شعار Levant Time

نساء متمردات

أم كلثوم، مهندسة أسطورتها (2/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
سبتمبر 2, 2026 - 09:38

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. حرصت أم كلثوم على وضع حد صارم بين مسيرتها الفنية وحياتها الخاصة، مما جعلها عرضة لموجات من الشائعات المغرضة. تزوجت للمرة الأولى عندما كان عليها مغادرة قرية نشأتها والانتقال إلى القاهرة، غير أن ذلك الزواج كان إجراء شكلياً بحتاً يهدف إلى تمكينها من السفر إلى العاصمة، إذ لم يكن يُسمح للمرأة العزباء في ذلك الوقت بالسفر بمفردها. وبالفعل، وقع الطلاق فور وصولها إلى القاهرة. وفي عام 1954، تزوجت مجدداً، وهذه المرة بشكل فعلي، من الدكتور حسن الحفناوي الذي كان لها سنداً كبيراً طوال حياتها، ولا سيما عندما واجهت المحن المرضية. لم يرزقا أطفالاً، وفي واقعة نادرة في ذلك العصر، كانت أم كلثوم هي صاحبة "العصمة"، أي حق إيقاع الطلاق، وهو حق يُمنح في الفقه الإسلامي للزوج مبدئياً. الهرم الرابع لم تكتفِ أم كلثوم بالاستحواذ على القلوب عبر الموسيقى فحسب، بل من خلال التزامها الوطني أيضاً. مع ذلك، كانت علاقتها بـ"الضباط الأحرار"، ومن بينهم جمال عبد الناصر، شائكة في البداية عقب انقلاب عام 1952. فبعدما أطاح الضباط بالملك فاروق، اعتُبرت أم كلثوم رمزاً من رموز العهد البائد، ومُنعت أغانيها من الإذاعة. ولم تَعُد إلى الأثير إلا بعد تدخل شخصي وحاسم من عبد الناصر، الذي يُنقل أنه خاطب الضباط الأحرار بغضب قائلاً: "هل جننتم؟ أتريدون أن تنقلب مصر علينا؟" ومنذ ذلك الحين، أضحت أم كلثوم صوت مصر الحديثة والوحدة العربية، تتحدث من موقع الند للند مع الرؤساء والملوك، مدعومة من عبد الناصر الذي رأى فيها صديقة وفية وحليفاً سياسياً لا يُقدّر بثمن. صدمة عام 1967 عقب هزيمة مصر في حرب الأيام الستة عام 1967، انطلقت أم كلثوم في جولة عالمية واسعة، وتبرعت بإيراداتها كاملة للحكومة المصرية لإعادة بناء الجيش. ويُحكى أنها طلبت من برونو كوكايتريكس مليوني فرنك مقابل حفلها في مسرح "الأولمبيا" (وهو مبلغ يفوق ما كانت تتقاضاه إيديث بياف آنذاك). وعندما سألها عن عدد الأغنيات التي ستؤديها، أصابته إجابتها المقتضبة بالذهول: "أغنيتان أو ثلاث!". استمر الحفل حتى الرابعة صباحاً، بحضور نخبة الغناء الفرنسي وجماهير تقاطرت من أنحاء الشرق الأوسط، كان من بينهم يهود من أصول شرقية يعتمرون "الكيباه". التحرر عن طريق التميز لم يقتصر تمرد أم كلثوم على المسرح فحسب، بل امتد إلى كواليس السلطة. فبرفضها الانصياع للدور المنوط بنساء بيئتها، شقت مساراً غير مسبوق. وعند وفاتها عام 1975، حظيت بجنازة مهيبة تليق برؤساء الدول؛ إذ غصت شوارع القاهرة بالملايين الذين خرجوا لوداع أيقونتهم المحبوبة. يُقال إن جنازتها طغت على جنازة صديق عمرها جمال عبد الناصر، الذي رحل قبلها بسنوات. لم تسمح أم كلثوم للعواصف يوماً بأن تكسرها؛ فمع كل محنة، كانت تعيد ضبط استراتيجيتها، محولة نقاط ضعفها، وظروف بلدها، إلى فرص. وظلت إلى الأبد كوكب هذا الشرق المليء بالتناقضات والمفعم بالسحر. وفي المحصلة، يظل هناك سؤال قائم: هل يمكن للمرء أن يغني للحب بكل هذا الإحساس دون أن يكون قد اختبره في أعماق وجدانه؟ تحت قناع المرأة القوية الذي أتقنت ارتداءه، هل عرفت من غنّت للحب طوال حياتها لوعة الهوى؟ لمن كانت تتوجه وهي تشدو: "أنت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه"؟ هل كانت امرأة عاشقة تغني من جوارحها، أم مجرد مؤدية استثنائية تكفي موهبتها لسحر الملايين؟ ذاك هو السؤال الأبدي، الذي لا جواب عنه، حول العلاقة بين الواقع وموهبة كبار الفنانين...

