، فإن الدليل العملياتي غير المتماثل لإيران بالكاد طُولس. يؤكد كوبر أن «سلسلة الإمداد من طهران إلى الوكلاء قد انقطعت»، ثم يعترف في الحين ذاته بأن إيران “تحتفظ بقدرة على الإزعاج عبر المضايقة وهجمات الدرجة الدنيا بالطائرات المسيّرة والصواريخ والدعم المتبقي للوكلاء”. وحزب الله هو حالة الاختبار. في مطلع هذا العام، وضعت تقييمات إسرائيلية المنظمة عند نحو 15 % من مخزونها قبل الحرب الذي كان يبلغ نحو 150 ألف قذيفة، ومع ذلك استأنفت إطلاق نار مباشر على شمال إسرائيل في الثاني من مارس 2026، أي بعد يومين من الضربات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي ديسمبر 2025، رأت لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية التي يترأسها الأمريكيون، والمعروفة بـ”الآلية”، أن نحو 85 % من مهام نزع السلاح جنوب نهر الليطاني قد اكتملت. بيد أن الأحداث منذ الثاني من مارس تُشير إلى أن إعادة التسليح تتجاوز وتيرة نزع السلاح. فقد أعاد حزب الله نشر مئات من عناصره النخبوية في المنطقة في غضون أيام، فيما كانت صواريخ مضادة للدروع ومنظومات ماندباد ومنصات إطلاق صواريخ قد وُضعت مسبقاً في بنية تحتية مدنية احتياطاً لهذا السيناريو بالذات. يُضاف إلى ذلك التوظيف المتنامي من جانب حزب الله للطائرات المسيّرة ذات المنظور الشخصي الأول، وهي صغيرة الحجم تحلّق على ارتفاع منخفض وتُفلت من الرادارات، وتُجمَّع من مكونات تجارية بتكلفة تتراوح بين بضع مئات وبضعة آلاف من الدولارات للوحدة. هذه الجواهر في ميدان الحروب الحديثة قادرة على تعطيل الدبابات وضرب المواقع المحصّنة واستهداف أفراد من الجنود أو المدنيين على بُعد كيلومترات. ومن المستحيل عملياً القضاء عليها كلياً. فحزب الله “المنهَك” يحتفظ بقدرة على إنهاك مستمر بتكلفة منخفضة، وهو تهديد أمني قائم على شمال إسرائيل. والمنطق ذاته ينطبق على إيران نفسها. فمنذ مارس 2026، أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيّرة ضد البنية التحتية للهيدروكربونات في أرجاء مجلس التعاون الخليجي وضد الملاحة التجارية في مضيق هرمز. وعرقلة ذلك ستستلزم حملة متواصلة ومتكاملة من الإكراه العسكري والاقتصادي تقودها واشنطن مع شركاء إقليميين وخارج إقليميين، وهو تشكّل يكاد يكون بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة. واللافت أن الإطار السياسي قد ضاق ليلائم الواقع العسكري. فحتى عام 2025، كان المسؤولون الأمريكيون يُحددون ثلاثة تهديدات إيرانية: النووي والباليستي وقوات الوكالة. وقد قلّصت الإدارة الحالية مطالبها من طهران إلى البرنامج النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي غدا نقطة اشتعال جراء الحرب لا بوصفه سببها. وتحتفظ القيادة المركزية بهدوء بالثالوث القديم في شهادتها. والتباين بين جدول التفاوض في إسلام آباد وصورة التهديد التي يرسمها القائد العسكري هو بحد ذاته تناقض مثير للقلق. أما الأولويات الثلاث المُعلنة للقيادة المركزية (الدفاع عن الوطن وردع إيران والحفاظ على التفوق في مواجهة الصين) فتنتظم حول مبدأ توزيع الأعباء، عبر أدوات كإصلاح المبيعات العسكرية الأجنبية وشبكة الدفاع الجوي للشرق الأوسط (MEAD) والعمل المناهض للطائرات المسيّرة الذي يقوده الشركاء. والبيان لا يُلمح إلى أي شهية لحرب متابِعة، بل يُشير إلى وضعية مُصمَّمة لاستيعاب مواجهة مطوّلة منخفضة الحدة. ومحركات التصعيد قابلة للتحديد (اختراق نووي وهجوم على قوات أمريكية وإخلال بحركة الملاحة)، غير أن أياً منها لا يمسّ السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار الإقليمي، وهو صمت يمنح طهران فعلياً هامشاً متواصلاً عبر وكلائها. وهذا يعني أن عبء مواجهة القدرة الإزعاجية لإيران يقع بحكم الأمر الواقع على عاتق إسرائيل. وعقيدة شبه مطابقة تُطبّقها إسرائيل حالياً في غزة وجنوب سوريا وجنوب لبنان، تحيد عن مناطق العازلة التي أدارتها إسرائيل وأُخفقت بين عامَي 1985 و2000، لكنها تُبقي على مناطق القتل في الدول المجاورة والحرية العسكرية الدائمة للعمل في أرجاء المنطقة وضربات جوية مفتوحة من نوع «جز العشب» ضد أهداف أعمق في إيران أو في الدول التي تستضيف وكلاءها. الاحتواء بديلاً عن الاستراتيجية والافتراض الكبير الآخر للقيادة المركزية هو أن MEAD الذي جرى تشغيله إبان عملية إيبيك فيوري يُمثل بداية بنية أمنية إقليمية متعددة الأطراف ومتكاملة ودائمة، لا مبادرة ظرفية في زمن الحرب. وفي بيان القيادة المركزية، كانت مؤشرات أداء MEAD تاريخية بكل معنى الكلمة، مع اعتراض أكثر من 6000 طائرة مسيّرة هجومية و1500 صاروخ باليستي. ووصفها كوبر بأنها “أكبر مظلة دفاع جوي متكاملة دُفعت إلى الميدان على وجه الأرض قط”. بيد أن كل إطار للأمن الإقليمي شهد الانهيار تاريخياً للأسباب البنيوية ذاتها التي لم يُعالَج أي منها، كالتنافسات البينية في مجلس التعاون الخليجي والتوجهات المتباينة في السياسة الخارجية وإعادة معايرة تصورات التهديد في أعقاب الانفتاحات الدبلوماسية مع طهران. ويتضاعف ذلك جراء تآكل الثقة في استعداد أمريكا لاحتمال المخاطر نيابةً عن شركائها. فالمرجعية الذهبية لعامَي 1990-1991 (تحالف من 35 دولة ونصف مليون جندي في غضون أشهر من غزو العراق للكويت) لم تعد هي النقطة المرجعية في عواصم الخليج، التي تنظر عوضاً عن ذلك إلى الاستجابة الخافتة للولايات المتحدة لضربات 2019 على أرامكو السعودية وتخلّيها عن الشركاء الأكراد وانسحابها من أفغانستان عام 2021 واعتراف القيادة المركزية ذاتها بأن “غالبية الدول رفضت المشاركة في إعادة فتح مضيق هرمز”. وينتج عن ذلك استراتيجية تحوّط لا يُقرّ بها البيان. إذ أرست عدة دول خليجية شراكات شاملة موازية مع بكين للتزوّد من الصين بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة مسلّحة وبنية تحتية اتصالية، مما يفرض قيوداً ملموسة على التشغيل البيني وتبادل المعلومات الاستخباراتية داخل MEAD نفسه. لقد أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما قادرتان على تفكيك شطر كبير من المنظومة العسكرية الاصطلاحية الإيرانية بسرعة وتنسيق لافتَين. وهذا النجاح بعينه يكشف عن حدود القوة في مواجهة خصم لم تقم قوته قط على تعادل في التكنولوجيا أو القدرة النارية، بل على الخداع والإنكار والقدرة على تحويل إمكانات محدودة إلى ضغط سياسي ونفسي متواصل. وإن كانت وضعية الاحتواء المقترن بتوزيع الأعباء تنبئ بتحوّل من حل المشكلات إلى إدارة المخاطر، فإن ذلك يستتبع مرحلة من الاضطراب المزمن لا يُهزم فيها الخصوم بل تُدار شؤونهم إدارةً متواصلة، وتعمل فيها الردعية دوماً أدنى من عتبة المواجهة الحاسمة. فالتكنولوجيا قادرة على مواءمة أجهزة الاستشعار والاعتراض، لكنها عاجزة عن التوفيق بين تصورات التهديد المتباينة أو النزعات التحوّطية أو الثقة المتراجعة في الضمانات الخارجية، حتى حين يكون المنظِّم هو الولايات المتحدة. إن التحدي المتبقي الجوهري، المتمثل في كيفية مواجهة أشكال القوة المرنة والرخيصة واللامركزية التي لا تزال تُسنِد الاستراتيجية الإيرانية المزعزِعة للاستقرار، هو بالضبط ما تغفل عنه إفادة القيادة المركزية.

