شعار Levant Time

في ذكرى

ميشال الخوري، النبل في التواري
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أغسطس 27, 2026 - 01:34

كيف نتحدّث عن رجل كان يكره إحداث الضجيج؟ رجلٍ كان ينفر من اللفتات الصاخبة ومن كل أشكال الاستعراض، فيما كان ذكاؤه ونبل طبعه، على رغم تواضعه الشديد، يفرضان حضورهما بقوة تكاد تزعجه هو نفسه؟ المهمّة شديدة الصعوبة. ولا سيما أن الرجل نفسه، الذي لم يكن مولعًا بالإعلام ولا بالمقابلات ولا بالأوسمة ولا بالأضواء، كان سيعترض بلا شك على هذا التمرين المحفوف بشيء من المجازفة، الذي يخوضه كاتب هذه السطور. ومع ذلك، فإن السبب نفسه الذي يدفع إلى الكتابة عنه اليوم هو أن الشيخ ميشال الخوري، الذي رحل في 4 تموز 2026، قبل أن يتمّ عامه المئة بقليل، اختار طوال حياته طريق الصمت والتحفّظ، وفيًّا لمقولته الأثيرة: “علينا أن نخدم، لا أن نجعل الخدمة في خدمة مصالحنا”، واضعًا الدولة وأولويتها فوق كل اعتبار آخر. لذلك يبدو الحديث عنه اليوم ضرورة حقيقية، في زمن يمرّ فيه لبنان بمرحلة عميقة من التفسّخ. ولا سيما أن رؤيته للبنان ولدوره ما زالت أكثر راهنية من أي وقت مضى. فليتّسع صدره لهذه المحاولة، التي هي أقرب إلى شهادة صديق وفيّ وممتنّ منها إلى عمل صحافي، لتقول بتواضع من كان، وما سيبقى منه في الذاكرة، ولو في ذاكرة أولئك الذين حظوا بامتياز معرفته ومرافقته. الأبوان… والمرجعان ذكاء. نبل. تفانٍ صامت في خدمة الشأن العام، والدولة، والوطن. إذا كان لا بد من اختيار ثلاثية تقارب شخصية الشيخ ميشال الغنية والمعقدة إلى حد بعيد، فهذه هي. كان بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية اللبنانية المستقلة، محقًّا عندما أطلق يومًا هذه العبارة الموجزة والرائعة: “ابني ميشال أمير. ماذا أقول، أمير؟ أرشيدوق!” وكان ميشال الخوري بالفعل من كبار رجال السياسة اللبنانية، بالمعنى الأكثر نبلاً ورقيًّا للكلمة. أميرًا في خدمة الجمهورية والديموقراطية، في زمن عتاولة السياسة اللبنانية وضواريها، الساعين بإدمان إلى الألقاب… وإلى الأوصياء. ولكن هل كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، حين كان اسم والده بشارة الخوري يكاد يختلط باستقلال لبنان الكبير، واسم والده الروحي، خاله ميشال شيحا، يكاد يختلط بالدستور اللبناني؟ كان الإفلات من اسم الأب مستحيلاً. حتى إنه، بعدما تجاوز التسعين، وعلى رغم مسيرة عامة استثنائية وثقافة واسعة، كان يلاحظ بشيء من الضيق أن وسائل الإعلام لا تزال تلصق باسمه اسم والده، كأن اسمه وحده لا يكفي بعد… كان القدر ساخرًا. لم يتوقف عن مناكفة الشيخ ميشال، من دون أي اعتبار لسنّه ولا لمسيرته ولا لخبرته. مسيرة متمرّد ومع ذلك، كان الرجل قد حارب منذ شبابه المبكر فكرة الإرث السياسي والمحسوبيات، وهو ما وضعه بطبيعة الحال في مواجهة مع عائلته نفسها. كان يكنّ لوالده الإعجاب والاحترام والتعلّق. وقد رآه في سن المراهقة يتحدّى، معرّضًا حياته للخطر، بنادق الجنود السنغاليين التابعين للانتداب الفرنسي، عندما حضروا في تشرين الثاني 1943، بفظاظة وإهانات وتهديدات وعنف، إلى القصر الرئاسي في القنطاري لاقتياده إلى قلعة راشيا. ظلّ ذلك المشهد محفورًا في ذاكرة ميشال الشاب حتى النهاية، ولا سيما أن والدته لور شيحا أصيبت يومها بأزمة قلبية توفيت من مضاعفاتها بعد سنوات قليلة. وكانت سلطات الانتداب قد رفضت إسعاف السيدة الأولى بصورة طارئة: كان ينبغي أولاً التأكد من أن الرئيس بات رهن الاعتقال… ويمكن القول إن الشيخ ميشال فقد بذلك والدته كضحية جانبية لمعركة استقلال أرضه الأم، لبنان الكبير… تلك الأم نفسها التي طلبت إليه أن يعدها بألا يدخل معترك السياسة، فلم يعدها بشيء… لكن عندما قرر رئيس الجمهورية، بعدما كان الفساد قد بدأ يصيب محيطه القريب وتنخره الزبائنية، تجديد ولايته، تمرّد الابن وغادر المنزل العائلي ولجأ إلى أستاذه ومرشده ميشال شيحا، الذي كان بدوره معارضًا لمبادرة الشيخ بشارة المناقضة للروح الجمهورية. ولم تبقَ الخلافات في إطار عائلي صرف. ففي أيلول 1950، وقف الشيخ ميشال علنًا في الندوة اللبنانية التي أسسها ميشال أسمر لينتقد نهج والده. حمل الاسم، نعم. لكن ليس بأي ثمن. وهذا مقطع من محاضرته: “حققنا الاستقلال. ثم ماذا؟ ماذا فعلت دولة الاستقلال؟ ماذا أنجزت في بناء الدولة، وفي بناء الوطن، وفي بناء المواطن؟ لا شيء. عدنا إلى الوراء… إلى العادات العثمانية وممارسات الاستعمار. عدنا إلى الفساد والإهمال والانحدار… إن الذين ولدوا مع استقلال 1943 يكبرون ويشيخون من دون أن نكون قد بذلنا الجهد أو أدّينا الواجب لجعلهم لبنانيين حقًا… يجب إزالة بقايا الماضي وهذا الجمود القاتل لأساليب بالية ورثناها من الانتداب ومن المراحل السابقة، كما يجب إزالة عائق أخلاقي هو ذهنية “فرّق تسد”.” وهكذا اختار ابن الاستقلال… الاستقلال. وظل هذا خيارًا ثابتًا، منسجمًا وواعيًا، طوال مسيرته، على رغم قربه الطويل من المدرسة الشهابية. وهذا ما فعله أيضًا حين قرر الاستقالة خلال ولايته الثانية حاكمًا لمصرف لبنان، بعد الحرب، بسبب معارضته الشديدة لسياسة الاستدانة التي اتبعها رئيس الحكومة رفيق الحريري. أصرّ الحريري على بقائه في منصبه، على رغم الخلافات، وباسم صداقتهما. فجاءه جواب الشيخ ميشال، حادًّا كعادته: “لكي نبقى صديقين، عليّ أن أرحل…” وإذا كان قد ترأس لبعض الوقت الحزب الدستوري قبيل الحرب الأهلية، فإنه رفض تحويله إلى حزب تقليدي، وحاول، من دون جدوى، تحديثه. بل تجرّأ، في ما يشبه تدنيسًا للمحرّمات السياسية، على أن يقترح على ريمون إده، ابن الخصم اللدود لوالده، إميل إده، دمج الكتلة الوطنية بالحزب الدستوري لمواجهة صعود الميليشيات وإغواء العنف… فجاءه الرد البارد من “العميد”: “لن يضع ابن إميل إده يده أبدًا في يد ابن بشارة الخوري!” كان ريمون إده رجل دولة، نعم، لكنه لم يكن شارل ديغول… أما الجنرال، فقد أظهر قدرًا أكبر بكثير من الفروسية والعقلانية عندما كلّف فؤاد شهاب، وكان يومها رئيسًا للجمهورية، الشيخ ميشال بمهمة لدى الإليزيه لوقف بيع أراضٍ فرنسية في لبنان إلى المصرفي الفلسطيني يوسف بيدس. ديغول، الذي لم يكن ينهض لأحد، استقبل ابن خصمه القديم واقفًا، ورمقه من علٍ، وقال له بنبرة لا تحتمل الرد: “أعرف ابن من أنت… سيأتي يوم تندمون فيه لأنكم أخرجتم الفرنسيين من لبنان!” ومع ذلك، سهّل الرئيس الفرنسي بعد ذلك مهمة الموفد الشاب، ونجحت المهمة. وفي أعقابها، كلّف جان كابلان من مجموعة السويس، عام 1967، ميشال الخوري تولي إدارة البنك اللبناني الفرنسي، لتبدأ بذلك مسيرة طويلة في القطاع المصرفي. رجل الكواليس تحوّل ميشال الخوري تدريجيًا إلى رجل المهمات السياسية والدبلوماسية الدقيقة التي تنجز في الظل، أولاً لدى فؤاد شهاب، ثم لدى شارل حلو، الذي عهد إليه برئاسة المجلس الوطني للسياحة، وهو مؤسسة استراتيجية مكّنت الشهابية من ممارسة دبلوماسية موازية فعلية بعيدًا من الأضواء. كان هذا الدور ملائمًا له تمامًا، منسجمًا مع شخصيته كخادم للدولة ورجل كواليس، بعيدًا من الأضواء… حتى وإن تولّى حقائب وزارية أيضًا، بينها وزارة الدفاع قبل حرب الأيام الستة. وبهذه الصفة، استطاع خلال اجتماعات مع نظرائه ومسؤولين عسكريين عرب أن يلمس، بالأرقام والتقديرات، أن جيوش المنطقة كانت متجهة إلى هزيمة ساحقة أمام الجيش الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة. وكان التباعد بين حقيقة موازين القوى والخطاب الشعبوي لعبد الناصر مقلقًا. وقد تركت الهزيمة، ثم موجة الحماسة الشعبية الاستثنائية التي أحاطت بالرئيس المصري، أثرًا عميقًا فيه. فقد رأى فيها أحد أكثر أمراض المنطقة استعصاءً: قدرة الزعيم على الاحتفاظ بسطوته على الوجدان الجماعي حتى بعد كارثة بهذا الحجم… وهذا المزيج من التحفّظ والأناقة جعله أيضًا موضع استشارة مستمرة وإصغاء دقيق من جانب الدوائر الدبلوماسية. وكان يتحرك انطلاقًا من هيكل أخلاقي وسياسي لا محرّك له سوى خدمة الوطن واستقلاله وسيادته واستمراره. وكان ميشال الخوري من قلّة السياسيين الذين لا يطلبون شيئًا لأنفسهم… ولهذا كان جديرًا بالثقة. لأنه كان عصيًّا على الفساد. وكانت مهمة رسمية إلى إرنست بيفن، في بريطانيا كليمنت أتلي، قد لقّنته درسًا لا ينسى في هذا المجال. ففي أعقاب الحرب، أراد، من باب المجاملة البحتة، أن يقدم الشوكولا لمحاوريه البريطانيين في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني الحرمان. لكن الهدية أُعيدت إليه: ففي بلد ما زال يخضع للقيود والتقنين، لم يكن المسؤولون العامون يقبلون امتيازات لا يستطيع المواطن العادي الحصول عليها. ظلّ هذا الموقف محفورًا في ذهن ميشال الخوري. فما أعجبه لم يكن التقشّف في ذاته، بل الفكرة شبه المقدسة القائلة إن المسؤول العام يجب أن يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها سائر الناس. وبالنسبة إلى رجل سيمضي حياته في إدانة الزبائنية والفساد، كانت الحكاية درسًا في معنى المواطنة وأخلاق الخدمة العامة. قيم من أجل لبنان ولكن كيف يمكن، إذن، أن نروي سيرة رجل شبه غير مرئي، رجل أحرق، على غرار صديقه الكبير ورفيق دربه وشريكه في الكثير من المحطات فؤاد بطرس، جميع أرشيفه قبل موته كي لا يترك وراءه أثرًا؟ رجل رفض بإصرار كتابة مذكراته، على رغم الطلبات المتكررة من جهات مختلفة، وبينها كاتب هذه السطور؟ ورجل لم يترك خلفه سوى كتاب واحد، تأملي، حميم، استبطاني، قلق وبديع، هو Ruptures vespérales ، شديد القرب من أجواء أحد أساتذته، إميل سيوران… وقد وقّعه باسم مستعار هو ميشال دوليسكور؟ الجواب: من خلال القيم التي وجّهت عمله السياسي ورافقت مسيرته كلها. فعندما كان يتحدث عن بشارة الخوري وميشال شيحا، كان ميشال الخوري يعبّر عن رفض غريزي لفكرة “التسامح”، التي كان يراها مهينة في جوهرها، ويصرّ بدلًا منها على معنى “المشاركة”، وهي القيمة التي كانت تجمع الرجلين والتي ورثها عنهما. وهذه الفكرة المؤسسة، أي “المشاركة”، تفسر من دون شك تعلق “الأبوين والمرجعين” في حياة ميشال الخوري بفكرة لبنان الكبير، والميثاق الوطني، والعيش معًا. فبالنسبة إلى شيحا، كما كان يشرح الشيخ ميشال، كان النظام الطائفي يفترض في نهاية المطاف أن يقود إلى مواطنة جامعة، لا أن يغرق في عصبية قبلية طائفية. أما بشارة الخوري، فبحسب الشيخ ميشال، كان قد كتب في مخطوط الجزء الرابع من مذكراته، الذي احترق خلال الحرب مع مكتبة القنطاري، أن من ينبغي أن يخلفه في رئاسة الجمهورية هو رئيس الحكومة السني رياض الصلح… بما يشير إلى أن النظام لم يكن يفترض أن يتكلّس، بل أن يتطور، وأن ما كان يهم هو شعور لبناني جامع، لا الانتماءات الموروثة… وظل ميشال الخوري يدافع عن هذه الرؤية حتى النهاية. وهي تفسر أيضًا رفضه، بروح شيحا، لدولة إسرائيل، التي كان يعتبرها نقيض نموذج لبنان الكبير التعددي، والتي رأى أنها لعبت، منذ قيامها عام 1948، دورًا محوريًا في إجهاض مسار الدولة اللبنانية الفتية ونموّها. وخلال زيارة إلى الولايات المتحدة في الستينيات، دخل في سجال علني حاد مع أستاذ جامعي كان يدافع خلال مؤتمر عن أطماع إسرائيل في الدول المجاورة… هذا الرجل سيصبح لاحقًا وزير الخارجية الأميركي بالغ النفوذ في عهد نيكسون. اسمه؟ هنري كيسنجر… وهذه الرؤية نفسها تفسر احتقاره للشعبوية وللانحرافات الطائفية ذات النزعات الفاشية داخل مختلف الجماعات. فعلى رغم تشدده في مسألة الاستقلال وفي رؤيته الخاصة للبنان، وقدرته عند الحاجة على إسكات خصمه بجملة واحدة مصيبة، كان ميشال الخوري قبل كل شيء رجل وساطة واعتدال وحوار، وفيًّا لتعاليم شيحا. وهكذا، عندما حاول الرئيس إلياس سركيس، عبر الشيخ ميشال الذي كان يومها في ولايته الأولى حاكمًا لمصرف لبنان، التوسط مع الفلسطينيين من أجل الحفاظ على استمرارية المؤسسات وعملها، هدده بشير الجميل، الرجل الأقوى يومها في الشارع المسيحي في بيروت الشرقية، بإذلاله علنًا بحجة أنه يخون روح التضامن المسيحي. وبالروح الجمهورية نفسها، عارض ميشال الخوري بحزم كل المغامرات الموازية للدولة والمناقضة لها، من الاحتلال السوري إلى الميليشيات، وقد جعل من جسده يومًا درعًا لحماية مبنى مصرف لبنان وموظفيه عندما حاول مسلحون اقتحامه، وصولًا إلى النفوذ الإيراني الذي يمارس عبر حزب الله. في 6 شباط 1984، بينما كانت انتفاضة أمل تشق الجيش وتعيد العاصمة إلى دوامة العنف، شاهد البلاد تتفكك وقال: “طار الميثاق.” وفي 14 آذار 2005، أعاد العنف بعض الأمل، بعد اغتيال رفيق الحريري. انتهى الاحتلال السوري، ليحل محله، في نظره، نير طهران. وكان الشيخ ميشال، الذي شارك في لقاء قرنة شهوان تحت رعاية صديقه البطريرك نصرالله صفير، وهو بدوره من المؤمنين بفكر شيحا، قد انضم إلى قوى 14 آذار… لكنه وجد هناك الداء نفسه الذي حاربه طوال حياته: صراعات السلطة، والانكفاء الطائفي والهوياتي، ورداءة أصحاب القرار… وهي عوامل قادت في النهاية إلى كابوس انتخاب ميشال عون “التوافقي” رئيسًا للجمهورية، الذي كان يمثّل في نظره خلاصة الشعبوية ورمزًا لنقيض الروح الجمهورية. وكانت روح الاستقلال عند بشارة الخوري، والجمهورية عند ميشال شيحا، والمؤسسات عند فؤاد شهاب، تُداس لمصلحة شخصنة السلطة والديماغوجية والشعبوية، وتقديم الابتزاز وموازين القوى على الديموقراطية والروح المؤسسية. “من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا” في الجوهر، كانت رؤيته للبنان تقوم كلها على تركيب صعب بين الحرية والتعددية والاستقلال. هل كان ناقمًا على النظام اللبناني؟ هل كان حنينه إلى صلاباته الطائفية؟ أبدًا. لم يكن هذا أسلوب الشيخ ميشال. فبالنسبة إليه، وعلى رغم عيوب النظام، كان قد حافظ على خير لا يعوّض: الحرية. الحرية السياسية، والفكرية، والدينية، والاقتصادية، التي من دونها يفقد لبنان، في نظره، حتى مبرر وجوده. وعلى رغم عيوب لبنان الكبير ونواقصه، كانت تعدديته هي الضامن لهذه الحرية. وكان كل مشروع يرمي إلى تفكيكها أو تذويبها، فوالده لم يُعدم أنطون سعادة عبثًا، أو تجزئتها تحت أي ذريعة أو اسم، يشكّل تهديدًا حقيقيًا لذلك التوازن الهش الذي يقف حارسًا للحرية. وكان يقول: “من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا.” لكن هذه الحرية لم تكن قابلة للاستمرار من دون تطور. فمنذ الستينيات، كان الشيخ ميشال يدعو إلى الخروج التدريجي من الطائفية السياسية، وإعطاء الكفاءة الأولوية في الإدارة العامة، وإقرار الزواج المدني، وصولًا إلى علمنة الدولة. ولكن ليس عبر الثورة. كان يقول، في ما معناه: “يمكن تغيير النظام من داخل النظام نفسه.” وكل إصلاح دائم كان يفترض، قبل أي شيء، تغيير الذهنيات عبر التربية والمواطنة. وكان يرى أن لبنان يمتلك شيئًا بالغ القيمة: هذه القدرة تحديدًا على جعل جماعات مختلفة تعيش معًا، وهو ما كان رينيه ماهو يسميه “أسلوبًا حضاريًا”. لكن البلاد خانت هذه الرسالة حين تركت الطائفية تتحول إلى زبائنية وانغلاق هوياتي وأداة للتدخل الخارجي. الميثاق نعم، لكن الإنسان أولًا كان الشيخ ميشال شديد التعلّق بالميثاق، لكنه كان يلوم واضعيه لأنهم تركوه غامضًا، بما أتاح للبنانيين أن يتنازعوا على تفسيره، في حين كانوا يتفقون عمليًا على ألا يعرّفوه تعريفًا واضحًا. لذلك، وقبل اتفاق الطائف، كان يدعو إلى ميثاق جديد يقوم على أهداف جديدة مشتركة بين جميع اللبنانيين، وعلى مواجهة نوع من الاستسلام الجماعي، وخلق فرص تقدم حقيقية للجميع. وكان يقول: “كان الميثاق قاعدة ضرورية عندما وُضع، لكنه يصبح قاعدة سلبية إذا أريد له أن يشكّل أساس بناء أمة. فالقاعدة الإيجابية الضرورية لبناء الدول الحديثة ليست موجودة في الميثاق.” وكان واضحًا لديه أن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في البشر. وكتب عام 1970: “يجب تسريع تنشئة المواطن على المواطنة، لكي يصبح مواطنًا صالحًا، وعندها لن يعود مستحيلًا بناء وطن صالح.” وأضاف: “الحاجة الأساسية هي إنشاء حزب قائم على عقيدة، يجمع مختلف المكونات التي يتكوّن منها لبنان. لو كان مثل هذا الحزب موجودًا اليوم لكنت أول من ينضم إليه. لكنت تحمّلت نصيبي من المسؤولية وأديت واجبي في هذا المجال.” وقال أيضًا: “النظام يحتاج إلى أعمال كبرى: أولًا الإرادة، ثم التربية، ثم الأخلاق (…) وقد تبيّن لي أن التغيير والإصلاح يجب أن يبدآ من المدرسة، ومن البيئة العائلية، ومن التربية.” وفوق كل ذلك، كان يرى أن المواطنة تتطلب أن تتوافر لكل لبناني شروط حياة كريمة تعزز ارتباطه بلبنان وتجعله يشعر بأن له مكانًا حقيقيًا في وطنه. وكان يلاحظ: “لا يستطيع ميثاق 1943 أن يصمد طويلًا إذا كانت إحدى الفئات التي قبلت به محكومة بحياة صعبة. (…) الإنسان لا يتعلق بوطنه إلا إذا وجد فيه الشروط التي تسمح له بأن يعيش بكرامة.” وكان يشدد: “لا يكفي أن يكون لبنان نموذجًا حيًا للتعايش الإسلامي المسيحي، بل يجب أيضًا أن تكون لدى المسيحيين والمسلمين إرادة دائمة وأكيدة في أن يبقوا لبنانيين.” أما حكمه على الطبقة السياسية، فكان منذ السبعينيات بلا رحمة: “نطلب أحيانًا المستحيل ونحن نعرف أنه مستحيل، ثم نواصل المطالبة به. لماذا؟ لأن بعض الناس لا يريدون في الحقيقة أن يفعلوا شيئًا.” حياد لا ينفصل عن العيش معًا وقبل كل شيء، كان الشيخ ميشال يدافع عن تصور خاص للحياد اللبناني. ليس العزلة، بل العكس تمامًا: قدرة لبنان على أن يكون حاضرًا في عوالم عدة في آن واحد، عربيًا من دون أن يُبتلع، منفتحًا على الغرب من دون أن يخضع له، متحدثًا مع الجميع من دون أن يصبح تابعًا لأحد. حياد انفتاح وسيادة. وكان يقول: “لكن من أجل ذلك، يجب على لبنان أن ينتج وأن يعرف ما هو”، والأهم أن يبقى نفسه. وأضاف بعد سنوات: “لبنان خطّ حدود يمرّ في داخل كل لبناني، لكنه في الوقت نفسه خطّ التحام.” وبعبارة أخرى، كانت التعددية والعيش معًا يغنيان الشخصية اللبنانية ويمنحانها تركيبًا معقدًا، يسمح للإنسان بأن يشعر ويفكر مع أبناء الجماعات الأخرى من خلال نموذج من التعاطف، بما قد ينزع فتيل ما سيطلق عليه أمين معلوف لاحقًا اسم “الهويات القاتلة”. وهذا هو، في نظره، جوهر الكينونة اللبنانية. وبعد أكثر من نصف قرن، ما تزال هذه الصيغة المستلهمة من فكر شيحا حول وظيفة لبنان، في عالم يزداد انغلاقًا داخل الهويات، راهنة بصورة لافتة. فالحياد الإيجابي الذي صاغه ميشال الخوري في محاضرة في الندوة اللبنانية في أيار 1961 يشبه إلى حد بعيد ما يبقى هذا المبدأ عليه في 2026: حماية للبنان من حروب الآخرين، بعيدًا من أي نزعة انعزالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور لبناني ناشط في محيطه. دين الوفاء لكن قصة واحدة ربما تكشف أكثر من غيرها أهمية التعاطف والآخر في تصوره للسياسة، بما ينسجم مع النزعة الإنسانية الشاملة التي دافع عنها شيحا. إنها تجربته الصادمة في العراق خلال عهد كميل شمعون، التي لقنته، بطريقة أشد قسوة بكثير، درسًا أساسيًا في أخلاق الحياة. كان قد تناول الغداء لتوه في بغداد مع الملك الشاب فيصل الثاني، وكان ميشال يشرف آنذاك على مشروع إنشائي لحسابه، عندما أطاحت الثورة، في 14 تموز 1958، الملكية الهاشمية في حمام دم. ورأى ميشال الخوري عمال الورشة ينصبون المشانق للعائلة المالكة. وأخبره أحدهم بأن واحدة منها مخصصة له، لأنه “صديق الملك”… أنقذ كبير مهندسي الورشة حياته، واقتاده مسرعًا مباشرة إلى المطار. وعندما عاد إلى بيروت، اكتشف في تلك الليلة أن شعره قد شاب. لم يكن قد شعر بالخوف في اللحظة نفسها، لكن الجسد، من جهته، كان يمسك حسابه الخاص. وبعد سنوات، حين وجد منقذه نفسه في خطر، مسجونًا ومحكومًا بالإعدام في العراق، حرّك الشيخ ميشال علاقاته، ولا سيما عبر فؤاد شهاب، للحصول على العفو عنه وتمكينه من مغادرة البلاد. ونجح في ذلك، ولو إلى حين: فقد اغتيل الرجل لاحقًا بعد عودته إلى العراق. بالنسبة إلى الشيخ ميشال الخوري، دين الوفاء لا يسقط. وكان هذا مبدأ اعتمده في حياته الشخصية وفي سلوكه السياسي على السواء. وبعد ما يقارب نصف قرن، ظل يتحدث عن ذلك الرجل بمزيج مقلق من الامتنان والقلق، متسائلًا إن كان قد وفّاه حقّه، وكان جديرًا بمن أنقذ حياته. نبل الروح إما أن يكون، أو لا يكون. لا يمكن اختراعه. ولعل هذا هو، في النهاية، ما لمح إليه بشارة الخوري عندما وصف ابنه بأنه “أرشيدوق”… رجل النهضة كان ميشال الخوري أيضًا صاحب ثقافة تكاد تثير الدهشة باتساعها وتنوعها. وكانت الأسماء تطفو عفويًا في الحديث من دون أن يخطر له أن يستمد منها مكانة: تشابلن، الذي التقاه في لندن، سيوران، شتوكهاوزن، هيلين كارير دانكوس، إلى جانب عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمفكرين والشخصيات المرموقة في العالم السياسي والديني والاجتماعي والثقافي. كان ينتقل بسهولة من نقاش في الدستور اللبناني إلى الموسيقى المعاصرة، ومن شيحا إلى بول فاليري. وخلال رحلة قمت بها إلى سيت عام 2018، طلب مني أن أزور قبر فاليري باسمه وأن أقف عنده لحظة صمت. فقد كان هو الآخر واحدًا من أساتذته. الشيخ ميشال، الجنتلمان الذي كان دائمًا كامل الأناقة والرقي، لم يكن بحاجة إلى الاستعراض. لم يكن بحاجة إلى أن يبرهن على نفسه. لا جشع، ولا نهم إلى الألقاب أو الاعتراف. أما Ruptures vespérales ، الأثر الحميم الوحيد الذي تركه، فيكشف رجلًا مسكونًا بالوحدة والهوية والزمن، وفوق كل شيء بالغياب. ويعترف فيه: “إنها الخشية، في النهاية، ما يدفعني إلى الكتابة، رهاب الغياب.” وهكذا تصبح كل كلمة يخطها، بمعنى ما، سلاحًا في وجه المحو. وفي هذه المفارقة شيء غريب ومؤثر معًا: ميشال الخوري، الذي كان يخشى الغياب ويقاوم العدم، رفض مع ذلك أن يصنع بنفسه صورته للآتين بعده. أو ربما كان مجرد العيش، وما يتركه الإنسان من أفعال في ذاكرة المقربين منه، هو وحده الأثر الذي كان يكفيه، وهو في نظره أسمى بكثير من زخارف مجد وهمي مسجّل على ورق قابل للفناء… وبالنسبة إلى رجل النهضة هذا، شبه الكوني في فضوله، تحولت الكتابة بذلك إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية. موت لبنان في روحه هل يمكن للإنسان أن يطيل العيش، في الحلو والمرّ، إلى أن يفقد الرغبة فيه؟ عندما بلغ الخامسة والتسعين، كان ميشال الخوري يقول لزواره القلائل: “أصدقائي لم يعودوا في هذا العالم. لقد تجاوزت زمني على الأرض منذ زمن طويل. لكن الموت لا يريدني…” كان إحباطه السياسي عميقًا. فمنذ شبابه، ظل يدين بلا كلل، لا عيوب المؤسسات بقدر ما يدين رداءة الذين يفرغونها من معناها. “كثيرون يتخذون من الخدمة وسيلة لخدمة أنفسهم، وقليلون يخدمون حقًا.” لعل كل خيبته السياسية كانت تختصر في هذه العبارة. وكان زميله القديم في الصف حسن الرفاعي، الذي تقاسم معه المقعد نفسه في الحكمة، سيصل بطريقته إلى التشخيص نفسه قبيل وفاته في أيلول 2025. وكذلك فؤاد بطرس. أما سمير فرنجية، من جيل أصغر، والذي كان يصارع السرطان منذ فترة، فقد اختار، بعد استسلام قوى 14 آذار أمام حزب الله والتسوية التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016، أن ينسحب من كل شيء ويعود إلى منزله ليموت فيه، وقد أثقلته الخيبة والمرارة السياسيتان. كان هؤلاء، ومعهم قلة آخرون، لا ينتمون إلى جيل نجا بأعجوبة من الشعبوية، فقد عرف زمنهم منها الكثير، بل إلى تقليد سياسي آخر: تقليد التحفظ والكفاءة والتفاني في خدمة الدولة، والاقتناع بأن الحوار يبقى أحد العناصر المؤسسة للسياسة. لكن إحباط ميشال الخوري انتهى إلى ملامسة شيء أعمق بكثير من السياسة. في أيلول 2020، في مئوية لبنان الكبير، وبعد شهر من انفجار مرفأ بيروت، قال لي عبر الهاتف: “لم أعد أشعر بأي فخر بالانتماء إلى لبنان. لم أعد أتعرف إليه إطلاقًا. لا أريد أن أُدفن في أرض لبنانية. أريد أن أُوارى الثرى في فرنسا.” وعندما تصدر هذه الكلمات عن رجل كتب أن “لبنان فعل إيمان قبل أن يكون صيغة سياسية”، فإنها تحمل عنف قطيعة حميمة. كانت مأساة فقدان الأرض الأم تضرب من جديد. غادر ميشال الخوري هذا العالم على رؤوس أصابعه. اعتكف خلف أبواب منزله حين لم يعد الجسد قادرًا على الاحتمال، ثم اختفى كما خدم: في صمت كامل. وفي آخر اتصال هاتفي بيننا، كتم نشيجه قبل أن يقول لي: “ميشال، أينما ذهبت، ستكون دائمًا معي، وأنا أعرف أنني سأكون دائمًا معك.” أمضى الشيخ ميشال حياته يمحو آثاره. لكن، فليسامحني، لم ينجح في محو هذا الأثر. ولن ينجح.

