شعار Levant Time

على العتبة

   حرفًا تلو الآخر
بقلم
زينه زيادة
نُشر
يوليو 13, 2026 - 23:35

“لماذا توقّفتِ عن الكتابة؟” سُئلتُ مؤخرًا، ومن أكثر من شخص. أمسكتُ بهاتفي وسألتُ ميشال: كيف نكتب ونحن في خدر؟ “حرفًا تلو الآخر”، أجاب. فبدأت تتبعثر الأحرف في مخيّلتي. تتراءى، وترفض أن تصطفّ كلمات. أراها تتراكم دون جدوى. أتدرون كم من كلمةٍ تولد من حرفٍ تلو الآخر؟ ها هي تُكتب وتُقرأ في هذه اللحظة بالذات. أنتم وأنا نخلق الكلمات نفسها، بفارقٍ زمنيّ فقط. فهي تولد وتموت في الوقت ذاته، وما من علاقةٍ بين الكاتب والقارئ إلا تلك اللحظة التي يلتقيان فيها عند الكلمة. لكن كيف أكتب ما لا يموت؟ ما يبقى محفورًا في ذاكرةٍ ما، في زمنٍ تتزاحم فيه الكلمات حتى تكاد تختنق؟ نتصفّح المئات منها كل يوم. تمرّ أمام أعيننا كما تمرّ الوجوه المبتسمة على شاشاتنا، ثم تمضي، ولا يبقى منها إلا القليل؛ تلك التي لمستنا بصدق، أو أيقظت حواسنا، أو حرّكت ضمائرنا، أو جعلتنا نتوقّف، ولو للحظة. ثم يأتي الجفاف، ذاك الذي لا يراه أحد، فيظنّ البعض أن الكاتب يتوقّف لأنه فقد الرغبة، بينما الحقيقة أنه، أحيانًا، يفقد الطريق إلى مخيّلته. يجلس أمام الصفحة كما يقف أمام بابٍ أضاع مفتاحه. الكتابة موهبة، لكن الامتهان هو ما يصقلها. والامتهان يحتاج إلى انضباطٍ يومي؛ أن نجلس أمام الصفحة حتى في الأيام التي لا تزورنا فيها فكرة، وحتى حين نشكّ في كل جملةٍ نكتبها. فالإلهام، مهما بالغنا في تمجيده، لا يُعوَّل عليه وحده. وحده الانضباط يعيد الكاتب إلى مكتبه، مرةً بعد أخرى. لكن كيف يلتزم المرء بهذا الانضباط في بلادٍ لا تسمح ليومٍ أن يشبه الذي سبقه؟ في بلادٍ تستيقظ كل صباح على خبرٍ جديد، أو أزمةٍ جديدة، أو خوفٍ جديد، حيث يصبح الانتباه عملةً نادرة، ويغدو جمع النفس قبل جمع الأفكار إنجازًا بحدّ ذاته. نتلهّى، أو لعلّنا نُلهى، بما يستنزفنا. ندور في يومياتٍ ترهق كاهلنا. نطارد التفاصيل، ونركض خلف ما ينبغي إنجازه، ونحاول فقط أن نعبر اليوم بأقلّ الخسائر، حتى يصبح الوصول إلى المخيّلة رحلةً أطول من الكتابة نفسها. لا لأن الخيال غادرنا، بل لأن الطريق إليه صار مزدحمًا بما يؤجّلنا عن أنفسنا. ولعلّنا لا نخشى الصمت بقدر ما نخشى أن نعتاده. أن يصبح الانشغال هو الحالة الطبيعية، وأن تتحوّل الكتابة إلى وعدٍ مؤجّل ينتظر هدوءًا لن يأتي. ليت الكلمات تعرف طريقها إلينا، كلما أضعنا الطريق إليها. ومع ذلك، كلما ظننت أن الكلمات هجرتني، أكتشف أنها لم تكن بعيدة. كانت تنتظر فقط أن يهدأ الضجيج قليلًا، وأن أهدأ أنا أيضًا، كي أسمع صوت الحرف الأول. ربما لم أتوقّف عن الكتابة. ربما كنتُ فقط أبحث عن ذلك الحرف الذي يستحقّ أن يتبعه حرفٌ آخر.

