شعار Levant Time

قصة رافائيل

الجذور، الفصل الثالث: زمن الأشباح
بقلم
نديم تابت
نُشر
يوليو 14, 2026 - 10:25

في الفصل الثاني من هذه السلسلة من النصوص عن التاريخ الكبير وعن حكاية ابني رافاييل، “زمن التكرار، زمن التسارع”، تناولتُ عودة خطاب التفوق الحضاري، الموروث من القرن السادس عشر، وكيف تبنّاه دعاة حضارة جديدة ستغدو فيها التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أكثر أهمية من الإنسان نفسه. غير أنّ خاتمة ذلك النص، التي اتسمت بشيء من التفاؤل الحذر، عادت إلى فيلم “ماجلان” للمخرج لاف دياز، وإلى اختياره أن يصوّر لابو-لابو، رمز المقاومة الفلبينية المنتصرة في مواجهة الغزاة الإسبان، بوصفه شبحًا أكثر منه شخصية تاريخية عاشت فعلًا. وتلك القوة التي تمتلكها الأشباح في مواجهة القوى المهيمنة أعادت إلى ذهني كتاب جاك دريدا الشهير “أطياف ماركس”، الذي صدر بعد سقوط جدار برلين وهزيمة الكتلة السوفياتية. فدريدا، بعيدًا عن أي دفاع عن الأنظمة الشيوعية، كان يرى أن مطلب العدالة الذي يحمله فكر ماركس سيظل يطاردنا حتى بعد الهزيمة. وإذا كان هذا النص يعود إليّ اليوم، فلأننا، نحن اللبنانيين، نعيش لحظة يتعيّن علينا فيها أن نواجه هزيمتين محتملتين، وأن نجد السبيل إلى مقاومتهما. أما الأولى، فتتمثل في الاحتمال المتزايد لقيام حضارة يُمحى فيها الإنسان تدريجيًا لصالح الآلة. وأما الثانية، فهي أكثر محلية، وتتمثل في هزيمتنا أمام اجتياح إسرائيلي جديد لأرضنا. وأدرك أن الحديث عن “الهزيمة” قد يبدو مناقضًا للحدس في وقت يُسوَّق فيه الاتفاق الإطاري الموقَّع بين لبنان وإسرائيل على أنه طريق إلى السلام والازدهار. لكنني، على المستوى الشخصي، أجد صعوبة في مشاركة هذا التفاؤل، فيما تواصل إسرائيل قصف جنوب لبنان، ولا سيما أن ملامح صراع لبناني داخلي مقبل بدأت ترتسم بالفعل. فكيف يمكن مقاومة هاتين الهزيمتين، وهما تنبعان من حركة محو واحدة: محو الإنسان على المستوى العالمي، ومحو جزء من لبنان على المستوى المحلي؟ ولأنني لست من أصحاب القمصان الحمراء، ولا البنية، ولا الصفراء، لون حزب الله، أشعر أنني يتيم الخطابات والأشباح القادرة على أن تمدّني بما أحتاج إليه لمقاومة هذين الخطرين اللذين يهددان بالمحو. ولهذا تحديدًا، وحتى أشعر بأنني أقل يتمًا، أود في الصفحات التالية أن أستحضر ستة أشباح، تمثل بالنسبة إليّ كتيبات للمقاومة في مواجهة خطر المحو. 1. شبح والتر بنيامين: ملاك التاريخ إذا كان أول الأشباح الذين يحضرون إلى ذهني هو شبح والتر بنيامين، فلأنه، إلى حد ما، منحني الثقة اللازمة للشروع في كتابة هذه السلسلة من النصوص. …في كتابة هذه السلسلة من النصوص. فقد بدا لي أن العودة إلى التاريخ ليست خيارًا بديهيًا في لحظة كانت فيها أهوال الحاضر، تحت القصف، تبدو أكثر إلحاحًا من أي شيء آخر. لكن، وسط تلك الشكوك، عاد إلى ذهني آخر ما كتبه والتر بنيامين: “حول مفهوم التاريخ”. وقد كُتب هذا النص عام 1940، في قلب عاصفة الحرب العالمية الثانية، قبل أن يصبح بنيامين نفسه أحد ضحاياها بسبب يهوديته. وعلى المستوى الشخصي، لا أستطيع إلا أن أرى في ذلك دلالة عميقة: أن يكون آخر فعل مقاومة قام به في مواجهة الهمجية النازية هو أن يعيد التفكير في معنى التاريخ ذاته. ومن دون الدخول في قراءة تفصيلية لهذا النص، أكتفي بالإشارة إلى تأمله الشهير في لوحة بول كلي “Angelus Novus”، التي أسقط عليها بنيامين رؤيته الخاصة للتاريخ. وهي رؤية