

في مقالنا السابق أوجزنا المحطات الأساسية في حياة جبران خليل جبران. وفي هذا الجزء الثاني، نغوص في بعض جوانب فكر هذا التأملي؛ بدءاً بتأثره بنيتشه، وصولاً إلى جبران الثائر والأب الروحي للقومية اللبنانية.
«أنا ابن الأرض والسماء. الغابة كنيستي،
والحقل هيكلي، والنجوم رفاق تأملي».
جبران خليل جبران
«الإنسان حبل مشدود بين الحيوان
والإنسان المتفوق، حبل فوق هاوية».
نيتشه
خلال إقامته في باريس، اكتشف جبران نيتشه، فأحدث الأخير تحولاً جذرياً في فكره وأسلوبه؛ إذ تحول من الشاعر الحزين الغارق في الحنين، إلى النبي الصادح بالحق. ومنذ تلك اللحظة، صارت كتابته قائمة على الحِكَم، نبوية وقوية.
بيد أن جبران، وعلى عكس نيتشه الملحد والساخر والمتشائم، ظل مؤمناً عميقاً ومفعماً بالرجاء. والحال أن جبران طوّع مفهوم نيتشه عن «الإنسان المتفوق» ليتناسب مع حساسيته الشرقية، وتصوره للقومية اللبنانية وحرية الشعوب.
وعلاوة على ذلك، فإن البنية السردية لكتاب «النبي» (حيث يخطب المصطفى في الحشود قبيل إقلاعه) تستحضر بشكل لافت بناء كتاب «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه.

«المُتشرّد، 1928». رسمٌ بالفحم. (متحف جبران خليل جبران)
العلاقة بالكنيسة: مؤمن متمرّد
«إيمانكم في داخلكم، وهو نبض قلوبكم».
«الدين قلب ينفتح، لا عقيدة تنغلق».
جبران خليل جبران
اتسمت علاقة جبران بالكنيسة بجدلية عاصفة من «الحب والنفور». مسيحي ماروني النشأة والثقافة، وقد تشربت روحه خلال طفولته من روحانية وادي قاديشا المقدّس، ملجأ الرهبان عبر التاريخ.
وقد تأثر أسلوبه بشكل مباشر بالكتاب المقدس الذي قرأه مراراً وتكراراً؛ ففي كتابه «النبي»، تتحدث الشخصية الرئيسية بالأمثال على طريقة الأسفار المقدسة. ومع ذلك، أصبح جبران من أشدّ منتقدي للمؤسسة الكنسية.
أثار كتابه «الأرواح المتمردة»، الصادر عام 1908، ضجة واسعة؛ إذ انتقد فيه بقسوة تحالف رجال الدين مع الاقطاع في وجه الفلاحين، واصفاً بعض الكهنة بأنهم «ذئاب في ثياب حملان». وعند صدوره، وُصف الكتاب بأنه «هرطوقي وثوري». إلا أن جبران لم يهاجم الإيمان في حد ذاته، بل نفاق المؤسسة.
كتب يقول: «لكم دينكم ولي ديني». ورغم تأثره بالتصوف والهندوسية، ظل جبران مسيحياً في الجوهر؛ مسيحياً يعود إلى الينابيع الأولى، ويرد كل شيء إلى يسوع الذي كَنَّ له عبادة مطلقة.
وفي ظل تأثره العميق بالرومانسية الأوروبية والحركة التعالية الأمريكية، لم يرَ في المسيح كائناً متألماً ومستسلماً، بل رآه «أسداً» هصوراً، وثائراً يحطم أغلال الدين المؤسساتي.
واليوم، غدت علاقته بالكنيسة مصالحة وهادئة، وبات يلقى تقديراً واسعاً في الأوساط الكنسية. ففي الولايات المتحدة، يبارك بعض الكهنة عقود الزواج بقراءة مقاطع من كتاب «النبي»، كما تُخصَّص له أطروحات جامعية من قبل رجال دين. ومن اللافت إن أول ترجمة عربية لكتاب «النبي» وضعها كاهن أرثوذكسي.

«الرَّامِي، 1923». لوحة مائية. (متحف جبران خليل جبران)
فكرة الهوية اللبنانية
«لبنان تربة روحي ومهد أحلامي».
«لبنانكم حكومة-أخطبوط متعددة الأذرع».
جبران خليل جبران
في الوقت الذي كان فيه لبنان يرزح تحت الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي، لعب جبران دوراً محورياً في صياغة الهوية اللبنانية الحديثة.
ومع ذلك، لم يكن منظّراً سياسياً؛ فمن نيويورك، حيث أسس «الرابطة القلمية»، أحدث ثورة في الأدب العربي وأعطى بعداً جديداً لعبقرية الاغتراب اللبناني، ليتحول إلى رمز وطني يجسد لبنان الفكر، والحرية، والروحانية.
وبتأثير من نيتشه، دعا جبران إلى هوية لبنانية قوامها الحرية والقوة وتجاوز الذات؛ فلم يكن يريد شعباً لبنانياً ضحية أو خاضعاً، بل كان يتطلع إلى أمة متحررة من الفساد، ومنفتحة فكرياً على العالم: «لبنان الجسر» بين الثقافات، المتميز عن محيطه العربي بروحانيته وتاريخه وانفتاحه.
وخلال المجاعة الكبرى عام 1914، ساند لبنان كثيراً عبر كتاباته، ولكن عندما عرض عليه الرئيس أيوب تابت حقيبة وزارية، رفض العرض يقيناً منه بأن السياسة ليست مساره.
واليوم، يجري بانتظام استغلال كتابات جبران من قبل السياسيين اللبنانيين وتحويرها لخدمة قومية شعبوية نفعية.
إن استحضار جبران يتيح لبعض المسؤولين السياسيين إضفاء هالة فكرية وأخلاقية على خطاباتهم، في حين يتجاهلون تماماً انتقاداته اللاذعة لفساد الحكام ونفاقهم.
جبران.. أيقونة رغماً عنه للثقافة المضادة
خلال ستينيات القرن الماضي، تحول كتاب «النبي»، الصادر عام 1923 في الولايات المتحدة، إلى ما يشبه مرجع «الثقافة المضادة»؛ إذ جذب أوساط «الهيبيز» بروحانيته الكونية وأبعاده المسكونية المنفتحة. وكان الطلاب يقرؤونه في الجامعات ويرفعونه كبيان لسعيهم الروحي خارج عن إطار المؤسسات التقليدية. بيد أن هذه الصورة تظل اختزالية؛ فجبران لم يكن يوماً «عراباً» أو نبيّاً لحركة «العصر الجديد» (New Age)، بل كان ثائراً مسيحياً، تسكن روح المسيح عمق وجدانه.
اقرأ في الموضوع نفسه: