Levant Time logo

بيئة

تنبيه، خطر: هل هناك «قنبلة نووية» بين الأشرفية والمتن؟
By
أمين جول إسكندر
Published
فبراير 14, 2026 - 14:49

في قلب إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية في لبنان، يتم اليوم تخزين آلاف الأمتار المكعبة من المواد الهيدروكربونية. من أنطلياس إلى الكرنتينا، تصطف صفوف من الخزانات أمام ضاحية عمودية ترتفع إلى 900 متر فوق مستوى سطح البحر، ولكنها تظل، على مرمى حجر، قريبة بشكل خطير. إنه تقارب لا يطاق بين صناعة شديدة الاشتعال وأحياء سكنية مكتظة بالسكان. منظر جوي لعام 2017. منظر جوي لعام 2024 يظهر توسع المشروع. قرب منشآت كورال ويونيغاز من المدينة. اثنتان من صهاريج الغاز الخمسة التابعة لشركة كورال، والتي تشبه تلك التابعة ليونيغاز، وتقع على بعد مسافة قصيرة. حريق خزانات الوقود في الدورة عام 1989، والذي وصف آنذاك بأنه «انفجار نووي»، والذي حجب سماء العاصمة لعدة أيام، بالإضافة إلى انفجار مرفأ بيروت الذي دمر المدينة في 4 آب 2020، لا يبدو أنها كانت كافية لتقديم درس للمسؤولين اللبنانيين. مرة أخرى، يقدم البلد صورة دولة شبحية: حكومة غائبة، ووسائل إعلام متحيزة، ومسؤولون سياسيون مراوغون، ودراسات علمية معدة بعناية لتذويب الحقيقة في ضباب تقني محبط. تنتشر شركات كورال أويل (Coral Oil Co.) وتوتال لبنان (Total Lebanon) وميدكو بتروليوم (Medco Petroleum) للوقود، ويونيغاز (Unigaz) وناتغاز (Natgaz) وغاز أورينت (Gaz Orient) وفينيقيا (Phoenicia) للغاز، على طول ساحل المتن بخزانات وصهاريج لا حصر لها. منذ أن نصت خطة رئيسية في عام 2013 على تفكيك جميع هذه المنشآت، التي أصبحت خطرة في بيئة حضرية الآن، لم يعد بإمكان هذه الشركات سوى صيانة البنية التحتية القائمة، ولكن دون أي توسيع. منشآت جديدة ولكن بشكل مفاجئ، بين الأشرفية والمتن، على الضفة اليمنى لمصب نهر بيروت، تقوم شركة كورال أويل بإنشاء عشرين خزانًا جديدًا للمواد الهيدروكربونية السائلة، والأهم من ذلك، خمسة صهاريج غاز بقطر 8 أمتار وطول 50 مترًا لكل منها. وتتلخص المستندات القانونية المقدمة في ترخيص بناء مصادق عليه من بلدية برج حمود، وترخيص تخزين وقود صادر عام 1931، ووثيقة من وزارة الطاقة والمياه، بالإضافة إلى تقارير صادرة عن معاهد خاصة تشهد بالامتثال للمعايير المعمول بها. إنها وفرة من الحجج الإدارية والتقنية التي تحاول إضفاء الشرعية على إقامة هذا المشروع الإشكالي بوضوح في هذه البيئة. وفقًا لبعض المصادر، تمتلك كورال ترخيصًا من الفئة A1، صالحًا للمواد الهيدروكربونية. ولكن، وفقًا لأحدث المعلومات التي تم جمعها من السلطات المختصة، فإن الشركة حصلت من وزارة الطاقة والمياه على ترخيص من الفئة A2، الذي ينطبق فقط على الزيوت والمنظفات. أما وزارة الصناعة، فلم تمنحها أبدًا ترخيصًا من الفئة A1، رغم أنه إلزامي. ولهذا السبب تحديدًا، يتم الاستشهاد بالترخيص القديم الصادر عام 1931 ومرسوم مجلس الوزراء رقم 9949/2013 لسد هذا النقص. هذا المرسوم، على الرغم من أنه يحظر أي منشأة تخزين جديدة للمواد القابلة للاشتعال في هذه المنطقة، إلا أنه يُفسر على أنه يسمح بتجديد المنشآت القائمة. خطر كبير لذلك يبقى السؤال قائماً: هل يعتبر إضافة حوالي عشرين خزان وقود جديد وخمسة صهاريج غاز تجديدًا حقًا؟ وهل لا يزال ترخيص صادر عام 1931، في وقت كانت فيه المنطقة زراعية، ساري المفعول في الواقع الحضري والديمغرافي الحالي؟ والأهم من ذلك، بينما يحترق الوقود، كما حدث عام 1989، ينفجر الغاز، كما حدث في 4 آب 2020؛ وهو خطر كبير أكده وزير الصناعة الأسبق، فريج صابونجيان. بالنسبة للجان الخبراء المكلفة من قبل كورال، فإن المشروع يأخذ في الاعتبار جميع هوامش السلامة المطلوبة. ومع ذلك، يبقى أن نفهم لماذا لم يتم دمج الخطر الإرهابي في هذه التقييمات، في حين أن هذا العامل يبدو أنه كان وراء الانفجار المزدوج في 4 آب 2020. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن العديد من أكبر الكوارث العالمية قد وقعت في منشآت مطابقة تمامًا لمعايير السلامة. يتعلق الأمر هنا بإضافة حوالي 20 خزانًا جديدًا للمواد الهيدروكربونية السائلة، تمثل حوالي 180 ألف طن إضافي، بالإضافة إلى 5 صهاريج غاز جديدة بسعة إجمالية تقدر بـ 12 ألف متر مكعب، أي حوالي 8 آلاف طن من الغاز. أما مسافات الأمان المطلوبة، فتصل إلى كيلومترات، وفقًا لدراسة مستقلة أجرتها شركة سوكوتيك (Socotec) لمنشآت غاز مماثلة وخطرة بنفس القدر، تديرها شركة يونيغاز (Unigaz) المجاورة. اللوائح هذه المسافات غير متوافقة بشكل واضح مع النسيج الحضري لأحياء الدورة-برج حمود. ولهذا السبب تحديدًا، تم اعتماد المرسوم رقم 9949/2013، الذي يحظر أي منشأة جديدة أو توسعة للغاز أو النفط في هذا القطاع. علاوة على ذلك، واستنادًا إلى المرسوم رقم 8633/2012، تطلب وزارة البيئة صراحةً إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي (EIA) التي لم تتم بعد. يخول المرسوم رقم 5509/1994، صحيح، وزارة الطاقة بتصريح أعمال التوسعة دون تدخل وزارة الصناعة، شريطة أن يظل الاستغلال ضمن الإطار المعتمد أصلاً. ولكن في الواقع، يسمح هذا المرسوم بتحديث المنشآت القائمة، وليس توسيعها. والصور الجوية التي تقارن المنشآت قبل عام 2017 بتلك التي بعد هذا التاريخ هي، في هذا الصدد، معبرة. إنها تكشف عن توسع كبير في البنية التحتية. ضرورة الوعي تأسست شركة شل (Shell) في المملكة المتحدة عام 1925، وأُنشئت في لبنان عام 1926، وأصبحت الآن شركة كورال أويل (Coral Oil Company)، وهي تُعد من بين الجهات الفاعلة الأكثر موثوقية في قطاع الطاقة الوطني، وينبغي أن تظل كذلك. في مواجهة سحابة التناقضات والغموض التي تحيط بهذا الملف الحساس، والمسيّس على الأرجح، تبرز حقيقة واحدة: كل واحد منا، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا للمشروع، مستفيدًا أو متضررًا، مشاركًا أو غير مبالٍ، قد يندم يومًا ندمًا شديدًا على موقفه أو تقاعسه، إذا ما وقعت مأساة، وحصدت معها شخصًا عزيزًا. لا تهدف هذه التحقيق إلى الإدانة أو التشهير. بل هي موجهة إلى شركة كورال، وشركات الهيدروكربونات الأخرى، والسلطات المختصة لكي تمارس مسؤولياتها بالكامل، وبأقصى درجات الشفافية، لتجنب كارثة جديدة بين الأشرفية والمتن. فالوقاية خير من أن نضطر إلى إعادة عيش آلام 4 آب 2020 التي لا تُحتمل.