هل لبنان في مرمى النيران من جديد؟
بقلم
ريان البصير
نُشر
أبريل 25, 2026 - 23:38

على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، تحوّل الموقف التفاوضي اللبناني بهدوء، غير أن هذا التحوّل ليس بلا دلالة. محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تجري في واشنطن، في ظل هدنة مدتها عشرة أيام بدأت في السادس عشر من أبريل، ومُدِّدت ثلاثة أسابيع في الثالث والعشرين منه بطلب لبناني. السياق الإقليمي والداخلي قد تغيّر، بيد أن الحكومة اللبنانية لم تتكيّف مع هذا التغيير على ما يبدو. خارج لبنان، وفي دول مجلس التعاون الخليجي تحديداً، يتنامى الإدراك بأن السعي إلى نزع سلاح حزب الله وإبرام معاهدة سلام شاملة مع إسرائيل لم يعد أمراً واقعياً. يرى الفاعلون الإقليميون البارزون أن مواصلة هذه الغايات ستُفضي على الأرجح إلى شرخ داخلي في لبنان، مُحيِياً المواجهة الطائفية التي يسعى الجميع إلى تفاديها. إن توصية مصر والمملكة العربية السعودية المستمرة للبنان بانتهاج نهج أكثر حذراً تجد سندها في نتيجة وقف إطلاق النار الذي أُبرم في الثامن من أبريل بين الولايات المتحدة وإيران، دون أن تُقدِم طهران على تنازلات ذات مغزى تتعلق ببرنامجها النووي أو ترسانتها الصاروخية البالستية أو دعمها لقوات الوكالة. وإذا كانت إيران قد مُنيت بأضرار جسيمة في بنيتها العسكرية التقليدية جراء العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي المشترك، فإنها احتفظت بمخزون معتبر من اليورانيوم المُخصَّب، الذي لا يبلغ حد السلاح لكنه يقترب منه بما يكفي ليظل رافعةً للضغط. كذلك احتفظت بترسانة صاروخية بالستية متبقية، خُفِّفت لكن لم تُزَل. والأهم من ذلك أن شبكة وكلائها الإقليميين، وحزب الله في مقدمتهم، وإن تكن قد تراجعت، ما زالت قادرة على الفعل. وعلى نحو أشد أهمية، فقد أثبتت إيران خلال الأزمة أنها تمتلك ورقة لم تستخدمها بهذا النطاق من قبل، وهي قدرتها على التهديد بتقييد المرور عبر مضيق هرمز أو اعتراضه جزئياً. وما اختارت عدم توظيفه لا يقل دلالة: فالحوثيون في اليمن يحتفظون بقدرة ضرب مستقلة، فيما تبقى قدرة إيران على شن عمليات في المنطقة الرمادية عبر شبكات الإخلال داخل دول الخليج أو حتى الدول الغربية ورقةً مُرجأة. مجموع هذه الترسانة غير المتماثلة المتبقية يعني أن إيران دخلت مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار ليس بوصفها قوة مهزومة مستعدة للاستسلام، بل بوصفها فاعلاً لا يزال يملك أوراقاً حقيقية، وإن كان قد نزف وأُنهك. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تُشكّل هذه الحقيقة مرجعاً لكل حسابٍ استراتيجي مقبل. الانتصار الشامل على إيران لم يعد مطروحاً على الطاولة. أصبح الخيار العقلاني، وربما الوحيد الممكن دون الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة يخسر فيها مجلس التعاون أكثر بكثير من إيران المنهكة، هو التعامل مع طهران وقبول بعض خطوطها الحمراء وعرض التطبيع الاقتصادي عليها وتخفيف نفوذها بدلاً من تفكيكه. في هذا الإطار، لن يفتأ الضغط الإقليمي على بيروت لمجاراة المصالح الإيرانية يتصاعد بدلاً من مواجهتها، بما في ذلك حرص طهران على بقاء حزب الله بوصفه قوة سياسية وعسكرية. كل تنازل يُقدِّمه مجلس التعاون لإيران مقابل الاستقرار الإقليمي هو تنازل يُضيّق هامش المناورة أمام لبنان. فرضية أن إيران كانت قد أُضعفت بما يكفي للضغط نحو نزع سلاح حزب الله قد سبقتها الوقائع وجاوزتها. وفي هذا السياق، قد تلجأ الرياضُ إلى عرض «حزمة لبنانية» في إطار انخراطها الدبلوماسي الأشمل مع طهران. لبنانٌ يحترق بنيران حرب أهلية سيُقعِد هذه الحزمة ويجعلها مستحيلة الإيصال، فيما سيُعرِّض جهود الرياض لتهدئة الأجواء لخطر مباشر. وتزيد الأبعاد السورية الأمر إلحاحاً: إذ لا تستطيع المملكة العربية السعودية، وهي قد استثمرت بكثافة في مرحلة الانتقال السوري لما بعد الأسد، أن تتحمل انتقال موجة الزعزعة شرقاً من لبنان، وهو ما سيغدو محتملاً للغاية إذا اندلعت أعمال عنف طائفية تُذكيها محاولات التطبيع مع إسرائيل. إسرائيل لم تُبهِم موقفها. فهي لن تنسحب ولن تتخلى عن حق ضرب الأراضي اللبنانية ما لم يُنزَع سلاح حزب الله. وقد استنكر الحزب المفاوضات بوصفها إهانة، وأعلن رفضه الالتزام بأي اتفاق لا يشتمل على انسحاب إسرائيلي كامل وعودة مُيسَّرة ومموَّلة بسخاء للعائلات النازحة إلى جميع بلدات جنوب لبنان المتضررة من العمليات الإسرائيلية الجارية. المأزق البنيوي الذي يُفرزه ذلك ليس جديداً كلياً. فقبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، كانت السياسة اللبنانية تقوم على توازن إقليمي للقوى تحكّم فيه تحفظ مجلس التعاون من الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، مما أتاح لإيران الحفاظ على نفوذها وأغلق أمام لبنان كل منفذ سوى استيعاب حزب الله مسلحاً بوصفه ركيزةً راسخة في المشهد السياسي. السؤال الآن هو ما إذا كان ثمة ما يُمكِن بناؤه من اتفاق جوهري يستوعب هذا الواقع بأمانة. الشريط الأمني الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية على طول الحدود، ودور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وقواعد الاشتباك الخاصة باليونيفيل، كلها عوامل تعقيد حقيقية لم يُبَتَّ فيها بعد، وتنتصب أمام أي اتفاق محتمل. نصيحة مصر والمملكة العربية السعودية للرئيس عون هي تأمين الحد الأدنى من التوافق الداخلي الضروري لتفادي الشرخ، وذلك بتخفيض سقف التوقعات من معاهدة سلام إلى اتفاق محدود النطاق لا يرى فيه حزب الله وحاضنته الشعبية تهديداً وجودياً. وبدون هذا التوافق، يُخاطر أي اتفاق بأن يكون إما غير قابل للتطبيق أو فتيلاً للاقتتال الأهلي. والاتفاقات التي تستوفي متطلبات الإجماع الوطني ستكون في الغالب نسخاً مُعزَّزة من الترتيبات السابقة، القرار ١٧٠١ أو اتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩، مع ما قد يترتب على ذلك من ولاية أوضح وأكثر إلزامية لليونيفيل، وإعادة انتشار مرحلية للجيش اللبناني جنوب الليطاني مرتبطة بمعالم قابلة للقياس، وآلية تدريجية للانسحاب الإسرائيلي مقيَّدة بالمعالم ذاتها. بيد أن التساؤل المحوري يبقى ما إذا كانت إسرائيل مستعدة، بعد كل ما جرى منذ أكتوبر ٢٠٢٣، للعودة إلى ما كان قائماً قبل ذلك. معاهدة سلام كاملة مع إسرائيل ونزع سلاح حزب الله مساران مسدودان في المعطيات الراهنة. ما يبقى ممكناً هو على الأغلب ترتيبٌ أمني يُخفِّف مخاطر العودة إلى الحرب، ويمنح الجيش اللبناني دوراً حقيقياً في الجنوب، ويُهيئ الشروط لكي تستعيد الدولة اللبنانية تدريجياً سلطتها المؤسسية في مناطق طالما افتقرت إليها. السيادة الكاملة ليست وجهةً يبلغها الاتفاق الراهن، لكنها وجهة يمكن لترتيب مُحكَم البناء أن يُبقيها في الأفق.