تناقض تمامًا التصور المتفائل الذي يرى التاريخ مسيرةً متواصلة نحو التقدم. ففي تلك اللوحة يرى بنيامين ملاكًا يحدق في الماضي، بينما تدفعه عاصفة التقدم بلا هوادة نحو المستقبل، في الوقت الذي لا يرغب فيه إلا بالبقاء أمام الكارثة التي يشهدها، ليرمم ما تهشم منها. ورغم أن هذا التأويل يبقى قراءةً شخصيةً للوحة، فإن بنيامين يُسقط عليها تصوره لمهمة المؤرخ المقاوم، التي تتمثل في انتشال نضال المهزومين غير المكتمل من النسيان، بعدما اعتادت السردية التاريخية الرسمية، أي سردية المنتصرين وعُبّاد التقدم، أن تمحو دلالته. ولا حاجة إلى القول إن هذا الانتباه إلى ذاكرة المهزومين يكتسب اليوم وقعًا خاصًا، في زمن بات فيه تاريخنا الجماعي يخضع أكثر فأكثر لانتقاء الخوارزميات، وفي وقت بدأت تظهر في لبنان بالفعل محاولات لإعادة كتابة التاريخ على يد من يحتلون أرضنا. وأفكر هنا، على سبيل المثال، في تصريح بنيامين نتنياهو الأخير، الذي ادعى فيه أن قرىً مسيحية لبنانية ترغب في الانضمام إلى إسرائيل. غير أن هذا الوفاء لذاكرة المهزومين لا يمكن أن يتحقق ما لم يرفض الإنسان، أولًا، أن يكون غير مبالٍ. 2. شبح أنطونيو غرامشي: اللامبالاة أعلم أن الحديث عن اللامبالاة قد يبدو من قبيل البديهيات، لكنني أراه مسألةً جوهرية، لأن أحدًا، في زمن تهيمن عليه وفرة الصور كما هو زمننا، ليس بمنأى عن الوقوع في اللامبالاة. وأقصد بذلك، بطبيعة الحال، ذلك الشكل الجديد من توحيد السلوك الذي فرضه التمرير القهري للصور، حيث تُوضَع جميع الصور في المرتبة نفسها؛ ففي أقل من ثانية يمكن أن ننتقل من مشاهد دمار جنوب لبنان إلى صور عطلة أحد الأصدقاء، أو إلى صور زائفة أنشأها الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت أستحضر شبح أنطونيو غرامشي، الذي تأرجحت حياته بين الهزيمة والمقاومة، وكتب جزءًا كبيرًا من أعماله خلف القضبان، فلأن تأملاته في “اللامبالاة” تبدو لي اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. وقد بسط غرامشي هذه الفكرة في نصه القصير “أكره اللامبالين”، الذي نشره عام 1917، أي قبل وقت قصير من تأسيسه الحزب الشيوعي الإيطالي. وهنا أيضًا، من دون الخوض في قراءة تفصيلية للنص، أكتفي بالإشارة إلى إحدى أفكاره الأساسية، وهي أن اللامبالاة، في نظر غرامشي، ليست موقفًا سلبيًا، بل شكل من أشكال التواطؤ الصامت مع المآسي التي عرفها التاريخ، ومنها صعود الفاشية في زمنه. ومن هذا المنطلق كتب في مستهل نصه عبارته الشهيرة: “اللامبالاة هي الطفيلية، وهي الجبن؛ إنها ليست حياة.” ثم يختم بالتأكيد أنه، ما دام حيًا، فهو منحاز. ورغم أنني لا أذهب إلى حد القول إنني “أكره” اللامبالين، لأنني أتحفظ دائمًا على الأحكام النهائية على الناس، فإن تأمل غرامشي يمسني بعمق، لأنه يجعلني أدرك أن في إصراري على ألا أبقى غير مبالٍ بجنون نتنياهو وبعرّابي التكنولوجيا تكمن إرادة للبقاء حيًا. إرادة لرفض استعمار العقول بذلك التنميط الذي يسعى إلى وضع جميع الصور على المستوى نفسه. 3. شبح بازوليني: اليراعات وإذا كان الشبح الثالث الذي يطاردني هو شبح بيير باولو بازوليني، فليس فقط لأنه احتفى بغرامشي في كتابه “رماد غرامشي”، بل، قبل كل شيء، لأنه كرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الفكري والفني للتنديد باستعمار العقول عبر التنميط الذي فرضه مجتمع الاستهلاك، والذي كان لا يزال في بداياته خلال حياته. وهو نقد رافق مجمل أعماله، وبلغ ذروته في مقاله الشهير “مقال اليراعات”، الذي نُشر عام 1975، قبل اغتياله بفترة وجيزة. في ذلك المقال، يرصد بازوليني الاختفاء التدريجي لليراعات من الريف الإيطالي بعدما فتك بها التلوث الصناعي، قبل أن يحولها إلى استعارة لإنسانية أصيلة آخذة في التلاشي، لتحل محلها الأضواء الاصطناعية للتلفزيون والاستهلاك ومجتمع الفرجة، وهي الأضواء نفسها التي تتوهج اليوم، في هيئة أخرى، عبر شاشات هواتفنا الذكية. وإذا كان بازوليني قد أظهر كل ذلك التعاطف مع المهمشين والخاسرين في هذا المجتمع، فلأنه كان يرى فيهم ذلك الضوء الهش نفسه، ضوء اليراعات الذي وضعه دانتي في قلب الظلمات، في مقابل النور العظيم للفردوس. وهذه الطريقة التي أضفى بها شاعرية على المهزومين، حتى جعل منهم وجوهًا للمقاومة، تمسني على نحو خاص، لأنني، أمام المحن المتكررة التي عرفناها نحن اللبنانيين، لا أستطيع إلا أن أرانا مثل يراعات تائهة في العتمة. غير أن بازوليني كان يعلن، بنبرة يغلب عليها التشاؤم، الاختفاء الوشيك لتلك اليراعات. ولذلك لا أملك إلا أن أتساءل: كيف لنا، ونحن نشبهها إلى هذا الحد، أن نجد بعدُ القوة على البقاء، في مواجهة خطر المحو الذي يفرضه الاجتياح الإسرائيلي، كما تفرضه أيضًا هذه المرحلة الجديدة من مجتمع الفرجة، الذي يحاول أن يبيعنا، في قالب ترفيهي، عالمًا ستتولى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قريبًا التحكم بالأسلحة؟ 4. شبح نيتشه: المتعافي من دون إنكار أن فكر نيتشه يمكن أن تستولي عليه، بحق إلى حدٍّ ما، تيارات اليمين المتطرف، فإنني أستحضر شبحه لأن السؤال المحوري الذي يخترق مجمل أعماله يمكن، بلغة هذا النص، أن يُصاغ على النحو الآتي: كيف يمكن الاستمرار في قول نعم للحياة، حين يبدو أن كل شيء يقود إلى الهزيمة؟ وإذا كان هذا السؤال يحتل مكانةً مركزية في فلسفته، فلسبب يتصل أولًا بسيرته الشخصية. فقد عانى نيتشه المرض طويلًا، وأرهقته نوبات الصداع النصفي المبرحة واضطرابات حادة في البصر، كانت تتركه أحيانًا على شفا العمى. غير أن مرضه لم يبق مجرد واقعة من سيرته، بل طبع أعماله في شكلها كما في مضمونها. فقد فرضت عليه حالته الصحية أسلوب الكتابة الشذرية، كما أن الإشارات إلى المرض تتكرر في كتب مثل “إنساني، مفرط في إنسانيته” و“هذا هو الإنسان”، حيث يكتب: “لقد كان المرض هو الذي أعادني إلى صوابي.” وتعود هذه الفكرة، أي جعل المرض نقطة انطلاق لتحول الذات، في كتاب “هكذا تكلم زرادشت”، ولا سيما في الفصل الشهير “المتعافي”. ففيه ينهار زرادشت، وقد سحقه تصور العود الأبدي وفكرة أن كل ما كان سيعود من جديد، فيمكث مريضًا سبعة أيام، قبل أن ينهض وقد تبدل، قادرًا على أن يقول نعم للوجود. وإذا كانت صورة المتعافي تخاطبني بهذا العمق، فلأنني، إلى جانب صورة اليراعات، لطالما رأيت لبنان بلدًا من الموتى الأحياء. أو، بتعبير أدق، بلدًا نعبر فيه من الحياة إلى الموت، ثم من الموت إلى الحياة، في لحظة واحدة. ومن هنا تلك الصورة التي التصقت بنا، صورة بلد يستطيع أن يستأنف الاحتفال بعد وقت قصير من الكوارث. يسمي البعض ذلك “الصمود اللبناني”. أما أنا، فكلما خرجت من ظلمات تاريخنا الكبير إلى ما يشبه الحياة العادية، وجدت نفسي أقرب إلى صورة المتعافي منها إلى فكرة الصمود. ولعل هذا ما يفسر تعلقي بعبارة نيتشه الشهيرة: “لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ.” فالموسيقى، أكثر من مرة، وبالنسبة إلى جيلي أيضًا، كانت ما أتاح لي أن أحول الغضب إلى إقرار بالحياة. 