السيد الذي أنار الدرب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 18, 2026 - 05:22

خمس سنوات على رحيل السيد محمد حسن الأمين.. ولا يزال فكرُه وإرثُه، كمرجعية شيعية عاملية وكيانية، يتصدران المشهد اليوم أكثر من أي وقت مضى. منذ خمس سنوات، في العاشر من أبريل 2021، فارق العلامة الشيعي محمد حسن الأمين الحياةَ في صيدا، بعد أن ألمّ به كوفيد في الخامسة والسبعين من عمره. كان لبنان يتهاوى منذ أمد بعيد أمام عينيه — واستمر في الانهيار بلا هوادة بعد رحيله. ولعل المنية، الكريمة ربما بسخاء متناقض هذه المرة، قد أتاحت لهذا الرجل الحكيم الوديع — كما فعلت قبله بعقد تقريباً مع صديقه هاني فحص — ألّا يُعذَّب أكثر أمام المشهد المرعب للاحتضار المتواصل لبلاد الأرز، واحتضار الطائفة الشيعية معه. والأرجح أن الفناء حيّته تحيةً أخيرةً رقيقةً إذ اختطفه من هذا العالم قبل أن تبدأ نبوءاته الأشد سواداً في التحقق بهذا القدر من الدقة. وربما يكون الأمر مجرد ذلك العزاء الأخير الذي يتيح لنا الصمود حين تتداعى المعالم الأساسية التي أرست شيئاً فشيئاً رؤيةً سياسيةً كاملةً قوامها الاعتدال والتعايش والسلام. بعد خمس سنوات، تحمل أنقاض البلد بالضبط تلك الخطوط التي رسمها محمد حسن الأمين. وإعادة قراءة نصوصه اليوم تفضي إلى ضرب من الامتنان المتأخر لشجاعة الاستبصار التي اضطر إلى توظيفها في صميم مجتمعه، في مواجهة الحرس البريتوري الذي نصّب نفسه حارساً عليه، وباسم صورة لمجتمعه كان هؤلاء الحراس يعمدون إلى تشويهها بصورة منهجية. رجل النجف وصيدا وُلد عام 1946 في شقراء، في قلب جبل عامل، في كنف أسرة تمتد سلالتها الدينية عبر أجيال متعاقبة — إذ كان المرجع الكبير محسن الأمين، صاحب “أعيان الشيعة”، من بين أجداده —، فغادر في الرابعة عشرة من عمره طرَف العالم ذاك نحو أزقة النجف العلمية، حيث أمضى اثني عشر عاماً مستغرقاً في الفقه والفلسفة والموروث، دون أن يتوقف قط عن قراءة ما لم يقرأه أشداء الحظر في العادة: تاريخ الأديان، والنصوص الكبرى لعصر النهضة الأوروبية، وابن رشد مقروءاً من الهوامش، وجمال الدين الأفغاني منبعاً لتساؤلات لا تنضب. وعاد عام 1972 حاملاً خليطاً دقيقاً من الشك الخلّاق، والقدرة على الفصل بين الإلهي والبشري دون إنكار أحدهما لصالح الآخر، والاقتناع بأن الفقه دون معرفة عميقة بالتاريخ ليس في الواقع سوى امتداد لا نهائي، وتجديد مأساوي للماضي. قاضياً شرعياً في صور ثم في صيدا، وحضوراً فكرياً في مدينة ذات أغلبية سنية يسكنها دون الاحتماء بالعزلة الطائفية، كان محمد حسن الأمين يُحيي “ملتقى الثلاثاء”، تلك الأمسيات الأسبوعية في بيته التي يتلاقى فيها الشعراء والسياسيون، ورجال الدين والعلمانيون، وحيث كان المطران سليم غزال يأتي ليتبارز مع السيد في صداقة لم تكن لتتزعزع لا أمام الانقسامات الطائفية ولا أمام الصدوع السياسية. من صيدا، شيّد محمد حسن الأمين بذلك شخصية فكرية فريدة في المشهد الشيعي اللبناني، تُعلي من شأن الاعتدال والعدالة والحرية وثقافة الحياة في وسط طائفي يزداد فتكاً وشمولية، وترفض التضحية بأيٍّ منها باسم عقيدة أو أيديولوجية أو بلاغة شعبوية زائفة. فقد أدرك الرجل إدراكاً تاماً أن المسألة التي يطرحها لبنان منذ قرون تكمن في هذه الجدلية بعينها: تحرير الدين من السياسة التي تسعى باستمرار إلى مصادرته. مُصلحٌ حتى النخاع، في روح التقليد العاملي اللبناني الذي كان من أبرز مرجعياته، في أثر الإمام محمد مهدي شمس الدين. أما الموجة البنية التي كانت تجتاح محيطه؟ فقد كان محصّناً منها تحصيناً تاماً. مقاوم في مواجهة المقاومة المصادَرة غير أن السيد كان مقاوماً. لم يكن بإمكان أحد أن يطعن في شرعيته على هذا الصعيد. فقد آوى راغب حرب في منزله الصيداوي. وأخفى عبد اللطيف الأمين في خضم السنوات المظلمة من الاحتلال الإسرائيلي. واعتُقل في يوليو 1984 وأُبعد إلى بيروت من قِبَل أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. بيد أنه كان يؤمن إيماناً راسخاً بمبدأ مقاومة وطنية لبنانية كان يميّزها بعناية، ومنذ أمد بعيد، عن المقاومة المسلحة الطائفية. وقد ارتكز هذا التمييز على قناعة بنيوية تستند إلى أنثروبولوجيا ولاهوت، مفادها أن المقاومة لا قيمة حقيقية لها إلا حين يحملها شعب وتنتسب إلى مشروع دولة، بدلاً من أن تُسلَّم لحزب-مليشيا ينتهي دائماً، بعد أن يحتكر الحرب، إلى احتكار السلام والتمثيل والحياة والموت لمن يدّعي الدفاع عنهم. وقد صرّح بذلك دون مواربة في مقابلة أجرتها معه ساندرا نجيم من “لوريان لو جور” في يوليو 2015، حين كان التورط الميليشياوي لحزب الله في سوريا ينكشف نهائياً عن طبيعته الحقيقية من تحت طبقات الخطاب التي كانت تُغطيه: “لا تستطيع المقاومة في لبنان أن تستوفي شروط نجاحها دون وحدة لبنانية، ودون جيش قادر على مواجهة العدو، ودون مؤسسات الدولة التي تشكّل مرجعيةً للشعب اللبناني.” وأضاف بعدها، بصراحة كانت، على لسان سيد شيعي محترم، ضرباً من الشجاعة المثالية: «بتحوّله إلى عماد للنظام السوري، الذي لا يختلف بأي وجه عن سائر الديكتاتوريات القمعية في المنطقة، تنحرف المقاومة عن مسارها تدريجياً.” والممانعة، ذلك المحور المشهور الذي كانت دعاية حزب الله ترفعه شعاراً مقدساً؟ “أين هي بالضبط؟ لا أراها.” كان الرد، في هدوء تام، يُحيل الأسطورة التأسيسية لحزب الله إلى شظايا في ما يخص النضال دفاعاً عن المظلومين. التشخيص واكتماله شكّل اشتراك حزب الله في الحرب السورية دليلاً إضافياً على أن الحزب حوّل الطائفة الشيعية اللبنانية إلى وقود لمشروع كفّ عن أن يكون شيعياً بالمعنى الذي تحمله تقاليد جبل عامل، ليصبح فارسياً في غاياته الإسكاتولوجية ومرتزقاً في آلياته الأرضية. وكان صيف 2006 قد كلّف كثيراً أصلاً، وظل الحكم قابلاً للطعن فيه تجاه “الانتصارات الإلهية” التي أذاعها الحزب. أما العقد السوري فقد كان قد شرع في توقيع البداية الحقيقية للنهاية... قبل أن تأتي صواريخ سبتمبر 2024 ثم صواريخ مارس 2026 لتكتب فصله الأشد وطأةً ومأساوية. كان محمد حسن الأمين يمتلك تلك الموهبة الفريدة في صياغة الحقائق التي يأبى محاوروه سماعها دون أي مرارة، وفي وضع التشخيص على الطاولة دون أن يتلذذ بالجرح الذي يُحدثه. ذلك الحزن الصافي للطبيب الذي يرى المرض يتقدم لأن المريض يرفض العلاج، ويواصل مع ذلك تكرار الوصفة يوماً بعد يوم، وإن علم أن من يصغون إليه يتضاءلون. ذاك كان موقفه الفلسفي، وذاك ما كان يسري في نصوصه. ولاية الفقيه أساساً للشرعية السياسية؟ لقد أمضى حياته كلها يُثبت أن الحكم، في التقليد الإسلامي المفهوم على وجهه الصحيح، ينتمي إلى دائرة الشؤون الإنسانية لا إلى الولاية الإلهية، وأن الدولة تنشأ في رحاب المباحات، وأن خلط الشريعة بهندسة السلطة السياسية إنما يرتكب الخيانة ذاتها التي ارتكبها معاوية في زمانه: سرقة العدل باسم العدل. الديمقراطية نقيضاً للإسلام؟ لقد حرص على إثبات أن الديمقراطية تعمل بوصفها آلية، وأن مبدأ الشورى القرآني لا ينتظر سوى ترجمته إلى مؤسسات، وأن المسلمين فوّتوا قبل أربعة عشر قرناً فرصةً تاريخيةً لاختراع الديمقراطية قبل الأوروبيين. كربلاء في مواجهة عبادة الاستشهاد لم يعد السيد حاضراً ليشهد انتحار الفرقة المسلحة التي دمّرت جبل عامل برمته وأسلمته للعدو، ودفعت دون وجل إلى تهجير سكانه قاطبةً، لأعظم مجد الفقيه. يخرج حزب الله اليوم من رماد انهياره العسكري. غير أنه في أنقاض هذه الكارثة المتصاعدة الدخان، تواصل البلاغة الاستشهادية عملها، كأن ثقل الكارثة عاجز عن كسر الدائرة الشيطانية لأيديولوجيا الموت. تلك الأيديولوجيا التي حاربها الأمين طوال حياته، باسم كرامة الحياة السامية، مقتنعاً بأن التشيع، كما تصوّره منذ قراءاته في النجف حتى محاضراته الأخيرة في صيدا، يطرح نفسه قبل كل شيء بوصفه مشروع تحرر إنساني، قبل أن يُوظَّف برنامجاً للتضحية الشعائرية في خدمة الطموحات الإمبريالية لطهران. عبادة الموت البنيوية تلك، التي تحوّل الهزيمة نصراً روحياً والدمار تضحيةً تأسيسية، تحتل القلب اللاهوتي لمنطق حزب الله، دون أن يمتلك أحد داخل المنظومة الأدوات المفاهيمية للخروج منها. ذاك ما أدركه الأمين في قراءته الجديدة لكربلاء بوصفها نداءً إلى عدم تحمل الظلم أبداً، ورفض الخضوع للطاغية، والتمييز بين الشهادة والسعي القسري إلى الاستشهاد المُتَّخَذِ غايةً في ذاتها. ففي محاضراته عامَي 1992 و1993 في طيردبا، كان يقلب شعار “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء” ضد القراءة السائدة التي كانت المليشيا ومادحوها يروّجون لها. فهذا الشعار، كما كان يشرح، يعني أن النضال من أجل العدالة يُطرح في كل عصر وفي كل مكان، وأن الوفاء الحق للإمام الحسين هو بناء العالم الذي كان يطمح إليه. ومن ثم، فإن تكرار مشهد استشهاده إلى ما لا نهاية يخون بالضبط ما أراد تبليغه. لكن كيف يمكن إقناع جمهور رُضع منذ مهده الفكرةَ الثابتة المخدِّرة بأن الحياة الحقيقية تمر بالاستشهاد؟ الإرث والبوصلة ما يجعل فكر الأمين لا يُعوَّض في لبنان اليوم يكمن في جودة البديل الذي طرحه والذي لا يزال قيد البناء. تشيع محرَّر من وصاية جهاز عسكري صادر قرار الحرب والسلم عن مجتمع بأكمله دون أن يستأذنه قط، وفرض مصيره على طائفة بتأسيس هيمنة بالسلاح في خدمة مشروع غريب عنها. إن إرث محمد حسن الأمين، أكثر من أي وقت مضى، هو إرث هوية شيعية لبنانية مضيئة متألقة، أولويتها لبنان وتراث جبل عامل، يُعادان قراءتهما بعيداً عن العبودية السياسية التي تفرضها عليهما ولاية الفقيه منذ 1979. رؤية للدولة بوصفها مشروعاً مشتركاً للعدالة والحرية، يتخطى الانتماءات الطائفية ويحتضن التعددية اللبنانية في بنية مدنية قائمة على القانون والديمقراطية، بعيداً عن السلاح وتجارة المخدرات والممارسات المفيستوفيلية الموروثة عن الحشاشين. هذه الرؤية اللبنانية بناها محمد حسن الأمين، رجل الدين والفيلسوف والكاتب والشاعر، في الممارسة اليومية لرجل بسيط زاهد دافئ، كان يسكن مدينةً ذات أغلبية سنية، ويجلس في مجالس وطنية جامعة، ويستقبل بذراعين مفتوحتين، في روح التعايش التي ميّزت لبنان الكبير، رجال دين موارنة ومثقفين علمانيين، ويقرأ محمد أركون باهتمام يعادل اهتمامه بالشهيد الصدر، رافضاً أن تملي عليه مكانته وقناعاته الدينية طبيعة علاقته بمواطنيه. القرب، والاشتباك وجهاً لوجه مع الآخر، والاقتناع بأن الإسلام يُشكّل تراث الحضارة الإنسانية بمفهومها الأشمل... كل ذلك جعل منه ضرباً من الفقيه المثقف، من المجتهد الإنساني، الذي لم تُعِق تقاليده العميقة قط حرية تفكيره وكونَه مع الآخرين ومن أجلهم. “شيعة العقل والضمير”. تلك هي الطريق التي يقترحها محمد حسن الأمين، في ركب أسلافه المشهود لهم بالفضل من جبل عامل، على الشيعة اللبنانيين. إنه مشروع للمستقبل. للطائفة الشيعية، كما هو الحال أيضاً لجميع الطوائف اللبنانية، الحائرة اليوم، المبتلاة بأعنف التشنجات الهوياتية، كما يحدث دائماً في أوقات الأزمات. كأصدقائه محمد مهدي شمس الدين وهاني فحص ونصير الأسعد ومحمد حسين شمس الدين وسواهم الكثيرون، فإن إرث محمد حسن الأمين يذكّرنا بأن البوصلة هي دولة لبنان الكبير وطناً نهائياً لجميع أبنائه، سيداً حراً مستقلاً متعدداً. في صمت الأبدية، لا يزال ينتظر — الآن أكثر من أي وقت مضى — أن يُسمَع.