أم كلثوم، مهندسة أسطورتها (1/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
أغسطس 31, 2026 - 14:35

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. تتبوأ أم كلثوم مكانة مرموقة بين الشخصيات النسائية التي صاغت وجه القرن العشرين. لم تكن "كوكب الشرق" مجرد مطربة ذات صوت لا مثيل له، بل كانت، قبل كل شيء، رائدة بكل ما للكلمة من معنى. ففي مجتمع خانق، فرضت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي حضورها بفضل موهبتها الاستثنائية، وذكائها الاستراتيجي، وإرادتها الصلبة التي لا تلين. الغناء في زيّ صبي ولدت أم كلثوم مع مطلع القرن العشرين في قرية متواضعة بدلتا النيل. وأطلق عليها والدها الشيخ إبراهيم، وهو رجل دين، اسم "أم كلثوم" تيمناً بـإحدى بنات النبي محمد، وهو اسم يشير لغةً إلى ممتلئة الوجه والخدين. ومُنذ سن السادسة، بدأت موهبتها الاستثنائية في الغناء تتبلور وهي تستمع إلى والدها وهو يرنم آيات القرآن الكريم في المناسبات المختلفة بالقرى المجاورة. ولتمكينها من مرافقته، ابتدع والدها حيلة إلباسها زيّ فتى بدوي، إذ كان من غير المقبول إطلاقاً في ذلك الوقت أن تظهر فتاة شابة وتغني أمام الجمهور. منحتها تلك التجربة فرصة لا يُقدَّر بثمن؛ فتجويد القرآن الكريم ليس مجرد شعيرة روحية، بل هو أيضاً انضباط صوتي مكّنها من اكتساب نفس طويل وأداء متمكن، ونطق سليم ومتقن للعربية الفصحى، وهو ما شَكّل لاحقاً أحد أبرز أسلحتها الفنية. كان هذا التجاوز الأول بمثابة الخطوة الأولى في مسيرة حياة كَرّستها بأكملها لتجاوز الحدود. غزو القاهرة عندما وصلت إلى القاهرة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، لم تكن أم كلثوم سوى شابة قروية (فلاحة) قادمة من دلتا النيل. وكانت النخبة القاهرية تسخر أحياناً من بساطة أسلوبها، ولهجتها القروية، و ملابسها. ولمواجهة هذا الاستعلاء الطبقي، انخرطت في رحلة عصامية دؤوبة؛ فأحاطت نفسها بالمثقفين، وأقبلت بنهم على قراءة الشعر الكلاسيكي، وصقلت حصيلتها اللغوية، وتعلّمت أصول اللياقة واللغة الفرنسية. وفي غضون سنوات قليلة، قلبت الموازين رأسًا على عقب: أصبح نطقها السليم والفصيح للعربية سلاحها الرئيسي، وفرضت احترامها وإعجابها على النخبة والمثقفين على حد سواء. ولادة "كوكب الشرق" في القاهرة، انغمست أم كلثوم في وسط فني غني، كان حكراً على الرجال. في ذلك الوقت، كانت مهنة الغناء عند النساء (العوالم) تُربط بالخلاعة أو حتى بالبغاء. فبالنسبة لامرأة تنتمي إلى عائلة دينية محافظة كعائلتها، كان الغناء في مسارح وكاباريهات القاهرة يُعدّ عاراً. لكنها، بعيداً من الانصياع لما يُفرض عليها، قررت التحكم بفنها ومسيرتها مطلقاً، وفرض قواعدها الخاصة. صناعة الشخصية في مرحلة مبكرة، ومن دون اللجوء الى مستشارين فنيين، ابتكرت أم كلثوم مفهوم "النجمة البعيدة المنال". فبنت حصناً حول صورتها، وفرضت انضباطاً صارماً على محيطها، واعْتَمَدَت أناقة حازمة، رافضة الخضوع لألاعيب الإغراء السائدة في الوسط الفني. وعلى المسرح، ابتكرت لنفسها حضوراً غير مسبوق، محولة نقاط ضعفها إلى رموز؛ فإثر إصابتها بمرض في العينين (داء باسلدو)، اعتمدت نظارات سوداء حادة زادت من غموضها وهيبتها. أما منديل الحرير الشهير الذي كانت تعبث به بلا انقطاع على المسرح – والذي استخدمته في البداية لتجفيف يديها المتعرقتين من شدة التوتر – فقد تحول إلى علامتها الفارقة. حتى كعكة شعرها المشدودة بصرامة كانت جزءاً من شخصيتها الفنية، تُضفي مزيداً من الهيبة والهالة على حضورها. رؤية استشرافية وسبّاقة لعصرها منذ عام 1934، أدركت أم كلثوم أهمية وسائل الإعلام الحديثة، فكانت أول فنانة توقع عقداً مع الإذاعة الرسمية المصرية الناشئة. وأضحت حفلاتها التي تُبث في الخميس الأول من كل شهر بمثابة طقس جامع يخلو منه الشارع الممتد من المشرق إلى المغرب. كانت أم كلثوم تفاوض على عقودها بنفسها بصرامة فائقة، وسرعان ما أصبحت الفنانة الأعلى أجراً والأكثر احتراماً في مصر. الصرامة الفنية المطلقة كانت أم كلثوم تختار نصوصها بنفسها من كبار شعراء عصرها، أمثال أحمد شوقي وأحمد رامي الذي قيل إنه كان يحبها في السر. وكانت تدفع ملحنيها (ومنهم الشهير رياض السنباطي) إلى أقصى طاقاتهم الإبداعية. وفي عام 1964، تعاونت أم كلثوم مع منافسها الفني، الموسيقار محمد عبد الوهاب، لإنتاج إحدى اشهر أغنياتها: "أنت عمري". وبفضل قدرتها الاستثنائية على الارتجال، كانت الأغنية الواحدة تتجاوز الساعة، وفقاً لتفاعل الجمهور. ولم تكتفِ بالغناء فحسب، بل كانت تقود عازفيها بنفسها. وكانت ترغمهم – وهم نخبة الموسيقيين في مصر – على تجاور قدراتهم حتى الوصول إلى الانسجام التام، إلى درجة أن أحدهم قال: "نحن لا نعزف لأم كلثوم؛ هي ترتجل، ونحن نتبعها". غنت أم كلثوم للحب فأصبحت أيقونة الطرب بلا منازع، وهو حالة من الانتشاء الروحي والموسيقي تشبه في تقنياتها موسيقى البلوز والجاز، وكانت في الوقت ذاته تسيطر على جمهورها بإشارة واحدة من يدها.