الجريمة البيئية، سلاح حرب من العصور القديمة حتى يومنا هذا
By
تالين بشراوي
Published
فبراير 11, 2026 - 17:00

إن استخدام سلاح الجو الإسرائيلي، في الأول من شباط/فبراير 2026، مبيداً عشبياً قوياً هو «الغليفوسات» على مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية، أعاد طرح مسألة الأضرار المتعمَّدة التي تُلحق بالموارد الطبيعية في زمن الحروب. في الأول من شباط/فبراير 2026، رُصد الطيران الإسرائيلي وهو يرش مادة يُشتبه في سميّتها على مساحات واسعة من جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة بنت جبيل. وبعد ثلاثة أيام، في الرابع من شباط، وعلى إثر تحاليل أُجريت على عينات جمعتها كل من الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة أن المادة المعنية هي «الغليفوسات»، وهو مبيد أعشاب قوي. وجاء في بيان الوزارتين أن عملية الرش تمت «بتركيز عالٍ جداً»، مع التنديد بـ«انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية» و«جريمة بيئية». من الجانب الإسرائيلي، ذكرت قناة I24 أن الأمر يتعلق بـ«عملية رش زراعي تجريبية على الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا»، مع الإقرار بأن نشر هذه المواد يهدف إلى «قتل الغطاء النباتي على الحدود خشية اختباء مقاتلين فيها». لم يغادر الطيران الإسرائيلي الأجواء اللبنانية تقريباً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تاريخ اندلاع النزاع مع حزب الله، رغم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وخلال أشهر الحرب المفتوحة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024، استخدمت إسرائيل بالفعل مواد سامة وحارقة لإحراق آلاف الهكتارات في لبنان، ولا سيما الفوسفور الأبيض. غير أن رش مبيد عشبي قوي بتركيز عالٍ على مساحات خضراء شكّل مستوى جديداً في هذا النوع من العنف. وعقب هذه الحادثة، يُعدّ لبنان شكوى بتهمة «جريمة بيئية» أمام الأمم المتحدة، وهذه ليست المرة الأولى. ففي عام 2006، خلال حرب تموز/يوليو–آب/أغسطس، استهدف الطيران الإسرائيلي خزانات الوقود التابعة لمعمل الجية الحراري (جنوب بيروت)، ما أدى إلى تسرّب نفطي لوّث كامل الساحل اللبناني شمال تلك المنطقة وصولاً إلى سوريا. وقد تسرب ما لا يقل عن 15 ألف طن من النفط إلى البحر. وقدّم لبنان شكوى إلى الأمم المتحدة، فأصدرت الجمعية العامة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2014 قراراً غير ملزم بأغلبية 170 صوتاً مقابل 6، طالبت فيه إسرائيل بدفع أكثر من 856 مليون دولار تعويضاً للبنان، وهو ما لم يحصل حتى اليوم. إن رش الغليفوسات على جنوب لبنان، على فداحته، يذكّر بأن الجرائم البيئية في زمن الحرب ممارسة متكررة عبر التاريخ، تعود إلى العصور القديمة وتمتد عبر مسيرة البشرية. وفي ما يلي بعض الأمثلة، من قائمة بعيدة كل البعد عن الحصر. في العصور القديمة وعبر التاريخ شهدت الحروب، من العصور القديمة مروراً بالعصور الوسطى وصولاً إلى العصر الحديث، أمثلة عديدة على تدمير الأراضي الزراعية والغابات ومختلف الموارد، بهدف رئيسي هو حرمان العدو من وسائل الصمود. تمثلت هذه الأساليب في تدمير قنوات الري، وإحداث فيضانات اصطناعية أو تجفيف مجاري المياه ونقاطها، وتمليح التربة عمداً، واعتماد سياسات الأرض المحروقة، وحرق المحاصيل وقطع الأشجار المثمرة، وتسميم المياه بالجثث أو المواد أو النباتات السامة، فضلاً عن تخريب الأراضي الزراعية وتركها فقيرة لسنوات طويلة. من الأمثلة الشهيرة تدمير إسبرطة لمنطقة أتيكا خلال الحرب البيلوبونيسية (431–404 ق.م.)