
ماذا يفعل المانيفستو؟ (3)

هذه المقالة هي الثالثة والأخيرة في سلسلة تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. بدأت السلسلة من سؤال عمّن يملك حق الإعلان، ثم انتقلت إلى ما يحدث حين يقول المانيفستو «نحن» ويتكلم باسم جماعة. في هذه المقالة نعود إلى السؤال الذي أطلق الرحلة كلها، وإلى كتاب إيريني باييخو، لنسأل هذه المرة عمّا يفعله النص حين يسمّي نفسه مانيفستو، وعن الأفعال التي قد تتسع لها هذه الكلمة.
ما زال مانيفستو القراءة لإيريني باييخو الكتاب نفسه الذي أثار استياء قارئ كان ينتظر من عنوانه شيئًا أكثر نظرية، وأكثر جدية، وربما أكثر قدرة على قول جديد عن الكتب والمكتبات والقراءة. وما زال هذا الكتاب نقطة انطلاق هذه السلسلة.
لكننا نعود إليه الآن بسؤال مختلف.
فبعد تزارا، يصعب أن نجعل الجدية أو انتظام الحجة شرطًا للمانيفستو. اما بيان كومباهي الذي أدّى الكثير مما تؤديه المانيفستوات من دون أن يحمل الكلمة في عنوانه. فيما دفعت دونا هاراواي هذا الشكل إلى كثافة نظرية قد تتجاوز ما نجده في نصوص كثيرة تعلن نفسها مانيفستوات بثقة كاملة.
لنجد بأننا كلما حاولنا الإمساك بهذا الشكل من خاصية واحدة، وجدناه يمدّ حدوده إلى مكان آخر.
طرأت العديد من المتغييرات على المانيفستو، ان من حيث عدد الصفحات، أو مستوى التنظير، أو البرنامج الذي يكون في بعض الاحيان، حاضرًا بوضوح، وفي احيان اخرى، بالكاد يُرى. حتى الاسم نفسه لا يبدو قادرًا على حسم المسألة. فبعض النصوص تعلن من عنوانها أنها مانيفستوات، ثم تتصرف بحرية كبيرة تجاه ما نتوقعه من هذا الاسم، فيما تمارس
نصوص أخرى فعل المانيفستو من دون أن تطالب به.
لعل المسألة تصبح أوضح إذا ابتعدنا قليلًا عن محاولة تعريف الشكل، واتجهنا إلى السؤال عمّا يفعله.
ماذا تفعل الكلمات؟
عام 1955، قدّم الفيلسوف البريطاني ج. ل. أوستن في جامعة هارفرد المحاضرات التي صدرت بعد وفاته، سنة 1962، بعنوانHow to Do Things with Words . كان أوستن مهتمًا باللحظات التي تتحول فيها الكلمات نفسها إلى جزء من الفعل. ففي ظروف معينة، يحدث الوعد من خلال القول، كما يحدث الاعتذار أو التحذير أو التسمية، وتكتسب الكلمات أثرها بما تنجزه في العالم.
لا يعني ذلك ان المانيفستو «فعل كلام» بالمعنى الأوستني الدقيق، أو أن علينا إخضاعه لنظرية صيغت لأسئلة أخرى. ما يعنينا هو أن نقرأ المانيفستو من جهة الأثر الذي يحاول إحداثه، لا من جهة الصفات التي ينبغي أن تتوافر فيه قبل أن نسمح له بهذا الاسم.
منذ المقالة الأولى، مررنا بنصوص كان ظهورها نفسه جزءًا مما تحاول إنجازه. رأنا الجماعة تعلن عن نفسها فتكتسب حضورًا جديدًا، ورأنا الاسم يُنتزع من الخصم ويتغير معناه، كما شهدنا كيف ان ضمير «نحن» وفور دخوله الى الجملة، يدعو الجماعة الى تخيل نفسها من خلاله.
المانيفستو، في هذه الحالات، تدخّل في المجال العام، لانه استطاع ان يجعل شيئًا ظاهرًا ومنحه اسمًا او غيّر موقعه، دافعا ما كان في هامش المشهد نحو المركز.
وفي الجهة الأخرى من النص، نجد دائمًا من يُطلب منه ان يقوم بعمل ما. أن يسمع، أو يعيد النظر، أو ينضم، أو يرفض، أو يغضب، أو يتوقف أمام أمر اعتاد المرور بجانبه.