ثلاثة وقفٍ لإطلاق النار، نمطٌ واحد
بقلم
ريان البصير
نُشر
أبريل 20, 2026 - 10:00

في السادس عشر من نيسان 2026، دخل وقفٌ للأعمال العدائية مدته عشرة أيام حيّز التنفيذ بين إسرائيل ولبنان. وكان هذا الاتفاق، بأي معيارٍ قيس، أضعف صكٍّ قبله لبنان في تاريخه. فحيث فرض القرار 1701 لمجلس الأمن الأممي الصادر عام 2006 التزاماتٍ ملزمةً ومتوازنةً على جميع الأطراف، وحيث أرسى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 آليةً متينةً للرصد وجداولَ زمنيةً دقيقةً للتنفيذ، فرض صكّ نيسان 2026 التزاماً فورياً وشاملاً وغير مشروط بنزع سلاح حزب الله، في حين منح إسرائيل حقوقاً في الدفاع الاستباقي عن النفس لم تكن تمتلكها رسمياً في أي وقتٍ سابق. كان ثمة خطأٌ جوهري قد اقتُرف، لا في غرف الصياغة في واشنطن أو باريس، بل في عقودٍ من الشلل الاستراتيجي الذي أنهك بيروت. الحرف الملزم للقرار 1701 كان القرار 1701، على الورق، صكاً جدياً. اعتمده مجلس الأمن بالإجماع في الحادي عشر من آب 2006 لإنهاء حرب الصيف بين إسرائيل وحزب الله، وقد حدّد التزاماتٍ واضحةً وغير مشروطة على عاتق جميع الأطراف. كانت إسرائيل ملزمةً بوقف عملياتها الهجومية فوراً، وبالانسحاب من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، وباحترام الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة في كل الأوقات، وبتسليم خرائط الألغام المتبقية. أما لبنان، فكان ملزماً بنشر جيشه في الجنوب، وبممارسة سيادته الكاملة على كامل أراضيه، ومنع تدفق الأسلحة غير المرخصة، والسعي، وهي التبعة الأثقل وزناً، إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية. أما حزب الله، الذي لم يكن طرفاً رسمياً في الاتفاق، وإن كان أمينه العام حسن نصر الله قد أعلن علناً التزامه بوقف إطلاق النار، فكان مطلوباً منه إيقاف جميع الهجمات على إسرائيل، والانسحاب من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والخضوع لسلطة الحكومة اللبنانية. فنّ ال”لا تطبيق” ما تلا ذلك كان إخفاقاً شبه شامل في التنفيذ، غير أنه لم يكن إخفاقاً متساوياً. فقد أوقفت إسرائيل عملياتها الكبرى وانسحبت في نهاية المطاف من الجزء الأكبر من قواتها البرية، لكنها استمرت في انتهاك المجال الجوي اللبناني لسنواتٍ ولم تقدّم سوى كشفٍ جزئيٍّ عن خرائط الألغام. أما الحكومة اللبنانية، فقد نشرت الجيش في الجنوب بطاقةٍ محدودة، إلا أنها لم تسعَ جدياً، ولو لمرةٍ واحدة، إلى نزع سلاح حزب الله، مرجئةً هذا المسعى عبر الحوار السياسي والحساسيات الطائفية والحسابات الصامتة بأن كلفة المواجهة تفوق كلفة التقاعس. فأما حزب الله، الجماعة التي أعلنت التزامها العلني بوقف إطلاق النار، فقضى الثمانية عشر عاماً التالية يبني ترسانةً يُقدَّر حجمها في نهاية المطاف بمئة وخمسين ألف صاروخ وقذيفة، ويحفر الأنفاق نحو إسرائيل، ويرسي ما بات في حكم دولةٍ موازيةٍ في جنوب لبنان، كل ذلك في انتهاكٍ صريحٍ لقرارٍ ملزمٍ من مجلس الأمن. أسطورة مزارع شبعا لمواجهة الذريعة الإسرائيلية بالدفاع عن النفس، تمسّك لبنان وحزب الله بالنزاع العالق حول مزارع شبعا، تلك الرقعة الضيقة من الأرض التي ظل وضعها مبهماً من الناحية الخرائطية، مسوّغاً لتحمّل الوضع المسلح لحزب الله بوصفه “مقاومةً وطنية”. غير أن هذه الحجة كانت تنطوي على خللٍ قاتل: فقد أقرّت سوريا سراً عام 2011 بأن الأرض المتنازع عليها سوريةٌ وليست لبنانية، مما يعني أن الأساس السياسي المحوري لوجود حزب الله المسلح في جنوب لبنان كان يرتكز على مطالبةٍ لا تدعمها حتى دمشق. ولم يكن لأيٍّ من ذلك أي صحةٍ قانونية في ضوء نص القرار، الذي لا يتضمن أي بندٍ استثنائيٍّ يجيز عدم الامتثال لأسبابٍ سياسية. فرصةٌ ثانية، أحكم صياغةً بعد أن فتح حزب الله “جبهةً إسناد” في أعقاب هجمات حماس في السابع من أكتوبر، وبعد أن تصاعدت الحرب حتى بلغت حدّ الغزو البري الإسرائيلي لجنوب لبنان في خريف 2024، تداعى المجتمع الدولي إلى الاجتماع من جديد. وكانت الثمرة وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الذي نُسِّق بوساطة أمريكية-فرنسية. هذه المرة، سعى الصائغون إلى سدّ الثغرات. فانتقلت الصياغة من الطموحي إلى الإلزامي. ولم يُطلب من لبنان بعد الآن مجرد السعي إلى نزع سلاح حزب الله، بل بات ملزماً “بمنع” عمليات حزب الله بوصفها نتيجةً تعاقديةً ملزمة. وحُدِّد جدولٌ زمني من ستين يوماً للانسحاب الإسرائيلي المنسّق وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. وأُسِّست آليةٌ للرصد تترأسها الولايات المتحدة للتحقق من الامتثال. وظهرت كلمة «متوازٍ» صراحةً، إذ لا يجوز معالجة التزامات أيٍّ من الطرفين على أنها متسلسلة. تقدّمٌ حذر، أظلّته ظلالٌ مألوفة جاءت النتائج الأولية مشجعةً بحذر. ففي نيسان 2025، كان حزب الله قد سلّم الجيش اللبناني السيطرةَ على نحو مئةٍ وتسعين من أصل مئتين وخمسٍ وستين موقعاً عسكرياً له جنوب الليطاني. وأفاد مسؤولون عسكريون لبنانيون وأمريكيون بمصادرة آلاف الصواريخ والمئات من القذائف. وللمرة الأولى منذ عام 1990، تعهّد رئيس الجمهورية بتطبيق الاحتكار الحصري للدولة على السلاح، وجرّمت الحكومة رسمياً الأنشطة العسكرية لحزب الله. وقد مثّلت هذه الإجراءات تقدماً ملموساً، وإن ظلّ محدوداً. التاريخ يعيد نفسه، بوتيرةٍ أسرع بيد أن الإخفاقات ذاتها عادت إلى الظهور. فقد وثّقت اليونيفيل أكثر من سبعة آلافٍ وخمسمئة انتهاكٍ إسرائيلي للمجال الجوي وما يقارب ألفين وخمسمئة انتهاكٍ بري حتى أكتوبر 2025. وأبقت إسرائيل على قواتها في خمسة مواقع داخل لبنان بعد انتهاء الأجل المحدد بكثير، معلنةً نيتها الإبقاء عليها إلى أجلٍ غير مسمى. ولم يُكلَّف الجيش اللبناني رسمياً بمصادرة أسلحة حزب الله إلا بعد نحو عامٍ من إبرام الاتفاق. وظلّ لبنان يشترط، مراراً وتكراراً، الانسحاب الإسرائيلي الكامل قبل المضي قدماً في مساعي نزع السلاح، وهو اشتراطٌ لا سند له في نص الاتفاق. وأعاد حزب الله بناء ترسانته على نحوٍ هادئ. وفي الثاني من آذار 2026، أطلقت المجموعة قذائف نحو شمال إسرائيل، متذرعاً بمقتل المرشد الأعلى الإيراني خامنئي واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وهي ذرائع لا وزن قانوني لها في ضوء أيٍّ من الاتفاقات التي التزم حزب الله، فعلياً، بالالتزام بها. ثمن الإخفاقات المتراكمة جاء اتفاق نيسان 2026 في سياقٍ من الانتهاكات المتكررة. وتعكس بنيته عجز لبنان التفاوضي المتراكم عبر السنين. فالتزامات إسرائيل أضيق مما كانت عليه في أي وقتٍ منذ عام 2006، إذ تقتصر في جوهرها على الامتناع عن العمليات الهجومية لعشرة أيام، وصفها الاتفاق صراحةً بأنها “بادرة حسن نية” لا التزاماً قانونياً ملزماً. والأخطر من ذلك أن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس قد وُسِّع رسمياً ليشمل ليس فقط الهجمات الجارية والوشيكة، بل أيضاً الهجمات “المخططة”، مما يعني أن إسرائيل تحتفظ بالحق الصريح في توجيه ضرباتٍ استباقية استناداً إلى تقديراتٍ استخباراتية، دون انتظار تحقق أي هجوم. ولم يكن هذا امتيازاً انتزعته إسرائيل بدبلوماسيةٍ متشددة، بل كان المآل المنطقي لمسارٍ أُخلّ فيه كل اتفاق سابق، وأُهدر فيه كل أجلٍ للتنفيذ. ما أُسلِم ولم يُنتزَع تصاغ التزامات لبنان في عام 2026 بلغةٍ أشد وطأةً بشكلٍ ملحوظ مما كانت عليه في عام 2024. فحيث اشترطت الاتفاقيات السابقة على لبنان أن “يمنع” عمليات حزب الله بوصفها نتيجةً تعاقديةً ملزمة، أو أن يمضي تدريجياً في نزع سلاح الجماعات غير الحكومية، يستحضر نص عام 2026 المسؤولية “الحصرية” للبنان عن الدفاع عن أراضيه، دون أي آليةٍ للرصد أو جدولٍ زمني لمصادرة الأسلحة. وبصكٍّ واحد، تبخّرت كامل بنية الإشراف الدولي التي أُرسيت بجهدٍ مضنٍ منذ عام 2006، وحلّت محلها مفاوضاتٌ ثنائيةٌ مباشرة يدخلها لبنان من موقع ضعفٍ هيكلي. لا يصعب استجلاء النمط الذي يخترق الاتفاقيات الثلاث. فقد فرض كل إطارٍ متعاقب مطالب أشد في نزع السلاح على لبنان وحزب الله، في حين رسّم في الوقت ذاته ووسّع الهامش المعترف به لإسرائيل في العمل العسكري. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فحين تعجز دولةٌ ما عن إرساء سيطرتها الحصرية على أراضيها، وتتسامح مع احتفاظ جماعةٍ مسلحة غير حكومية بترسانةٍ عسكريةٍ مستقلة، وتتيح لحدودها أن تكون ممراً لنقل الأسلحة في انتهاكٍ لالتزاماتها الدولية، يتسع حتماً الفضاء القانوني والسياسي المتاح للدولة المجاورة المحتجّة بحق الدفاع عن النفس. لم تنتزع إسرائيل هامشها العملياتي في 2026 بفعلٍ أحادي الجانب، بل أُسلِم إليها تدريجياً، على مدى عقودٍ من الجمود اللبناني. غير أن هذا لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن استمرار احتلالها للأراضي اللبنانية بعد انقضاء المواعيد المتفق عليها، ولا عن مقتل مئات المدنيين منذ تشرين الثاني 2024، ولا عن ضرباتها المتكررة على البنية التحتية المدنية. فهذه انتهاكاتٌ جسيمة تُرتّب مسؤوليةً قانونية، وهي ميزةٌ كان لأي حكومةٍ وفّت بالتزاماتها أن تسعى إلى توظيفها. بيد أن مجرى المفاوضات في مجمله بين إسرائيل ولبنان يظل قابلاً للتوقع. فالشروط السياسية والقانونية التي تجعل العمل العسكري الإسرائيلي قابلاً للدفاع عنه، على الصعيدين الداخلي والدولي، قد تشكّلت إلى حدٍّ بعيد بفعل ما أخفق لبنان وحزب الله في الإقدام عليه على مدى أكثر من عقدين. إن المسار الممتد من القرار 1701 عام 2006 إلى بادرة العشرة أيام في نيسان 2026 ليس مسارَ تلاعبٍ من قِبَل القوى الكبرى ولا خيانةً دبلوماسية، بل هو انعكاسٌ لخيارات دولةٍ أتاحت لسلطةٍ عسكريةٍ موازية أن تعمل على أراضيها، وحاولت التحايل على المجتمع الدولي، واكتشفت — اتفاقيةً تلو اتفاقية — أن صبره قد استُنفد. ونتيجةً لذلك، يدخل لبنان في نيسان 2026 مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل بوصفه دولةً سيادية اعترفت رسمياً بعجزها عن ضمان السيطرة على أراضيها. وهو موقفٌ بالغ الصعوبة ينطلق منه في سعيه إلى التوصل إلى اتفاقٍ عادل.

ضباب ال " لا انتصار " (2/2)
بقلم
ريان البصير
نُشر
أبريل 18, 2026 - 01:41

أثبت الجزء الأول من هذا التحليل أن لا الولايات المتحدة ولا إيران خرجتا من ستة أسابيع من الحرب بانتصار استراتيجي. يفحص هذا الجزء الثاني ما تعنيه هذه النتيجة المعلّقة للأطراف التي باتت مضطرة إلى العيش مع تداعياتها: إسرائيل، ولبنان، وتركيا، ودول الخليج، والتحالف الغربي في سياقه الأشمل. ما يلي استعراض للتناقضات والحسابات الخطرة التي ترسم الفصل الإقليمي المقبل. إسرائيل: عقيدة التعطيل الدائم دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحملةَ على إيران بوصفه مهندسها الأول ومدافعها الأبرز، وها هو يخرج منها محاصراً بالضغوط من الجانبين في آنٍ واحد. فمن جهة، يقف الصقور العسكريون والسياسيون الذين أرادوا مواصلة العمليات رغم الإنذار الأمريكي بوقفها، ويرون أن وقف إطلاق النار، شأنه شأن الاتفاق اليمني من قبله، قد جعل إسرائيل أكثر انكشافاً لا أكثر أماناً. ومن جهة أخرى، معارضة متجددة القوى لم تتوقف عن وصف استراتيجية نتنياهو — تصعيد دائم بلا أفق سياسي — بأنها وصفة لحرب لا تنتهي لا لأمن يدوم. وتحت هذه الضغوط السياسية تكمن عقيدة أمنية عرفت تحولاً جوهرياً منذ السابع من أكتوبر. في أعقاب هجمات حماس المباشرة، انتقلت إسرائيل من الردع إلى الوقاية، منطلقةً من مبدأ أن العمل العسكري الاستباقي، لا التهديد الموثوق بالانتقام، هو الكفيل الوحيد الفعلي للأمن الإسرائيلي. كانت غزة أول تطبيق واسع النطاق لهذه العقيدة، وكشفت نتائجها عن قيد مركزي لا مفر منه: القوة الساحقة قادرة على تدمير البنى التحتية وتصفية القيادات، لكنها عاجزة عن إنتاج سيطرة سياسية مستدامة أو إيقاف عملية التجدد التدريجي. فقد نجا حماس بوصفه فاعلاً سياسياً. تحتفظ إسرائيل بهيمنة عسكرية غير متنازع عليها على القطاع دون أن تحكمه، مما يعني أنه وإن كان التهديد الفوري على البلدات المحيطة قد جُرِّد من خطورته، فإن شروط تجدد حماس المحتمل لم تُعالَج. وتجمع العقيدة المعدَّلة الآن بين مناطق عازلة منزوعة السلاح وجهود مستمرة للإبقاء على الأطراف المعادية مشغولةً بصراعاتها الداخلية. والهدف ليس إدارة هذه الأراضي بل منع أي تهديد عسكري متماسك من التجمع داخلها من جديد. إنها عقيدة التعطيل الدائم لا انتصار حاسم وآني. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن نحو 22% فقط من الإسرائيليين يرون أن بلادهم أو الولايات المتحدة قد فازت بهذه الحرب، فيما لا يتجاوز الراضون عن نتائجها الإجمالية 32%، في حين يواصل 79% دعمهم للعمليات العسكرية في لبنان. وفي الأرجح أن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية عام 2026 ستعمّق هذه التوترات لا أن تحلّها، إذ سيواجه القادة السياسيون ناخبين يطالبون بضمانات أمنية ملموسة لا بمعايير استراتيجية مجردة — وهو ما سيُبقي زخم العمليات العسكرية في لبنان حتى نزع سلاح حزب الله بالكامل، مدعوماً بضغط دبلوماسي مستمر على الحكومة اللبنانية وضربات مستهدفة متواصلة ومناطق عازلة مصممة لمنع الحزب من استعادة وضعيته العسكرية ما قبل 2023. وثمة كلمة لا بد منها في شأن التوسع الجغرافي. الهدف العسكري المُعلَن لإسرائيل هو إقامة مناطق أمنية عازلة في صورة محيطات متقدمة تهدف إلى إبعاد التهديدات عن الحدود القائمة، ولذا لا يمكن لإسرائيل أن تبحث في ضم أراضٍ جديدة إلى سيادتها. فضم الأراضي اللبنانية الجنوبية بصورة نهائية سيقرّب المدنيين الإسرائيليين من القدرات المتبقية لحزب الله لا أن يُبعدهم عنها، وهو النقيض الحرفي لما تقتضيه عقيدة الوقاية. والسجل التاريخي يعزز هذه القراءة: انسحبت إسرائيل من سيناء في ثمانينيات القرن الماضي، ومن جنوب لبنان عام 2000، ومن غزة عام 2005. والاستثناء الوحيد هو هضبة الجولان، المضمومة رسمياً والمعترف بها لاحقاً من قِبَل الولايات المتحدة في ولاية ترامب الأولى إثر ضغط لوبي مكثف من المجموعات الموالية لإسرائيل في واشنطن. أما مشروع “أرض إسرائيل الكبرى” بمعناه الشامل، فلم يُفضِ قط إلى خريطة واحدة متفق عليها، حتى في أوساط أشد التيارات يمينية في إسرائيل. ولو كان التوسع الجغرافي هو المحرك الفعلي للسياسة الإسرائيلية، لما أمكن تفسير الانسحابين من غزة وجنوب لبنان، وكلاهما يرد في بعض إصدارات تلك الخريطة على الأقل. لبنان: بين أمل تبدَّد وكارثة معلَّقة في الداخل اللبناني، اكتسى المشهد الذي بدا منذ عام قائماً على تفاؤل حذر بظلالٍ قاتمة. كانت حكومة نواف سلام التي تشكّلت مطلع 2025 موعودة بحق: أول حكومة لبنانية منذ ثلاثين عاماً تحذف معادلة “الشعب والجيش والمقاومة” الشهيرة من بيانها الوزاري، فتُسقط بذلك عن حزب الله غطاءه السياسي الرسمي. وبدأ الجيش اللبناني انتشاره جنوب الليطاني للمرة الأولى منذ عقود. وبدا الحزب، الذي أنهكته حرب 