، حيث جرى القضاء على المحاصيل وبساتين الزيتون والمزارع بهدف تجويع السكان ودفعهم إلى الاستسلام. ومن أمثلة الفيضانات المتعمّدة ما استخدمته مدن بلاد الرافدين (الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد)، حين عمدت الجيوش إلى كسر السدود وتحويل قنوات الري لإغراق حقول أو مدن العدو، ما أضعف الاقتصاد الزراعي بهدف تحطيم مقاومته. كما استُخدمت الفيضانات المتعمدة لأغراض دفاعية، لكن آثارها البيئية كانت مدمّرة أيضاً. ومن ذلك فتح المتمردين الهولنديين للسدود عمداً خلال حرب الثمانين عاماً (1568–1648) لإبطاء الجيش الإسباني عبر إنشاء مناطق مستنقعية يصعب اجتيازها. وقد ضمن ذلك بقاء المقاطعات المتحدة، لكن الضرر الذي لحق بالزراعة والبيئة كان طويل الأمد. «رجل البئر»… بعد قرون من أسلحة الحرب ذات الأثر البيئي الكارثي تسميم المياه، وهي ممارسة شائعة في العصور الوسطى، ذات بعد بيولوجي ونفسي معاً. وكان يُلقى في الآبار جثث حيوانات أو مواد سامة. واستُخدمت هذه الطريقة كثيراً أثناء الحصارات لإجبار المدن المحاصَرة على الاستسلام. ومن الأمثلة الموثقة حادثة «رجل البئر» في قلعة سفيرسبورغ في النرويج عام 1197، حيث أُلقيت جثة في بئر قلعة بهدف كسر مقاومة المدافعين. وقد تأكدت الواقعة بعد قرون، إثر اكتشاف أثري عام 1938 عُثر خلاله على بقايا ذلك «الرجل». سُجلت حالات أخرى لتسميم المياه عبر القرون، حتى في الحروب الحديثة، مثل قيام القوات الألمانية بتسميم آبار في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. كما كان تدمير الحقول والأرياف شائعاً في العصور الوسطى، سواء خلال الحروب الإقطاعية في أوروبا أو خلال الحملات الصليبية. ومن أبرز أمثلة التلوث المتعمّد في القرن العشرين إحراق القوات العراقية لآبار النفط الكويتية خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ما أدى إلى تلوث شديد للهواء والتربة والمياه وحدوث بقع نفطية هائلة. وقد ألزمت الأمم المتحدة العراق بدفع تعويضات للكويت. اليوم، تتهم أوكرانيا روسيا بارتكاب جرائم حرب عديدة منذ بدء الغزو الروسي قبل أربعة أعوام. ومن أبرز الأمثلة تدمير سد كاخوفكا عام 2023، ما أدى إلى فيضانات كارثية طالت أكثر من 20 كيلومتراً مربعاً. الوضع القانوني بين الجرائم البيئية في الحروب التاريخية وتلك المعاصرة، لا سيما في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فروق كثيرة رغم بعض أوجه الشبه. فقد كانت الأضرار سابقاً محلية أو إقليمية، فيما يمكن أن تكون اليوم ذات نطاق عالمي، تمس نظم بيئية مشتركة كالمحيطات أو التنوع البيولوجي العالمي. العولمة وآثار التغير المناخي العالمية، إضافة إلى الوسائل العسكرية الحديثة، من شأنها تضخيم عواقب هذه الهجمات، مع مخاطر عالمية مثل الهجرة الجماعية أو الأزمات الغذائية الكبرى. ليست هذه الفوارق في الحجم والمدة وحدها ما يميّز حروب اليوم عن حروب الماضي. فقد تطور الوعي القانوني. لهذه الجرائم اليوم اسم ووضع قانوني هو «الإيكوسايد» (الإبادة البيئية)، ويشير إلى خطورة واستدامة واتساع الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطة بشرية مدمرة، سواء استغلال مفرط للموارد أو تلوث صناعي وكيميائي، أو الحرب. استخدم المصطلح لأول مرة عام 1970 عالم الأحياء آرثر غالستون، في سياق الحديث عن استخدام الولايات المتحدة مبيدات قوية، ولا سيما «العامل البرتقالي»، لتدمير الغابات والمحاصيل خلال حرب فيتنام (1961–1971)، وما خلّفه ذلك من آثار صحية وبيئية طويلة الأمد. التأثيرات على تغير المناخ رغم إدراج مصطلح الإيكوسايد في تشريعات بعض الدول، فإنه لم يُعترف به بعد كاختصاص مستقل للمحكمة الجنائية الدولية. والنقاش لا يزال قائماً. غير أن الأمم المتحدة اتخذت بالفعل قرارات لإلزام أطراف بدفع تعويضات، كما في حالتي إسرائيل عن تسرب 2006 في لبنان، والعراق عن حرائق آبار النفط عام 1991. وأخيراً، يزداد طرح مسألة تأثير النزاعات على تغير المناخ، سواء عبر الانبعاثات الناتجة عن الاستخدام المكثف للذخائر أو عبر تدمير الغابات التي تشكل مصارف طبيعية للكربون. وقد أثير مثال القصف الإسرائيلي المكثف على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في هذا السياق. غير أن تأثير النزاعات على تغير المناخ لم يُدمج بعد بشكل كامل في مسار المفاوضات الدولية بشأن مكافحة تغير المناخ، إذ يبقى هذا الملف شديد الحساسية من جوانب عدة.