خشبة نجاة
بقلم
زينه زيادة
نُشر
مايو 11, 2026 - 18:29

بين فرن الشباك ومونو تسنّى لي أن أشاهد عرضين مسرحيين في أسبوعٍ واحد. لن أُحلّل هنا ولن أناقش ما شاهدت، فلست بناقدة، وما خضته خلال المشاهدة شخصيّ للغاية. لكن شيئًا ما استيقظ داخلي. رغبةٌ عارمة بأن أقول، لا لأحكم، بل لأشهد. المسرح. الضوء. اللقاء المباشر مع الآخر. الآخر الذي يتجلّى أمامي بجسده وصوته، بعَرقه وأنفاسه الحيّة.. وأنا، أذهب وحدي، كأنّ بيني وبين المسرح موعدًا غراميًّا أرتّب نفسي لذلك اللقاء، أختار ثيابي بعنايةٍ، أمشي نحوه بخفّةٍ تشبه الحنين، وأجلس في العتمة، أنتظر. أنا الممثلة، المشاهِدة، أنا كنتُ هم بين صيف 2024 وشتاء 2025، حين كانت المدينة ترتجف، كنت أركض نحو المسرح لا بعيدًا عنه في تلك الفترة، صار المسرح فعل مقاومةٍ شخصيّ طريقة لأقول إنّ حياتي لم تنتهِ بعد، وإنّ الخوف لن يعلن انتصاره على شغفي. يومها، لم نكن متأكدين إن كان الافتتاح سيتمّ أصلًا، تأجّل العرض على وقع استمرار القذائف، وكان كلّ يوم يحمل احتمال التأجيل أو الإلغاء أو الأسوأ ومع ذلك، كنت أتوق لذلك اليوم. أتوق لأن يجلس الناس مكان الغبار على المقاعد الجلدية السوداء، أن يمتلئ المسرح بأنفاس الناس بدل الصمت، أن يعود التصفيق أعلى من صوت الخارج. لكنني أيضًا لم أكن آبه إن لم يأتِ ذلك اليوم، قلت لشريكي مرارًا: “بفضّل موت أنا وعم بتمرّن، وما موت عم بحضر أخبار عالصوفا.” وكان يجيب دائمًا، بهدوءٍ ثابت: “إيه روحي، هيدا مطرحك!” نعم، كان "مطرحي" كنت أفضّل الحياة والموت هناك، في دفء البروجكتور الذي أكله الصدأ، تحت سقف سينما قديمة في برج حمود، على أن أتركهم يسلبونني حياتي وأنا لا أزال أتنفّس. تلك الخشبة كانت نجاتي، فلو لم تكن لما كنت. حين خاف البعض، وتعب آخرون، ووجدوا نجاتهم في بلادٍ أخرى، أنا وجدتها هناك، بين الكواليس الرّطبة ورائحة الغبار، وستارةٍ معلّقة لا تُغلق ولا تُفتح وتحت ثريّا نورها يضيء الكون. هناك كان متنفّسي، هناك كنّا نؤجّل الانهيار… انهيارنا كنّا نكتب النصوص فيما المدينة تُمحى، ونعيد ترتيب المشاهد فيما كلّ شيءٍ في الخارج كان يتفكّك. نتوقّف عند كلّ صوتٍ مفاجئ، ننصت لثواني، ثم نعود إلى البروفة كأنّنا نعيد ترميم العالم جملةً جملة. ما قدّمته في ذاك العرض، انتظر عشرين عامًا عشرون عامًا من تراكم الذاكرة، من الكلمات التي خبّأتها في نصوصي، من الوجوه التي عبرتني ولم تغادر، ومن خوفٍ لم أعرف أين أضعه سوى على الخشبة وبكلّ شجاعة. بين الحقيقة والتشخيص كانت لعبتي، أن أقول دون أن أعترف تمامًا، أن أختبئ خلف الشخصية بينما أعرّي نفسي بالكامل. كنت أسرق من حياتي كلمات، ومن خيباتي لغة جسد، ومن وحدتي نبرة صوت. وكلّما اقترب المشهد منّي أكثر، صفّق الناس أكثر، وكان ذلك التصفيق… نبضي المسرح لم يكن ترفًا. لم يكن هوايةً ولا مساحةً للهروب أو العلاج النفسي، بل إعلان وجود. إعلان أنّ أجسادنا لم تتحوّل بعد إلى أرقام، وأنّ أصواتنا، ما زالت تصل. واليوم، حين أجلس وحدي في العتمة، وأشاهد ممثلًا يكتمل تحت الضوء، أشعر أنّ أحدًا ينجو من جديد. وأشعر أنّني ألتقي بنفسي أيضًا، بتلك المرأة التي ركضت يومًا نحو مسرحٍ قديم لتنجو من العالم فوق خشبة.