5. شبح كورت كوبين: موسيقى الغضب ورغم أن حياة كورت كوبين قد تبدو نقيضًا لصورة المتعافي عند نيتشه، إذ أنهى حياته منتحرًا عام 1994، فإنني أستحضر شبحه أولًا لأن رسالته الأخيرة يمكن أن تُقرأ، على نحو مفارق، بوصفها بيانًا ضد المحو. ففيها يستعيد العبارة الشهيرة من أغنية لنيل يونغ: “It’s better to burn out than to fade away.” غير أنني أستحضر شبحه أيضًا، بل قبل كل شيء، لأن الغضب الذي كانت تعبر عنه موسيقاه، في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية التي أُعلن انتهاؤها رسميًا عام 1990، أصبح نشيد غضبي الشخصي، كما أصبح نشيد غضب جيل كامل من الشباب اللبناني. وبطبيعة الحال، لم يكن غضب كورت كوبين وليد نهاية حرب. بل كان ثمرة ما يمكن، استعادةً لأحد الموضوعات المركزية عند نيتشه، اعتباره أحدث تجليات العدمية، تلك التي نشأت مع انتصار الولايات المتحدة على الكتلة السوفياتية. انتصار بدا وكأنه وضع حدًا لكل أشكال اليوتوبيا، وفرض على العالم قيمة واحدة، تجسدها خير تجسيد صورة غلاف ألبوم “Nevermind” الشهيرة: السعي المحموم وراء الدولار. ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، تبنّى جيلي أغنيات مثل “Smells Like Teen Spirit”، لأنها أدت دورًا تطهيريًا، وحولت طفولتنا التي عشناها تحت القصف إلى طاقة قادرة على إعادتنا إلى الحركة. وهي طاقة نحتاج إليها من جديد اليوم. وقد كانت هي نفسها التي دفعتني، مع عدد من شباب بيروت، إلى تأسيس فرق موسيقية مستوحاة من Nirvana. والطريف أن حفلاتنا، التي كان ينظمها تجمع يحمل اسم “Generation X”، كانت تُقام في قبو كنيسة في وسط بيروت، لا تزال جدرانها تحمل آثار الحرب التي انتهت لتوها. كيف استطاع موسيقيو الروك في ذلك التجمع إقناع كاهن الكنيسة بأن يضع ذلك القبو في تصرفهم، حتى يتمكن جيل كامل من الشباب من أن يصرخ فيه بغضبه؟ لعلني أخصص يومًا مشروعًا كاملًا لتلك المرحلة، لأعرف الجواب، ولأستعيد ذلك الإقليم الذي كان يُدعى الزمن. لأن الزمن، نعم، يمكن أن يكون إقليمًا. 6. شبح فريدريك الثاني هوهنشتاوفن: بلاط باليرمو وما أود استحضاره من خلال هذا الشبح الأخير ليس الهزيمة ولا المقاومة بقدر ما هو يوتوبيا. يوتوبيا للبنان تتجسد في مكان، هو بلاط باليرمو في القرن الثالث عشر، في عهد الإمبراطور فريدريك الثاني هوهنشتاوفن. لقد لُقّب بـ “Stupor Mundi”، أي “دهشة العالم”، كما وُصف أيضًا بـ “المسيح الدجال” بعدما حرمه بابا عصره كنسيًا مرتين. وفي سياق هذا النص، لا أستطيع إلا أن أرى مفارقة لافتة في أن حاكمًا بلغ هذا الحد من الشغف بالمعرفة وبالحوار بين الثقافات قد نُعت بمثل هذا اللقب، في حين أن بيتر ثيل، أحد أبرز المنادين بمستقبل تهيمن عليه التكنولوجيا، يصف اليوم بـ “المسيح الدجال” كل شخص أو مؤسسة تؤخر مجيء تلك الحضارة. أما بلاط باليرمو، فإنني أراه يوتوبيا جديرة بأن يستلهمها لبنان، لأنه، وعلى غرار سعة معارف فريدريك الثاني، كان يجسد حضارة تقوم على التبادل لا على المحو، حيث تعايشت الفلسفة العربية والفكر الغربي والثقافة اليونانية في فضاء واحد. وإذا كان للبنان أن يخرج من المحنة التي يعيشها اليوم، فلا يسعني إلا أن أتمنى أن تتمكن جماعاته المتعددة من التبادل والتحاور والعيش في انسجام، كما كان الحال في بلاط باليرمو. أما أنا، فثمة أقاليم أخرى لا تزال تطاردني. أقاليم أكثر شخصية. لكن ذلك سيكون موضوع الفصل المقبل.

