شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
خشبة نجاة
بقلم
زينه زيادة
نُشر

بين فرن الشباك ومونو تسنّى لي أن أشاهد عرضين مسرحيين في أسبوعٍ واحد. لن أُحلّل هنا ولن أناقش ما شاهدت، فلست بناقدة، وما خضته خلال المشاهدة شخصيّ للغاية. لكن شيئًا ما استيقظ داخلي. رغبةٌ عارمة بأن أقول، لا لأحكم، بل لأشهد. المسرح. الضوء. اللقاء المباشر مع الآخر. الآخر الذي يتجلّى أمامي بجسده وصوته، بعَرقه وأنفاسه الحيّة.. وأنا، أذهب وحدي، كأنّ بيني وبين المسرح موعدًا غراميًّا أرتّب نفسي لذلك اللقاء، أختار ثيابي بعنايةٍ، أمشي نحوه بخفّةٍ تشبه الحنين، وأجلس في العتمة، أنتظر. أنا الممثلة، المشاهِدة، أنا كنتُ هم بين صيف 2024 وشتاء 2025، حين كانت المدينة ترتجف، كنت أركض نحو المسرح لا بعيدًا عنه في تلك الفترة، صار المسرح فعل مقاومةٍ شخصيّ طريقة لأقول إنّ حياتي لم تنتهِ بعد، وإنّ الخوف لن يعلن انتصاره على شغفي. يومها، لم نكن متأكدين إن كان الافتتاح سيتمّ أصلًا، تأجّل العرض على وقع استمرار القذائف، وكان كلّ يوم يحمل احتمال التأجيل أو الإلغاء أو الأسوأ ومع ذلك، كنت أتوق لذلك اليوم. أتوق لأن يجلس الناس مكان الغبار على المقاعد الجلدية السوداء، أن يمتلئ المسرح بأنفاس الناس بدل الصمت، أن يعود التصفيق أعلى من صوت الخارج. لكنني أيضًا لم أكن آبه إن لم يأتِ ذلك اليوم، قلت لشريكي مرارًا: “بفضّل موت أنا وعم بتمرّن، وما موت عم بحضر أخبار عالصوفا.” وكان يجيب دائمًا، بهدوءٍ ثابت: “إيه روحي، هيدا مطرحك!” نعم، كان "مطرحي" كنت أفضّل الحياة والموت هناك، في دفء البروجكتور الذي أكله الصدأ، تحت سقف سينما قديمة في برج حمود، على أن أتركهم يسلبونني حياتي وأنا لا أزال أتنفّس. تلك الخشبة كانت نجاتي، فلو لم تكن لما كنت. حين خاف البعض، وتعب آخرون، ووجدوا نجاتهم في بلادٍ أخرى، أنا وجدتها هناك، بين الكواليس الرّطبة ورائحة الغبار، وستارةٍ معلّقة لا تُغلق ولا تُفتح وتحت ثريّا نورها يضيء الكون. هناك كان متنفّسي، هناك كنّا نؤجّل الانهيار… انهيارنا كنّا نكتب النصوص فيما المدينة تُمحى، ونعيد ترتيب المشاهد فيما كلّ شيءٍ في الخارج كان يتفكّك. نتوقّف عند كلّ صوتٍ مفاجئ، ننصت لثواني، ثم نعود إلى البروفة كأنّنا نعيد ترميم العالم جملةً جملة. ما قدّمته في ذاك العرض، انتظر عشرين عامًا عشرون عامًا من تراكم الذاكرة، من الكلمات التي خبّأتها في نصوصي، من الوجوه التي عبرتني ولم تغادر، ومن خوفٍ لم أعرف أين أضعه سوى على الخشبة وبكلّ شجاعة. بين الحقيقة والتشخيص كانت لعبتي، أن أقول دون أن أعترف تمامًا، أن أختبئ خلف الشخصية بينما أعرّي نفسي بالكامل. كنت أسرق من حياتي كلمات، ومن خيباتي لغة جسد، ومن وحدتي نبرة صوت. وكلّما اقترب المشهد منّي أكثر، صفّق الناس أكثر، وكان ذلك التصفيق… نبضي المسرح لم يكن ترفًا. لم يكن هوايةً ولا مساحةً للهروب أو العلاج النفسي، بل إعلان وجود. إعلان أنّ أجسادنا لم تتحوّل بعد إلى أرقام، وأنّ أصواتنا، ما زالت تصل. واليوم، حين أجلس وحدي في العتمة، وأشاهد ممثلًا يكتمل تحت الضوء، أشعر أنّ أحدًا ينجو من جديد. وأشعر أنّني ألتقي بنفسي أيضًا، بتلك المرأة التي ركضت يومًا نحو مسرحٍ قديم لتنجو من العالم فوق خشبة.