ماري كوري: ما وراء الأحكام المسبقة... أبحاث اليورانيوم وجائزتا نوبل (4)

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. تجسّد ماري كوري الروح الحقيقية للتمرد الفكري. لم تكتفِ بتحدي القوانين السياسية لبلادها والأحكام المسبقة التي كبّلت عصرها، بل وسّعت آفاق المعرفة البشرية إلى أبعاد غير مسبوقة. ولدت ماريا سالوميا سكلودوفسكا (Maria Salomea Skłodowska) عام 1867 في وارسو، التي كانت خاضعة آنذاك للوصاية الروسية. ومنذ صغرها، أبدت نبوغاً استثنائياً. ورغم أن والديها حرصا على تعليمها هي وشقيقاتها أسوة بأخيهن، فإن القوانين القيصرية حظرت على النساء دخول الجامعة. لم تستسلم ماريا، فانضمت إلى "الجامعة العائمة"، وهي مؤسسة سرية كانت تمنح التعليم العالي للشابات البولنديات رغماً عن السلطات القيصرية. وشكّل هذا التحدي التمهيد الحقيقي لمصيرها. وإدراكاً منها أن وطنها لن يروي ظمأها العلمي، قررت الرحيل إلى باريس مع شقيقتها برونيا التي كانت تطمح لدراسة الطب. وبعد سنوات من العمل الشاق كمربية لتأمين نفقات دراستهما، وصلت ماري إلى باريس عام 1891. كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، بلا مال تقريباً، لكن بشغف لا يرتوي للتعلم. السوربون التحقت ماري بجامعة السوربون وانكفأت على الدراسة بصرامة وشغف، مضاعفة جهودها لتعويض ما فاتها. عاشت في غرفة عليّة باردة، وكادت لا تأكل شيئاً، غير أن ذهنها انفتح على آفاق واسعة أخيراً، فحلّت الأولى في إجازة الفيزياء، والثانية في الرياضيات. وفي خضم هذا الزخم الفكري، التقت ببيير كوري، العالم الذي يماثلها حرية وشغفاً. ولم تكن رابطتهما مجرد قصة حب، بل اندماجاً بين عبقريتين استثنائيتين. ومعاً، خاضا غمار البحث في سر الأشعة الخفية التي يبعثها اليورانيوم. في مستودع سيئ العزل، قارساً في الشتاء وخانقاً في الصيف، واظبت ماري بلا تعب على تحريك قدور من "البتشبلند"، وهو خام اليورانيوم. ورغم أن الأوساط العلمية الذكورية لم تأخذها على محمل الجد، فإن ماري لم تتراجع. كان الجهد جباراً، لكن النتيجة غيَّرت وجه الفيزياء الحديثة: اكتشف ماري وبيير عنصرين كيميائيين جديدين، هما البولونيوم – الذي أُطلق عليه هذا الاسم تكريماً لوطنها الأم – والراديوم. فكان ذلك إيذاناً ببدء عصر النشاط الإشعاعي. ماري وبيير كوري خلال عملهما في المختبر. انتصارات ومآسٍ: فرض المكانة في عام 1903، جاءت جائزة نوبل في الفيزياء لتتوج أبحاثهما. في البداية، كانت الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة تتجه لتكريم بيير كوري وهنري بيكريل فقط، متجاهلة عن عمد مساهمة ماري. غير أن بيير هدد برفض الجائزة ما لم تُشرك فيها. وبذلك، أصبحت ماري أول امرأة تنال جائزة نوبل. لكن القدر، بقسوته المعهودة، وجه إليها ضربة موجعة؛ ففي عام 1906، قضى بيير دهساً تحت عجلات عربة تجرها الأحصنة. ورغم فاجعتها، رفضت ماري الاستسلام للنسيان الذي كان يُفرض حينذاك على الأرامل، وحوّلت حزنها إلى قوة للعمل؛ فواصلت أبحاثها وشغلت كرسي زوجها في جامعة السوربون، لتصبح أول امرأة تدرّس في هذه الجامعة العريقة. في مواجهة الحملة المغرضة: إصرار حتى النهاية في عام 1911وإثر كشف علاقتها بالفيزيائي بول لانجفان – وكان متزوجاً ولديه أطفال –شنت الصحافة الفرنسية عليها حملة تشويه عنيفة، حملت طابعاً عنصرياً ومناهضاً للمرأة. ورغم تلك الهجمة الإعلامية التي كادت تطيح بمستقبلها المهني، لم تتراجع ماري، وسافرت في العام نفسه إلى ستوكهولم لتسلّم جائزتها الثانية في نوبل، ولكن في مجال الكيمياء هذه المرة. ولا تزال ماري كوري، حتى يومنا هذا، الشخص الوحيد الذي نال جائزتي نوبل في مجالين علميين مختلفين. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى، جندت ماري نفسها وفاءً لمبادئها. فعملت على نشر سيارات "كوري الصغيرة" على جبهات القتال، وهي وحدات جراحية متنقلة مزودة بأجهزة تصوير شعاعي كانت تقودها بنفسها خلال الحرب، وساهمت بذلك في إنقاذ حياة الكثيرين. إرث خالد واصلت ماري أبحاثها حتى وفاتها. ورغم الإنهاك الذي سبّبه لها المرض، جابت العالم، وألّفت الكتب، وزارت الولايات المتحدة حيث حظيت باستقبال حافل، وشاركت في مؤتمرات علمية عدة، مثل مؤتمر "سولفاي"، إلى جانب كبار علماء من بينهم ألبير أينشتاين. وفي نهاية المطاف، تم الاعتراف بمساهمتها في تقدّم العلوم والطب، ولا سيما في مكافحة مرض السرطان. وكانت ابنتها الكبرى إيرين تساعدها في عملها، وسيراً على خطى والديها، تزوجت هي الأخرى من باحث، وحصلت بدورها على جائزة نوبل. "إلى عظماء الوطن، اعترافاً بفضلهم" رحلت ماري كوري عام 1934، بعدما أنهكها التعرض للإشعاعات لعقود طويلة. ولا تزال دفاتر مختبرها، تماماً كجسدها، تحمل أثر العلوم التي كشفت عنها. وماري، التي نُعتت في مرحلة ما بـ"الأجنبية ومخرّبة البيوت"، ترقد اليوم في صرح "البانتيون" داخل تابوت من رصاص، بين كبار الخالدين. لقد كانت متمردة بصمت، فانتصر عملها ومواقفها على أعتى الأحكام المسبقة. لم تكتفِ بقبول العالم كما هو، بل شرّحته، وفهمته، ونجحت في تغييره.

متمردات، ملهِمات ومستلهَمات: كاميل كلوديل (3)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
أغسطس 20, 2026 - 00:49

بعض البشر يستسلمون لمصيرهم، فيما يأخذ آخرون زمام قدرهم بأيديهم. ويصبح ذلك أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بامرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. ومع ذلك... لم تتردد بعض النساء في خوض المعركة، فنجحن في كسر المحرّمات والإملاءات التي فرضها عصرهن. على مرّ العصور، رفضت نساء كثيرات أن يكنّ مجرد تفصيل هامشي في التاريخ. سواء حملن الريشة أو القلم، أو خضن غمار العلم، أو رفعن أصواتهن، فقد عشن زمنهن بجرأة بلغت أحياناً حدّ الفضيحة. أرادوهنّ مُلهِمات للفنانين، فأصبحن هنّ المبدعات. أرادوهنّ خاضعات، فاخترن الحرية، وأرادوا إسكاتهن، فرفعن أصواتهن أعلى وأقوى دفاعاً عن قناعاتهن. من أرتيميسيا جنتيليسكي، التي تحدّت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج صاند التي استبدلت قيود المشدّ بحرية الكتابة، مروراً بكامي كلوديل، تلك الروح الجريحة، وبصرامة ماري كوري وعبقريتها، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العالمي... لم تكتفِ هؤلاء النساء بالالتفاف على إملاءات عصرهن، بل حطّمنها. وفي مسيرتهن، نجحن أحياناً وأخفقن أحياناً أخرى، لكنهن لم يستسلمن أبداً. هذه السلسلة من المقالات رحلة عبر الزمن للقاء شخصيات متوهجة، سكنتها إرادة لا تلين، ولا تزال حتى اليوم مصدر إلهام عميق. في نهاية القرن التاسع عشر، كان يُفترض بالمرأة المحترمة أن تكون زوجة وأماً، وفي أفضل الأحوال ملهمة رقيقة لفنان. لم يكن مسموحاً لها أن تلامس الطين، أو تنحت الرخام، أو تواجه عري الأجساد. وبالتالي، لم يكن النحت من الفنون التي تمارسها النساء، إذ كان فناً جسدياً و«قذراً» يُعدّ حكراً على الرجال. لكن كاميل كلوديل (1864-1943) اختارت اقتحام هذا الحصن بالذات. كانت فنانة ذات عبقرية متقدة، تجرأت على انتهاك كل المحظورات التي فرضها عصر خانق. اختارت النحت مهنة، وعاشت حباً خارجاً عن المألوف، ودفعت ثمناً باهظاً مقابل حرية لم يكن مجتمع نهاية القرن التاسع عشر مستعداً لمسامحتها عليها. وانتهت مسيرتها المأساوية، بما حملته من شدة استثنائية، محطمة على جدران المصحّ العقلي. البدايات وُلدت كاميل في عائلة من البرجوازية الصغيرة في الأقاليم الفرنسية، وهي شقيقة الكاتب بول كلوديل. ولم يكن ثمة ما يوحي بأن هذه الفتاة ستتجه يوماً إلى النحت، إذ كان يُفترض بالمرأة آنذاك أن تكتفي بالرسم بالألوان