

المنعطف الخطير الذي تمر به قضيّة فلسطين يكاد يكون الأكثر حراجة منذ النكبة سنة 1948، ليس فقط بسبب إسقاط مبدأ حق تقرير المصير عن الشعب الفلسطيني ومصادرة أرضه وإقامة دولة أخرى في تلك الأرض، بل أبضاً بسبب طبيعة المشروع الإسرائيلي الذي يتخذ الطابع الكولونيالي التوسعي ويسعى لقضم المزيد والمزيد من الأراضي مسقطاً حل الدولتين ومانعاً قيام دولة فلسطينية بحدودها الدنيا، أي حدود 1967.
ليست المشاريع الاستيطانية التي تقرّها الحكومة الإسرائيليّة تباعاً إلا رأس الجليد مما يجري التخطيط له، وهي المشاريع التي ترمي إلى تغيير وجه الضفة الغربيّة التي انتشر فيها لغاية اليوم ما يزيد عن 800 ألف مستوطن بهدف تحقيق الهدف التوسعي ولكن أيضاً بهدف إسقاط أي فرص جديّة لإقامة دولة فلسطينية. ومع تراجع الرفض الدولي للتوسع الاستيطاني إلى مرتبة التنديد اللفظي فقط، تبدو الأمور مكفهرة في الضفة الغربيّة حيث يقتحم المستوطنون، بحماية الجيش الإسرائيلي، القرى والبلدات ويعيثون فيها تدميراً للبيوت والممتلكات والمزروعات.
صحيحٌ أن المواقف العربيّة والاسلاميّة المنددة بهذه الخطوات المتلاحقة لم تخفت، إلا أنها تبقى عاجزة عن تغيير الواقع القائم، أو تجميده بالحد الأدنى، لا سيما أنها تكرر تمسكها بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمّة بيروت العربيّة سنة 2002، ولم تعرها إسرائيل أي اهتمام يُذكر منذ ذلك التاريخ، لا بل هي سعت إلى إضعاف "شريكها" الفلسطيني المفترض، أي السلطة الوطنية الفلسطينية التي انبثقت عن اتفاق أوسلو (1993)، وأشاحت النظر عن صعود خصمها التاريخي، أي حركة "حماس" عن قصد.
وإذ تفاخر الإدارات الأميركيّة المتعاقبة في انحيازها لإسرائيل وتتبارى عمّن قدّم الدعم السياسي والعسكري والمادي الأكبر لها، فإن الرئيس الحالي دونالد ترامب يعتبر أنه قطع أشواطاً متقدمة في هذا المجال، وهو الذي أخذ في ولايته الرئاسيّة قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ضارباً عرض الحائط الطبيعة التعدديّة للمدينة ورمزيتها الدينيّة والتاريخيّة، ونقل سفارة بلاده إليها، كما اعترف بالسيادة الإسرائيليّة على الجولان السوري المحتل منذ العام 1967.
وإذا كانت قضيّة فلسطين قد نالت تعاطفاً شعبيّاً واسعاً ترجم نفسه في مظاهرات احتجاجيّة شهدتها العديد من العواصم الأوروبيّة تواصلت على مدى أشهر متتالية، إلا أن هذا السخط الشعبي لم يعكس نفسه تماماً في سياسات الحكومات الغربيّة التي تغاضت عن المجازر التي ارتكبت في قطاع غزة، وفضحت سياسة المعايير المزدوجة حيال حالتي أوكرانيا وفلسطين، فأوحت وكأن الدم الفلسطيني هو دم رخيص بينما الدم الأوكراني يستحق كل الدعم. بطبيعة الحال، أي دم بشري هو دم غالٍ ولا يجوز استسهال اراقته.
وأدّت هذه السياسات عمليّاً إلى "شيطنة" الفلسطيني وإلصاق تهمة الإرهاب به رغم أنه يسعى إلى تحرير أرضه، فيما أدّت إلى "أنسنة" الإسرائيلي ووضعت سلوكه دائماً في سياق "الدفاع عن النفس" رغم أنه هو الذي يحتل الأرض. وإذا كان استهداف المدنيين هو عمل مرفوض مدان ومستنكر في كل زمان ومكان، إلا أن ما يحدث في فلسطين لم يبدأ في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وهو الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أنه "لم يأتِ من فراغ" وتعرّض مذذاك لمضايقات سياسيّة وإعلاميّة كبيرة من إسرائيل ومناصريها داخل الأمم المتحدة وخارجها.
وتمكنّت الدعاية الإسرائيليّة، بما تملكه من إمكانيات هائلة حول العالم، من قلب الكثير من الحقائق لا بل من اختلاق الروايات التي تصّب في مصلحتها ومصلحة السرديّة التي دأبت على تقديمها وهي أنها تدافع عن نفسها في كل ما تقوم به حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أكثر من 70 ألف قتيل من المدنيين في غزة، وبعضهم مات جوعاً وعطشاً عن قصد، وحتى لو أنها قصفت المستشفيات والمراكز الطبية والصحية والمدارس والجامعات والأندية الثقافية والمنشآت الرياضيّة.
ولم تشفع وسائل التواصل الاجتماعي التي تشكل المساحة الأوسع للشباب والمراهقين من تصحيح السرديّة، أيضاً بسبب رقابة شديدة مارستها الشركات التي تمتلك وتدير تلك المنصات، فتراها حجبت المئات من الحسابات والمواقع التي كانت تعكس الرأي المؤيد لفلسطين والمناهض للتيار السائد الداعم لإسرائيل وحربها القاسية ضد الشعب الفلسطيني.
وهنا أيضاً تبرز مشكلة السرديّة، إذا صح التعبير، بحيث كانت إسرائيل تروّج دائماً أنها تحارب حركة "حماس"، بينما هي في حقيقة الأمر كانت تحارب الشعب الفلسطيني برمته والدليل أن نسبة الدمار وصلت في قطاع غزة إلى أكثر من 80 بالمئة. كما أن الشعارات التي رفعتها عن تحرير أسراها بالقوة تبيّن أنها لم تتمكن من تحقيقها، رغم الدمار الشامل، وأنها اضطرت إلى وساطات سياسيّة للافراج عن الأحياء منهم والأموات من خلال صفقات تبادليّة.
تشير الأرقام التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة إلى أن عدد المستشفيات المدمرة أو المعطلة في قطاع غزة بلغ 38، فيما بلغ عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية المدمرة 165 وعدد المدارس المدمرة 670 مدرسة، وعدد المساجد المدمرة 835. وتتواصل الأرقام المخيفة إذ بلغ عدد الشهداء من الكوادر الطبيّة 1670، ومن طواقم الدفاع المدني 140 وبلغ عدد شهداء الشرطة وعناصر تأمين المساعدات 787 وعدد الشهداء من موظفي "الأونروا" 203، ومن الصحفيين 254 ومن العلماء والأكاديميين والمعلمين 1023.
من الواضح أن الصراع قد اتخذ اتجاهات جديدة في ظل التفلت من العقاب، وفي ظل مخالفة القوانين والأعراف الدوليّة بشكل غير مسبوق، وهو ما يضع العالم برمته على المحك، ويطرح تساؤلات جوهريّة حول الشعارات التي لطالما رُفعت وتغنّت بها دول معيّنة مثل حقوق الإنسان والديمقراطيّة والمساواة والعدالة، تماماً كما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام الدولي الجديد في ظل طغيان نظريّة البقاء للأقوى والتغاضي عن الحقوق الأساسيّة للشعوب المقهورة.