
يتواصل الحديث عن "العولمة" كما لو أن الكلمة لا تزال تحمل معنىً عاماً. لكنها لم تعد كذلك. أو بالأحرى: كل ما تبقى منها هو غلافها الاقتصادي، تدفقات رأس المال، سلاسل الإنتاج، والمنصات الرقمية. لكن روحها قد تلاشت. العولمة، التي كانت تبشر باالانفتاح، توعد بعالم أكثر ملاءم للجميع، وتسعى لإيجاد لغة مشتركة بين الثقافات، هذه العولمة هي في طريقها إلى الزوال. مع العلم انها لم تكن مجرد واقع مادي، بل أيضآ أفقًا أخلاقيًا. العولمة استندت إلى فكرة بسيطة، تكاد تكون ساذجة: الامل بأن التواصل المتكرر بين الشعوب والثقافات والمعتقدات المشتركة سيُبطل في النهاية إغراء الحرب. بانها ستُقلّص المسافات بفضل التكنولوجيا، والنقل، وإلغاء الحدود الجمركية... بأننا سنلتقي في الجامعات، والمهرجانات، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الدولية؛ سنبني حلول، ومعاهدات، وبرامج تبادل. سنتعلم العيش معًا، مؤمنين بأنها الخيار أفضل. ظهرت هذه الرؤية مع جيل محدد: جيل الذين ولدوا في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي. جيلٌ تأثر بالحرب العالمية الثانية، والإبادة الصناعية، وهيروشيما، واكتشاف معسكرات الاعتقال. جيلٌ لم تكن كلمة "عالمي" بالنسبة له مجرد تجريد فلسفي، بل رد فعل على السقوط في الهاوية. على الهتلرية، والموسولينية، والفرانكية. على فظائع أوشفيتز. من هنا انبثق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسات الثقافية والعلمية الكبرى التي حاولت - على نحوٍ بسيط وغير كامل - خلق مساحة مشتركة. لقد طور هذا الجيل لغته الخاصة: لغة الإنسانية المتكاملة. إنسانية لم تسجن الإنسان في هويته المحصورة، ولم تُذيبه في السوق وحده، ولم تُضحِّ به على مذبح التعالي الغيور. إنسانية وضعت في صميمها كرامة كل إنسان، مواجهتا أوهام العرق والدين والعشيرة والأمة. لكن هذا الجيل يتلاشى. حاملا معه الهيكلة الرمزية التي كانت توعد بعولمة منفتحة شاملة. و هكذا، دخلنا منذ فترة وجيزة في حالة موءقتة وصفها جيداً انطونيو غرامشي: "العالم القديم يحتضر، والجديد يكافح ليولد، وفي هذه المرحلة الغارقة بين النور والظلمة، تظهر الوحوش". كان العالم القديم يتسم بالشمولية الكونية، ولوكانت هذه العبارة مجرد نفاق رسمي. أما العالم الجديد، فنراه يأتي مع الكتل والجدران والحروب بالوكالة والمنصات الرقمية التي تُجزّئ المجتمعات إلى قبائل معادية.و مع الذكاء الاصطناعي الذي يُختزل الجميع إلى "حقيقتهم"، ونرجسيتهم، موفر لهم ثمة "راحة فكرية". إنه إدمان افتراضي آخر متسترًا بقناع التقدم. بين هذين النقيضين، تتكاثر الوحوش: أنظمة استبدادية تتحدث بلغة الديمقراطية لتفرغها من جوهرها؛ شعبوية تُحوّل الغضب الاجتماعي إلى كراهية للعدو الداخلي؛ وسياسات هوية دينية وعرقية وحضارية تجعل من الاختلاف تهديدًا وجوديًا. لقد أصبحت الكراهية، للأسف، العاطفةَ الهيكليةَ للسياسة، حيث كانت إرادةُ العيشِ معًا، مهما تداعت، أملًا في عالمٍ أفضل. كان هذا بلا شكٍّ هو الحال حتى كارثة 11 سبتمبر/أيلول 2001 المحورية. كانت الكراهيةُ والعنفُ في يومٍ من الأيامِ ظلالًا تُلقيها الصراعات؛ أما اليومَ فقد أصبحا قوتَها الدافعةَ العلنية. لم تعد الحدودُ أداةً للتنظيم، بل اداة رمزية تُشَيَّد الجدران و تجعل من الحواجزُ الجمركيةُ أسلحة. تحلم بالعودةِ إلى التقوقع، كما لو كان من الممكنِ إلغاءُ الترابطِ الماديِّ بمرسوم. ثمة مفارقةٌ قاسيةٌ هنا: في اللحظةِ التي لم تكن فيها التبادلاتُ قطُّ بهذه الكثافةِ - البياناتُ والصورُ ورأسُ المالُ والسلعُ تتداولُ بسرعةِ الضوء - تضيقُ خيالاتُنا. لم نعد نحلمُ بعالمٍ مشترك؛ بل نشرع بالدفاعِ عن حصوننا. فرضية خاطئة كانت العولمةُ الثقافيةُ لجيلِ ما بعد الحرب العالمية الثانية متاثرة بلا شك بالحضارة الغربية، متغطرسةً أحيانًا، وغيرَ متكافئةٍ في كثيرٍ من الأحيان. لكنها كانت تحتوي على عنصر تعريض الذات للخطر: فقد تواصلنا مع الآخرين، وواجهناهم، وسمحنا لأنفسنا بالتحول. افترضت ان هذا العالم غير قابل للتقسيم إلى كتل ثقافية متماسكة. لكن هذا الافتراض قد تحطم الآن. فالقرن الحادي والعشرون مكتوب بصيغة الجمع المغلقة: "الحضارة المسيحية" مقابل "الحضارة الإسلامية"، "العالم الروسي" في مقابل "الغرب المنحط"، "الشعب الحقيقي" مقابل "النخب العالمية"، "نحن" بوجه "هم"، دائمًا و في كل مكان. هذا ما ندد به بلا كلل البابا فرانسيس حتى وفاته. لم يعد السؤال: ما الذي نشترك فيه، بل: ما الذي يفرقنا، وكيف يمكن التغلب عليه واستغلاله؟ أما الإنسانية المتكاملة، فقد وقعت في فخّها. فمن منظور السوق، تُرفض باعتبارها ساذجة: لم يعد المهم هو الشخص، بل الملف الشخصي، والبيانات، ومستوى المستهلكين. وهكذا، يجرد الفرد إلى سلوكيات قابلة للقياس، بهدف البيع و الشراء. ومن منظور الهويات، تُدان باعتبارها مكرًا غربيًا: فالعالمي ليس سوى قناع للهيمنة، وغطاء أخلاقي يُطبق على علاقات القوة الاستعمارية. والرد: العودة إلى الانتماءات "الأصيلة"، إلى المجتمعات التي يُفترض أنها محمية، و إلى العصبيات القبلية. فبينما اصبحت الانسانية عالقة بين سخرية رأس المال العالمي واستياء الهويات المجروحة، لم تعد الإنسانية المتكاملة تجد لها مكانًا سياسيًا. فهي لا تزال باقية في المؤسسات المهددة بالتحجر، وفي الخطاب الدبلوماسي، وأحيانًا في ضمائر بعض الأفراد. لكنها لم تعد تُشكل المخيلة الجماعية للمجتمعات. ولعلّ الجانب الأكثر إثارة للقلق هو الفجوة بين الأجيال. حمل جيل الستينيات في دواخله ذكرى مباشرة أو موروثة عن كوارث القرن العشرين. لقد رأوا إلى أين يؤدي التجريد الجذري من الإنسانية، وهذه الذكرى هي التي، رغم كل شيء، جعلت وعد العالمية الهشة جديرًا بالتصديق.اما الأجيال اللاحقة، فقد نشأت في عالم معولم، مترابط، ولكنه أيضًا ممزق. بالنسبة لهم، غالبًا ما يبدو الكوني خطابًا منهكًا، او رواية رسمية لا علاقة لها بالواقع. إنهو جيل يغرق في تراجع الوفرة الاقتصادية، وأزمة المناخ، والحروب المتكررة، ودوامة المعلومات. آثار عالم مضى ردة الفعل الأكثر طبيعية للجيل الحالي ليس الانفتاح، بل الدفاع: الدفاع عن العمل، والأرض، والهوية، والراحة، والسردية. في حالة كهذه، تصبح رموز الانفتاح غير مسموعة. سواء كان ابناء هذا الجيل يتحدثون باسم الإيمان، أو العقل، أو حقوق الإنسان، أو الأدب، يبدون أنهم يتحدثوا لغة غير مفهومة. يبدون كآثار من حقبة غابرة - حقبة كان لا يزال يُعتقد فيها أن الحوار قادر على التأثير في الواقع. في المقابل، يلمع نجم الزعماء السياسيين الذين لا يؤمنون الا بمبدأ القوة. سواءً أكانت أسماؤهم بوتين، ترامب، أردوغان، محمد بن سلمان، نتنياهو، أوربان، أو لوبن، فإنهم جميعًا يستجيبون للخوف الغريزي عند الشعوب من أن يُبتلعوا ويُجردوا من كل اختلاف في عالمٍ بلغ، بفضل التكنولوجيا، ذروةَ التقارب للشعوب وخصوصياتها. هل نستطيع الاستنتاج ان وعد العولمة الانسانية اصبح من الماضي؟ ربما، و لكن نهاية العولمة المفتوحة لا يعني نهاية العالمية الشمولية كشرط. بل يعني أن الشكل التاريخي الذي اتخذته هذه العالمية قد بدأ يفقد زخمه. ويبقى السؤال الصارخ والمرير: كيف يُمكننا أن نتحدث عن كرامة الإنسان، وعن الحقوق، وعن المصلحة العامة، في عالمٍ لم يعد يؤمن بهذه القيم؟ لا شك أننا سنضطر إلى البدء من جديد من الصفر، في المدن والمدارس والجمعيات، في تلك الأماكن الصغيرة التي يُصرّ فيها الأفراد على الاعتقاد بأن الآخر ليس شرط ان يكون عدوا. لن تُبعث الإنسانية المتكاملة من قمة دبلوماسية أو معاهدة جديدة، بل من ثقافة مضادة: ثقافة ترفض لغة الكراهية والعزلة أفقًا لها؛ ثقافة لا تخلط بين ذكرى الجروح وإدامة الانتقام. ربما تكون العولمة المفتوحة قد ولت. ولكن ما دام هناك رجال ونساء قادرون على قول "نحن" خارج قبائلهم، وعلى الارتقاء فوق "الأنا" للاحتفال بثقافة التواصل وتعزيزها، هنالك امل لعولمة اكثر انسانية. و لكن الطريق سيبدو بالتاكيد متعرج، طويل، مليء بالعثرات. لذا، يجب أن نتحد، ونعمل. "الشر، كما قال ادموند بورك، هو تقاعس الصالحين".