عودة جزائريّة إلى رهانات خاطئة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

ليس حدثا عابرا إدانة البعثة الأميركية لدى منظمة الأمم المتحدة الهجوم الذي نفذته جبهة "بوليساريو" على مدينة السمارة في الصحراء المغربيّة، معتبرة أن “مثل هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض التقدم الذي تحقّق على طريق السلام". ليس حدثا عابرا أيضا تشديد البعثة الأميركيّة على أن “الوقت قد حان لوضع حد لهذا النزاع الذي طال أمده لنحو خمسين سنة”، مشيرة إلى أن “قرار مجلس الأمن الرقم 2797 يعتبر مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب أساسا يرسم الطريق نحو السلام في الصحراء". من الواضح أنّ الموضوع لا يتعلّق بـ"بوليساريو" بل بسياسة جزائريّة عاجزة عن التعاطي مع الواقع المتمثّل بصدور القرار 2797 في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2025 الذي اعادت البعثة الأميركيّة التذكير به. بإختصار، ثمة عودة جزائريّة إلى رهانات خاطئة ثبت في الماضي أنّ لا جدوى منها. لا بدّ في البداية من تحديد معنى القرار 2797 وابعاده خصوصا لجهة التركيز على إقتراح الحكم الذاتي المغربي، بصفة كونه الإطار العملي الوحيد للحل، من جهة وتكريس "مغربيّة" الصحراء من جهة أخرى. هذا ما لم يتمكن النظام من ابتلاعه. ما لم يتمكن من ابتلاعه، على وجه الخصوص، أن الجزائر جزء لا يتجزّأ من النزاع، بل هو نزاع مفتعل جزائريا منذ لحظة اندلاعه في العام 1975. اندلع النزاع بهدف واحد وحيد هو شنّ حرب استنزاف على المغرب نتيجة نجاح "المسيرة الخضراء" لا أكثر. لم يمرّ الإعتداء على السمارة مرور الكرام. كشف الموقف الأميركي أن تصرفات الجزائر تحت المراقبة وأنّ ليس في استطاعتها الذهاب بعيدا في الإختباء وراء "بوليساريو". باتت اللعبة الجزائرية مكشوفة وهي تتلخّص حاليا باستغلال ما يدور في مالي لتبرير موقف تنادي به منذ سنوات طويلة عن حريّة تقرير المصير للشعوب. هذا شعار حقّ يراد به باطل في غياب القدرة على مواجهة الواقع المتمثل في أنّ سكان الأقاليم الصحراوية في المغرب عبّروا منذ عودة هذه الأقاليم إلى الوطن الأمّ في العام 1975 عن موقفهم الثابت. لم يفوت سكان الأقاليم الصحراويّة مناسبة إلّا وعبروا عن انتمائهم إلى المغرب. ما لبث هذا الموقف من "مغربيّة الصحراء" أن حظي باجماع عربي وشبه إجماع إفريقي وأوروبي. كانت هناك نقاط تحول عدّة، خصوصا مع إعتراف الولايات المتحدة قبل نحو ست سنوات، إبان الولاية الأولى لدونالد ترامب بمغربيّة الصحراء. لماذا لم تسحب الجزائر سفيرها من واشنطن بل أقامت القيامة على فرنسا ولم تقعدها بمجرّد إعتراف الرئيس ايمانويل ماكرون في رسالته التاريخيّة للملك محمّد السادس بـ"مغربيّة الصحراء" صيف العام 2024. ليس صدفة ظهور رهانات جزائرية جديدة على المسّ بـ"مغربيّة الصحراء" مباشرة بعد أحداث مالي وشنّ قوات انفصالية وأخرى متطرفة حربا على الحكومة المركزّية في باماكو. تحاول الجزائر، عن طريق إعادة تفعيل "بوليساريو" القول أنّ ثمة حركة انفصالية أخرى في منطقة الساحل تسعى إلى إيجاد موقع لها على الخريطة السياسية للمنطقة. لا تدري أنّ الأحداث تجاوزت مثل هذا النوع من الرهانات وأنّ حكومة مالي نفسها كانت اعترفت في العاشر من نيسان – إبريل الماضي بـ"مغربيّة الصحراء" وأهمّية إقتراح الحكم الذاتي المغربي. كلّ ما في الأمر أن تشجيع الحركات الإنفصالية في مالي يستهدف، بين أمور أخرى، معاقبة باماكو على التحول الذي طرأ على موقفها من قضيّة الصحراء. حصل ذلك بعدما لعبت في الماضي دورا محوريا على الصعيد الإفريقي في دعم الجزائر و"بوليساريو" والكيان الوهمي ا(لجمهوريّة الصحراوية) الذي أعلنت عن قيامه قبل نصف قرن. لم يكن من هدف وراء إعلان قيام هذا الكيان الوهمي سوى تبرير بقاء صحراويين في منطقة تندوف الجزائرية في مخيمات بائسة. يعيش هؤلاء الصحراويون في مخيمات لا تصلح للبني آدمين، بينما في استطاعة هؤلاء العيش