ومن هنا يظهر فعل آخر قد يبدو أقل صخبًا، لكنه لا يقل أهمية، الا وهو الانتباه.
فالأشياء التي تحتاج إلى أن تُعلن ليست بالضرورة مجهولة. قد تكون مألوفة إلى درجة أنها تنسحب تدريجيًا إلى خلفية حياتنا، بحيث يعرفها الجميع، ولكن لا يراها احد.
ولعل واحدة من وظائف المانيفستو تكمن في كيفية تحيوله لهذا المألوف، الى مسألة تستدعي موقفًا.
لقد عرفنا المانيفستو طويلًا بصوت الجماعة والبرنامج والإعلان الكبير. لكن الكلمة صارت تظهر أيضًا في كتب تنطلق من السيرة والذاكرة والخبرة الشخصية.
في Manifesto: On Never Giving Up الصادر سنة 2021، تعود برناردين إيفاريستو إلى حياتها وتجربتها ككاتبة، وإلى علاقتها بالإبداع والعنصرية والتمثيل والمؤسسات الثقافية. تصف الكاتبة نفسها كتابه على انه أول أعمالها غير الروائية، يستعيد حياتها من خلال علاقتها بالإبداع. ومع ذلك اختارت له كلمة «مانيفستو».
وفي 2025، صدر لإيان بارتسون Books: A Manifesto, Or, How to Build a Library وهو كتاب ينطلق أيضًا من علاقة شخصية طويلة بالكتب، قبل أن يتسع إلى دفاع عن القراءة والمكتبات والمعرفة التي تتيحها الكتب.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى، كما لو أن الـ«أنا» المعاصرة بدأت تحتل المكان الذي شغلته الـ«نحن» طويلًا. لكن التاريخ النسوي يجعل هذه القراءة أضيق مما ينبغي.
ارتبطت عبارة «الشخصي سياسي» بالحركة النسوية في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. كتبت كارول هانيش النص الذي سيُعرف بهذا العنوان في شباط 1969، دفاعًا عن مجموعات رفع الوعي التي كانت تُتهم بالانشغال بمشكلات «شخصية» على حساب السياسة.
كانت المسألة بالنسبة إلى هانيش مرتبطة بعلاقات القوة التي تدخل إلى أكثر تفاصيل الحياة خصوصية، وما تعيشه امرأة باعتباره مشكلة تخصها وحدها يبدأ في الظهور بصورة مختلفة حين تسمع نساء أخريات يروين تجارب تتقاطع معها.
نعود هنا إلى الغرفة التي جلسنا فيها مع ريدستوكينغز في المقالة السابقة، حيث تدخل كل امرأة بقصة تخصها، ثم تتجاور القصص، ليظهر من هذا التجاور ما لم يكن مرئيًا داخل كل تجربة منفردة.
قد تكون الـ«أنا» نقطة بداية لمسار يصل إلى ما هو مشترك، حين تكشف التجربة الفردية عن شروط وعلاقات تتجاوز صاحبها، وتفتح الطريق أمام فهمها داخل سياق سياسي وجماعي أوسع.

حين تصبح الرعاية موقفًا
صدر Manifiesto por la lectura. Caligrafías del cuidado سنة 2020 في سياق محدد. كتبته إيريني باييخو بطلب من اتحاد نقابات الناشرين في إسبانيا، وقدّمه الاتحاد خلال معرض Liber بوصفه نصًا يهدف إلى إبراز القيم العامة للقراءة والدفاع عنها في المجتمع. كان أيضًا جزءًا من تحرك أوسع باتجاه اتفاق دولة حول الكتاب والقراءة في إسبانيا.
هذا التفصيل يغيّر كثيرًا في الطريقة التي نقرأ بها الكتيّب.
لم تكتب باييخو تأملات عن علاقتها الخاصة بالكتب ثم قررت لاحقًا أن تسميها مانيفستو. أُسندت إليها منذ البداية مهمة كتابة نص يحمل القراءة إلى مساحة عامة أوسع، ويضع قيمتها أمام المجتمع وصنّاع السياسات.