الأصول: الفصل الثاني
بقلم
نديم تابت
نُشر
مايو 13, 2026 - 22:42

في الفصل الأول من هذه السلسلة من النصوص حول التاريخ الكبير وتاريخ ابني رافاييل — “زمن الجنوب، زمن الشمال” — كانت الموضوعة تتمحور حول الفرق بين بلدان الجنوب، حيث لا يزال التاريخ يسير قُدُماً، وتلك البلدان الشمالية التي، وفق فوكوياما، تعيش في “نهاية التاريخ”. غير أن الخاتمة عادت إلى حدس الشاعرة إيتيل عدنان، القائل بأن لبنان — حيث يطفو الماضي باستمرار على سطح الحاضر — يغدو “النموذج الأولي” لعالم الغد. بالطبع، قد تبدو هذه العلاقة بالزمن مضادةً للحدس بالنسبة إلى المدافعين عن التقليد التأريخي الذي يرى للتاريخ اتجاهاً محدداً. تقليدٌ يجد أصله في التاريخ التوراتي لداود، كما ورد في سفرَي صموئيل، وقد استأثرت به من بعدُ فلسفاتٌ تاريخية عديدة تكاثرت في القرن التاسع عشر. لكن من يعنى بدراسة التأريخية يعلم أن ثمة، إلى جانب هذه الرؤية، تقليداً آخر يصف الزمن التاريخي بالدورية. هذا ما ذهب إليه رائد فلسفة التاريخ ابن خلدون في “كتاب العبر” الصادر في القرن الرابع عشر، ثم، في القرن العشرين، الفيلسوف الكبير في مدرسة فرانكفورت والتر بنيامين، الذي دافع عن رؤية للتاريخ يمكن فيها لشظايا الماضي أن تبرز في الحاضر. ومن يتابع الأحداث يعلم أننا نشهد اليوم، على الصعيد العالمي، عودة شظايا كثيرة من الماضي. ١ — أيّ عصر تاريخي نعيشه من جديد؟ أكثر العودات استحضاراً، لا سيما في الغرب، هي بالطبع عودة ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت أوروبا ملوَّثة بالفاشية. مع الأذرع المرفوعة لبعض السياسيين الأمريكيين، وشيطنة اليسار المتطرف، وصعود واضح لمعاداة السامية مصحوباً بخطابات الكراهية تجاه المسلمين، يسهل فهم سبب عودة هذه المقارنة التاريخية إلى واجهة النقاش العام. وإن كنت أتبنى هذه القراءة، فإنني أشعر، من جهتي، بأننا نشهد قبل كل شيء عودة حقبة أبعد في الزمن — حقبة ترجع إلى القرن السادس عشر، حين بدأت أوروبا، في أعقاب اكتشاف الأمريكتين، تُنتج خطاباً حول تفوقها الحضاري الذاتي. أحد الأحداث المؤسِّسة لهذا التحول كان «جدل بلد الوليد» (Controverse de Valladolid)، حيث ناقش عام 1551 لاهوتيون وفقهاء طبيعةَ الشعوب الأمريكية الأصلية، للبتّ فيما إذا كانوا الحائزين الشرعيين لأراضيهم أم أنه، وفق معايير أرسطو، يمكن تصنيفهم “عبيداً بالطبيعة”. وإن انتهى هذا الجدل “رسمياً” بالاعتراف بإنسانية الأمريكيين الأصليين، فإن هذا الخطاب لم يلبث أن تعاظم في ما بعد، بلغ ذروته في القرن التاسع عشر مع نظريات العرق وخطابات الرسالة الحضارية لتبرير منطق الإمبراطورية وتوسع الأقاليم الاستعمارية. ٢ — عودة خطاب التفوق الحضاري ما يجعلني أرى هذه اللغة تعود اليوم بالذات هو، أولاً، أن نتنياهو يوظّفها لتسويق مجازره المتعددة في الشرق الأوسط باعتبارها “صداماً للحضارات”، مقدِّماً بلاده على أنها المدافعة عن قيم الغرب اليهودي-المسيحي. لكن حين نرى التجديفات العديدة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق رموز دينية مسيحية، كما هو الحال في لبنان، فمن المشروع التشكيك في نظرية صدام الحضارات. لهذا السبب، يبدو لي أن الأدقّ من نظرية صموئيل هنتنغتون الحديث عن عودة الخطاب الحضاري. خطاب أطلّ برأسه مؤخراً على لسان ماركو روبيو في مؤتمر تناول فيه حقبة كريستوف كولومب والكونكيستادورات بوصفها حقبة رمزية لعظمة الغرب. وقد أُلقي هذا المؤتمر أمام نخبة من القادة الأوروبيين بهدف دعوتهم إلى التحالف مع الولايات المتحدة للتواصل مع ذلك الماضي الذي كان، كما هو معلوم، مصنوعاً في جوهره من التوسع الإقليمي وإخضاع الشعوب ومحو الحضارات. بالطبع، بوصفي لبنانياً، لا يسعني إلا أن أنتبه حين يستذكر وزيرٌ من وزراء