2023-2024 مع إسرائيل وتصفية قيادته، لوهلةٍ كأنه أُحكمت السيطرة عليه فعلاً. غير أن أداء الحركة منذ قرارها الانضمام إلى الحرب في الثاني من مارس يُثبت بجلاء أنها لم تتوقف لحظة عن إعادة بناء نفسها وتكييف أسلوبها، متحولةً نحو عقيدة قتال أكثر تشتتاً وأقرب إلى أسلوب حرب العصابات. والأهم من ذلك أنها تسعى اليوم إلى توظيف التراجع الأمريكي تجاه إيران لإعادة بناء شرعيتها الداخلية، مستخدمةً هذه اللحظة لإحباط أي عودة محتملة إلى ترتيبات ما قبل الحرب أو إلى الشروط السياسية-العسكرية التي جرّدتها سابقاً من غطائها الحكومي الرسمي. ويقيّم الحزب بنشاط السبل الكفيلة بتهميش خصومه السياسيين وإضعافهم، أولاً بالوسائل القانونية والبرلمانية، وإن عجزت هذه عن تحقيق الغاية، فبالاغتيالات والتصفيات الموجّهة من النوع الذي عرفه لبنان بين عامَي 2005 و2013. والنظام التوافقي اللبناني المبني على توزيع صارم للسلطة الطائفية يجعل أي عمل حاسم ضد طرف بعينه أمراً بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق المشحون تتشكّل أزمة نزوح تطال أكثر من مليون شخص مُقتلَع من بيئته، غالبيتهم من مجتمعات محسوبة على حزب الله أو مرتبطة به. وتصرّ إسرائيل على منع عودة هؤلاء إلى جنوب لبنان قبل نزع سلاح الحزب كلياً. وتواصل الحكومات المانحة المحتملة تعليق دعمها على معايير نزع سلاح يرفض الحزب استيفاءها. وتتحفّظ حكومات الخليج تحديداً على تمويل دولة خاضعة لنفوذ حزب الله، إن صحّ افتراض أن التداعيات الاقتصادية للحرب في بلدانها ستسمح لها بالعطاء بالسخاء ذاته كما كان معهوداً منها. والنتيجة، الماثلة للعيان بالفعل، أزمة نزوح مديدة في بلد يتدحرج نحو كارثة معلّقة مماثلة لغزة: بلد عاجز عن النهوض لأنه مدمَّر، وعاجز عن أن يُحكَم لأنه مسلَّح، وعاجز عن إيجاد مخرج وحيداً لأنه منقسم. تركيا: قوة محورية في فراغ إقليمي لا تُفضي إيران المُضعَفة بالضرورة إلى استقرار المنطقة. إنه يخلق فراغاً. قبل اندلاع الحرب على إيران، كانت أنقرة أصلاً القوة الخارجية المهيمنة في سوريا ما بعد الأسد. وقد عجّل انحسار النفوذ الإيراني بتصدّر تركيا لأي نظام إقليمي محتمل — في سوريا والعراق، وفي كيفية تشكّل الرأي السياسي الإسلامي على وجه الخصوص. وتضع هذه القوة المتنامية تركيا على مسار تصادمي متصاعد مع إسرائيل. وقد بات المسؤولون الإسرائيليون أكثر صراحةً في الإشارة إلى تركيا بوصفها تهديداً استراتيجياً ناشئاً، لا سيما في سوريا حيث تمسك أنقرة بأوراق أكثر من أي طرف آخر. لقد غدا السؤال عن دور تركيا بوصفها قوةً إقليمية محوريةً في مرحلة ما بعد الحرب على إيران إجابةً لا سؤالاً: إنه واقع راسخ. الخليج: ثلاثة تحديات على عقد اجتماعي مُجهَد امتصّت دول مجلس التعاون الخليجي الصدمة الاقتصادية الأكثر مباشرةً من هذه الحرب. يقوم العقد الاجتماعي لدول الخليج — الوعد الضمني برخاء شبه غير محدود مقابل الولاء السياسي للأسر الحاكمة — على اقتصاد إقليمي مستقر ومزدهر ومترابط، وهو عقد يرزح اليوم تحت الضغط. يواجه المجلس ثلاثة تحديات متزامنة، كلٌّ منها كافٍ للاستنزاف لو جاء منفرداً. الأول استعادة الثقة في النموذج الاقتصادي المبني منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو نموذج يعتمد على صادرات نفطية قابلة للتنبؤ وطرق عبور آمنة واستثمارات أجنبية هشّة أمام الاضطراب الإقليمي. والثاني البتّ في كيفية التعامل مع إيران الجريحة غير المنكسرة، التي ستحتفظ في شبه كل سيناريوهات وقف إطلاق النار بقدرة على تهديد البنية التحتية الخليجية من جديد — بين مهادنة تخاطر بتجريء طهران ومواجهة تخاطر بدورة أخرى من الدمار الاقتصادي. والثالث، وربما الأكثر إلحاحاً، إطلاق برنامج تعافٍ اقتصادي معجَّل. الغرب الغائب: خطأ استراتيجي سيظل يُذكر كانت السمة الأكثر لفتاً للنظر في السياسة الأوروبية والغربية طوال هذه الأزمة هي غيابها. بينما كانت الولايات المتحدة تحارب نظاماً لم يستثنِ أي مصلحة غربية، كانت الحكومات الأوروبية في معظمها تتفرج من المدرجات، مستغلّةً الأزمة الإيرانية لتصفية حساباتها السياسية مع إدارة ترامب بدلاً من مواجهة الواقع الاستراتيجي القاضي بأن التهديد الإيراني لا يقتصر على المصالح الأمريكية. سيُحفَر هذا في الذاكرة خطأً استراتيجياً عميقاً. فبصرف النظر عن الحكم على أساليب دونالد ترامب، تبقى الحقيقة الجوهرية ماثلة: إيران أكثر جرأةً تخرج من هذا الصراع في الوقت الذي يرزح فيه الخليج تحت ضغط مستمر على أسسه الاقتصادية. بتخيّرهم عدم الانضمام إلى الجهد الأمريكي لإضعاف إيران أو عدم دعمه ولو بالحد الأدنى، أسهم ا الأطراف الغربية المترددة فعلياً في ترسيخ توازن قوى أشد خطورة، توازن تتعاظم فيه الرافعة الإيرانية وتتآكل الردعية ويرتفع ثمن المواجهة المحتملة ارتفاعاً ملحوظاً. المنطقة الرمادية أفقاً استراتيجياً لن تظل القدرات غير المتماثلة المتبقية لإيران خاملةً ريثما تسير المفاوضات الدبلوماسية في مجراها. وفي غياب اتفاق يُقنع الرئيس ترامب، ثمة دوافع استراتيجية صلبة تحمل الولايات المتحدة وإسرائيل معاً على الإبقاء على نمط عمليات مستهدفة. بيد أن الأطراف الثلاثة — والخليج معها — لا تستطيع تحمّل العودة إلى حرب مفتوحة كتلك التي اشتعلت في مارس ومطلع أبريل 2026. الغاية من استراتيجية المنطقة الرمادية المتشكّلة هي تعطيل عملية إعادة التسليح النووي والصاروخي الإيرانية، واستنزاف البنى المتبقية للوكلاء، وإيصال الرسالة عبر الفعل بأن كلفة إعادة البناء ستبقى مرتفعة. وقد أثبتت عمليات المنطقة الرمادية — ضربات دقيقة وتعطيل إلكتروني وعمليات استخباراتية — ديمومةً في تأثيراتها تفوق الحملات العسكرية المتفجّرة، تحديداً لأنها تحرم الخصوم من البيئة المستقرة التي يحتاجونها لإعادة البناء. والضبط الاستراتيجي المبني على رجاء حل المفاوضات للقضايا الهيكلية لن يفعل، في ضوء المعطيات الراهنة، سوى منح إيران ووكلائها متّسَعاً لإعادة التسليح. فالنمط تكرّر مراراً بما لا يسوّغ توقّع نتيجة مغايرة هذه المرة. أما سيناريو الاختراق الدبلوماسي الشامل الذي يُسوّي الملف النووي ويُطوّق شبكة وكلاء إيران وينتج نظاماً جديداً مستقراً وقابلاً للتطبيق، فكفيل حقاً بتغيير المعادلة الإقليمية. لكنه أقل النتائج احتمالاً في ضوء المعطيات الراهنة. إذ يفترض مستوى من الاستثمار السياسي الأمريكي المتواصل عجزت واشنطن باستمرار عن الحفاظ عليه في أعقاب حملاتها العسكرية. ويفترض أن تقبل القيادة الإيرانية لما بعد الحرب بتنازلات رفضتها سابقتها صراحةً. ويفترض حزب الله مستعداً لنزع سلاحه شرطاً لإعادة إعمار لبنان، وهو ما أشار الحزب مسبقاً إلى أنه لن يقبل به. الفاعلون الإقليميون أكثر يأساً وأقل قدرةً على التنبؤ، والثقة اللازمة لأي تسوية دائمة أنهكتها عقود من الاتفاقات المُنتهَكة والمواقف المبنية على سوء النية من كل الجهات. خاتمة: اللايقين وحده أفق مشترك المرحلة الجديدة من الأزمة الشرق-أوسطية التي لا تنتهي لا تتحدد بفائز واضح ولا بخاسر محدد. تتحدد باللا يقين — في إسرائيل والولايات المتحدة وعموم الخليج ولبنان — وبإجماع ضمني بين الفاعلين الإقليميين على أن الوضعية التشغيلية الأكثر أماناً، في المدى المنظور، هي تقديم المصالح عبر المواجهة منخفضة الحدة والضغط بالقنوات الخلفية والغموض الاستراتيجي، لا عبر المواجهة المفتوحة. الرهانات أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى، والفاعلون أشد يأساً مما كانوا.