لكنها اختارت إنجاز هذه المهمة من خلال كتابة شخصية وأدبية مستعينة بذكرياتها، وبالمدارس والمكتبات والكتب الأولى. تنقلت بين التاريخ والتجربة والانطباع، وبين الصور التي تتركها القراءة في حياة أشخاص وأجيال.
لعل هذا الطابع الشخصي والوجداني هو ما جعل القارئ الذي بدأت معه هذه السلسلة يشعر بأنها «خدعته» باستعمال كلمة مانيفستو. فهو وجد أمامه نصًا حميمًا وشاعريًا حين كان ينتظر حجة أو برنامجًا أو تنظيرًا.
لكن العنوان الفرعي للكتاب يضع إلى جانب كلمة «مانيفستو» عبارة تستحق ان نتوقف عندها وهي Caligrafías del cuidado، أي ما ترجمته «كتابات الرعاية» أو «خطوط الرعاية».
يبدو بطبيعة الحال منطق الرعاية غريبا جدا عن الذي اعتدنا على ان نجده في المانيفستو.
فهذا شكل ارتبط طويلًا بانفعالات مرتفعة النبرة. وها هي الرعاية تدخل هذا التاريخ بصوت أخفض.
تمنحنا أخلاقيات الرعاية النسوية feminist ethics of care لغة أدق لفهم هذا الاختلاف. اقترحت جوان ترونتو، مع بيرينيس فيشر، تعريفًا واسعًا للرعاية يشمل ما نفعله من أجل المحافظة على عالمنا، واستمراره، وإصلاحه، حتى يصبح ممكنًا أن نعيش فيه على أفضل نحو نستطيعه. ويشمل هذا العالم الأجساد والعلاقات والبيئة والأشياء التي تدخل في شروط استمرار الحياة. ثم عملت ترونتو على إخراج الرعاية من الحيز الذي حصرها في شأن خاص أو نسائي، وقراءتها بوصفها مسألة سياسية ترتبط بتوزيع المسؤولية والقوة. تبدأ الرعاية من الانتباه إلى حاجة ما، ومن الاعتراف بأن هذه الحاجة تستحق استجابة. ثم تنتقل إلى المسؤولية تجاه شيء نريد له أن يستمر.
وهذه الحركة قريبة بصورة لافتة من بعض ما يستطيع المانيفستو أن يفعله. فالشيء الهش يحتاج أولًا إلى أن يدخل مجال الرؤية. وحين يصبح استمراره موضع خطر، ينتقل السؤال من الذين يعيشون قريبًا منه إلى مساحة أوسع، حيث يبدأ آخرون بالشعور بأن مصيره يعنيهم أيضًا.
سبق أن رأينا شيئًا من ذلك في القاهرة سنة 1938، حين استخدم فنانو «الفن والحرية» المانيفستو للدفاع عن فن صار مهددًا بالقمع والتسمية والإقصاء.
تتغير مع باييخو النبرة ويتغير الموضوع. فمانيفستو القراءة يعمل على قيمة يعرفها قارئه مسبقًا، ثم يعيد شروط استمرارها إلى مجال النظر. تقول باييخو، قرب خاتمة الكتاب، إن «القراءة ستواصل الاعتناء بنا إذا اعتنينا بها».
تغيّر هذه الجملة موقع القارئ في العلاقة، لتصبح القراءة فعلًا رعائيًا متبادلًا، يرتبط استمرار ما تمنحه لنا بما نفعله نحن أيضًا من أجلها. وتمتد الرعاية إلى شبكة واسعة من الأشخاص والأماكن والممارسات، من المدارس والمكتبات ودور النشر إلى فضاءات القراءة المشتركة.
العلاقة التي بدأت فردية تقود بذلك إلى التفكير في المجتمع الذي نريد أن تبقى فيه القراءة ممكنة، وفي البنى التي تضمن استمرارها.
تبدأ باييخو من تجربة واحدة ثم تضع القراءة أمام الآخرين بوصفها شيئًا يستحق اهتمامهم. ومع اقتراب آخرين من هذا الشيء وشعورهم بأن بقاءه يعنيهم، يبدأ احتمال جماعة من نوع مختلف.
لربما تكون الـ«نحن» نتيجة محتملة للرعاية أكثر منها نقطة تسبق حدوثها، أو شرطًا لها.