القوة العظمى الأولى في العالم تلك الحقبةَ التاريخية بفخر. غير أن الأشد إثارةً للقلق هو أن اللجوء إلى هذا الخطاب “الأثري” يصدر كذلك عن رواد تكنولوجيات المستقبل. ٣ — التسارعية هذا هو حال، على سبيل المثال، أليكس كارب، الرئيس المثير للجدل لشركة “بالانتير”، الذي يُحيل في بيانه من أجل “مستقبل الغرب”، المنشور مؤخراً على منصة X، إحالةً صريحة إلى خطابات التفوق الحضاري: "Some cultures have produced vital advances; others remain dysfunctional and regressive." وحين نعلم أن “بالانتير” تبيع برامج المراقبة إلى وكالة المخابرات المركزية وإلى إسرائيل، وأنه لا يخفي إعجابه بسياسة نتنياهو، فثمة ما يستدعي القلق على سكان الشرق الأوسط، وأعتقد كذلك على الصعيد العالمي. على أي حال، ثمة مفارقة غريبة أن يحرص أليكس كارب على إعداد رسالة دكتوراه في الفلسفة بفرانكفورت ليقرن اسمه بهذا التقليد الفلسفي. مفارقة غريبة لأن هذه المدرسة كانت يوماً موئلاً لفكر نيّر كفكرة “الهالة” لدى والتر بنيامين، في حين هي اليوم مرتبطة بمقاول قريب من تيار فكري، هو “التنوير المظلم” (Dark Enlightenment)، يريد تسريع مجيء حضارة جديدة متخلصة من تثاقلات الديمقراطية ومحكومة بكفاءة التكنولوجيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي. كل هذا يوحي بأن النقاش الذي انطلق في القرن السادس عشر يعود بدوره، لكن مع تراتبية حضارية مبنية على إتقان الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وأن السؤال الذي طُرح ذات يوم في «جدل بلد الوليد» حول إنسانية الأمريكيين الأصليين سيتحول إلى: ما الفائدة من وجود البشر في مثل هذه الحضارة؟ ما العمل في مواجهة الوصول المرجَّح لهذه الحضارة؟ لا أعلم، لكن المصادفة شاءت أنه في اللحظة ذاتها التي نُشر فيها بيان أليكس كارب، كنت أكتشف في السينما فيلماً أحداثه في القرن السادس عشر: Magellan للمخرج الفلبيني لاف دياز. ٤ — “Magellan” والأشباح فيلم بديع بصرياً يرسم، كما يدل اسمه، مسار هذا المبحر البرتغالي الذي أتم في القرن السادس عشر أول رحلة حول العالم، وحين بلغ الجزر الفلبينية، اصطدم بمقاومة زعماء «أصليين» رفضوا التنصير القسري وفاءً لثقافتهم الموروثة. على الرغم من بعض الأخطاء الواقعية، ما يأخذ بالألباب في هذا الفيلم ليس فقط رنينه مع الأحداث الراهنة، بل أيضاً طريقته في تصوير جميع الشخصيات على صورة ضد البطل. لا تمجيد لأيٍّ كان — أجسادٌ متعبة فحسب، هشّة وملتصقة بضعفها. بعبارة أخرى، نحن بعيدون كل البعد عن الـ biopic الهوليوودي الرامي إلى تمجيد شخصية تاريخية، وأبعد من ذلك بكثير عن الوصف المتحمس جداً الذي قدَّمه ماركو روبيو لتلك الحقبة في خطابه. وما يصيب فيه هذا المنهج المضاد للبطولة هو أنه لا يدين أحداً بعينه، بل يكشف كيف أن نظاماً ما — في هذه الحالة نظام الاستعمار — يستعبد الجميع دون تمييز بين المستعمَرين والمستعمِرين، ويقذف بهم جميعاً في أتون العنف. ونستشف جيداً كيف أن أولئك الذين يبيعون لنا اليوم حضارة «الاستعمار التقني» بابتسامات عريضة سيجدون هم أنفسهم في المستقبل مستعبَدين للتكنولوجيا التي يمجدونها. لكن حتى لا أختم على نبرة قاتمة، سأستحضر نهاية الفيلم التي تروي معركة ماكتان، حيث قتل محاربون بقيادة لابو-لابو ماجلان. أكسب هذا الانتصارُ لابو-لابوَ مكانةً أسطورية في الفلبين، حيث تحمل مدينة اسمَه اليوم. لكن باختياره تصوير لابو-لابو شخصيةً طيفية، يمنح لاف دياز صدقيةً للأطروحة القائلة بأن هذه الشخصية ربما لم تكن موجودة قط. طريقةٌ ربما أراد بها لاف دياز أن يقول إن انتصارات الحضارات المزعومة التفوق لن تكون أبداً نهائية، إذ ستظل مسكونة بطيف أولئك الذين حاولت إخضاعهم. وعن هذه الأهمية للأشباح يدور الفصل القادم.