المائية أو التطريز. لكن كاميل بدأت منذ مراهقتها تعجن الطين بشغف جامح. شجعها والدها، الذي أدرك باكراً موهبتها المذهلة، فيما عارضتها والدتها القاسية والمتصلبة نفسياً. وانتقلت إلى باريس، حيث التحقت بأكاديمية كولاروسي وتعلمت كيفية تطويع المادة. المرآة المتّقدة: إعصار رودان عام 1883، التقت كاميل بأوغست رودان. كان في الثالثة والأربعين، فيما كانت هي في التاسعة عشرة. وكان المعلم آنذاك في ذروة شهرته، فلاحظ على الفور الموهبة الاستثنائية التي تتمتع بها الشابة. أصبحت تلميذته، ثم عارضته، ومساعدته، وأخيراً عشيقته. وعلى امتداد عقد كامل، امتزجت عبقريتهما في حوار فني بالغ القوة. وقد أثّرت كاميل في رودان بقدر ما استلهمت منه. شاركت في العمل على بعض روائع المعلم، مثل بوابة الجحيم، والقبلة، وبرجوازيو كاليه وغيرها، وأضفت خفة ورهافة إلى منحوتاته البرونزية. لكن على الرغم من موهبتها، لم يرَ فيها المجتمع سوى عشيقة. حتى النقاد بدأوا يهمسون بأن موهبتها ليست سوى انعكاس لموهبة المعلم. وفي عام 1892، بعدما رفض رودان ترك روز بوريه، رفيقته الدائمة، والزواج من كامي، أنهت الأخيرة علاقتهما. اختارت الوحدة لإنقاذ فنها، رافضة أن تُختزل في صورة «دمية رودان». تأكيد عبقرية مستقلة وحيدةً، أنجزت كاميل كلوديل بعضاً من أكثر أعمالها تأثيراً، وتحررت من جمالية معلمها. فبينما كان رودان يعمل على الكتلة، كانت كلوديل تنحت الحميمية والاختلال. سعت إلى التعبير عن حقيقة الأجساد، وحركة الروح، والحسية الخام. وابتكرت نحتاً سردياً يلتقط اللحظة برهافة استثنائية، مستخدمة العقيق اليماني والرخام ومزج المواد المختلفة. “سنّ النضج”، كاميل كلوديل، 1902، متحف أورسيه. وتُعد منحوتة سن النضج ( L'Âge mûr ) تحفتها الأشهر، إذ تجسّد الهروب الحتمي للزمن وحبها الضائع مع رودان: رجل ناضج تسحبه امرأة مسنّة بعيداً عن ذراعي امرأة شابة راكعة تتوسل إليه. وقد عُثر بالصدفة قبل سنوات على واحدة من النسخ البرونزية الست لهذا العمل في شقة باريسية، وبيعت بأكثر من ثلاثة ملايين يورو. لكن استقلال كاميل كان له ثمنه. فمع غياب دعم شبكة علاقات رودان، أصبحت التكليفات الفنية نادرة. وغرقت كاميل في الفقر والعزلة والارتياب المدمّر. وباتت مقتنعة، خلافاً للواقع، بأن رودان يتجسس عليها ويسرق أفكارها. وفي نوبات اليأس، كانت تحطم قوالبها الجصية بيديها مستخدمة المطرقة. العقاب: ثلاثون عاماً من الصمت نزل عقاب المجتمع الأبوي عليها كالمقصلة، وكانت عائلتها نفسها هي التي تولّت تنفيذه. ففي عام 1913، وبعد وفاة والدها الذي كان سندها الوحيد، وقّع شقيقها بول كلوديل ووالدتها قرار إدخالها إلى مصحّ للأمراض النفسية. كانت كاميل كلوديل آنذاك في الثامنة والأربعين. أمضت السنوات الثلاثين الأخيرة من حياتها في المصحّ، ولم تلمس النحت بعد ذلك أبداً. ومع ذلك، أشارت التقارير الطبية سريعاً إلى تراجع أوهامها، لكن والدتها رفضت رفضاً قاطعاً السماح بخروجها. أما بول كلوديل، فلم يزر شقيقته سوى مرات معدودة على امتداد ثلاثة عقود. توفيت عام 1943 وسط لامبالاة عامة، ضحية سوء التغذية الذي كان يضرب المصحات آنذاك. ودُفنت في قبر جماعي، وضاع أثر رفاتها إلى الأبد. إرث امرأة متمرّدة دفعت كاميل كلوديل حياتها ثمناً لعبقريتها. أراد المجتمع وعائلتها محو اسمها، لكن المادة التي أحبتها إلى هذا الحد لم تنسها. بعد سنوات من وفاتها، أُعيد اكتشاف أعمالها، وأُنصف أخيراً إبداعها وموهبتها. فالمرأة التي لم تحظَ حتى بقبر لائق، نالت أخيراً الاعتراف بها كفنانة رائدة وعبقرية. ومنذ عام 2017، أصبح لها متحف يحمل اسمها، شأنها شأن كبار الفنانين. واليوم، تُعد كاميل كلوديل واحدة من أبرز الفنانات التشكيليات في التاريخ، وقد أثبتت أن العبقرية لا جنس لها ، ومهّدت الطريق لأجيال من النساء الفنانات.

