Logotipo da Levant Time
Voltar ao artigo
دين

البطريرك الحويك، نبي العيش المشترك (1/4)

Imagem de notícia
البطريرك الحويك في صورة التُقطت في باريس عام 1919. واقفَين: المطران مقبل، المطران الخوري. (صورة ملوَّنة من الأصل المأخوذ عن وكالة ميريس)
Retrato do autor
Por فادي نون
Publicado يوليو 15, 2026 - 20:54

Juvenis ad majora natus «وُلد للعظمة». هذا هو شعار القديس ستانيسلاوس الذي دوّنه أحدهم بصورة نبوية في هامش كتيّب إلياس بطرس الحويك، في نهاية دراسته اللاهوتية. كان في الثامنة والعشرين من عمره آنذاك، ويقيم في روما منذ عام 1866، إذ أوفده البطريرك بولس مسعد لإتمام دراسته اللاهوتية التي بدأها في إكليريكية غزير عام 1859، والاستعداد لسيامته الكهنوتية.

بما عُرف عنه من ذكاء حاد والتزام دقيق بالنظام، كان هذا الرجل المقدَّر له العظمة ليصبح لا أقل من الممثل الثاني والسبعين لسلسلة طويلة من البطاركة الموارنة القديسين، وهو يُعدّ بلا شك من أبرز شخصياتها وأكثرها تأثيراً. وكان أعظم إنجازاته معركته من أجل إنشاء لبنان الكبير عام 1920.

ويدين اليوم بتطويبه إلى معجزة نُسبت إلى شفاعته، تمثّلت في شفاء ضابط في الجيش اللبناني من المذهب الدرزي يُدعى نايف أبو عسي، وهو رجل متأهل كان يعاني من إعاقة جراء مرض في العمود الفقري (انحلال الفقار الثنائي).

استيقظ الرجل ذات صباح من أبريل 2005 وقد تحرر من كل أعراض مرضه، فعزا هذه المعجزة إلى رجل رآه في المنام يرتدي ثياباً بيضاء ويحمل عصا، وقد تقدم إليه وبشّره بشفائه.

وُلد إلياس الحويك عام 1843 في قرية هلتا (البترون)، تلك القرية الصغيرة النائية في ركن منسي من أركان الدولة العثمانية. وكان هذا الرجل هو فعلاً رجل العناية الإلهية الذي سيدافع أمام جورج كليمنصو ثم أمام عصبة الأمم عن فكرة إنشاء لبنان الكبير، وذلك بعد شهرين من توقيع معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919، التي أوكلت جزءاً من الشرق الأدنى إلى الانتداب الفرنسي.

بات من الشائع في هذه الأيام توجيه اللوم إلى المدافع عن الدولة اللبنانية بسبب خياره -وهو خيار لم يكن حكراً عليه وحده- في التعامل مع لبنان دولةً تعددية، حتى وإن كان ذلك يجعل المسيحيين أقلية من حيث العدد.

غير أن وراء هذا القرار -وهذا أقل ما يمكن قوله- بُعداً نادراً في الرؤية السياسية والاقتصادية والكنسية. فأولاً، جاء لبنان الكبير ليحمي المسيحيين اللبنانيين من وضع أهل الذمة؛ فضلاً عن ذلك، فإن ضم بيروت وطرابلس والبقاع وجبل عامل إلى النواة «اللبنانية الجبلية» للمتصرفية أعاد إلى البلاد «سلّتها الغذائية» وأمّنها من مجاعة كتلك التي ضربتها عام 1915؛ كما وفّر لها ثروات مائية وفيرة، وتوّجها بواجهة بحرية تُعدّ من أجمل واجهات المتوسط، وأكسبها في الوقت ذاته موقعاً استراتيجياً فريداً.

بيد أن لبنان الجغرافي، وإن كان جوهرة ثمينة، فإن رسالته الإنسانية والروحية لم تكن أقل قيمة: إذ كان في نظر المدافع عنه أن يكون إطاراً للعيش المشترك، يجمع «الذئب والحمل» (إشعياء)، ذلك المثال الكتابي المشيحاني الذي سيسعى لبنان إلى تجسيده، والذي قال عنه يوحنا بولس الثاني إنه «نموذج للحرية والتعددية للشرق والغرب»؛ نموذج لا يزال يشدّ لبنان نحو الأعلى، على الرغم من كل الإخفاقات التاريخية التي مرّ بها.

مسيرة لا تشوبها شائبة ومليئة بالتجارب

قبل أن يُنتخب بالإجماع في 27 يناير 1898 لتولي المسؤولية الجسيمة لبطريركية الموارنة، وأن يضطلع بها بنزاهة وكفاءة حتى وفاته عام 1931، كان الرجل قد سلك، وبعناية إلهية أيضاً، مساراً تكوينياً شاملاً في مختلف المجالات.

إلياس الحويك، أكبر إخوته في عائلة من ثمانية أبناء، وابن كاهن صار بدوره كاهناً (إذ كان في السابعة من عمره حين رُسم والده)، ثم أسقفاً. غدا سكرتيراً خاصاً وموضع ثقة البطريرك بولس مسعد، الذي عهد إليه بمهام دقيقة لدى الباب العالي والكرسي الرسولي والعاصمة الفرنسية. ثم تولى منصب النائب البطريركي سبعة عشر عاماً، فاطّلع على خبايا وأسرار الكوريا البطريركية ودقائقها، قبل أن يُنتخب. وكان من الهيبة والوقار بحيث إنه حين راح يدافع عن نفسه في خضم الحرب العالمية من كل تهمة بـ«الخيانة» بسبب ارتباطاته بفرنسا، استغنى السلطان عن مترجمه، لِما كان يشعّ من وجهه من صدق لا يقبل الشك.

بعد أن كلّفه ليون الثالث عشر عام 1897 بإدارة المدرسة المارونية في روما، تخلّى البطريرك الحويك عن هذه المهمة بعد عامين إثر وفاة البطريرك مسعد. وما إن وصل إلى لبنان حتى توجّه مباشرةً إلى المقر البطريركي في بكركي للانضمام إلى الأعمال المجمعية المنعقدة هناك، فانتُخب بالإجماع في اليوم التالي لوصوله.

توضيحات

بعد نحو خمس سنوات وأشهر من إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر 1920 من مقر إقامة الصنوبر، أتيحت للبطريرك الفرصة لإيضاح موقفه السياسي. فقد عيّنت حكومة أريستيد بريان في الثالث والعشرين من ديسمبر 1925 الدبلوماسي هنري دو جوفينيل مفوضاً سامياً. وفور وصوله إلى لبنان، انكبّ على طمأنة مكوّنات المجتمع اللبناني واستطلاع آرائها، وأطلق في الوقت ذاته مشروع صياغة دستور للدولة الناشئة، الذي اعتُمد في الثالث والعشرين من مايو 1926.

وهكذا، رداً على السؤال السادس من استبيان جوهري وُجِّه إلى البطريركية المارونية - «هل ينبغي أن يكون التمثيل البرلماني طائفياً أم لا، ولماذا؟» - أوضح البطريرك إلياس الحويك والأساقفة الموارنة في الثامن من يناير 1926 مسوّغات مطلبهم بهذه العبارات:

«البلد مؤلَّف من طوائف دينية متعددة، لا تختلف في عقائدها وحسب، بل أيضاً في تقاليدها وعاداتها وأعرافها ونظرتها إلى القضايا الاجتماعية. ولذلك، فإن الانتخاب على أساس طائفي يتيح تمثيل هذه الطوائف في الهيئة التشريعية بنسبة محددة، فتتعارف وتتوافق، وتقبل كلٌّ منها التنازل عن جزء من مطالبها في إطار التنازلات المتبادلة. وهذه الديناميكية ستفضي تدريجياً إلى اندماج وتوحيد الحياة السياسية. في المقابل، إن إلغاء النظام السياسي القائم على التوزيع الطائفي في هذه المرحلة من شأنه أن يخلّ بالتوازن ويُرجّح كفة طائفة على حساب أخرى، مما يولّد التنافس والأحقاد. لهذا نرى أن يظل التمثيل قائماً على الانتماء الطائفي» (أرشيف البطريرك إلياس الحويك، وثيقة أ 46، ملف 45).

«ما يلفت القارئ في هذا العرض الرصين الجامع بين الإيجاز والعمق، يعلّق الأستاذ جورج الحبيقة، الوكيل العام للرهبانية اللبنانية المارونية ورئيس جامعة الروح القدس - الكسليك الفخري، هو أن البطريرك الحويك ينظر إلى التنوع والتعددية والاختلاف داخل المجتمعات البشرية باعتبارها معطىً طبيعياً. فلا يرى غرابةً في تباين التقاليد والعادات والأعراف والآراء الناجمة عن المعتقدات الدينية، ويحترم الحق في الاختلاف ويتمسك به بحزم بوصفه حقاً مقدساً لا يقبل المساومة. وما كان يسعه إلا ذلك.»

Artigos relacionados
Ver tudo
Vídeos relacionados
Ver tudo
Podcasts relacionados
Ver tudo