في اليوم السابع
بقلم
زينه زيادة
نُشر
أبريل 23, 2026 - 13:02

في اليوم السابع هل نستريح؟ لا. بل ننتظر. نعيش دومًا على عتبة الانتظار. نتصفّح، على عدد دقائق الساعات الأربع والعشرين، مقالًا من هنا، تصريحًا أو تغريدة من هناك، كي نرسم يومنا. هنا لا خارطة طريق إلّا تلك التي يضعها لنا من لا يتكلّمون لغتنا. ونحن نتلقّى. نتلقّى… ونفكّك. نقرأ ما بين السطور أكثر مما نقرأ السطور نفسها. نحلّل الصمت، ونشكّ بكلّ ما يبدو طبيعيًا. فالطبيعي لم يعد طبيعيًا. والهدوء، في بلادنا، ليس راحة… بل استراحة من لم يختر أن يحارب. في اليوم السابع، تفتح بعض المحال أبوابها على استحياء. نصف باب مرفوع، نصف قرار. الكراسي تعود إلى الأرصفة، القهوة تُشعل من جديد، والحديث يدور حول أمور صغيرة: أسعار، كهرباء، ماء، وخطط مؤجلة. الكلّ يراقب ويترقّب. الوجوه نفسها… لكن بملامح مشدودة لم تُنهِ خوفها بعد. وخلف كلّ جملة، ظلّ جملة أخرى: “إذا رجعت…” إذا رجعت؟ بس ما خلصت لترجع. على بعد كيلومترات قليلة، الأرض تُنسف، ودماء تسيل فوقها وتحتها. الهدوء هنا ليس غيابًا… بل مسافة. وفي هذا الهدوء القلق، يعلو ضجيج آخر. ضجيج لا يُسمع… بل يُفكَّر. نحلّل كل شيء: وجوه السياسيين، أصابعهم المرفوعة، نبرة الصوت، توقيت البيان. نراقب السماء لا لصفائها، بل لمدى صمتها. طائرة بعيدة، دراجة تمرّ، باب يُغلق بقوّة، كلّها احتمالات. نعدّ الأيام. اليوم السابع. الهدوء هنا ليس سلامًا. هو فسحة بين ضربتين. وفي هذه الفسحة، نحاول أن نعيش. قليلًا. نضحك… بلا ثقة. نخطّط… بلا يقين. ننام… بنصف وعي. جزء منا يبقى مستيقظًا، كحارس لا نراه. نستيقظ على المنبّه، لا على القصف فنستغرب. نُحضّر القهوة ببطء، كأننا نعيد تعلّمها. نفتح الأخبار قبل النوافذ. نكتب: “كيفك؟” ويأتينا الجواب: “منيح… لهلّق”. نخرج إلى الشارع. ننظر إلى بعضنا، كأننا نبحث عن طمأنينة ضائعة. حتى السلام صار سريعًا، مقتضبًا، لا يحتمل الإطالة. نحن لا نخاف فقط من الحرب، بل من اعتيادها. من أن تصبح جزءًا من يومنا، من حديثنا، من مزاحنا. نضحك أحيانًا… ثم نسكت فجأة. كأن الضحكة نفسها تراجعت. في اليوم السابع، سؤال يتسلّل بهدوء: ماذا نفعل بكلّ هذا التعب؟ القذائف قد تتوقّف، لكن أثرها لا يفعل. تعب في الجسد، في العين، في القلب الذي تعلّم أن يقفز عند أي صوت. لا نثق بالهدوء بما يكفي لنسترخي. نعيش على أهبة الراحة. راحة مؤجلة، مشروطة، قابلة للإلغاء. نرتّب أشياءنا بطريقة مختلفة. نشحن هواتفنا أكثر مما نستخدمها. نحسب الوقت… لأي احتمال. وفي داخلنا، شوق بسيط جدًا: هدوء… فقط. هدوء لا يُفسَّر، ولا يُراقَب، ولا يُخاف منه. لكننا لا نعرف كيف نصدّقه. فنعود إلى الانتظار. نراقب، نحلّل، نقرأ، ثم نعيد القراءة. نرتّب يومنا على احتمالات، لا على يقين. نقول: “لنشوف!” كأن حياتنا كلّها جملة معلّقة. وفي اليوم السابع، لا نعلن النصر، ولا نرثي الخسارة. نقف في المنتصف. بين حرب وسلام، بين خوف وطمأنينة، بين صوت وصمت. هذا المنتصف… صار مكاننا. قلقنا من هذا الهدوء ليس ضعفًا، بل ذاكرة. ذاكرة تعلّمت أن الهدوء قد يكون إنذارًا. ومع ذلك… نستمر. نصنع قهوتنا، نفتح نوافذنا، نراقب السماء، نردّ على الرسائل، نضحك حين نستطيع، ونسكت حين لا نستطيع. نشتري خبزنا، نمرّ على محطة الوقود، نؤجّل خططًا، ونخفي قلقًا. ونحاول، رغم كل شيء، أن نعيش يومًا عاديًا… حتى لو كان هذا “العادي” قائمًا على عتبة الانتظار.