البدايات، الفصل الأوّل
بقلم
نديم تابت
نُشر
أبريل 21, 2026 - 02:40

١ – في مواجهة المحو في مقدّمةٍ لهذه السلسلة من النصوص — “من الظلام الأبدي إلى Histoire… de Raphaël” — شرحتُ سببَ قراري، في هذه الأوقات المظلمة التي يعيشها لبنان، أن أتحوّل نحو التاريخ بالمعنى الكبير للكلمة، وكذلك نحو التاريخ الصغير: تاريخ ابني رافاييل. خلاصةً للقول، فذلك أولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطيّ والنسيان، في الوقت الذي يهدّد فيه الاندثارُ لبنانَ كما نعرفه. وثانياً لأننا، على الصعيد العالمي، نعيش في زمنٍ يمنح معناه الكامل لمقولة جورج أورويل المستخرجة من رواية “١٩٨٤”: ”مَن يتحكّم في الماضي يتحكّم في المستقبل. مَن يتحكّم في الحاضر يتحكّم في الماضي.” والأمثلة التي تصدّق هذه المقولة كثيرة في أيامنا هذه. لا أستشهد إلا ببعضها: كتاب إيريك زمّور La” messe n’est pas dite” (لا تزال القدّاس غير مؤدّاة)، الذي يُعيد فيه قراءة تاريخ فرنسا للدفاع عن فكرةٍ سياسية بامتياز، هي الهوية اليهودية-المسيحية لذلك البلد؛ وقرار المتحف البريطاني حذف كلمة «فلسطين» من إحدى معارضهّ؛ وإعادة دونالد ترامب بنفسه كتابة تاريخ رؤساء الولايات المتحدة كما يُعرض في “Presidential Walk of Fame” في البيت الأبيض. باختصار، يمكن القول إنه في العصر الرقمي الذي اعتُقد أنه محكومٌ بالسيلفي، يبدو أن مفهوم التاريخ يعود إلى الواجهة بقوة. ٢ – العيش بين علاقتين مع التاريخ على الصعيد الشخصي، لا أستطيع القول إن هذه العودة إلى التاريخ تبدو غريبةً عليّ، إذ إن التاريخ لم يتوقّف قطّ في لبنان، على خلاف أوروبا التي عاشت طويلاً في “نهاية التاريخ” — على الأقل وفق فوكوياما. وبعد سنواتٍ من الإقامة في أوروبا — أولاً في فرنسا ثمّ في إيطاليا — ظلّت إشكاليتي، تلك التي نقلتُها إلى ابني والتي يشاركني إياها كثيرٌ من المغتربين اللبنانيين، هي التساؤُل عن كيفية تكيّف إنسانٍ يعيش في خضمّ التاريخ الكبير مع قارّة “نهاية التاريخ”. بيد أنه، على الرغم من هذا التباين، فإن زمن الجنوب وزمن الشمال يتقاسمان اليوم إشكاليةً مشتركةً، يُبرزها المؤرّخ فرانسوا أرتوغ: وهي اضمحلال الإيمان بقدرة المؤرّخين على تقديم سردياتٍ كبرى قادرةٍ على الجمع وإعطاء الأمل في المستقبل. يعرف المهتمّون بعلم التأريخ أن اللحظة الكبرى للمؤرّخ “النبيّ” كانت القرن التاسع عشر، حين كان التاريخ — على غرار ميشليه في فرنسا — يوفّر رواياتٍ وطنيةً للأمم الناشئة، وحين كان — على غرار فلاسفةٍ كماركس وهيغل — يتشكّل باعتباره سرديةً لمسيرةٍ تقدّميةٍ نحو مُثُلٍ عليا. لماذا لم يعد التاريخ يحتلّ اليوم المكانة ذاتها في مجتمعاتنا؟ الجواب واسعٌ بطبيعة الحال. غير أن المصادفة وضعت مؤخّراً في طريقي عملين — فيلماً لبنانيّاً وكتاباً لفرانسوا أرتوغ — يُقدّمان بعض عناصر الإجابة. ٣ – “Do You Love Me” (هل تحبّني؟) والتاريخ “على تكرار” الفيلم اللبناني المعني هو الفيلم الجميل للانا ضاهر، “Do You Love Me”. مؤلَّفٌ بالكامل من وثائق أرشيفية — تتراوح بين الصور الفوتوغرافية ومقاطع من أفلام — يستعرض الفيلمُ تاريخَ لبنان من الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. إذا أثّر فيّ بشكلٍ خاص، فذلك أولاً لسببٍ نرجسيّ: مقاطع من فيلمي الطويل One of These” Days” تُدرج ضمن الوثائق الأرشيفية المختارة. لكن أيضاً، وبالدرجة الأولى، لأنّي شاهدتُه في بيروت في الوقت الذي كانت فيه القنابل الإسرائيلية تتساقط على لبنان خارج قاعة العرض. وما من داعٍٍ للتوضيح أن مشاهدة هذا الفيلم في مثل تلك الظروف أضفى على العرض طابعَ قداسٍ للجنازة، بكل ما يحمله هذا الطقس من عاطفة. لكن بعيداً عن استقبالي الشخصي للفيلم، فإن ما يستوقفني فيه هنا هو أنه يمتلك — وهذا ما يُشار إليه في مطلعه — ميزةَ نقل الزمن التاريخي كما يُعاش في لبنان: زمن التكرار الأبدي. لا رواية وطنية إذن، ولا مسيرةً تقدّميةً نحو مُثُلٍ عليا، بل الشعور عند مشاهدة الفيلم بأرضٍ هجرها مفهومُ التقدّم الزمني، محكومةٍ — شأن سيزيف — بأن