
لطالما اعتمدت التحليلات التقليدية للشأن اللبناني على “النموذج الطائفي”، الذي ينظر إلى الدولة بوصفها توازناً هشاً بين الفصائل الدينية. غير أن هذه العدسة تعجز عن استيعاب التفسخ المنظومي الراهن الذي يتخطى الحدود الطائفية. ومن خلال تطبيق نموذج إميل دوركهايم في الأنومي، تذهب هذه الورقة إلى أن الأزمة اللبنانية لا تتسم بالاحتكاك الطائفي بقدر ما تتسم بحالة عميقة من “انعدام المعايير” وفوضى الحياة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، لا تمثّل الطائفية السبب الجذري للانهيار، بل هي آلية بقاء متبقية تطفو على السطح في الفراغ الذي خلّفه عقد اجتماعي محطّم. أولاً: تحديد المنظور — الأنومي الدوركهايمي في كتابي تقسيم العمل في المجتمع (1893) والانتحار (1897)، عرّف إميل دوركهايم الأنومي بوصفه حالة من تفكك التنظيم الاجتماعي، حيث يعجز الضمير الجمعي عن توفير الإطار الأخلاقي الضروري لتقييد الرغبات والتطلعات الفردية. ينشأ الأنومي في مراحل التحولات المتسارعة والكارثية — الاقتصادية منها والاجتماعية — حين تتلاشى “قواعد اللعبة”. وفي مجتمع أنومي، تفقد المؤسسات التقليدية التي كانت تقوم بدور الوسيط بين الفرد والعالم — الدولة والقانون والاقتصاد — سلطتها، تاركةً الأفراد في حالة من “الاقتلاع” والإحباط المزمن.