خبر عاجل: بدأت الحرب!
بقلم
زينه زيادة
نُشر
مارس 8, 2026 - 02:20

لا شيء جديدًا في العبارة، لكن وقعها هذه المرة مختلف، سرعة وتيرتها تخرقني بضجيجها. نتصل جميعًا ببعضنا للاطمئنان. تتوالى الإجابات كما لو أنها بروتوكول يومي: نحن بخير، ماذا عنكم؟ بخير! كأن الكلمة تعويذة نحتمي بها. أمي بخير. أخي الأكبر وعائلته بخير. أخي الأصغر في وجهته الخليجية بخير. أختي وعائلتها هنا بخير. من يحبّهم قلبي ومن أعشق بخير. بخير! نكتبها ونكرّرها حتى تفقد حدّتها. أقاربي الذين أتوا من فرنسا ليمضوا أسبوعا في بلاد الأرز ومنهم من تعرّفنا عليهم للمرة الأولى، خاصة الأطفال، يعودون الى بلادهم بعد ساعات قليلة. الحقائب عند الباب. طفلان يسألان: لن نذهب إلى المطار؟ أمّ تحاول أن تبتسم كي لا ينتقل ارتباكها إلى ملامح الصغار. آباء يتظاهرون بالتماسك. أُلغيت رحلة الساعة الثالثة بعد الظهر، وأُغلق باب العودة المباشرة. رأيت في عيونهم ذلك القلق الذي تعلّمناه نحن أبناء هذه الأرض: قلق لا يصرخ، بل يحسب الاحتمالات. نجتمع ونقرّر سريعًا، لأن الوقت في الأزمات لا يمنح رفاهية التردّد. بعد اتصالات متلاحقة وبحث في الخيارات المتاحة، أُمّنت لهم مقاعد من بيروت عند التاسعة والنصف ليلًا إلى إسطنبول، ثم إلى بلجيكا، ومنها إلى ليل. عشر ساعات من السفر والتنقّل بين مطارات عدة، بدت أفضل من البقاء في مدينة يقترب لهيب المنطقة من شواطئها وسمائها. بيروت، التي كنت أتجوّل في ساحتها قبل أيام كسائحة أفتّش في حجارتها عن أثر الماضي، بدت لي الآن وكأنها تقف على رؤوس أصابعها. المدينة التي تتقن السقوط والقيام، تعيد ترتيب أنفاسها مرة أخرى. أدركت أن الأمان لا يُمتلك، بل يُستعار. أقلعت طائرتهم. وصلوا إسطنبول. رسالة قصيرة: نحن بخير. صورة يفترشون فيها الأرض أو كراسي صالة الانتظار. الأطفال يبتسمون رغم التعب. ثم الطريق إلى ليل. أطمئن، ليس طويلا. تتوالى الأخبار العاجلة، أقرأ، لا أصدّق، ثمّ أقرأ مجدّدا: المنطقة تشتعل، عواصم عربية تقصف. أهلي هناك، أمّي، إخوتي، نصف عائلتي هناك! أمسك هاتفي لأراسل أحبّتي. أتردد كي لا أنقل لهم قلقي. وأعود إلى السؤال ذاته، كأنه طقس عائلي: بخير؟ لكن أيُّ خيرٍ هذا الذي يُقاس بعدد المطارات التي عبروها أو ينتظرون عبورها بسلام؟ وأيُّ طمأنينةٍ تحتاج إلى تأكيد كل بضع ساعات؟ نحن بخير لأن الطائرة أقلعت وهبطت. بخير لأن السماء بقيت مفتوحة قبل أن تمطر علينا القذائف ويرتجّ التراب تحتنا. بخير لأن الخطر ظل احتمالًا لا واقعًا لبضع دقائق. أفكر في تلك اللحظة التي كنت فيها في الساحة أشرح لأقاربي عن بيروت. لم أكن أعلم أنني بعد أيام سأعيش درسًا جديدًا في هشاشة الجغرافيا. المدينة التي شرحت تاريخها بفرنسيتي المطعّمة بالإنكليزية، تعود لتذكرني بأن فصول تاريخها تُكتب ونحن نمشي فيها. هل نحن فعلًا بخير؟ أيُّ خيرٍ هذا؟ وأيُّ بلادٍ هذه؟ وأيُّ منطقة؟ وأيُّ طمأنينة؟ وأيُّ حياة؟ نحن جيل يتابع حركة الطيران وخرائط المناطق التي ستُقصف واتجاه الصواريخ كما يتابع تقلبات الطقس. نتقن وضع خطط بديلة قبل أن نجرؤ على الحلم بخطة أساسية. نعيش تعبًا مزمنًا، ونحمل قدرة غامضة على الانتظار. نحب، نقلق، ونحاول النجاة كل يوم، من كل شيء. في ذلك المساء بدأت المنطقة تشتعل… وعند فجر الإثنين اشتعل لبنان. وأنا، لا أزال أتمسّك بجملة صغيرة: بشوف وجّكن بخير!