في بلدهم حياة المواطن المغربي الحرّ الذي يتمتع بكلّ حقوقه وكرامته. من يستثمر في دعم الحركات الإنفصاليّة في منطقة الساحل إنّما يستثمر في تشجيع التطرّف والإرهاب في منطقة تحتاج إلى استثمارات من نوع آخر. تحتاج إلى استثمارات من نوع تلك التي يقوم بها المغرب الذي يسعى إلى تحسين الحياة اليومية لكل مواطن في مجالات الصحة والزراعة والتربية في شكل خاص. يسعى المغرب في الوقت ذاته إلى نشر تعاليم الإسلام المتسامح. يشمل ذلك تخريج أئمة من دول إفريقية عدة يتلقون القواعد الدينية الصحيحة. ليس سرّا أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في الرباط تضم العشرات من علماء الدين من اكثر من ثلاثين دولة إفريقية وأن انشاء هذه المؤسسة خطوة مهمّة على طريق محاربة التطرف والإرهاب. عاجلا أم آجلا سترتد الهجمات التي تشنهّا "بوليساريو" على الجزائر. المغرب يعرف كيف يدافع عن نفسه، لا لشيء سوى لأن الإستثمار المغربي هو استثمار في الإنسان والتنمية وليس في التشجيع على التطرف والتحريض عليه. من يريد الاستقرار في منطقة الساحل لا يستثمر في تفجير دولة مثل مالي من داخل بمقدار ما يعمل من أجل قطع الطريق على التطرف بكلّ اشكاله. ما لا بدّ من الإشارة إليه مرّة أخرى أن الجزائر التي تعاني من مشاكل داخلية كبيرة لا تستطيع أن تكون مع انفصاليين عندما يعمل هؤلاء خارج حدودها وأن تقمع هؤلاء عندما يتحركون داخل البلد نفسه!

ترامب في الصين، نتنياهو يرفض السلام بإصرار

الأسبوع الماضي في الشرق الأوسط كان أسبوع الحفاظ على توازن هش في انتظار حدث كبير في الأسبوع التالي: زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين. ثاني قوة عالمية لم تُدلِ برأيها بعد في النزاع الذي يجمع بين حليفها وأحد أهم موردي الطاقة لديها، إيران، وأول منافس لها على الصعيد العالمي. على أي حال، حليف آخر للأمريكيين عاد للظهور مرة أخرى: رئيس الوزراء الإسرائيلي اعتبر أن "الحرب لم تنته" طالما "لا يزال هناك مواد نووية - يورانيوم مخصب - يجب إزالتها من إيران" و"مواقع إثراء يجب تفكيكها"، كما أكد بنيامين نتنياهو لقناة سي بي إس الأمريكية. بينما تظل المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في طريق مسدود. أعلنت إيران أخيراً يوم الأحد أنها ردت على الخطة الأمريكية المقدمة يوم الجمعة والرامية إلى إنهاء الحرب. أفادت التلفزيون الحكومية بأن الرد المُسلَّم يوم الأحد، عبر الوسيط الباكستاني، كان "يركز على إنهاء الحرب (...) على جميع الجبهات، خاصة في لبنان، وعلى ضمان أمان الملاحة البحرية"، دون مزيد من التفاصيل. كانت الانقسامات الإيرانية الداخلية موضوع مقالة لافتة في صحيفة التلغراف البريطانية، أشارت إليها وسائل إعلام عربية يوم الأحد. وفقاً للصحيفة، العناصر الأكثر تطرفاً في طهران، التي تمثل حالياً أقلية، معارضة لحل سلمي. يذهبون حتى إلى اتهام وزير الخارجية عباس أراغجي بأنه لعب دوراً في اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في 28 فبراير الماضي، بهدف تشويه سمعته. باختصار، فوضى متنامية تفسّر التأخير في الرد على المقترحات الأمريكية. في مقابلة سُجلت في وقت سابق من الأسبوع وبُثت يوم الأحد، قال دونالد ترامب إن الإيرانيين "منهزمون عسكرياً"، لكنه ألمح إلى أن الجيش الأمريكي قد يكون قادراً على "البقاء هنا أسبوعين إضافيين والضرب على جميع الأهداف" المحددة، لإضفاء "لمسة نهائية". غارات مفاجئة على الموانئ الإيرانية بدلاً من المحادثات المباشرة، شنت الجيش الأمريكي غارات مفاجئة ومحدودة ضد إيران، بشكل أساسي في منتصف الأسبوع. استهدفت هذه الغارات، من بين أمور أخرى، موانئ قشم وبندر عباس الإيرانية، وقدمها دونالد ترامب على أنها "مناوشة صغيرة". لم يتردد في التوضيح بأن وقف إطلاق النار لم ينتهِ بعد. يوم السبت، تعرض ناقلتا نفط إيرانيتان حاولتا الاقتراب من الموانئ لإطلاق نار أمريكي. طريقة للتذكير بأن الحصار على الموانئ الإيرانية مستمر. تعرضت قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت هدفاً متكرراً للعدوانية الإيرانية، لهجوم من الطائرات بدون طيار يوم الأحد. في منتصف الأسبوع أيضاً، قرر الرئيس الأمريكي تعليق "مشروع الحرية" الخاص به، المفروض أن يرافق الجيش الأمريكي السفن العالقة بسبب إغلاق مضيق هرمز والتي تريد عبوره بسلام. تصعيد واغتيال في الجنوب والضواحي في لبنان، جميع الأنظار معقودة على الاجتماع اللبناني- الإسرائيلي الثالث في واشنطن، الذي سيُعقد في 14 و15 مايو، كما أعلن مسؤول أمريكي طلب عدم الكشف عن هويته، وأعادت وسائل الإعلام نقل أقواله. وفقاً لمعلومات محطة إم تي في المحلية، رئيس الوفد اللبناني، السفير السابق سيمون كرم، يكون بالفعل في طريقه إلى العاصمة الأمريكية. المطالب الرئيسية من الجانب اللبناني يجب أن تكون تعزيز وقف إطلاق نار حقيقي والانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة. وفقاً لمصادر نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية وأعادت نقلها وسائل إعلام لبنانية ليل السبت، "ستركز المحادثات على نزع سلاح حزب الله، والقضايا المتعلقة بالحدود، وعلى اتفاق مستقبلي". الرسالة، باختصار، هي أنه لن يكون هناك انسحاب بدون نزع سلاح التنظيم الموالي لإيران. في مناسبتين هذا الأسبوع، اتهمه وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه "عقبة" أمام السلام بين إسرائيل ولبنان. أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون سآر يوم السبت أن بلاده لا تسعى لتحقيق أطماع إقليمية في لبنان، لكنها تحاول تجنب "7 أكتوبر جديد". أصوات حزب الله تستمر في الارتفاع لانتقاد هذه المفاوضات. مرة أخرى، هو النائب حسن فضل الله من يفعل ذلك، معتبراً أن مثل هذه المفاوضات "غير دستورية"، وأنه يجب الاكتفاء بمفاوضات "غير مباشرة". على أرض الواقع، الحدث الأكثر لفتاً للنظر في المواجهة بين حزب الله وإسرائيل كان اغتيال قائد قوة الرادوان النخبوية بالميليشيا، أحمد بلوط، ليل الأربعاء، في ضاحية بيروت الجنوبية. لم تكن هذه المرة الأولى فقط التي تتعرض فيها الضاحية للضرب منذ وقف إطلاق النار في 16 أبريل، بل أثار هذا الاغتيال من جديد سؤال مدى الثغرات الأمنية داخل الحزب التي سمحت باغتيالات إسرائيلية واسعة النطاق في عام 2024. في جنوب البلاد، تعيش السكان جحيماً حقيقياً: عشرات القرى الجديدة التي تم إجلاؤها بالقوة بمجرد نداء من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على X، غزوات وقصف مستمر، عشرات الأرواح مضحاة. لم يقتصر التصعيد على زيادة العدد المتنامي من الغزوات والصواريخ، بل على امتداد جغرافي للعمليات الإسرائيلية خارج جنوب لبنان، حتى إلى جبل لبنان، مع غارتين في الشوف أسفرتا عن ثلاثة قتلى. هل هي بوادر توسع للحرب؟ من جانبه، تابع حزب الله هجماته بوتيرة مرتفعة جداً، يعتمد أكثر من أي وقت على الطائرات بدون طيار المتفجرة التي يواجه الإسرائيليون صعوبة كبيرة في اكتشافها، وفقاً لمقالات نُشرت في صحافة الدولة العبرية. سلام في دمشق في هذا السياق، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يوم السبت بالرئيس السوري أحمد الشرع، برفقة وفد من الوزراء. شرح سلام بوضوح في تصريحاته أن زيارته تهدف إلى "حل القضايا المعلقة". وضمن بشكل خاص أن السلطات اللبنانية لن تقبل بعد الآن بمحاولات لزعزعة استقرار دول عربية "صديقة" من الأراضي اللبنانية. صدفة؟ السلطات السورية، التي قامت مؤخراً بتفكيك أكثر من شبكة واحدة تقول إنها مرتبطة بحزب الله وتعمل على زعزعة استقرار النظام الجديد في دمشق، أعلنت في نفس المساء أن التنظيم الموالي لإيران يأوي "مجرمي النظام القديم"، معتزمة "استرجاع من لديهم دماء السوريين على أيديهم". قام الرئيس السوري أيضاً في نفس المساء بتعديل وزاري واسع النطاق، عزل عدة وزراء بما في ذلك أخيه الخاص به، ونصب مسؤولين إداريين من المناطق.