جورج ساند: اسم رجل لإثبات الذات ككاتبة غزيرة الإنتاج (2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
أغسطس 12, 2026 - 15:34

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. نستكمل سلسلتنا عن نساء شهيرات لكن متمردات، مع جورج ساند. كان الأدب في القرن التاسع عشر، بشكل أساسي، حكراً على الرجال، غير أن امرأة واحدة رفضت إملاءات عصرها: أمانتين أورور لوسيل دوبان (Amantine Aurore Lucile Dupin)، باسمها المستعار "جورج ساند". لم تتردد في خضخضة الأعراف والموروثات والقوانين؛ فهذه الكاتبة غزيرة الإنتاج، والأم الشجاعة، والعاشقة الشغوفة، عبرت عصرها كالإعصار، رافضة الانصياع والسجن داخل القفص الذهبي للرصانة وما هو مقبول اجتماعياً. الطفولة قضت أورور دوبان (Aurore Dupin) طفولتها في منطقة بيري (Berry)، وتحديداً في قصر نوهان (Nohant)، إلى جانب جَدّةٍ أرستوقراطية ومثقفة وفّرت لها تربيةَ سيدةِ مجتمعٍ رفيعة، ومكّنتها من تحصيل ثقافةٍ استثنائية بالنسبة إلى عصرها. وعلى الرغم من كونها يتيمة الأب وتخلّي والدتها عنها بموجب صفقةٍ دنيئة، عاشت أورور طفولةً سعية في رحاب الطبيعة وبين كتب جَدّتها. بورتريه لجورج ساند، لوحة زيتية على قماش بريشة أوجست شاربنتييه (1838)، ومحفوظ في متحف الحياة الرومانسية في باريس. المعركة من أجل أطفالها وأرضها "الرجال يضعون القوانين، والنساء يصنعن الأعراف." انقلبت حياة جورج ساند رأساً على عقب حين قرّرت الهرب من زواجها التعس مع البارون كازيمير دودوفان (Casimir Dudevant). في ذلك الوقت، كان قانون نابليون صارماً لا يرحم: فالمرأة المتزوجة تُعدّ قاصراً قانوناً؛ أموالها وممتلكاتها، بل وحتى أطفالها، يملُكهم الزوج بحكم القانون. غير أن أورور رفضت الخضوع. وفي عام 1835، خاضت دعوى قضائية مدوّية للمطالبة بالانفصال في الملكية والجسد عن زوجها. وفي قلب هذه المعركة، كان أثمن ما عندها: طفلاها موريس وسولانج، وقصرها نوهان. في القرن التاسع عشر، كانت المطالبة بالطلاق واستعادة الثروة العائلية من جانب امرأة تُعدّ فضيحةً مطلقة. وأمام القضاة، أبدت ساند حزماً قاطعاً وذكاءً قانونياً لافتاً، فكسبت الدعوى واستعادت نوهان وحضانة طفليها في آنٍ واحد. كسب العيش بالقلم: نضال طليعي على الرغم من استعادتها حريتها، كانت ساند تعاني ضائقة مالية خانقة جراء المصاريف القضائية، فبات عليها أن تكسب عيشها من قلمها لإعالة أسرتها. ولتتمكن من نشر كتبها، والتنقل بحرية في باريس دون مرافقة، وحضور العروض المسرحية، والتردد على مكاتب تحرير الصحف، وما إلى ذلك، قررت ارتداء زي رجل (معطفها الرمادي الشهير "الريدنغوت")، وتدخين السيجار، واتخاذ اسم رجل. وهكذا ولدت جورج ساند. كانت تنكب على الكتابة ليلاً، لربما أحياناً لمدّة تصل احياناً إلى أربع عشرة ساعة في اليوم، مواصلةً كتابة الصفحات تلو الصفحات لتسديد تكاليف تعليم طفليها وصيانة قصرها. وتطرقت في رواياتها إلى الى مواضيع جريئة وغير مألوفة في ذلك العصر، كالمرأة والرغبة. وبذلك أصبحت أول امرأة في فرنسا تكسب عيشها من قلمها، معامِلةً عمالقة عصرها كَنُدٍّ لِنُدّ: بلزاك، فلوبير، أو فيكتور هوغو، مما أثار حفيظة هؤلاء. بالنسبة إليها، لم تكن الكتابة مجرد تسلية، بل كانت فعل إيمان: "الفن لأجل الفن عبارة فارغة. الفن لأجل الحقيقة، الفن لأجل الجمال، الفن