ولربما تصبح عبارة «المستقبل الذي يوحّدنا»، التي تظهر أيضًا في خاتمة باييخو، أكثر إثارة حين توضع داخل هذا المسار. فالمستقبل المشترك قد يتشكل مما نقرر أن نحميه معًا، ومن العلاقات التي تنشأ بيننا حوله.
حين يغادر المانيفستو الصفحة

يقدّم الفنان اللبناني ألفرد طرزي (من 15 الى 20 ايلول الجاري) الجزء الثاني من مشروعه A Lover’s Manifesto، بعنوان: The Lebanese Experiment 1920-1958 . (1)
العمل هو جزء من مشروع يتتبع تاريخ بيروت من 1860 حتى 1982 من خلال آلاف الصور والمواد الأرشيفية. في تصوّر طرزي للمشروع، تتقدّم الصور من موقع الشاهد على الحدث التاريخي إلى موقع الفاعل فيه، لتسهم شخصيات رئيسية في إنتاج الوعي السياسي وتشكيل المخيلة العامة.
مع طرزي، يغادر المانيفستو الصفحة، ويرمي "الكلمة" كاداة اساسية. فها هي الصورة والصوت والكولاج والمونتاج والأرشيف، ادوات تدخل في فعل الإعلان. لتصبح «كتابة» المانيفستو ممكنة بمواد لم نعتد أن نضعها تحت فعل الكتابة أصلًا.
يشرح طرزي أن المشروع قام على سنوات من تتبع آثار مؤسسات ثقافية لبنانية ومطبوعاتها وموادها البصرية والصوتية. وبعض ما جُمع، من أوراق وأفلام سيلولويد، أُنقذ حرفيًا من النفايات. ويضع المشروع هذا الجمع في مواجهة مشكلة أخرى هي توقف انتقال الذاكرة بين الأجيال، واستمرار تواريخ لبنانية غير محسومة وغير مفهومة بما يكفي.
وفي وصفه لطريقته، يجعل طرزي من الكولاج والمونتاج أداتي «ثورته» الخاصة، ويصف المشروع بأنه مانيفستو للتذكر ودعوة إلى الفعل.
وهنا يلتقي عمله، من طريق مختلف تمامًا، مع ما فتحته باييخو من أسئلة. فماذا يعني أن نهتم بشيء مهدد بالاختفاء؟
عند باييخو، تصبح القراءة موضوعًا للرعاية حين نتوقف عن التعامل مع استمرارها كأمر مضمون. وعند طرزي، تواجه الصور والمجلات والأفلام والمواد الأرشيفية خطر الزوال المادي، والنسيان، وانقطاع انتقالها إلى من يأتي بعدها.
يجمع عنوان طرزي «مانيفستو عاشق» بين شكل ارتبط تاريخيًا بالإعلان والصدام وبين علاقة تقوم على القرب والتعلق والانشغال بمصير شيء ما. يتعامل العاشق هنا مع موضوعه من خلال الجمع والحفظ والإنقاذ وإعادة ترتيب الأجزاء، قبل أن يعيدها إلى المجال العام في صورة جديدة.
مع طرزي تأخذ الرعاية شكل ممارسة أرشيفية وسياسية في آن. تظهر في جمع المواد، وحفظ ما يهدده الاختفاء، وإعادته إلى التداول، وفي السؤال عمّن سيرث الصور والقصص حين ينقطع انتقالها بين جيل وآخر..
بدأنا هذه السلسلة بسؤال: من يحق له أن يكتب مانيفستو؟
لكن فعل «الكتابة» نفسه صار، في هذه اللحظة، أضيق من الشكل الذي نحاول فهمه.
فالمانيفستو قد يُكتب. وقد يُلقى. وقد يتشكل من صور متناثرة، وصوت، وأرشيف، ومونتاج. وقد يبدأ من إعلان جماعة غاضبة، أو من امرأة تروي تجربتها، أو من قارئة تتحدث عن الكتب التي رافقتها، أو من فنان يجمع بقايا مدينة كي يعيدها إلى مجال الرؤية.
ربما أصبح السؤال الأجدى في نهاية هذا المشوار: ماذا يحاول هذا المانيفستو أن يفعل حين يدخل العالم؟
(1) https://www.beirutspringfestival.org/a-lovers-manifesto-p2-the-lebanese-experiment