لبنان بين السلاح والمفاوضات
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام سؤال مصيري يتجاوز السياسة اليومية والانقسامات التقليدية: ماذا يريد لبنان من أي مفاوضات محتملة مع إسرائيل، وماذا يستطيع أن يقدّم، وهل يملك أصلًا القدرة الداخلية على تنفيذ أي التزامات قد تنتج عنها؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمصير الدولة اللبنانية، وبقدرة مئات آلاف اللبنانيين على العودة إلى قراهم، وبإمكانية إخراج البلاد من موقع "ساحة الحرب المفتوحة" إلى موقع الدولة الطبيعية القادرة على حماية حدودها وقرارها. المشكلة الأساسية في لبنان اليوم ليست فقط في الحرب أو خطر الحرب، بل في غياب الدولة القادرة على فرض رؤية وطنية موحّدة. فمنذ سنوات طويلة، يعيش البلد في ظل ازدواجية قاتلة: دولة رسمية تمتلك المؤسسات والدستور والشرعية الدولية، وفي المقابل واقع عسكري وأمني يملك قدرة مستقلة على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم. وهذه الازدواجية هي ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية شديدة التعقيد، لأن العالم لا يسأل فقط ماذا يريد لبنان، بل أيضًا: من يمثّل القرار اللبناني فعليًا؟ في أي مفاوضات جدية، لن يكون المطلوب من لبنان تقديم "تنازلات مجانية" كما يحاول البعض تصوير الأمر، بل تقديم رؤية واضحة لدولة تريد استعادة سيادتها واستقرارها. وهذا يبدأ أولًا بتثبيت مبدأ أساسي: حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها. فلا يمكن لأي دولة أن تفاوض بينما قرارها الأمني موزّع بين مؤسسات رسمية وقوى عسكرية موازية. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي حقيقي سيكون مرتبطًا حتمًا بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، ليس فقط لأن إسرائيل أو المجتمع الدولي يطرحان هذا الملف، بل لأن قيام دولة طبيعية في لبنان أصبح مستحيلًا من دون معالجة هذا الخلل البنيوي. لكن هنا تظهر المعضلة الكبرى. هل يستطيع الجيش اللبناني وحده حلّ هذه المسألة؟ الجواب الواقعي هو أن القضية أكبر بكثير من قدرة عسكرية صِرفة. فملف السلاح في لبنان ليس مجرد مسألة أمنية يمكن حسمها بقرار ميداني أو مواجهة داخلية، بل هو ملف متشابك مع التوازنات الطائفية، والصراع الإقليمي، والعلاقة بين حزب الله وإيران، وكذلك مع الصراع المفتوح مع إسرائيل. لذلك، فإن أي محاولة لفرض حل بالقوة الداخلية قد تدفع البلاد نحو انفجار شامل يهدد وحدة الجيش نفسه ويعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية التي لا يزال اللبنانيون يحملون ندوبها حتى اليوم. هذا لا يعني أن الجيش اللبناني بلا دور، بل على العكس تمامًا. فالمؤسسة العسكرية تبقى الجهة الوطنية الوحيدة القادرة على لعب دور الضامن للاستقرار إذا توفرت لها المظلة السياسية والقدرات اللازمة. لكن الجيش لا يستطيع أن يتحول إلى أداة صدام داخلي من دون قرار سياسي جامع ودعم داخلي واسع. ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية لمسألة السلاح تحتاج إلى استراتيجية وطنية تدريجية، تبدأ بتعزيز الدولة نفسها، وتقوية الجيش، وربط أي انتقال أمني بتفاهم داخلي واسع وتسوية إقليمية أكبر. فالواقع يقول إن قوة حزب الله لا تأتي فقط من الداخل اللبناني، بل أيضًا من كونه جزءًا من محور إقليمي تقوده إيران. وبالتالي، فإن أي تغيير جذري في هذا الملف سيكون مرتبطًا أيضًا بمستقبل العلاقة الإيرانية – الإسرائيلية، وبطبيعة التفاهمات الدولية في المنطقة. ولهذا السبب، فإن اختزال القضية بشعار "نزع السلاح بالقوة" لا يبدو واقعيًا، تمامًا كما أن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلًا للحياة بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. في المقابل، هناك ملف لا يقل أهمية، بل ربما هو الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى اللبنانيين اليوم: ملف الجنوب والنازحين والقرى المدمّرة. فآلاف العائلات اللبنانية تعيش حالة اقتلاع مستمرة بسبب الحرب والتوتر الحدودي، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن للبنان أن يحصل خلال أي مفاوضات على ضمانات إسرائيلية بالانسحاب وعودة النازحين؟ نظريًا، نعم. فمن الطبيعي أن يطالب لبنان بوقف العمليات العسكرية، وانسحاب إسرائيل من أي نقاط تحتلها، وتأمين عودة السكان إلى قراهم بأمان. لكن التجربة التاريخية في المنطقة أثبتت أن "الوعود" وحدها لا تكفي. فالشرق الأوسط مليء بالاتفاقات الهشة والتفاهمات التي انهارت عند أول تبدل ميداني أو سياسي. لذلك، فإن أي ضمانات حقيقية تحتاج إلى أكثر من مجرد تصريحات سياسية أو تفاهمات شفوية. لبنان يحتاج، في حال الدخول في أي مسار تفاوضي، إلى اتفاق واضح ومكتوب يتضمن جداول زمنية دقيقة وآليات رقابة وتنفيذ. كما يحتاج إلى رعاية وضمانات دولية فعلية من أطراف قادرة على الضغط، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة. كذلك سيكون من الضروري تعزيز دور اليونيفيل أو أي آلية مراقبة دولية أخرى لضمان الالتزام المتبادل بوقف إطلاق النار ومنع الانهيار السريع لأي تفاهم. لكن حتى لو توفرت الضمانات الأمنية، تبقى هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: إعادة الإعمار. فالعودة ليست مجرد فتح طريق إلى القرية، بل تعني إعادة بناء المنازل والبنى التحتية والمدارس والمستشفيات وتأمين الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. ولذلك، فإن أي تفاوض جدي يجب أن يربط الأمن مباشرة بخطة دعم اقتصادي وإعادة إعمار للجنوب اللبناني، وإلا ستبقى العودة شكلية وهشة. المشكلة في لبنان أن جزءًا كبيرًا من النقاش الداخلي يتم بعقلية الشعارات القصوى. فهناك من يعتقد أن أي تفاوض هو استسلام، وهناك من يتخيّل أن الحل يمكن أن يأتي عبر مواجهة داخلية سريعة تنهي كل شيء دفعة واحدة. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير. لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بالمغامرات الكبرى، لا العسكرية ولا السياسية. البلد يعيش انهيارًا اقتصاديًا، ومؤسسات الدولة منهكة، والمجتمع اللبناني نفسه منقسم وخائف ومتعب بعد سنوات طويلة من الأزمات. لهذا، فإن أي مقاربة واقعية يجب أن تنطلق من هدف أساسي: إعادة بناء الدولة اللبنانية نفسها. فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود تهديد إسرائيلي أو نفوذ إيراني، بل في ضعف الدولة الذي سمح بتحول لبنان إلى مساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وعندما تكون الدولة ضعيفة، تصبح كل التسويات الخارجية مؤقتة، وكل الهدن قابلة للانفجار. إن التحدي الأكبر أمام لبنان ليس فقط كيف يفاوض إسرائيل، بل كيف يستعيد قراره الوطني أولًا. فالتفاوض الحقيقي لا يبدأ على الطاولة، بل يبدأ عندما تمتلك الدولة سلطة فعلية على أرضها وحدودها ومؤسساتها. وعندها فقط يمكن لأي اتفاق أن يتحول من هدنة هشّة إلى استقرار طويل الأمد. لبنان لا يحتاج إلى شعارات انتصار وهمية، ولا إلى خطابات استسلام. ما يحتاجه فعليًا هو مشروع دولة: دولة تحمي حدودها بجيشها، وتمنع تحويل أراضيها إلى منصة لحروب الآخرين، وتؤمّن لشعبها الحق الطبيعي في الأمن والاستقرار والحياة. وأي مفاوضات مستقبلية يجب أن تُقاس بهذا المعيار وحده: هل تقرّب لبنان من الدولة، أم تعيده مرة جديدة إلى منطق الساحات والمحاور والحروب المفتوحة؟

سلام إلى دمشق «لتسوية القضايا المعلقة»