ضباب ال"لا انتصار" (1/2)
بقلم
ريان البصير
نُشر
أبريل 16, 2026 - 22:13

جاء القرار الأمريكي بشنّ حملة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران نتاجَ تقاطع جملة من الضغوط. كان صقور المؤسسة الأمنية القومية يطالبون منذ أمد بعيد باتخاذ إجراء حاسم. وضغط اللوبي الموالي لإسرائيل بثقله على التدخل، ولا سيما بعد أن أخفقت ضربات حزيران/يونيو 2025 في إرساء ردع مستدام، في حين أمضت إسرائيل أشهراً تدفع واشنطن نحو موقف أشد مغالاةً. أسهمت هذه العوامل مجتمعةً في تهيئة الشروط السياسية للحرب. غير أن العامل الأكثر حسماً على الصعيد الاستراتيجي كان، في الأرجح، منطقاً مماثلاً لذلك المُعتمَد في فنزويلا. فالهدف المحوري للرئيس ترامب لا يقتصر على إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية، بل يتجاوزها إلى إعادة رسم هندسة معاملات النفط على الصعيد العالمي، بما يشمل السيطرة لا على من يبيع النفط الخام فحسب، بل على من يشتريه والشروط التي يجري فيها هذا الشراء. وبصون الضغط الناجم عن العقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية وتعميقه، تسعى واشنطن إلى تقليص وصول الصين إلى نفط مُدعَّم أو مُخفَّض السعر، في لحظة يشكّل فيها هذا الوصول رافداً لا يُستهان به لنمو الصين الصناعي والعسكري. الانتصار التقليدي وحدوده لا جدال فيما حققته القوات المسلحة الأمريكية في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026. أسفرت الضربات الافتتاحية عن مقتل المرشد الأعلى، وتصفية كبار القادة العسكريين، وتدمير مجمعات مؤسسية حيوية، في مقدمتها المقر الرئيسي لأبحاث الدفاع والتطوير التابع للحرس الثوري. وقد جرى تحييد شريحة واسعة من منظومات الدفاع الجوي الإيراني في غضون الأربع والعشرين ساعة الأولى، مما منح الطائرات الأمريكية والإسرائيلية سيطرة فعلية شبه فورية على الأجواء الإيرانية. كما دُمِّر معظم منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال الأسبوعين الأولين، وتعرضت غالبية المواقع العسكرية-الصناعية الإيرانية المرصودة للقصف، مما أفضى إلى تراجع ملحوظ في الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل منذ الأسبوع الثاني من الحرب. وقد تعرضت المنشآت الرئيسية للتخصيب لأضرار بالغة، في بادئ الأمر خلال حزيران/يونيو 2025 ثم مجدداً في 2026، فيما أُغرِق عدد معتبر من السفن الحربية الإيرانية. وبأي معيار عسكري تقليدي، كانت الحملة نجاحاً باهراً. بيد أن هذه الصورة من النجاح العسكري التقليدي تستدعي قدراً من التدقيق. فالموقف الاستراتيجي لإيران لم يرتكز قط في أساسه على قواتها التقليدية. إنه يقوم على استراتيجية الفسيفساء الدفاعية، شبكة متشابكة من الأدوات اللاتناظرية تضم أسراب المسيّرات والميليشيات الوكيلة والمضايقات البحرية والتهديد الكامن بإغلاق مضيق هرمز. لقد حيّدت الحملة الطبقة العسكرية التقليدية لإيران دون أن تمسّ قدراتها اللاتناظرية التي بقيت في معظمها سليمة. إن تفكيك منظومات البحرية والصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية لدى خصم ما هو بلا شك ذو أهمية استراتيجية بالغة، غير أنه يبقى قاصراً حين تظل الأدوات الإكراهية الرئيسية لذلك الخصم قائمة على المسيّرات والشبكات الوكيلة والقدرة على تعطيل نقاط الاختناق البحرية الحيوية. ففي إضعاف القدرات التقليدية دون تحييد اللاتناظرية ما يشبه، في نهاية المطاف، انتزاع البندقية من يد العدو مع إبقاء المسدس مشحوناً. هدنة مبهمة تبدو حدود ما تحقق جليةً بالفعل في ملامح اتفاق وقف إطلاق النار. فالاتفاق، الذي لم يُفصح عنه قط، وُصف على نطاق واسع بأنه مبهم. والأشد وطأةً في ذلك كله أن الملف النووي لا يزال معلقاً دون حلّ، رغم أنه الملف الوحيد الذي كانت فيه إدارة ترامب ومنتقدوها على اتفاق. وقدرات إيران الباليستية، وإن كانت قد تضررت بشدة، فهي ليست معطّلة إلى الأبد، إذ يتوقف إعادة بنائها على الموارد لا على الإرادة، وأي تخفيف للعقوبات مُدمَج في اتفاق وقف إطلاق النار سيُعيد فعلياً تشغيل ساعة إعادة التسلح. والحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان والفصائل الموالية لإيران في العراق باتوا يعيدون بناء أنفسهم. فبالنسبة لهؤلاء الفاعلين، لا يمثل وقف إطلاق النار هزيمة، بل توقفاً تكتيكياً وفرصة لإعادة التماسك. إيران ما بعد الحرب لن يكون أقل تضليلاً تصوير موقف إيران على أنه انتصار أو صمود. النظام الذي نجا من هذه الحرب ليس النظام الذي خاضها. قُتل ما يزيد على خمسين مسؤولاً رفيعاً. وتعرض الجهاز العسكري لضربات بالغة. وارتدّ البرنامج النووي سنوات إلى الوراء. والاقتصاد، الذي كان أصلاً يرزح تحت وطأة عقود من العقوبات، وجد نفسه على حافة الانهيار البنيوي. أضرار البنية التحتية واسعة النطاق، والعقد الاجتماعي بين النظام ومواطنيه، الذي كان أصلاً آخذاً في التفكك، بات يتحمل ضغطاً جديداً استثنائياً. وبنى السلطة داخل النظام تعاني احتقاناً داخلياً إذ تتنافس فصائل متعددة على تحديد شكل إيران في مرحلة ما بعد الحرب وعلى زعامتها. ولعل إيران تكون قد أفلتت من أسوأ السيناريوهات، وهو انهيار النظام، غير أن التحديات الجسيمة التي تواجهها اليوم بعيدة كل البعد عن النصر. التناقض بين المواقف المُعلَنة لإيران وسلوكها الفعلي في نيسان/أبريل 2026 صارخ. كان المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي يعلن على الدوام أنه لن تكون ثمة مفاوضات مع الولايات المتحدة. وفي آذار/مارس 2026، أكد المسؤولون الإيرانيون مراراً أن أي وقف لإطلاق النار سيستلزم ضمانات ردع كاملة. وبين السابع والعاشر من نيسان/أبريل، أعلن عدد من المسؤولين الإيرانيين علناً أنه لن تجري أي محادثات في إسلام آباد ما لم توقف إسرائيل عملياتها ضد حزب الله أولاً. ولم تتوقف إسرائيل، بل شنّت في الثامن من نيسان/أبريل واحدةً من أضخم عملياتها المنفردة ضد حزب الله. ومع ذلك، توجّه الوفد الإيراني جواً إلى إسلام آباد وجلس إلى طاولة المفاوضات. لا خطاب انتصاري، مهما بلغ من الزيف والمراء، قادر على تغيير هذه الحقيقة. ثابت أمريكي تمتلك الولايات المتحدة سجلاً موثقاً من العجز عن تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية. في لبنان عام 1983، في أعقاب التفجير الذي أودى بحياة 241 جندياً أمريكياً، سارعت إدارة ريغان إلى الانسحاب في غضون أشهر، تاركةً فراغاً أسرع حزب الله إلى ملئه. وفي عام 2003، أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين بدقة عسكرية منقطعة النظير، لكن دون أي خطة متماسكة لمرحلة ما بعد، فأفضى ذلك إلى فراغ في السلطة هرعت الميليشيات المدعومة إيرانياً إلى شغله ولم تتركه قط. وأجّج الانسحاب المبكر من العراق عام 2011 تآكلَ القدرات المؤسسية وسلطة الدولة في لحظة