محمد حسين شمس الدين، ذلك الجندي المجهول
بقلم
فارس سعيد
نُشر
أبريل 9, 2026 - 13:22

ما يحملني على كتابة هذه الكلمات اليوم ليس الأخلاقَ ولا الصداقةَ ولا المجاملة، بل الاحترامُ العميق الذي أكنّه لرجلٍ أعطى لبنانَ الكثير، وظلّ جندياً مجهولاً. هذا الرجل هو محمد حسين شمس الدين. فكّر وصاغ، بين عامَي 1992 و2026، معظمَ الأدب السياسي الذي شكّل حجرَ الزاوية لرواية السيادة والاستقلال في هذا البلد. كان يرى أن السيادةَ والاستقلالَ لا ينفصلان عن الوحدة الوطنية، إذ لا قيامَ لهما إلا بها. فمتى تصدّعت هذه الوحدة، أياً كانت الأسباب، كان انهيارُ الاستقلال والسيادة أمراً محتوماً. كان يقول إن غالبية اللبنانيين، طوائفَ وأحزاباً، لجأوا إلى وسيلةٍ لتصفية حساباتهم مع سائر الطوائف والأحزاب: التحالفُ مع قوةٍ إقليمية أو أجنبية يُسلّمونها جزءاً من سيادة البلاد، مقابل قوة مساندةٍ يستخدمونها في الداخل ضد الآخر المختلف. كان يرى أن الاستقلالَ والسيادةَ لا يتجزآن، وأن لا مكسبَ يصحّ بناؤه على حساب الشراكة مع الطوائف الأخرى، مختلفةً كانت أم لا. كان شمس الدين جندياً مجهولاً لأن فضل صياغة أدبيات المؤتمر الدائم للحوار، على سبيل المثال، ذهب إلى سواه. وكذلك ذهب فضل صياغة أدبيات قرنة شهوان والرابع عشر من آذار والأمانة العامة، والبيانات السياسية المُعدَّة كل عام، والرسائل الموجَّهة إلى الخارج ومراكز القرار العربية وما إلى ذلك. كلُّ ذلك الإرث الوطني والسياسي لم يكن في الحقيقة إلا وليدَ فكر محمد حسين شمس الدين. حوله كنا نتجمّع في الأمانة العامة، والسيجارة بين الأصابع، ونهرٌ من القهوة تسكبه أنطوانيت. حول هذا الحكيم الشديد التواضع، الذي لم يسعَ يوماً، خلافاً لكثيرٍ من السياسيين والمفكرين، إلى المجاهرة بما كان يعلم على حساب الآخر. بل كان يُعلّم في هدوء الحكماء وسكينتهم. والجميع، الجميع، كانوا يُنصتون، يجدون فيه معيناً للطيبة والشجاعة وسداد الرأي والذكاء، وفوق ذلك كله إدراكاً عميقاً لتعقيدات المجتمع اللبناني. محمد، ستظلّ حاضراً في وجداني دائماً، كما ظلّ سمير فرنجية أو نصير الأسعد، أستاذاً علّمني أن أبقى متواضعاً، وأن أُمعن في القراءة، وأن أرى لبنانَ وأعرفه بطريقةٍ مغايرة. لبنان، كما كنتَ تردّد دائماً، لا يقوم على توازن القوى، بل على قوة التوازن. عسى أن يُسمع صوتُك، لا سيما في هذه اللحظات المروّعة التي نعيشها، وعسى أن تكون كلماتك وفكرك الركيزةَ الفلسفية للبنان الغد.

محمد حسين شمس الدين، فكرٌ شيعيٌّ خلف 14 آذار
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 9, 2026 - 11:55

أربعون يوماً مضت على رحيل محمد حسين شمس الدين؛ ذاك العقل الفذّ، والديمقراطي الشيعي، وفيلسوف العيش المشترك الذي نذر نفسه لصون كيان لبنان الكبير. لا يبتغي هذا المقال أن يكون مجرد رثاء، بل هو شهادةٌ أمينة تجسّد جوهر هذا الرجل الذي آثر التواضع والسكينة بعيداً عن صخب الأضواء، وتستعرض الأثر البليغ الذي تركه في وجدان النقاش العام. إنه رجلٌ هادئ، نحيل، قليل الكلام. يصل كلَّ يوم في مطلع العصر إلى الأمانة العامة لـ14 آذار، فيجلس في هدوء ويُقبل على تأمّلاته وقراءاته وكتاباته. لا شكّ أن مبادرةً جديدة تتشكّل، يُعِدّها مع رفيقَي دربه سمير فرنجية وفارس سعيد. الأفكار التي يُسطّرها فرنجية على الورق، بالفرنسية أو العربية، تمرّ بين يدَي شمس الدين، فيتأمّلها ويُبادله الرأي ويُضيف تعليقاته وملاحظاته. التوافق الفكري والسياسي بين الرجلين، العميق في إنسانيته، توافقٌ تامّ، والحصيلة دائماً جوهرية، تحملها رؤية فلسفية إنسانية عميقة للعيش المشترك. يرتدي بدلةً رمادية فاتحة وقميصاً، في زهدٍ دائم، وله شاربٌ وملامح غاليّة، يُدخّن سيجارةً تلو سيجارة، ويشرب فنجان قهوة بعد فنجان قهوة. يوحي بأنه شاعرٌ من مطلع القرن التاسع عشر، تشرّب روح المثقّف اليساري من مطلع القرن العشرين. بيسوا لو التقى بتروتسكي في مقهى من مقاهي شارع الحمراء في السبعينيّات. ثم يبدأ مرتادو الأمانة العامة في الوصول، الواحد تلو الآخر. يبقى الرجل هادئاً. جسدٌ نحيل. لا يكاد يتحرك. غير أن الرأس يعمل كمحرّك رصين في هدوءٍ وطمأنينة، يكاد يحيا حياةً مستقلة. تتعاقب النقاشات العميقة، يُكيّفها وفق المستوى الثقافي والفكري لمحاوريه. فهو ليس مفكّراً وحسب، بل تربويٌّ ومُعلّم. ويقترب منه الناس كما يقتربون من حكيم، من درويد قادم من زمنٍ آخر. وليس ذلك مجرّد انطباع أو طاقة يُشعّها. الرجل بئرٌ حقيقيٌّ من المعرفة والحكمة. والأهم أنه ليس في حاجةٍ إلى التباهي بها أو استعراض معارفه أو ملء الفراغ بثرثرة لا طائل منها. إنه دقيقٌ متيقّظٌ موجز، ويسمح لنفسه أحياناً بلمعةٍ من الفكاهة الساخرة حين يضيق بخطاب هذا القائد أو موقفه أو سلوكه السياسي. جنون العظمة والشعبوية والحكم العبثي للزعيم التاريخي الملهَم؟ كلّ ذلك يُزعجه حتى القلق الحقيقي. يرتفع صوته قليلاً، لا أكثر. الجنتلمان البريطاني فيه يتغلّب دائماً، حتى في الثورة. محمد حسين شمس الدين والسيد هاني فحص، صوتان من أصوات الاعتدال الشيعي. على الرغم من مناخ الكراهية البالغة الحدّ — الكفاح ضد الاغتيالات واستعراضات القوة وأعمال العنف التي يرتكبها حزب الله — يرفض الرجل الاختيار السهل، اختيار الغرائز والنوازع. يحافظ على برودة رأسه التامة. وإيمانه بالعيش المشترك نابعٌ من صميم كيانه. يؤمن به إيماناً راسخاً: لبنان الكبير، أرض الأرز بوصفها “نمطاً حضارياً” و”من أقل المجتمعات لاإنسانيةً في العالم” — هاتان العبارتان لرينيه ماهو وجورج نقاش يرددهما دائماً، كما يفعل فرنجية. “فلسفة الميثاق وروح التوافق هما جوهر لبنان ذاته”، يُعلن لكل من يريد الاستماع. هذا الرجل، الذي يدين له، إلى جانب سمير فرنجية تحديداً، معظمُ وثائق ومبادرات 14 آذار منذ لقاء قرنة شهوان، يُدعى محمد حسين شمس الدين. إنه شيعيٌّ من عربصاليم في جنوب لبنان. يسكن الضاحية الجنوبية ولا ينوي مغادرتها، مهما كانت الضغوط والتهديدات. لا يخشى حزب الله، كما لا يخشى أحداً سواه. وبحق: فشمس الدين مقاومٌ من الساعة الأولى. تخرّج من صفوف فتح، التي أسّس في إطارها، مع آخرين، المنظمة الشعبية اللبنانية في جنوب لبنان، ثم طوى صفحة الحرب بعد انتهائها، ساعياً دون توقف نحو مصالحة وطنية تُفضي إلى إنهاء الاحتلال السوري، من دون إغفال، بطبيعة الحال، الدور الشيطاني الذي تضطلع به إسرائيل في إذكاء النزاعات الطائفية في المنطقة. أحد المبادئ الجوهرية في قانونه الشخصي هو التماسك الأخلاقي والفكري. المؤتمر الدائم للحوار تحت إشراف الإمام محمد مهدي شمس الدين، أحد مُريديه، والبطريرك نصرالله صفير، يؤسّس محمد حسين شمس الدين، مع هاني فحص وسمير فرنجية ونصير الأسعد وسعود المولى وفارس سعيد، المؤتمرَ الدائم للحوار اللبناني عام 1993. مبادرةٌ ملموسة وواضحة، مستوحاةٌ بصورة غير مباشرة من فكر رينيه جيرار وكتابه “الأشياء المخفية منذ تأسيس العالم”. هدفها جمع أشخاص قادمين من خنادق متقابلة حول طاولة واحدة للتفكير في الحرب، وهو ما يحدث فوراً. في البداية، وهم لا يعرفون بعضهم، تكون التبادلات متوترة. لا بد من التوسّط و”الترجمة” حين يتكلم كلٌّ منهم، إذ دمّرت الحرب وحواجزها المادية والمعنوية أيَّ لغةٍ أو معجم أو مقاربات مشتركة للمفاهيم. لكن الحواجز تتهاوى تدريجياً، ويبدأ تبلورُ روح مشتركة توافقية لبنانية. مع آن وسمير فرنجية و شوقي داغر، في حفل منح فرنجية وسام جوقة الشرف في ١٠ أكتوبر ٢٠١٦. تطرح الوثيقة التأسيسية للمؤتمر، التي صِيغت في العام ذاته، من البداية السؤالَ الذي لم يجرؤ أحدٌ، منذ توقف القتال، على طرحه مباشرةً: كيف نبني دولةً موحّدة دون أن نُجيب أولاً على السؤال الجوهري — من نحن وماذا نريد؟ إذ إن المشكلة اللبنانية ليست مؤسسية بالدرجة الأولى. إنها مشكلة هوية، وبالتالي فلسفة. الهوية اللبنانية هوية مركّبة، مُؤلَّفة من انتماءات متعددة — عائلية ولغوية وثقافية ودينية وإقليمية — لا تتراكب ولا تتلاشى تباعاً، بل تندمج في مسيرة دائمة، لم تكتمل ولن تكتمل. اختزالها في انتماءٍ وحيد، وطني أو طائفي، هو فتحٌ للطريق أمام العنف. من ثمّ، فإن الدولة اللبنانية، بعيداً عن كونها دولةً عادية، مدعوّةٌ لحكم ليس الأفراد وحدهم، بل الجماعات والثقافات والمناطق والحساسيات — وأيّ آليةٍ تدّعي تبسيط هذا التعقيد، في اتجاهٍ أو آخر، تنتهي بسحقه. في هذا السياق، جاء البيان التأسيسي للتفاهم على أسس الأمة اللبنانية، الذي نُشر في أيار 1999 في جريدة “النهار” ووقّعه نحو ثلاثين مثقفاً وسياسياً وأكاديمياً من مختلف الطوائف، ليُترجم منهجَ المؤتمر على الملأ. ما يُعيد البيانُ الاعتبارَ إليه هو “الحلم اللبناني” الذي عجز اللبنانيون عن الحفاظ عليه: ذلك “النمط الحضاري” القائم على التعايش الإسلامي-المسيحي، وثقافة التوافق المُرتقية إلى مرتبة فنٍّ في العيش، والانفتاح على العالم دون الذوبان فيه — مساهمةٌ أصيلة، يؤكد النص، في الحضارة الإنسانية، لم يُدرك اللبنانيون قيمتها إلا حين فقدوها. إحدى أولى المبادرات الملموسة للمؤتمر لقاءٌ حول ما كان يُسمّى آنذاك الإحباط الطائفي في مرحلة ما بعد الحرب، بمشاركة البطريرك صفير والإمام شمس الدين. يُدعى حزب الله أيضاً إلى الحوار في إطار الديناميكية ذاتها، من خلال لجنة أسّسها طارق متري عام 2001، تضم كذلك حركة أمل والجماعة الإسلامية. لكنها تنهار عام 2005 مع الانسحاب السوري والاستقطاب بين 14 آذار و8 آذار. تتّسع رقعة منطق المؤتمر وتتوسّع، وبنوع من العدوى الإيجابية تكسر القيود الطائفية التي أتاحت لأسد تقسيم اللبنانيين ومنعهم من صياغة وحدةٍ تضمن السيادة. يتشكّل لقاء قرنة شهوان الذي يجمع القوى المسيحية الرئيسية، ثم المنتدى الديمقراطي الجامع لليسار وقرنة شهوان، ثم اليسار الديمقراطي الذي يضمّ قوى اليسار السيادية المنشقّة عن حزب شيوعي مُسيَّر بإفراط لصالح سوريا. يُوسّع وليد جنبلاط هو الآخر كتلته النيابية لتشمل ممثلين عن بعض التيارات السياسية المسيحية السيادية. يتقاطع كلُّ شيء نحو لقاء البريستول الذي يرعاه في الخفاء رفيق الحريري. مصيرُ النظام السوري في لبنان قد حُسم. فلسفة شمس الدين على هذا المنوال، يردّد شمس الدين للجميع دون ملل لازمةً ثابتة: مشكلات كل طائفة في لبنان ليست مشكلاتها الخاصة بالمعنى الضيّق. إنها مشكلات اللبنانيين جميعاً. وبالتالي، لا حلول جزئية أو إقليمية أو طائفية لمشكلات لبنان، وليست هناك سوى حلول وطنية شاملة عابرة للطوائف. في نظره، لم يكن الإحباط الشهير في مرحلة ما بعد الحرب مشكلةً يمكن لطائفةٍ أن تحلّها بمفردها. لم يكن بالإمكان معالجتها إلا ضمن منطق عابر للطوائف وبالتالي وطني، يضمن السيادة وتوازناً وطنياً مبنياً على العيش المشترك والعدالة والحرية. لم يكن لقاء قرنة شهوان، بهذا المعنى، مُرشَّحاً لأن يصبح “الجبهة اللبنانية” مسيحيةً جديدة، بل ما أصبح لاحقاً: ديناميكيةً مركّبة ومعارضةً تعددية. كما لا يرى أن ثمة حلّاً شيعياً صرفاً لمشكلة حزب الله، إذ حلّها لبنانيٌّ، يمرّ بجهودٍ متقاطعة قادرة على إعادة تأسيس الدولة واحتكارها للقوة. في هذا الإطار، لن يتوقف عن سرد المثل العربي الحكيم، ليُعاتب قيادة 14 آذار التي تُتيح للأقدام أن تدوسها، مُنهَكةً بخلافاتها الداخلية وصراعاتها على النفوذ، أو بمنطق التسويات الرخيصة والرديئة والمتخاذلة، المثلُ الذي يُجسّد في نظره عقدة 14 آذار بالكامل: “رجلٌ مقتنعٌ بأنه حبّة قمح. مرعوبٌ من أن تأكله دجاجة، يُودَع في مستشفى للأمراض النفسية. وبعد أشهر من العلاج، ينجح الأطباء في إقناعه بأنه إنسانٌ لا حبّة قمح. في يوم خروجه، ما إن يتجاوز بوابة المستشفى حتى يرى دجاجةً فيتراجع إلى الداخل مرتعشاً من الخوف. يسأله طبيبه: — أما تعلم الآن أنك لستَ حبّة قمح؟ يجيب الرجل: — بالطبع أعلم! لكن هل تعلم الدجاجة ذلك؟” “القاعدة الذهبية” لماذا هذه اللبنانوية القائمة على العيش المشترك، المحترمة للطوائف وخصوصياتها، وللعدالة والإنصاف والمواطنة في آنٍ واحد؟ بالنسبة إلى شمس الدين، “القاعدة الذهبية” للبنان هي جملةٌ قالها حميد فرنجية في الخمسينيّات موجّهاً إياها إلى شارل مالك، وزير الخارجية آنذاك، عشية انضمامه إلى حلف بغداد: “إذا اتفق اللبنانيون على شيءٍ سيئ، يصبح مصدرَ خيرٍ فوراً؛ وإذا اختلفوا على شيءٍ حسن، يصبح عاملَ شرّ.» بمعنى آخر، التوافق هو أساس الصيغة اللبنانية، ولا يمكن أن توجد حقيقة مطلقة في لبنان. «هذه هي القاعدة الذهبية في لبنان، التي ولدت منها صيغة 1943. للأسف، منذ الطائف، لا تفقه الطبقة السياسية شيئاً من هذه القاعدة ولا تؤمن بها.” في حفل توقيع كتابه "زمان سمير فرنجية”، في ٢٨ مايو ٢٠١٩. هذا الإيمان ذاته هو ما يحمله في عام 2004 على أخذ الكلام في مؤتمرٍ في سيدة الجبل لتصحيح، بدقةٍ تكاد تكون جراحية، قراءاتٍ خاطئة ترتكبها الطبقة السياسية اللبنانية منذ نهاية الحرب. ثلاثة أخطاء، يقول، تلخّص العمى الجماعي: الاعتقاد بوجود منتصرٍ ومهزوم، والاعتقاد بأن المهزومين هُزموا على يد الخصم، والجهل بأن الهزيمة هي في المقام الأول هزيمة اللبنانيين لأنفسهم بسبب تفرّقهم. ويُضيف رابعاً، ربما الأشد خطورة: استمداد القوة من الخارج، كأن السيادة يمكن أن تُبنى على التبعية. الجوهري، يقطع، ليس أن يجلس مسيحيون ومسلمون جنباً إلى جنب في القاعة ذاتها. الجوهري كامنٌ في العمق، في فلسفة الميثاق — في ضرورة تبديد الضباب، وتذكير الجميع بأن التوافق ليس أسلوباً من أساليب الحلول الجزئية، بل الشرط الوجودي للبنان ذاته. في نظر شمس الدين، لا يمكن للدولة اللبنانية أن تكون دولةً عادية تحكمها آليات عادية. الدولة البسيطة هي حتماً دولة اختزالية، والدولة الاختزالية هي بتعريفها دولة شمولية؛ عاجزة عن الانسجام مع مجتمعٍ بالغ التعقيد كالمجتمع اللبناني، تنتهي إلى محاولة إعادة تشكيله وفق هواها، “تبسيطه”. التحدي الحقيقي هو العكس: تكييف الدولة مع احتياجات مجتمعها، لا تكييف المجتمع مع متطلبات دولةٍ مُفصَّلة بشكلٍ خاطئ. لذا لن يتوقف عن العمل، مع مطلع الألفية الثالثة، على ترميم هذه الروابط، مبادرةً بعد مبادرة، ولا سيما نداء بيروت عام 2004 الذي استجلب سخطَ الجهاز الأمني اللبناني-السوري، مع سمير فرنجية وفارس سعيد وسعود المولى. وإليه تعود مساهمةٌ جوهرية في الوثائق التأسيسية الكبرى لـ14 آذار، من بينها تلك التي صدرت في ختام المؤتمر السنوي للحركة لتُعرّف “ثقافة السلام والتواصل في مواجهة ثقافة العنف والإقصاء”، رسماً لخطّ فاصل عابرٍ للطوائف في الصراع الإقليمي الجاري. على الصعيد الشيعي الصرف، وانطلاقاً مما تقدّم جميعه، لا ينبغي الاستغراب أن الرجل كان مؤيداً متحمساً لـ«ولاية الأمة» التي طوّرها الإمام شمس الدين ولتعدد المرجعيات، ومعارضاً من الصميم لـ”ولاية الفقيه” الإيرانية وللاستبداد الخميني. في نظر محمد حسين شمس الدين، مشروع الدولة هو الضمان الوحيد الناجع لجميع اللبنانيين، شيعةً ضمنهم، على بعد سنوات ضوء من أوهام التفوّق التي ترعاها هذه القوة الأجنبية أو تلك. فقدان “الروح التوأم” بعد الانتحار السياسي لـ14 آذار وانتصار حزب الله سياسياً ووصول مرشّح الحزب الموالي لإيران ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، انسحب الرفيق الوفي لمحمد حسين شمس الدين، سمير فرنجية — توأمه السياسي والفكري الحقيقي، الرجل الذي دأب دائماً على العمل معه في ثنائية وتناغم وتزامن تامّين — مريضاً مرضاً شديداً ومُنهَكاً بتخبطات القادة السياسيين السياديين وتسليماتهم، انسحب من المشهد ليخبو هادئاً. كان ذلك تمزّقاً سياسياً، انشطاراً نظيفاً لشيءٍ كان كلّاً واحداً. عمد شمس الدين، الذي لا يتزعزع وفاؤه، في العام التالي إلى تأليف سيرة صديقه، زمن سمير فرنجية ، كلُّ صفحة فيها شهادةُ صداقةٍ وامتنان، دون مبالغة أو تفخيم من أي نوع. مجرد التزامٍ مدني وحضاري بلبنان الكبير وثقافة التواصل والعيش المشترك والسلام. ليُكرّم ذكرى سمير، انسحب شمس الدين كلياً من المشهد. لكنه لم يكن بحاجةٍ إلى وضع نفسه في دائرة الضوء — تواضعه يكفيه ذلك. ومن خلال سمير، كان يتحدث عن نفسه، عن ذلك النَّفَس اللبناني ذاته، نَفَس العيش المشترك. رحل محمد حسين شمس الدين كما عاش، في صمتٍ تامّ وتواضعٍ مطلق، في ليلة الأول من آذار إلى الثاني منه، في الساعة التي أطلق فيها حزب الله حربه انتقاماً لخامنئي. والبلاد كلّها في الاضطراب، مرّ رحيله شبه مجهول. وأصلاً، قلةٌ من اللبنانيين، خارج دوائر أصدقاء سمير فرنجية والأمانة العامة السابقة لـ14 آذار، عرفوه أو سمعوا عنه — وهذا بالضبط ما أراده دائماً. بيد أن التاريخ سيُسجّل أن معظم الأدب السياسي القائم على العيش المشترك والوحدة الوطنية لـ14 آذار، في مواجهة كل الأوصياء والمحتلين والقبائح شبه السياسية الأخرى، يعود في معظمه إليه، ديمقراطياً شيعياً نزيهاً شجاعاً واضح الرؤية. مسيرتُه وإرثه يُشكّلان في حدّ ذاتيهما شهادةً على أن لبنان الكبير، المُحرَّر من شياطينه، المُؤهَّل دولةً حقيقية، المُصالِح مع نفسه، هو حقاً «نمطٌ حضاري» يستحق أن يحيا.