البابا فرنسيس و مبدا "البيئة المتكاملة"
By
LevantTime .
Published
ديسمبر 3, 2025 - 13:23

بمناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، ومع اختتام مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغير المناخ في مدينة بيليم في البرازيل، دون نتائج تُذكر، من المفيد التذكير بمفهوم البيئة المتكاملة ونص رسالة البابا فرنسيس "كُن مُسَبَّحًا" (Laudato Si’)، الصادرة عام ٢٠١٥، والتي تُحدّد معالم بيئة إنسانية وشاملة تدعو إليها الكنيسة.. يُشير مصطلح البيئة المتكاملة إلى رؤية شاملة ومتعددة التخصصات للبيئة، تُقدّم رؤية كاملة للبشرية والعالم. ومن خلال نشر هذا المفهوم، تهدف الكنيسة الكاثوليكية إلى التأكيد على "أنّ التغيير البيئي الجوهري لا يقتصر على القضايا البيئية البحتة"، وأنّ "الديناميكية الروحية للبيئة المتكاملة تتغذى من الرجاء المسيحي، وتُدمج الحياة الروحية، وتحديات احترام كرامة جميع الكائنات الحية وكل شخص، ومقتضيات الأخوة والعدالة الاجتماعية"، وفقًا لموقع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. يذكر الموقع الإلكتروني أيضًا أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر نفسها مسؤولة عن رعاية الخليقة. "ننسى أننا تراب" وعلى الرغم من أن مفهوم البيئة المتكاملة قد نوقش منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه اكتسب زخمًا خاصًا عقب نشر فرنسيس عام ٢٠١٥ الرسالة البابوية العامة »Laudato si’ » ، التي سُميت بهذا الاسم لأنها مشتقة من نشيد رنّمه القديس فرنسيس الأسيزي: "مُسَبَّحٌ لَكَ يا ربي". في هذا النص ، يتأمل البابا فرنسيس الراحل في حماية الطبيعة، التي تكمن في صميم الشعور الديني والإيمان بالخالق. "نشأنا معتقدين أننا أصحاب (الكوكب) وسادته، ومُخوّلون باستغلاله... ننسى أننا تراب (راجع تكوين ٢: ٧). أجسادنا مكونة من عناصر الكوكب، وهواؤه يُنعشنا، وماؤه يُحيينا ويُجددنا"، هذا ما جاء في مقدمة هذا النص. في مقاربته، يبدأ البابا فرنسيس بتقييم حالة البيئة في جميع أنحاء العالم، تحت عنوان "ما يحدث في بيتنا". إنه اتهامٌ دامغٌ للطبيعة بسبب التغيرات السريعة في الحضارة الإنسانية. وهكذا، يتناول النص القضايا الرئيسية التي تواجه البيئة اليوم، بما في ذلك التلوث وتغير المناخ، ومسألة المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وأخيرًا، تدهور نوعية الحياة والانحطاط الاجتماعي. كتب البابا فرنسيس: "لأننا إذا أخذنا في الاعتبار أن البشر هم أيضًا مخلوقات هذا العالم، ولهم الحق في العيش والسعادة... لا يسعنا إلا أن نأخذ في الاعتبار آثار التدهور البيئي، ونموذج التنمية الحالي، وثقافة الإسراف على حياة الناس"، مشددًا على التفاوت العالمي الذي يميز هذا الوضع وضعف الاستجابة لمثل هذه الكارثة. الحوار بين العلم والدين في رسالته "كن مسبحًا"، يُخصص البابا فرنسيس فصلًا كاملاً لإظهار كيف يُلقي الإيمان ضوءًا جديدًا على ما يكشفه العلم عن أزمة المناخ هذه. إدراكًا منه أن الكثيرين يعتبرون الأمرين متناقضين، يدعو البابا فرنسيس إلى "حوار مكثف ومثمر" بينهما. ويوضح أنه لبناء بيئة إصلاحية، "لا يمكن إهمال أي فرع من فروع العلم أو أي شكل من أشكال الحكمة، ولا حتى الحكمة الدينية". وامتدادًا لهذا النهج الفكري، يُشدد البابا فرنسيس على ما يُسميه "الجذور البشرية للأزمة