سائحة في الساحة
بقلم
زينه زيادة
نُشر
مارس 3, 2026 - 08:54

وطِئَت قدمي ساحة النجمة كابنةٍ عادت تتفقد ملامح وجهٍ غاب طويلًا خلف أقفالٍ صدئة وأسلاكٍ شائكة وقراراتٍ أثقلت قلوب الناس. أزورها للمرة الثانية بعد أن كانت ومحيطها مُقفَلَين في وجهي، أو في وجهنا لسنوات، نحن الذين ظننّا يومًا أنّ الساحات خُلقت لتكون لنا، وأنّ المدن لا تُقفل إلّا في الكتب القديمة حين يكتب المؤرخون عن حصارٍ أو حرب. لسنواتٍ طوال، ظلّت ساحة النجمة اسمًا نتداوله بحذر، ونشير إليه كمن يشير إلى جرحٍ لم يلتئم. أغلقت ممّن ظنّ أنّه امتلك مفاتيحها ومفاتيح من فيها، صودرت خطانا، وتأجّل اللقاء بيننا وبين زواياها التي تعرف وقع أقدامنا أكثر مما يعرفها "الحرّاس". أزورها كالسائحة؛ أنا ابنة هذه البلاد التي التزمت البقاء فيها حين كان الرحيل أسهل من شرح البقاء. اخترت أن أبقى، لا بطولةً ولا تحديًا، بل لأنّ جذوري كانت أعمق من أن تُقتلع بخبرٍ عاجلٍ أو بانقطاع كهرباءٍ طويل. أمشي اليوم بين أبنيتها الأنيقة مع أقارب لي حملت الغربة أباهم إلى أحضان “الأم الحنون”، فولدوا هناك. حرف الغين طاغٍ على لكنتهم. لم ينطقوا يومًا بلغة الضاد كما ننطقها، ولم تتشكل ذاكرتهم على إيقاع مولدات الكهرباء أو نداءات الباعة المتجولين. كانوا ينظرون حولهم بدهشة السائح، بينما كنت أنظر أنا بدهشة من يرى مدينته من خارجها. نجول معًا بين الخطوة والأخرى، فيستوقفنا معلمٌ أو بضعةُ أحجارٍ بقيت شاهدةً على عصورٍ وحضاراتٍ مرّت على هذه الأرض. أشرح لهم كيف تعاقبت الأسماء على المدينة كما تتعاقب الفصول، وكيف كانت بيروت مرةً ميناءً للكتب، ومرةً ساحةً للمدافع، ومرةً مسرحًا لأحلامٍ أكبر من مساحتها الصغيرة. بفرنسيّتي المطعّمة ببعض الإنكليزية أحاول أن أجد الكلمات التي تختصر تاريخًا لا يُختصر. أبحث في ذاكرتي عن جملٍ محايدة، عن روايةٍ لا تجرح أحدًا ولا تخون أحدًا، فأجدني أتعثر بين الحنين والغضب. بيروت كانت خاليةً على نحوٍ يربك القلب. ليست خالية من الناس، بل خالية من الضجيج الذي كان يملأها معنى. أزقّتها التي كانت تضجّ بالأصوات بدت وكأنها تحبس أنفاسها، والواجهات اللامعة تعكس سماءً رمادية لا قرار لها. إنها خاليةٌ إلّا مما بقي في ذاكرتي: من انتفاضاتنا المتكررة التي كنا نملأ بها الشوارع هتافًا وأملًا، إلى تفجير 4 آب الذي بقي عصفه حاضرًا في المباني وزجاجيات الكنائس والمحالّ المزنّرة بأبوابٍ حديديةٍ نصف مغلقة. كلّ زاويةٍ هنا تحمل أثرًا غير مرئيّ، شقًّا صغيرًا في جدار، أو ظلّ نافذةٍ لم يعد زجاجها كما كان. كنت أمشي وأرى في الوقت نفسه صورتين متداخلتين: صورة المدينة كما هي أمامي، وصورتها كما كانت في داخلي. في ذاكرتي، كانت تعلوها ضحكاتٌ تتحدّى تعب الأيام. كان صوت الموسيقى يتسلل من شرفاتٍ ضيقة، يختلط أحيانًا بصوت الرصاص الحيّ، فلا نعرف أهو احتفالٌ أم تحذير. كانت دموع المسيّل للدموع جزءًا من قاموسنا، كما كان الحبّ جزءًا من شجاعتنا الصغيرة. شهدتُ على أدراجها لقاءاتٍ خاطفة، اعترافاتٍ هامسة وعلى فراقٍ تمّ على عجلٍ خوفًا من خبرٍ عاجل. كيف أصف لهم ما تعنيه بيروت لأبنائها؟ كيف أشرح ازدواجيةً واضحةً؟ غربةٌ ثقيلة وحنينٌ لا يهدأ. نحن الذين نعيش فيها ونشعر أحيانًا كغرباء عنها، كأنّها مدينةٌ تُدار من وراء زجاجٍ سميك لا نصل إليه. وفي الوقت نفسه، لا نحتمل فكرة الابتعاد عنها، لأنّها تسكننا كملح البحر. أقول لهم إنّ بيروت ليست مجرد أبنيةٍ أنيقةٍ وساحةٍ مرصوفة، بل هي ذاكرةٌ حيّة وجرحٌ مفتوح. في تلك اللحظات، شعرت أنّني أنا السائحة الحقيقية. كنت أكتشف مدينتي كما لو أنّني أتعرف إليها من جديد. كلّ زاويةٍ كانت تدفعني إلى سؤال: هل هذه هي المدينة التي عرفتها، أم أنّها نسخةٌ أكثر هدوءًا، أقلّ صخبًا، وأكثر تعبًا؟ كنت أفتش في الوجوه عن أثرٍ لما كان، عن بريقٍ يشبه البريق الذي عرفته حين كنا نؤمن أنّ الغد ممكن. تذكّرتُ يومًا قديمًا حين آمنت أنّنا أقرب ما نكون إلى امتلاك المكان. ثمّ جاءت السنوات التي أُغلقت فيها الأبواب، وتحوّلت الساحة إلى صورةٍ بعيدة. اليوم، وأنا أعبرها بلا حواجز، أدركتُ أنّ المكان لا يُمتلك، بل يُعاش. وأنّ المدن لا تعود كما كانت. شعرتُ بأنّ هذه المدينة، رغم كلّ ما مرّ بها، لم تفقد قدرتها على الانتظار. لم أشرح لهم كلّ هذا، اكتفيتُ بالمشي معهم كسائحةٍ ترى مدينةً لا تخلو من الجمال وتنتظر أن تحيا. كنت أبتسم حين يلتقطون الصور، وأشير إلى التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها العابر. وفي داخلي، كنت آمل بأن أعود مرةً ثالثة، لا كسائحة، بل كامرأةٍ تصالحَت مع مدينتها، مهما طال الانتظار. غادرنا الساحة، التفتُّ إليها كمن يلتفت إلى بيتٍ قديمٍ عاش فيه زمنًا طويلًا. لم أودّعها، لأنّ الوداع يوحي بالنهاية وأدركت أنّ بيروت بدايةٌ تتكرر، تتقن السقوط والقيام، وتترك لأبنائها مهمة أن يحبّوها أو يهجروها.