لأجل الخير، هذه هي الديانة التي أبحث عنها". العاشقة المطلقة: قصة الحب مع شوبان "ليس في الحياة سوى سعادة واحدة: أن تُحِبّ وتُحَبّ". لم تكن جورج ساند تقبل بأنصاف الحلول في شيء، ولا سيما في الحب. كانت عاشقة بلا حدود، تبحث في الشغف عن سموٍّ للروح، حتى لو كلفها ذلك المعاناة وإثارة الفضائح. وبعد علاقة عاصفة ومدمّرة مع الشاعر ألفرد دو موسيه (Alfred de Musset) انتهت بفضيحة مدوية، وبعد علاقات متعددة، عاشت مع شوبان واحدة من أجمل وأكثر قصص الحب تعقيداً في الحقبة الرومانسية. عندما التقيا، كان شوبان مريضاً ومثقلاً بالهموم، في حين كانت ساند، على العكس منه، تفوض بالحيوية. لقد كان حباً من النظرة الأولى. اعتزلا معاً شتاءً في مايوركا، وتحديداً في دير الشارتروز في فالدموسا (Chartreuse de Valldemossa). وفي ذلك المكان الموحش والماطر، وبينما كان شوبان ينفث دماً ويؤلف أجمل مقطوعاته (البريلود - Préludes)، تحولت ساند إلى حبيبة وملهمة وممرضة مخلصة. كانت تسهر على رعاية حبيبها العبقري، وتدير في الوقت عينه شؤون الحياة اليومية، وتكتب رواياتها على ضوء الشموع فيما كان هو يؤلف اجمل مقطوعاته على البيانو. استمرت علاقتهما زهاء تسع سنوات، متأرجحة بين التناغم الفني والنزاعات المؤلمة. ورغم كل خيباتها، ظل الحب المحرك الأساسي لحياتها. إرثٌ من الظلال والأنوار "خيبات الأمل لا تقتل، والأملُ هو ما يبقينا على قيد الحياة". في خريف عمرها، رحلت من كانت تُلقَّب بـ "سيدة نوهان الطيبة"، بعدما اعتزلت في قصرها. وخلّفت وراءها أكثر من سبعين رواية، وآلاف الرسائل، وذكرى امرأة صادقة مع نفسها، عرفت كيف تحوّل معاركها الشخصية والخاصة إلى اعمال أدبية تحاكي الانسان والعالم. رحلت تاركةً يقيناً راسخاً لكل امرأة (ولكل رجل أيضاً) سيسير على خُطاها: الحرية لا تُتفاوَض، بل تُنتَزَع! إقرأ أيضاً حين حملت فنانة من فلورنسا العتيقة ريشتها سلاحًا (1)

حين حملت فنانة من فلورنسا العتيقة ريشتها سلاحًا (1)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
أغسطس 2, 2026 - 02:33

هناك من يستسلم لقدره، وهناك من يقرر أن يصنع مصيره بيديه. ويغدو ذلك أكثر صعوبة حين تكون صاحبة هذا التحدي امرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. ومع ذلك… لم تتردد بعض النساء في خوض المعركة، ونجحن في كسر المحرمات والقيود التي فرضها عليهن عصرهن. على مرّ العصور، رفضت نساء كثيرات أن يكنّ مجرد هامش في صفحات التاريخ. سواء حملن الريشة أو القلم أو أدوات العلم أو صوتهن، فقد تركن بصماتهن في زمنهن بجرأة بلغت أحيانًا حدّ الفضيحة في نظر معاصريهن. أرادهن المجتمع مجرد ملهمات، فاخترن أن يكنّ مبدعات. وطالبهن بالخضوع، فاخترن الحرية. وسعى إلى إسكاتهن، فرفعن أصواتهن أعلى وأكثر قوة دفاعًا عن قناعاتهن. من أرتيميسيا جنتيليسكي التي تحدّت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج صاند التي استبدلت قيود الكورسيه بحرية الكتابة، مرورًا بكاميل كلوديل، الفنانة المجروحة حتى الأعماق، وبعبقرية ماري كوري الصارمة، وصولًا إلى الصوت العالمي لأم كلثوم… لم تكتفِ هؤلاء النساء بالتحايل على قيود عصرهن، بل حطّمنها. نجحن أحيانًا وأخفقت محاولاتهن أحيانًا أخرى، لكنهن لم يستسلمن يومًا. هذه السلسلة من المقالات هي رحلة عبر الزمن للقاء هذه الشخصيات المتوهجة، التي سكنتها إرادة لا تلين، وما زالت حتى اليوم مصدر إلهام عميق. أرتيميسيا جنتيليسكي... الانتقام بالفن في فلورنسا خلال القرن السابع عشر، كانت ممارسة الرسم حكرًا على الرجال، ولم يكن يُسمح للنساء إلا بأن يكنّ عارضات أو شخصيات رمزية جامدة في اللوحات. ومع ذلك، اقتحمت أرتيميسيا جنتيليسكي هذا العالم المغلق، ولم يكن سلاحها سوى ريشة تواجه بها الظلم والذكورية. ظلّ الصدمة وُلدت أرتيميسيا في روما عام 1593، ونشأت في محترف والدها الرسام أوراتسيو جنتيليسكي. وسرعان ما ظهرت موهبتها الاستثنائية في الرسم. وإذا كان أسلوب كارافاجيو القائم على التباين الحاد بين الضوء والظل يجري في عروقها، فإنها أضفت عليه واقعية إنسانية وعمقًا دراميًا غير مسبوقين. ولصقل موهبتها، عهد والدها إلى الرسام أغوستينو تاسي بتعليمها أصول الفن. لكن حياة أرتيميسيا انقلبت رأسًا على عقب وهي في السابعة عشرة من عمرها، بعدما اغتصبها أغوستينو تاسي، الرجل نفسه الذي اختاره والدها ليكون معلّمها. وفي وقت كانت الغالبية الساحقة من ضحايا الاغتصاب تلتزم الصمت اتقاءً لعار المحاكمة العلنية، اختارت أرتيميسيا المواجهة. فمثلت أمام القضاء، متحمّلة إذلالًا مضاعفًا: عنف الجريمة نفسها، ثم مهانة محاكمة استمرت أشهرًا، خضعت خلالها لفحوص علنية وللتعذيب بواسطة براغي الإبهام للتأكد من "صدق" أقوالها. في زمن كانت فيه مجتمعات عصر النهضة ترى أن على المرأة أن تدفن عارها في الصمت، واجهت أرتيميسيا جلادها، ومن خلاله واجهت المجتمع بأسره. ولإدراك حجم شجاعتها، يكفي أن نلاحظ أنه بعد خمسة قرون، لا تزال كثير من النساء يترددن في التقدم بشكاوى قضائية بعد تعرضهن للاغتصاب. ريشة العدالة أما الجاني، الذي حظي بحماية نافذين، فلم ينفذ العقوبة التي حُكم بها عليه. لكن أرتيميسيا لم تستسلم. فلم يكن ردّها على الظلم بالبكاء أو الخجل، بل بعزيمة عميقة على النجاح كفنانة، تجسدت في روائع فنية تموج بالغضب والإبداع. لقد تحولت ريشتها إلى سلاح. ومن أشهر أعمالها لوحة «يوديت تقطع رأس هولوفيرنيس» ، التي تمثل ذروة التطهير النفسي. فعلى خلاف الصور التقليدية التي تظهر يوديت وهي تشعر بالاشمئزاز من فعلتها رغم تنفيذها إرادة الله، صوّرت أرتيميسيا بطلتها بكل قوتها الجسدية وغضبها المكبوت. فالضربة التي تفصل رأس هولوفيرنيس عن جسده تأتي حاسمة ودقيقة، والدم يتدفق بواقعية تشريحية مذهلة، فيما يشع من نظرة يوديت تصميم لا يعرف الرحمة. وقد كتبت أرتيميسيا في إحدى رسائلها: «سأريكم ما تستطيع امرأة أن تفعله». لم تكن ترسم مجرد مشهد توراتي، بل كانت تنفذ حكمًا فنيًا على مغتصبها. ومنذ ذلك الحين، امتلأت أعمالها بنساء يتحلين بالقوة نفسها والإرادة ذاتها. ملكة بلا تاج حوّلت أرتيميسيا جنتيليسكي جرحها إلى جماليات تحتفي بقوة المرأة. وبريشتها وحدها، ما زالت، منذ قرون، تواصل تحت ملامح يوديت تنفيذ حكمها على جلادها. كان يمكن لمأساتها أن تحطمها، لكنها أصبحت أول امرأة تُقبل في أكاديمية الرسم المرموقة في فلورنسا. وبلغت منزلة كبار رسامي عصر النهضة، وتنافس الملوك وآل ميديشي على اقتناء أعمالها. لم تنجُ من عصرها فحسب، ولم تتجاوز المحن التي واجهتها فقط، بل صنعت مصيرها بيديها، وفرضت حضورها على زمنها بكل شموخ، ونقشت اسمها في خلود الفن بضربات من الضوء والشجاعة. تحية للفنانة!