البيئية"، وفقًا لاستنتاجات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (Giec)، وهي أعلى هيئة علمية تابعة للأمم المتحدة تُعنى بالمناخ، والتي حددت مسؤولية الأنشطة البشرية عن تغير المناخ. وأشار بذلك إلى التكنولوجيا وما تُضفيه من شعور القوة عند البشر، بالإضافة إلى عواقب العولمة ونموذجها الموحد الذي يُطبق بالقوة على الجميع. لا يُمكن خوض معركة البيئة في قضايا منفصلة. لتعريف البيئة المتكاملة، يُقدم البابا فرنسيس ملاحظة حاسمة: أزمة القرن الحادي والعشرين ليست أزمة مزدوجة - بيئية من جهة، واجتماعية من جهة أخرى - بل هي أزمة واحدة عالمية ومترابطة بعمق. هذا هو المبدأ الأساسي لعلم البيئة المتكاملة، الذي يدعونا إلى النظر إلى العالم كنظامٍ مُنسجمٍ من العلاقات، حيث تُشكل الخيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية كلاً من المناظر الطبيعية ومصائر البشر. ويُصرّ على الترابط بين الأنواع، حيث يُشكّل البشر جزءًا لا يتجزأ من النظم البيئية. ومن هذا المنظور، لم يعد من الممكن مكافحة تدهور الحياة من خلال قضايا مُنفصلة، ​​لأن التلوث والفقر والإقصاء واستغلال الموارد... كلها فصولٌ من أزمةٍ واحدة. ويجادل البابا فرنسيس بأن الاستجابات يجب أن تكون شاملة، تدمج الديناميكيات الطبيعية والهياكل الاجتماعية. ويضيف البابا فرنسيس أن علم البيئة يجب أن يكون "ثقافيًا" أيضًا، مؤكدًا على أهمية التراث والذاكرة الجماعية. ويرى أن علم البيئة الثقافية يقوم على مبدأ واحد: يجب أن تتفاعل الاستجابات للتحديات البيئية مع الثقافات المحلية، وتأخذها في الاعتبار، وتتجاوز نموذج التنمية الواحد. ويؤكد المؤلف أن اختفاء ثقافة ما قد يكون أشد خطورة من اختفاء نوع حيواني. في استكشافه لعلم البيئة المتكاملة، لم ينس البابا الراحل الحياة اليومية. بل جعل علم البيئة أقرب إلى الوجود البشري، إلى الأفعال والعلاقات. لم تعد القضية عالمية أو مؤسسية فحسب: بل تؤثر على الأحياء السكنية، والمساكن، والأماكن العامة - كل ما يُشكل جودة الحياة الملموسة. أي عالم سنترك لهم؟ يضع البابا فرنسيس علم البيئة المتكاملة في صميم مفهوم "الصالح العام"، الذي يُعرّف بأنه مجموعة من الشروط التي تسمح لكل فرد وكل مجموعة بتحقيق كامل إمكاناتهم. من هنا تأتي ثلاثة ركائز: كرامة الإنسان، وحيوية الهيئات الوسيطة، ولا سيما الأسرة، والسلام الاجتماعي القائم على عدالة توزيعية كفيلة بمنع العنف والإقصاء. ومن هذا المنظور، تُذكّر الدولة بدورها: حماية هذا الصالح العام وتعزيزه، وهو الأساس الذي لا غنى عنه لمجتمع متوازن. لكن الكاتب يضع هذا المبدأ في سياق واقع العالم الحالي، المثقل بتنامي عدم المساواة و التفرقة. وأخيرًا، تأخذ البيئة المتكاملة في الاعتبار حقوق الأجيال القادمة، ويطرح النص سؤالًا جوهريًا: أي عالم نريد أن نترك لهم؟ هذا تحدٍّ، بالنظر إلى الأزمة الأخلاقية والثقافية في مواجهة ما يعتبره البابا فرنسيس تنامي الفردية، وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، وعدم القدرة على التفكير فيما يتجاوز المصلحة الذاتية المباشرة. ومن بين المبادئ التوجيهية التي حددها البابا فرنسيس، الحوار حول البيئة في السياسة الدولية، وتجديد السياسات الوطنية والمحلية للحد من التفاوتات الاجتماعية في البلدان، وتعزيز الشفافية في صنع القرار، والحوار بين الأديان والعلوم.