شهد لبنان يوم السبت زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى دمشق، حيث استقبله الرئيس السوري أحمد الشرع. تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظل الظروف الراهنة لعدة أسباب: أولها، القضايا العالقة بين البلدين، كأمن الحدود، وحل قضية الأسرى السوريين في لبنان، وغيرها؛ ثانيها، الهجوم الإسرائيلي على جنوب لبنان، في ظل التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا خلال الأشهر الأخيرة؛ وأخيرًا، سياق عملية المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي أطلقتها السلطات اللبنانية برعاية واشنطن، والتي من شأنها أن تفيد لبنان في توسيع علاقاته في المنطقة. ناهيك عن أن سوريا فككت مؤخرًا، في عدة مناسبات، شبكات تقول السلطات السورية إنها مرتبطة بحزب الله، والتي كانت تعمل، بحسب قولها، على زعزعة استقرار نظام دمشق، في وقت تسعى فيه السلطات اللبنانية جاهدةً لنزع سلاح حزب الله واستعادة السيطرة على الأراضي اللبنانية. في ختام زيارته القصيرة إلى دمشق، أكد نواف سلام أن الزيارة تهدف إلى "تعزيز العلاقات الثنائية على كافة المستويات"، مشدداً على أن "المحادثات أتاحت مناقشة القضايا العالقة". وفي تصريح صحفي، أوضح أن البلدين عانيا من تدخلات متبادلة في الماضي، وأنهما طويا "صفحة جديدة"، وأنه جاء إلى هناك "للمضي قدماً بالعلاقات". وتطرق رئيس الوزراء تحديداً إلى "التحديات المشتركة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة"، فضلاً عن قضية الأسرى السوريين في لبنان (وفقاً لاتفاقية إعادتهم إلى سوريا، والتي يجري تنفيذها حالياً)، ومصير المحتجزين اللبنانيين في سجون النظام السوري السابق، والذين لا يزال مصيرهم مجهولاً، ومكافحة التهريب عبر حدود البلدين. وبالطبع، عودة اللاجئين السوريين "بشكل آمن وكريم" إلى بلادهم. فقد استضاف لبنان ما يقرب من مليوني لاجئ سوري خلال الحرب السورية، ولا يزال مئات الآلاف منهم داخل حدوده. غارات إسرائيلية نادرة العنف بينما كان رئيس الوزراء منشغلاً بـ"تعزيز" العلاقات مع الجارة الشرقية، واصلت الجارة الجنوبية قصف عدد متزايد من البلدات والقرى اللبنانية. كان يوم السبت أكثر عنفاً ودموية من الأيام التي سبقته. بدأ بدعوة إسرائيلية لإخلاء تسع قرى أخرى في الجنوب. واستمرت الغارات الإسرائيلية طوال اليوم، في الجنوب ووادي البقاع، بما في ذلك قرية النبي شيت، مما أسفر عن سقوط المزيد من القتلى والجرحى، ليرتفع بذلك عدد الضحايا المرتفع أصلاً إلى أكثر من 2700 ضحية منذ 2 مارس/آذار. كانت أبرز غارة يوم السبت تلك التي استهدفت سيارة عابرة في الجاهلية، وهي بلدة تقع في جبال الشوف بجبل لبنان، وهي أول هجوم من نوعه منذ بدء الحرب في 2 مارس/آذار. قُتل ثلاثة أشخاص كانوا في السيارة. وإذا أضفنا إلى ذلك غارات الطائرات المسيرة العديدة التي استهدفت مركبات ومبانٍ خارج المنطقة الحدودية، في منطقة صيدا وشمالاً، فهل نستنتج أن الإسرائيليين يوسعون هجومهم في لبنان؟ لم يرضَ حزب الله بالتخلف عن الركب، فكثّف يوم السبت غاراته بطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، مستهدفًا بشكل خاص التجمعات العسكرية. تُشكّل هذه الطائرات المسيّرة "المتفجرة" تحديًا حقيقيًا للإسرائيليين لصعوبة رصدها، وقد أسفرت عن إصابة شخصين على الأقل في شمال البلاد: ضابط وجندي، أُصيب الأخير بجروح خطيرة وفقًا للجيش الإسرائيلي. لا يزال الرد الإيراني معلقًا على الصعيد الإيراني، كان اليوم هادئًا نسبيًا. صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الجمعة بأنه ينتظر ردًا إيرانيًا على آخر مقترح أمريكي، والذي لم يُقدّم حتى وقت كتابة هذا التقرير. هل تحاول الدبلوماسية الإيرانية فرض وتيرتها الخاصة، أم أن الانقسامات الداخلية في إيران قد بلغت حدًا يحول دون التوصل إلى رد واضح على المقترحات الأمريكية؟ هذا الخيار الثاني، على الأقل، هو ما يرجّحه تقرير أمريكي نقلته وسائل الإعلام. أبرز ما لفت الانتباه هذا السبت: الشكوك التي أبداها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي عبّر عن ارتيابه في "جدية الدبلوماسية الأمريكية في المفاوضات الجارية لإيجاد حل للصراع في الشرق الأوسط"، مستشهداً بـ"انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار". وقد وقعت مناوشات مسلحة في اليوم السابق في مناطق قرب مضيق هرمز، ولا تزال الأوضاع متوترة.