سَلْمى مِرشاق… المقاومةُ بالأنوار
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 24, 2026 - 14:18

كان ذلك في الرابع من شباط/فبراير 2021، في صباحٍ شتويٍّ ثقيلٍ كأنّه يجرّ خلفه تعب قرنٍ كامل. عُثر على جثمان لقمان سليم، المثال الأوضح للمثقف الملتزم في زمن الرداءة، داخل سيارته، مثقلاً بالرصاص. مسمارٌ آخر يُدقّ في نعش لبنانٍ نخره العفن حتى العظم، تحت وطأة غطرسةٍ إجراميةٍ يمارسها حزب الله بلا رادع ولا حياء. لم يكن خطف لقمان في اليوم السابق ثم اغتياله حدثاً معزولاً أو شاذاً عن السياق؛ فمنذ أكثر من نصف قرن، كلّ من يجرؤ في لبنان على مساءلة النظام التوتاليتاري القائم يصبح هدفاً مشروعاً للتصفية. والمثقفون، على وجه الخصوص، هم الحلقة الأكثر عُرضةً للاستهداف، لأن اختفاءهم لا يستنفر عصبيةً وطنية ولا يوقظ حميةً طائفية ولا يستدعي ولاءً عشائرياً؛ فهم لا يقودون جموعاً ولا يتكئون على قطعانٍ تهتف باسمهم، ولذلك يُستباحون بسهولة، لا لأنهم أضعف، بل لأنهم أعلى من منطق الحشد والغوغاء. وكان لقمان، منذ أعوام، يجمع في شخصه كلّ ما يزعج قتلة الحزب الموالي لإيران. من قلب الضاحية الجنوبية، التي أصرّ على البقاء فيها رافضاً مغادرتها، كان يتحدّى سطوة حزب الله بالكلمة وبقلمٍ يمسكه كما يمسك المبارز نصلَه الرفيع. وبرغم التهديدات المتكررة التي تلقاها، كسر جدار الصمت حول انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020، مشيراً بوضوح إلى مسؤولية الحزب والنظام السوري في الجريمة، في وقتٍ كانت الرواية الرسمية، المروّجة بلا كلل، تختزل الكارثة في “إهمالٍ مافيويّ”. ودفع حياته ثمناً لذلك. وسط هذه المأساة، اكتشف معظم اللبنانيين سلمى مرشَق، كما لو أنّها خرجت من “الطرواديات” لأوربيديس، هكوبةً معاصرة، تعلن، بلا نزعة انتقام، وباحتشامٍ مهيبٍ نادر، أنّ موت الابن لا يُقاس بمقياسٍ بشري. في ذلك اليوم، انكسر نظام العالم واستمراريته في قلب أمّه، كما ينكسر الزمن حين يفقد منطقه. “هناك آلامٌ لا تبكي”، كتب فيكتور هوغو بعد غرق ابنته ليوبولدين. لكن سلمى مرشَق، بمزيجها الآسر من الإنجليزية والعربية المصرية، وبحكمتها الهادئة الصلبة التي يعرفها أصحاب المقامات الرفيعة، أولئك الذين لا يخشون النظر إلى الموت في عينيه، حوّلت الألم إلى مقاومة فكرية. مثلما كانت الأم، كان الابن. قلّ أن حُمِل فقدُ ابن — وليس أيّ ابن — بمثل هذا الحياء وهذه الكرامة. في مواجهة الهمجية العمياء، واجهت القتلة بثقافة حياة، وارتقت بضياء غناها الداخلي فوق هوّة اللامسمّى. أمٌّ وقدوة لم تُختزل سلمى في صورة “الأمّ المكلومة”، ولم تكن مجرّد “ماتَر دولوروزا” أيقونية تجرّها الأحداث إلى الضوء. لقد كانت، لأبنائها، مدرسةً أخلاقيةً ومعرفية، وسيطةً بين ضفتين، حارسةً لاستمراريةٍ مشرقيّةٍ دقيقة بين مصر ولبنان، شاهدةً على وطنٍ ظلّ، حتى في القاع، يتكلّم لغة الثقافة والحرية والرابطة الإنسانية. وُلدت في مصر، لأبٍ سوريّ الأصل من النبك في القلمون، وأمٍّ لبنانية من جون في الشوف، ونشأت بين انتماءين متكاملين. درست الصحافة في الجامعة الأميركية في القاهرة، حيث تأثرت بوجهٍ خاص بالأديب والصحافي والمترجم وديع فلسطين، المثقف العصامي الذي ذاق السجن في عهد عبد الناصر، وكان امتداداً حيّاً للفكر النهضوي. هناك، على الأرجح، تشرّبت فيروس الحرية وولع الثقافة. وفي زيارةٍ صيفية إلى لبنان، تعرّفت إلى محسن سليم، المحامي الجزائي اللامع، المناضل في صفوف الكتلة الوطنية إلى جانب ريمون إدّه، المعارض للناصرية والمدافع الشرس عن الدستور والحريات. رجلٌ لا يساوم، لا يساكن الطائفية، ولا يساير الإقطاع السياسي. ومن هذا الاتحاد، وُلد هادي ورشا ولقمان، ثلاثة أبناءٍ مشبعين بثقافة العدالة والتمرّد الأخلاقي. التفكير كي لا نموت بينما كان محسن سليم يخوض معاركه في المحاكم وفي البرلمان، مدافعاً عن كامل مروّة في وجه طُغْيَان عبد الحميد غالب، ومؤازراً جميل دعبول وفاروق الممقدّم، وخائضاً سجالاتٍ ملحمية مع سليم اللوزي، ومقاوماً الشهابية في جبيل وبيروت، كانت سلمى تنسج مسارها الخاص: مسار العالمة. في عام 1973، انصرفت إلى دراسة هجرة “الشوام” إلى مصر، تلك الدياسبورا المشرقية التي غذّت الصحافة والفكر والحداثة العربية بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. واهتمّت بشخصياتٍ كنيقولا حداد وإبراهيم المصري، رمزين للعلاقة الخصبة بين مصر وبلاد الشام، ولقدرة المثقف الشامي على بناء الجسور بين اللغات والمجتمعات. كانت تدرك أنّ الزمن يميل إلى ابتلاع المعاني، وأنّ الإرث النهضوي لا يُحفظ إلا بالعمل الدؤوب ضدّ النسيان، رغم “الشقاء العربي” الذي وصفه سمير قصير بدقّة جارحة. وليس صدفةً أن يؤسس لقمان لاحقاً مركز “أمم للتوثيق والأبحاث”، موثّقاً ذاكرة الحرب الأهلية، وكاشفاً فظائع السجون السورية. كلّ عمل سلمى، في هذا المعنى، كان مقاومةً للموت بالفكر. لكن الموت، الكامن في الظلّ، كان يترصّد، كأنّه يسعى إلى معاقبتها على هذا “التجديف” ضدّ العدم. الأنوار وليل حارة حريك كتب مكرم رباح أنّ في “البيت” بعداً رمزياً عميقاً في التجربة اللبنانية. وعند سلمى، لم يكن البيت ملجأً خاصاً، بل كان، في زمن انهيار الدولة وتآكل مؤسساتها وتلعثم عدالتها وتزوير تاريخها، جمهوريةً مصغّرةً قائمة بذاتها: مكتبةً لا تُحرقها العتمة، صالوناً لا يُخرسه الخوف، حديقةً تتحوّل إلى ضريحٍ وبيانٍ في آنٍ معاً. في تلك الدار في حارة حريك، في قلب الظلام، كان البيت فضاءً مدنياً للحوار والقراءة، حتى حين كانت الذئاب تحيط به. كانت المكتبة، بتراصّ كتبها، إعلاناً صامتاً بأنّ المعرفة لا تُهزم بالرصاص. هذا المعنى يلتقي مع الروح التي دافع عنها الأب سليم أبو خلال الوصاية السورية: لا مقاومة سياسية بلا عمود فقري ثقافي يقوم على الحرية وحقوق الإنسان. كثيرون من خصوم لقمان لم يفهموا أنّه لم يكن يساوم، لأنّ سلّم القيم لديه واضح: إنسانيةٌ كونيةٌ ونهضةٌ عقلانية. وهكذا، حمل لقمان الشعلة — شعلة أبيه المتمرّد وأمّه العالمة — ورسم مساره الخاص، مستقلاً، شجاعاً، بلا حسابات نجاة. “الفكر لا يُقتل بالرصاص…” المفارقة القاسية أنّ اغتيال لقمان هو الذي أدخل سلمى إلى الضوء العام. وما اكتشفه اللبنانيون فيها لم يكن فقط الحزن، بل وقفةً أخلاقيةً صافية. كما فعل غسان تويني بعد اغتيال ابنه جبران، رفضت سلمى مفردات الانتقام. لم تستسلم لمنطق “العصبية” حول الدم. سألت، بهدوءٍ يكاد يكون كتابياً: ماذا أفادهم ذلك؟ ماذا ربحوا؟ بهذه الأسئلة جرّدت العنف من ادّعائه القوة، وأعادته إلى مفارقته الداخلية: قوةٌ قادرة على القتل، لكنها عاجزة عن حماية نفسها من عدوى الحرية والمعرفة. أُلقي النرد. الحضارة تنتصر في النهاية على البربرية. “الفكر لا يُقتل بالرصاص”، كانت تكرّر. وقد كانت على حق. كما انكسر العالم في قلبها، انكسر من قبل في قلوب جان وليلى قصير، وغسان تويني، وأمين وجويس الجميّل، ومحمود وسامير عيد، وسواهم من أهالٍ رأوا جثمان ابنهم أمام أعينهم — أو حُرموا حتى من ذلك العزاء الهشّ، كما حصل مع غسان تويني. لكنّ أقوى فعل مقاومة قامَت به سلمى وعائلتها كان رفضهم مغادرة حارة حريك. ترك المكان يعني ترك السرد للآخرين. كان عليهم أن يواصلوا الطريق ذاته: الكتابة، الكلام، حماية المؤسسات التي نذر لقمان حياته لها. تحوّلت الحديقة إلى قبرٍ ورمز. ظنّ القتلة أنّهم أنهوا خصمهم، فإذا بهم يصنعون شهيداً خالداً، مزارُه مزروعٌ في قلب الضاحية. وحين تختفي الميليشيا ذات يوم، سيبقى القبر شاهداً، مزهراً. “لا نتعافى من موت ابن. نتعلّم فقط أن نتنفّس بطريقةٍ أخرى”، كتبت فرانسواز دولتو. سلمى لم تتنفّس بطريقةٍ أخرى فحسب. تنفّست عن اثنين. حتى آخر نَفَس. نَفَس مقاومة، إنسانية، ثقافة، وسلام. وها هي تمضي، عبر الغابة، عبر الجبل، إذ لم تعد تحتمل البقاء بعيداً عن لقمان .

