
في عام 1957، ألقى المؤرخ وفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي محاضرةً في «الندوة اللبنانية» بعنوان «لبنان تعبير عن التاريخ». فبعد أن استعرض تعقيدات تاريخ لبنان وتفاعله مع الحضارات المحيطة، وحلّل كيــف شكّل فيها الموقع الجغرافي للبنان وتكوينه المتعدد الطوائف نقطة التقاء وصدام بين الديانات والهويات المختلفة، ختم توينبي محاضرته بتحذير استشرافي إذ قال: "إذا رُسمت، في المشرق، الحدود بين الإمبراطوريتين العالميتين، الأميركية والروسية، على قمّة جبال السلسلة الشرقية، فإن الجمهورية اللبنانية قد تواجه مصير دولة إسرائيل. فلبنان، مثــل إسرائيل، غير قابل للحياة إذا وجد نفسه في حالة عداء دائمة مع جيرانه في الشرق." لقـد أُلقيت هذه المحاضرة في ظل المناخ الثقيل للحرب الباردة، بما حملته من توترات جيوسياسية وصراعات أيديولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكتلتيهما. فخلال تلك الحقبة، أسـدلَ «الستار الحديدي» السوفياتي على تسعِ دول أوروبية وجعل حدودها متوترةً وعدائيَّـةً واندلعت حروبٌ على الحدود بين الكوريتين، وعلى الحدود المتحركة في الهند الصينية. فكمـا خشــي توينبــي، تثبّت خطّ التماس بين الإمبراطوريتين الأميركية والروسية على قمّة السلسلة الشرقية لجبـال لبنــان أي على الحدود اللبنانية ـ السورية.