محورية، مضاعفاً إخفاقات الحوكمة التي استطاع داعش استغلالها بشكل منهجي اعتباراً من 2014. وفي عام 2013، رسم الرئيس أوباما خطاً أحمر علنياً حول الأسلحة الكيميائية في سوريا، ثم أحجم عن تطبيقه حين عبره الأسد في الغوطة. فانهارت المصداقية الأمريكية، وتدخلت روسيا، وأعادت الحرب السورية رسم توازنات المنطقة بأثر لا يزال يتردد صداه. وفي آب/أغسطس 2021، أهدى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان طالبان انتصاراً بلا ثمن، وبعث برسالة في كل ساحة كان للولايات المتحدة فيها شركاء. وفي أيار/مايو 2025، أعلن ترامب أن الحوثيين قد «استسلموا»، في حين أصر هؤلاء على أن واشنطن هي من تراجعت. تنتسب هدنة نيسان/أبريل إلى سياق كل هذه الحلقات، ويجمعها المنطق ذاته من قوة ساحقة وأثر سياسي منقوص وخصوم يتكيفون لملء الفراغ. العجز البنيوي لواشنطن إن عجز واشنطن البنيوي عن الإبقاء على انخراط استراتيجي في أعقاب العمل العسكري ليس أمراً عَرَضياً. إنه نتاج البنية السياسية الداخلية التي تُشكّل كل قرار من قرارات السياسة الخارجية. لا تدخل الولايات المتحدة الحروب ولا تخرج منها بإرادة وطنية موحدة، بل تفعل ذلك عبر تصادم مصالح متضاربة نادراً ما يمكن التوفيق بينها. والمقاولون في قطاع الدفاع والمجمع الصناعي-العسكري يمتلكون حوافز مؤسسية تدفع نحو دورات التصعيد عوضاً عن التسويات. والاستقطاب الحزبي يجعل كل سياسة مرتبطة بإدارة ما هدفاً للإدارة الأخرى، بصرف النظر عن قيمتها الاستراتيجية. عارض الانعزاليون من تيار ماغا الحرب منذ البداية؛ وأراد الموالون لإسرائيل المضي فيها أبعد؛ فيما ترى المؤسسات التقليدية لصنع السياسة الخارجية، يساراً ويميناً، أن الحصيلة لا تعدو نصف حل. ولا يوجد ائتلاف متماسك قادر على الحفاظ على الاستثمار السياسي الذي تقتضيه أي تسوية مستدامة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تُضعف الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار النفط موقف الإدارة والحزب الجمهوري. والنتيجة المتوقعة هي الضغط ذاته نحو الانسحاب المبكر الذي ترك، في كل حلقة مماثلة، المشكلة الاستراتيجية الجذرية دون حل، وجعل المواجهة التالية أكثر كلفة من سابقتها. خاتمة لم تُفرز الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أي منتصر. لقد أنتجت منطقةً أكثر تشرذماً مما كانت عليه، وملفاً نووياً أشد خطورةً بفعل إهمال حلّه، وخصمين سيعودان إلى المواجهة، وإن في أشكال مغايرة، في ظل ظروف ساهم كلاهما في تفاقمها. ضباب ال”لا انتصار” ليس استعارة. إنه الواقع الاستراتيجي الذي سيرسم ملامح الفصل القادم، الذي يتناوله الجزء الثاني من هذا التحليل. المقال القادم: ضباب ال"اللا انتصار": الاضطراب الجديد في المنطقة

لماذا لن يزحف الشرع على بيروت — ولن يستطيع
بقلم
ريان البصير
نُشر
مارس 22, 2026 - 06:28

منذ اللحظة التي غادرت فيها القوات الفرنسية سوريا في أبريل 1946، باتت هذه الجمهورية الفتية إحدى أكثر الدول عرضةً للانقلابات، إن لم تكن أكثرها، في العالم العربي على مدى ربع قرن يكاد يكتمل. وبحلول عام 1970، كانت سوريا قد شهدت عشرة انقلابات ناجحة. وفي الثالث عشر من نوفمبر 1970، نفّذ حافظ الأسد انقلابه القصري وأحكم قبضته على السلطة. بالنسبة إلى الأسد، لم يكن لبنان مجرد جار؛ بل كان فناءه الخلفي وأداةً لتعزيز نفوذه الإقليمي. حين اندلعت الحرب الأهلية في بيروت، تدخلت سوريا عسكرياً عام 1976 — في البداية ضد منظمة التحرير الفلسطينية والجماعات اليسارية اللبنانية، ثم لاحقاً في دعم هذه القوى ذاتها في مواجهة التشكيلات المسيحية التي انتظمت دفاعاً عن نفسها. ومنذ ذلك التدخل، اندسّت الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية السورية في نسيج الحياة السياسية اللبنانية، تحكّم بموازين القوى من خلال دعم الفرقاء وخيانتهم واستغلالهم بحسب ما تقتضيه المصلحة. كانت حرب أكتوبر 1973 — التي خاضتها سوريا ومصر معاً ضد إسرائيل — نقطة تحوّل حوّلت الأسد من لاعب إقليمي إلى محاور لا غنى عنه لواشنطن. انتهت الحرب بتعادل عسكري، غير أن الطريقة التي أدار بها الأسد مرحلة ما بعدها هي التي كشفت عن عبقريته الاستراتيجية. يُروى أن هنري كيسنجر، الذي قضى ما يقارب شهراً يتنقل بين دمشق والقدس في مايو 1974، أبدى دهشةً بالغة حين قبل الأسد إطار فصل القوات. وقد أفضى الاتفاق الموقَّع في جنيف في الحادي والثلاثين من مايو 1974 إلى إنشاء منطقة عازلة تشرف عليها الأمم المتحدة على طول هضبة الجولان، وجمّد الحدود السورية الإسرائيلية على مدى العقود الخمسة التالية. ولم تظل أي جبهة عربية إسرائيلية أخرى بهذا الهدوء طوال هذه المدة. وقد غدا هذا الاستقرار نموذجَ الأسد الثابت: طالما بقي الجولان مجمّداً، ظلّت سوريا ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لا سلام يمكن إبرامه بمعزل عن دمشق؛ ولا حرب يمكن إشعالها دون موافقتها. ولعل أبرز إنجازات الأسد الدبلوماسية كانت إدارته الماهرة للحرب الباردة. فقد غدا الجيش العربي السوري من أكثر الجيوش في المنطقة العربية تجهيزاً وتدريباً على يد السوفييت. عقيدته العسكرية ومنظومة أسلحته وتأهيل ضباطه — كل ذلك كان يمرّ عبر موسكو. بيد أن الأسد لم يمنح السوفييت ما أرادوه حقاً: النفوذ الحصري. إذ أبقى على قناة اتصال سرية مع واشنطن، والتقى بالمسؤولين الأمريكيين بانتظام، وامتنع عن الانضمام إلى أي إطار تحالف سوفياتي رسمي. حوّل الأسد هذا الغموض إلى أداة نفوذ عملياتية. قاتل حلفاء الولايات المتحدة في لبنان حين أملت عليه مصلحته ذلك، وعمل على تقويض الزعامة العربية لمصر عقب كامب ديفيد، واستخرج في الآن ذاته عتاداً عسكرياً سوفياتياً بأسعار تفضيلية. كانت دمشق أثمن من أن تعزلها واشنطن، وأشد استقلالية من أن تُحكم عليها موسكو قبضتها. تلك كانت المنطقة المُثلى التي احتلّها الأسد طوال عقدين. حين انهار الاتحاد السوفياتي وغزا صدام حسين الكويت في أغسطس 1990، وجد الأسد نفسه أمام خيار مصيري. انضمت سوريا — شكلياً — إلى التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت؛ وكان ذلك قراراً محورياً منحه يداً حرة في لبنان، مكافأةً من واشنطن والسعوديين. استمر الوجود السوري في لبنان خمسة عشر عاماً إضافية، في ظل مظلة سياسية جرى التفاوض عليها بين الأسد والرياض. وفي عام 1992 أصبح رفيق الحريري — المليادير الذي صنع نفسه بنفسه وتربطه صلات وثيقة بالسعوديين — رئيساً للوزراء. وبموجب هذا الترتيب، وحتى ما قبيل اغتياله عام 2005، كان الحريري يمسك بزمام الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار والسياسة المالية، في حين تحكمت سوريا بالجيش وأجهزة الأمن والسياسة الخارجية. عند وفاته عام 2000، ورث ابن حافظ، بشار، محفظة داخلية وإقليمية بالغة الدقة، لم