حكاية سلمى مرشاق التي انتظرت العدالة لابنها لُقمان 5 سنوات

​الزمن بخيل. لم يعرف لبنان والشرق كثيرات يُشبهن سلمى مرشاق سليم، والدة المفكر الشهيد لُقمان، التي رحلت وهي تشتاق لُقياه قبل أن ترى عدالة الأرض تنزل بقاتليه. عاشت بالضبط خمس سنوات بعده، دموعها تسيل في قلبها العامر بالحزن ونادراً ما بللت خدّيها. وظلّت حاضرة لا تنكسر، مع ابنتها رشا الأمير وزوجته مونيكا برغمان ورفاقه، دفاعاً عن قيَم الحوار وقبول الآخر والعلم والثقافة والتنوير. الأُم الباحثة المثقفة ​ما اتهمت أحداً رغم أن ابنها لُقمان سمّى قَتَلَته قبل ارتكاب جريمتهم ببيان مكتوب، حمّل فيه زعيم "حزب الله" آنذاك شخصياً مسؤولية أي ضرر قد يلحق به وببيته وعائلته، بعدما تظاهرت مجموعة من الحزب في حديقة منزل جدّه الأكبر في حارة حريك، وقد أبى أن يغادره، تماماً كما فعلت الوالدة سلمى التي أوصاها زوجها النائب محسن سليم بأن تحافظ عليه. علّق المتظاهرون على سور الحديقة عبارة "المجد لكاتم الصوت"، وعلّق لقمان: "لن يسكتونا". ​اغتيل لقمان بعد ستة أشهر على اغتيال بيروت بجريمة تفجير المرفأ. الأرجح لأنه تجرأ على فضح مرتكبيها بوقائع ورواية مترابطة أبطالها نظام الأسد وحلفاؤه في لبنان. وقتها وعدت الحكومة التي ترأس جلستها الرئيس ميشال عون باستكمال تحقيق شفاف خلال خمسة أيام ومحاسبة المسؤولين عن التفجير الكارثي الذي أوقع نحو 230 قتيلاً و7000 جريح ودمّر مناطق شاسعة في العاصمة ومحيطها. لكن الحزب عطّل التحقيق بوقاحة يُشهَد لها. أما لُقمان فأسرع إلى إعلان الحقائق كما جمعها ورآها، ومضى إلى الاستشهاد. ​يروي آليكس راول في كتابه الصادر عن "دار الجديد" التي تديرها رشا الأمير بعد اغتيال أخيها، والمُعنوَن في النسخة العربية "بالروح بالدم... الناصرية ومواريثها"، أن سلمى والدة لقمان كانت أول من لاحظ أوجه الشبه بين اغتياله واغتيال صاحب جريدة "الحياة" الصحافي كامل مروة عام 1966. تَوافقَ كامل ولقمان، مع فارق السن بينهما، على معاداة الأنظمة الكليّة (التوتاليتارية). وقد خِيضت ضدهما حملات ممنهجة وسَمتهما بالخيانة والعمالة للغرب وإسرائيل، في صحافة ديدنها القتل المعنوي. هما لبنانيان شيعيّان يؤمنان بالتعدد والانفتاح، قُتلا برصاصات أُطلقت من مسافة قريبة؛ هذه التقنية هي بصمة أجهزة تأتمر بأوامر دول، وهي دليل يقطع الشك بيقين تورطهم. ​ومن سخريات القدر ومصادفاته أن عائلة كامل مروة وكّلت والد لقمان الراحل محسن سليم، المحامي الجزائي والبرلماني لدورة واحدة عن دائرة بيروت الثانية، لمؤازرتها والمطالبة بحقوقها. أُلقي القبض يومها على اثنين من القتلة. وحين وافق محسن سليم على الدفاع عن كامل مروة وعائلته، هُدد بدوره بالقتل. وقبل عقود من استهداف ابنه لقمان، انفجرت قنبلة أمام مدخل دارته، استهدفت إسكاته، ولربما اغتياله. ​يضيف راول: من شرفة الطبقة الأولى من "الدارة البيضاء"، تُريني سلمى، أرملة محسن ووالدة لقمان، المدخل حيث وقع الانفجار قبل أكثر من نصف قرن. ​عصر ذلك اليوم من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2021، الشديد الحرارة والرطوبة، جلست معنا ابنتها رشا، وأدارت علينا كؤوساً من النبيذ المثلج. تقول سلمى: «أيام الانفجار كانت بواباتنا خشبية»، ومن بعده استبدلها زوجها ببوابات الحديد التي نراها اليوم. تأخذ نفساً عميقاً وتتنهد: «كم من تهديد تلقينا». ​اعتادت سلمى -على غرار زوجها وابنها الراحلين- ملاعبة الخطر. هي امرأة استثنائية؛ يوم التقيتُها كانت في مطلع عقدها العاشر، تتذكر طفولتها في مصر البريطانية والملكية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. بعد التحاقها بالكلية الأميركية للبنات في القاهرة (التي أصبحت اليوم كلية رمسيس)، درست الصحافة في الجامعة الأميركية بالقاهرة. تتلمذت على يد ويلتون وين، وهو -بحسب وكالة «رويترز» يوم وفاته- «من أبرز صحافيي أميركا في القرن العشرين»، كما تتلمذت على يد سمير سوقي، مراسل مجلة «نيوزويك» في القاهرة، الذي اقترح عليها وهي في عامها الدراسي الأخير العمل متدربة في المجلة، ما أتاح لها بعد تخرجها عام 1956 الالتحاق بها بدوام كامل. ​شهد ذلك العام حرب السويس، وأخذ الضباط الثوريون حديثو العهد بالسلطة في مصر يضيّقون على الصحافة الأجنبية وسائر الحريات العامة. وفي عام 1957 بلغت الرقابة أقصاها، مما حدا مجلة «نيوزويك» إلى إغلاق مكتبها القاهري، فالتحقت سلمى بمركز عملها الجديد جوار مديرها في بيروت بحي القنطاري، «باريس الشرق» الحرة والساحرة ببحرها وجبلها، بحسب الروايات المتفائلة. ​ما إن وصلت سلمى إلى بيروت حتى اندلعت «أحداث» عام 1958، التي أسفرت شهراً تلو الآخر عن مقتل المئات. وفي ظل الاستقرار النسبي الذي أعقب ذلك، نالت سلمى درجة الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت، وتتلمذت على أيدي شخصيات لامعة، مثل الأستاذ مالكولم كير (الذي اغتيل في الحرم الجامعي عام 1984). بعد زواجها من المحامي الناجح محسن، الذي انتُخب عضواً في البرلمان اللبناني عام 1960، انخرطت سلمى في الحياة الاجتماعية الراقية؛ وفي تلك المناسبات التي اشتهرت بها المدينة، التقت كامل مروة. ​وبلهجة قاهرية لم تتغير رغم سكنها عقوداً في بيروت، قالت عنه: «إنسانٌ ودود قريب للقلب، يطيب الكلام والنقاش معه». ​ظنَّت سلمى مرشاق سليم، يوم غادرت القاهرة لتقول "لا" للديكتاتورية العسكرية، أنها قد نجت بنفسها. ظنت أن وقوف زوجها مُتَّهِماً قتلة كامل مروة ومُشعلِي أحداث 1958 ومفجّرِي مدخل بيتها سيُبعد عنها الكأس المُرّة، بيد أنَّ قدراً اسمه "ناصر" كان لها بالمرصاد. وبالرغم من احتراق قلبها أوصلت رسالة الحوار والتفاعل مع الآخر. حفظت الأمانة ورحلت بشجاعة المثقفين المتنوّرين. * تُقام الصلاة لراحة نفسها يوم الخميس الواقع فيه ٢٦ شباط ٢٠٢٦ الساعة الحادية عشرة في الكنيسة الإنجيلية الوطنية - بيروت، قبالة السرايا الكبيرة. ​تُقبل التعازي يوم الخميس من العاشرة إلى السادسة مساءً ويوم الجمعة من الحادية عشرة إلى السادسة مساءً في صالون الكنيسة.