مفاوضات واشنطن: هل يكسر لبنان قيود "الساحة" ليدخل عصر "الدولة"؟

منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي، سعى لبنان جاهداً لحماية نفسه من الانزلاق الكامل في أتون الحروب المفتوحة، متبنياً سياسة قامت على ركيزتين: الأولى، أن يكون آخر دولة عربية توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل؛ والثانية، أن يظل "دولة مساندة" للقضية الفلسطينية لا "دولة مواجهة" تتحمل وحدها أعباء الحرب. انطلقت هذه المقاربة من طبيعة لبنان الخاصة، بتوازناته الدقيقة وتركيبته السياسية والاجتماعية التي لا تحتمل صراعات ممتدة تتجاوز قدراته وإمكاناته. إلا أن هذه المعادلة بدأت تهتز تدريجياً مع صعود العمل الفدائي الفلسطيني المسلح، حين تحوّلت مناطق واسعة من الجنوب إلى ما عُرف بـ "فتح لاند" بدعم من قوى إسلامية ويسارية. دخل لبنان آنذاك مرحلة جديدة من الانقسام، خاصة مع استغلال نظام الأسد لهذا الواقع وتوظيفه لخدمة مشاريعه الإقليمية، فصار لبنان ساحة مفتوحة للحروب والتسويات الخارجية. ومع مرور السنوات، تبدّلت الأسماء والوجوه وبقي المشهد على حاله؛ خرجت التنظيمات الفلسطينية ليحل مكانها النفوذ الإيراني عبر "حزب الله"، وتراجع الدور السوري لمصلحة طهران التي أمسكت بالقرارين السياسي والعسكري. غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة العلاقة بين إيران والحزب، إذ لم تعد مجرد تحالف مصالح، بل تحولت إلى ارتباط عقائدي وعضوي عميق، مما جعل فك الارتباط بين القرار اللبناني والمشروع الإيراني مسألة غاية في التعقيد. اليوم، تشهد المنطقة تحولات كبرى تعيد رسم التوازنات؛ فمع عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تبدلت المعادلات الدولية. وداخلياً، منح انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف الدكتور نواف سلام تشكيل الحكومة أملاً باستعادة الدولة لسيادتها بعد سنوات من الانهيار والهيمنة المسلحة. من هذا المنطلق، طُرح مشروع الحوار مع إسرائيل بعدما أوصدت إيران أبواب الحلول ووصلت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل. بات واضحاً أن استمرار الوضع القائم يعني سقوط لبنان نهائياً في عزلة مدمرة، لذا تعتبر السلطة الجديدة أن الإنقاذ يمر عبر تثبيت سلطة الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وإخراج البلاد من لعبة المحاور. غير أن هذا التوجه يصطدم بعراقيل داخلية؛ فالعلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئاسة الجمهورية تشهد توتراً متزايداً، مع شعور "عين التينة" بأن المسار التفاوضي يتجاوز التفاهمات التقليدية. وفي المقابل، يبدو موقف "الحزب" أكثر تعقيداً بعد انتقال قراره السيادي إلى الحرس الثوري الإيراني، مما يربط أي حوار داخلي بحسابات طهران ومفاوضاتها مع واشنطن. تؤكد السلطة اللبنانية اليوم رفضها ربط مستقبل البلاد بقطار التفاوض الإيراني الأمريكي، انطلاقاً من قناعة بأن لبنان لا يمكن أن يظل "ورقة ضغط" للخارج. وفي خطوة قد تؤسس لمسار سياسي جديد، يُرتقب عقد لقاء بين وفدين لبناني وإسرائيلي في واشنطن، يمثل محاولة جدية لاستعادة موقع "الدولة الطبيعية". يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما العودة إلى منطق الدولة والسيادة والمؤسسات، وإما البقاء رهينة للسلاح والمحاور الخارجية التي لم تورث اللبنانيين سوى الدمار والانهيار. هل يكسر لبنان قيود "الساحة" ليدخل عصر "الدولة"؟