يفهمها تمام الفهم، وعجز عن صونها فضلاً عن الإضافة إليها. ضغوط دولية متصاعدة، إلى جانب غضب شعبي داخلي — تجلّى في ما عُرف بثورة الأرز — اندلع في أعقاب اغتيال الحريري في فبراير 2005، دفعا إلى انسحاب سوري متسارع من لبنان، محى ثلاثة عقود من النفوذ في غضون أسابيع. وفي أقل من عشر سنوات على رئاسته، انقلب مشهد بشار الأسد من المستبد المدلّل للمجتمع الدولي إلى المنبوذ في نظر المجتمع الدولي. وحين بلغت موجة الانتفاضات العربية سوريا في مارس 2011، جاء رد الفعل الأمني — قمع وحشي عشوائي — ليشعل فتيل حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف، وهجّرت نصف السكان، وأحالت القدرة العسكرية السورية إلى جزء ضئيل مما كانت عليه. سوريا ما بعد الأسد، بقيادة أحمد الشرع — القائد السابق لهيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة — ترتكز على بنية سلطة صاغها التحالف المسلح المنتصر: كيان يعمل أقرب إلى دولة فصائلية مهيمنة منه إلى ديمقراطية تعددية حقيقية. حقق الشرع شرعية دولية لافتة في وقت قصير. في غضون عام واحد، التقى ترامب في البيت الأبيض، وتحدّث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأحرز رفع بعض العقوبات الغربية. غير أن قبضته الداخلية تبقى هشّة: عنف طائفي على الساحل الغربي، وحكم ذاتي كردي فعلي في الشمال الشرقي، ومقاومة درزية في الجنوب، وتشبّث فصائل جهادية معادية لبراغماتيته بمواقعها — كل ذلك لا يزال يُضيّق هامش السلطة المركزية. في عام 2024، لم يكن الجيش العربي السوري سوى ظل للقوة التي بناها حافظ. فقد حلّ مقاتلو حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والقوات الروسية والمستشارون الإيرانيون فعلياً محل الجيش السوري بوصفهم العمود الفقري للدفاع عن النظام — مما يعني أن القوات المسلحة السورية الأصيلة لم تكن تمتلك قدرات تُذكر. وما إن سقط النظام حتى تحرّكت إسرائيل بسرعة فائقة للتأكد من أن كل ما سيأتي بعده سيبدأ من قدرة عسكرية تكاد تكون صفرية: قواعد جوية وبطاريات دفاع جوي ومنشآت إنتاج أسلحة ومخزونات صواريخ وأنظمة رادار ومراكز أبحاث في دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية وتدمر، كلها استُهدفت. ووفق ما أعلنته قوات الدفاع الإسرائيلية ذاتها، دمّرت هذه الحملة ما يقارب 80% من الأصول الاستراتيجية العسكرية المتبقية لسوريا. ما تبقى لسوريا هو ائتلاف من الفصائل المسلحة لا جيش نظامي محترف. معظم المقاتلين من الميليشيات الإسلامية السابقة — وهم أكفاء في الإرهاب والحرب الخاطفة والأساليب القتالية في الحروب الأهلية، لكنهم قليلو التدريب على الحرب النظامية للدولة: ضبط الحدود والدفاع الإقليمي والسلاسل اللوجستية والعمليات المشتركة. التجهيز متفرق وقديم في معظمه، وشحيح في الأسلحة المتوسطة والثقيلة. ولا توجد قدرات جوية أو بحرية ذات بال. وبدون المقاتلين الأجانب — المتطوعين الجهاديين القادمين من آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وسواها — فإن القوات المسلحة السورية عددياً لا تكفي للقيام بمهام الدوريات، ناهيك عن إسقاط نفوذها على بلد بحجم سوريا. يُضاف إلى الضعف العسكري ضعف اقتصادي لا يقل وطأةً. فعلى الرغم من قرار رفع بعض العقوبات، لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتحركان بحذر. ولم تتجسّد الاستثمارات بأي حجم يُعتدّ به. والرواتب في القطاع العام متدنية بصورة مزرية، تُذكي فساداً متجذّراً. والبنية التحتية محطّمة. ولا قاعدة اقتصادية تتيح تسليحاً جوهرياً، ناهيك عن مغامرة عسكرية في الخارج. في عام 2025، بدأت أصوات في المنطقة وخارجها تقترح أن سوريا يمكنها أو ينبغي لها نقل قوات عسكرية إلى لبنان، في إطار تقديمها باعتبارها موازناً للنفوذ الإيراني. ويكشف هذا الاقتراح عن قراءة خاطئة جوهرية لما هي عليه سوريا راهناً. غير أن ما طلبته واشنطن رسمياً كان مسألةً أمنية حدودية لا تفويضاً باحتلال. كان الطلب الأمريكي إلى الحكومة السورية محدداً: منع التحرك البري للأصول الإيرانية — أسلحة ومقاتلين وأموالاً — من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية. ولهذا جرى نشر التعزيزات السورية على الحدود العراقية والحدود اللبنانية معاً، لا على الحدود اللبنانية وحدها. الهدف هو الاعتراض، لا الغزو. الاحتلال يستلزم لوجستيات متواصلة وسلاسل قيادة موثوقة وإدارة إقليمية وحماية لقواته. واحتلال الأراضي اللبنانية وإدارتها مهمة تطلّبت تاريخياً قوة من 35 إلى 40 ألف جندي منضبط مدعوم بأجهزة استخبارات ونقاط تفتيش ووكلاء سياسيين محليين وغطاء إقليمي ودولي. القيادة السورية الجديدة لا تمتلك شيئاً من هذا. موقف إسرائيل يمثّل قيداً إضافياً لا يُستهان به. لا تثق تل أبيب بحكومة دمشق الحالية، إذ ترى في الشرع «جهادياً في بدلة رسمية» ودمية تركية. وفي مستوى أعمق، تعارض إسرائيل بشدة توسع النفوذ التركي على الأراضي السورية، وترفض قطعياً امتداده إلى لبنان. في المقابل، تتمحور المصالح الأمريكية في لبنان حول تثبيت الجيش اللبناني وتقييد حزب الله، لا حول فتح جبهة جديدة من الغموض مع هيكل عسكري إسلامي غير مجرَّب. على الجانب اللبناني من الحدود، فإن الجيش اللبناني المجهّز والمدرَّب أمريكياً، إلى جانب المجتمعات الحدودية المسلحة في شمال لبنان وشرقه، سيفرضان كلفةً باهظة على أي تغلغل لقوات إسلامية سورية متشرذمة خفيفة التسليح. بالنسبة إلى الفاعلين الموالين لإيران والشبكات المرتبطة بحزب الله، فإن شبح جيش جهادي يزحف على بيروت ليس تحليلاً — بل طوق نجاة سياسي. فمنذ ديسمبر 2024، تكبّد الطرفان خسائر فادحة، من بينها انقطاع ممر سوريا. ومن خلال إذكاء الهلع من تجمّع متطرفين سنّيين على حدود لبنان، يسعيان إلى إعادة بناء التضامن الطائفي — لا سيما في أوساط الشيعة والمسيحيين — ذلك الشعور بالتهديد الوجودي المشترك الذي ظل وقوداً لقدرتهما على التعبئة طويلاً. الفخ متعمّد بدهاء: لو حدثت عملية عسكرية سورية، لمنحتهما على طبق من فضة مبرّر الوجود الذي يبحثان عنه، بتأكيدها أن سلاح حزب الله يبقى الدرع اللبنانية التي لا بديل عنها. رواية الغزو، في المحصلة، ينبغي أن تُقرأ على حقيقتها — لا بوصفها تقييماً أمنياً، بل مقياساً لمدى حاجة هؤلاء الفاعلين الماسّة إلى عدو كي يُبقوا على أنفسهم في دائرة الحضور والأهمية. قصة سوريا الممتدة على مدى قرن هي قصة الهوّة بين الطموح والقدرة. كان حافظ الأسد استثنائياً بالضبط لأنه ردم تلك الهوّة — مستثمراً الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا ليتجاوز ثقلها بمراحل طوال ثلاثة عقود. ابنه فتح الهوّة من جديد، بصورة كارثية. وسوريا الجديدة، في عهد الشرع، لا تزال تبحث عن الدولة التي تريد أن تكون. لبنان، في الوقت الراهن، ليس جائزةً في متناول يدها.