تُعيد عيش الأفعال ذاتها والمشاعر ذاتها والأحداث ذاتها، وفي المقام الأوّل: حروباً كثيرة. ولنقل هذه العلاقة مع الزمن، كانت الفكرة الجوهرية في المونتاج تصنيفَ هذه الوثائق لا وفق ترتيبٍ زمنيّ بل وفق موضوعات: العلاقة بالبحر، بالمدينة، بالرقص، بالأطلال، إلخ. وعند مشاهدة هذه الموضوعات ذاتها تتكرّر عبر الزمن، يتولّد انطباعٌ غريبٌ بأن كل ما على وشك تصويره من النزاع الراهن قد سبق تصويره. بهذا المعنى، يستحضر الفيلم الفكرة التي طرحها جاك ديريدا في تأمّلاته حول رمز الختان، مفادها أن أرشيف حياتنا قد يسبق في وجوده وجودَنا ذاته. وما وراء هذه الفكرة عن الآثار السابقة، يستدعي المونتاج أيضاً “أطلس مينيموسين” الشهير لأبي واربورغ، حيث يُصنّف تاريخ الفنّ لا وفق ترتيبٍ زمنيّ بل وفق موضوعات، لإظهار كيف يمكن للأشكال القديمة أن “تبقى” بصورةٍ شبحيةٍ في أيقونوغرافيا أكثر حداثة. وأكثر من التكرار، فإن «البقاء» الدائم للماضي في الحاضر هو ما يُعرّف به على أفضل وجهٍ مفهومُ علاقة اللبنانيين بالزمن التاريخي؛ في حين أن نهاية الإيمان بالتاريخ بوصفه منتجاً للسرديات الكبرى تتجسّد في الشمال — أي في أوروبا — بالشعور بالعيش في حاضرٍ أبديّ. ٤ – فرانسوا أرتوغ والحاضرانية هذا على الأقل هو الحدس الذي يدافع عنه فرانسوا أرتوغ في أعماله حول مفهوم التاريخ، ولا سيّما في دراسته “أنظمة التاريخانية” (Les régimes d’historicité). دراسة كبرى في مفهوم التاريخ، يصف فيها الطريقةَ التي تُعبّر بها مجتمعٌ ما عن علاقته بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفيما يخصّ أوروبا، يُميّز أرتوغ ثلاث حقبٍ كبرى. نظامٌ قديم، ذلك الخاصّ بالعصور القديمة والوسطى، يتسمّ بالأساطير وعلاقةٍ دوريةٍ بالزمن، حيث الماضي مرفوعٌ إلى مستوى النموذج. ونظامٌ حديثٌ يبدأ في القرن الثامن عشر — مع فكر الأنوار في جملة عوامل أخرى — تُرسي فيه الثقةُ بالتقدّم المستقبلَ أُفُقاً أعلى. ثمّ الحقبة المعاصرة التي بدايتها تتوافق تقريباً مع سبعينيات القرن الماضي — التي ميّزتها صدمة النفط ونهاية اليوتوبيا وشعار “No Future” لفرقة «The Sex Pistols» — حيث يصبح الحاضر الأفق الأقصى. بالطبع، كما في كلّ نظرية، يمكن إيراد عدة تحفّظاتٍ على مفهوم الحاضرانية، لا سيّما أن الأمر لا يتعلّق هنا بوصف نهاية كلّ علاقةٍ مع الماضي. لكن ما يُظهره أرتوغ هو أن التاريخ بوصفه منتجاً للسرديات الكبرى قد تراجع خلف مفاهيم الذاكرة والتراث والمطالبات، ممّا يوحي بأن كلّ الماضي يجب أن يُوضَع في خدمة الحاضر. أمّا المستقبل، فإذا كان انعدامه الكلّي في زمن لبنان مرتبطاً بحالة أزمةٍ وجوديةٍ دائمة، ففي الشمال، بين إدارة الأزمات والخطابات السياسية المنصبّة على قلب منحنى النمو، يكفي القول إن العلاقة بالمستقبل وجدت نفسها مُختزَلةً إلى ما تصفه آني إرنو في كتابها الجميل “الأعوام” (Les Années): التخطيط منذ العودة إلى المدارس في أيلول/سبتمبر لعطلة عيد جميع القدّيسين ولعطلة نهاية السنة. ٥ – عدوى الشمال بأبوكاليبس الجنوب هنا أيضاً تجدر نسبيّة هذه العلاقة مع المستقبل بوصفها “No Future”، إذ إنه قبل الدخول في «العالم وفق ترامب»، كانت خطاباتٌ مختلفةٌ حول المستقبل — كالخطاب البيئي — تبدأ في الظهور. بيد أن المؤكّد أنه في الوقت الراهن، بصرف النظر عن الخطاب حول «مستقبلٍ مشرقٍ» للآلات الذي يروّج له العلماء المجانين في وادي السيليكون، فإن الإنسان يشعر أكثر بأنه يعيش من جديدٍ ساعاتٍ قاتمةً من التاريخ. هذا ما يُولّد الشعور الغريب بأن علاقة اللبنانيين بالتاريخ — كبقاءٍ دائمٍ للماضي في الحاضر — باتت تُلقي بعدواها على سائر أنحاء العالم. كان ذلك على الأقل حدسَ الشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان التي، في “أبوكاليبس عربي” (Apocalypse arabe) المكتوب في خضمّ الحرب الأهلية، أعلنت أن “التاريخ مات”، وأكدت في مقابلة: “لبنان في طريقه إلى أن يصبح النموذج الأوّليّ للعالم الذي ينتظرنا.” وعن هذا البقاء على الصعيد العالمي يتحدّث المقال التالي من هذه المجموعة.