شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

جان فرانسوا ليروي والصورة التي تفتح وراءها عالماً

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر سبتمبر 9, 2026 - 15:40

في رحيل المصوّر الفرنسي جان فرانسوا ليروي (Jean-François Leroy)، يمكن الاقتراب من الشغف الذي كان يدفعه إلى الصورة، ليس كوثيقة باردة، بل كوسيلة للاقتراب من الإنسان في لحظات انكشافه القصوى، تعبيراً حسياً عن الفكر والنفس الإنسانية بفيزيولوجية الإدراك. وهذا ما جعل تجربته مختلفة، أكثر من مجرد شاهد على الحدث، بل شخص يدخل إلى المسافة الحساسة، مفتوناً بالحياة وهي تظهر في أقصى هشاشتها بقدرات خاصة في التعبير عن استقلالية الصورة، وتميزها عن سائر التجليات الرمزية.

كان مريضاً جداً لدرجة أنه لم يستطع المجيء للمرة الأخيرة إلى"فيزا بور ليماج"، مهرجان التصوير الصحفي في بيربينيا، الذي أسسه وأداره لما يقرب من أربعين عاماً، وهو أمضى حياته مدافعاً شرساً عن التصوير الصحافي الفوتوغرافي، وانتهى متوفياً وهو متمسك بسيجارته، عن عمر يناهز 69 عاماً بعد صراع مع مرض السرطان، تاركاً خلفه إرثاً من الالتزام الصادق بعالم الصورة التي لم تكن بالنسبة إليه موضوعاً جمالياً ولا مجرد ميدان صحافي؛ بل كانت مكاناً تتعرّى فيه الحقيقة الإنسانية بسرعة في الجانب المعرفي والتجريبي كصورة تمثيلية عن الخوف، الحرب، الفقد، التضامن، الانتظار، والكرامة من دون خطاب سياسي مباشر.

صوره تأتي من كل القارات، من الحروب والمجاعات والهجرة والانتفاضات والمخيمات والمناطق والقصص المصورة المنسيّة. تتغير الجغرافيا والوجوه والأنظمة، لكن شيئاً واحداً يبقى، الصورة حين تصبح مثل مرآة للتاريخ، وما يظهر فيها ليس كل شيء، بل ما يكشفه العالم عن نفسه في لحظة معينة، الإنسان، الجندي، واللاجئ، والطفل، والمرأة، والثائر، والزعيم، وحتى الضحية؛ جميعهم يصبحون للحظة متساوين أمام عدسة المصور، حين يكشف بواسطتها مأساة، مجازاً للواقع، للذاكرة، صنو السلطة والعالم

. وهو كان لا يجمع المصورين من أنحاء العالم لمجرد عرض أعمالهم؛ كان يبني، عاماً بعد عام، صورة كبيرة للعالم من خلال صور صغيرة، وبقوة مجهولة في مواجهة سلبية الواقع. والأهم أن هذه الصورة الكبرى ليست صورة منتصرة للحضارة، بل صورة عالم تحت التصور، متشظٍ، خائف، عنيف، لم تكن الصورة عند ليروي تقول ما يرى، بل ما تقوله الأشياء، ما يخفيه العالم عن نفسه. هو رجل مهرجان الصورة، لكنه كان في العمق متمرداً على مؤسسة الصورة نفسها، يطلع أحياناً من المستحيل والخيال أكثر من مجرد إدراك الصورة فقط حسياً.

على مر السنين، جعل من المهرجان حدثاً مجانياً ومفتوحاً للجمهور، يتمتع بشعبية كبيرة (أكثر من 220 ألف زائر سنوياً)، ملتقى عالمياً لجميع المتخصصين في هذا المجال. لكنه كان يشعر أيضاً بالغضب تجاه أزمة التصوير الصحافي وإفقار المصورين الذين يعانون من الصعوبات المالية التي تواجه الصحافة واختفاء وكالات الأنباء، مما يضطرهم تدريجياً للجوء إلى المنح، أو المنظمات غير الحكومية، أو عالم الفن لتمويل أعمالهم. ومن خلال توزيع أكثر من 150 ألف يورو سنوياً على المصورين في شكل جوائز، نجح في إدراج مهرجانه ضمن هذا النموذج الاقتصادي الجديد، بأخلاقه والتزامه، يرى المصورين كـ"مراسلين"صحفيين يرسلون للعالم ليشهدوا على الأحداث.

بفضل"جاك ديلورد"، وفترة دراسة في كلية الطب، تحول جان فرانسوا ليروي بسرعة نحو التصوير الفوتوغرافي. تأثر بسنوات قضاها في مختبر الصور التابع لمجلة"لا في كاثوليك"، حيث كانت عمته تعمل كرئيسة تحرير. ثم أصبح مساعداً لـ"غاريس سيباهيوغلو"(1926-2011)، مؤسس وكالة"سيبا برس"، وعمل كوكيل للمصورة دومينيك إيسرمان، ثم أصبح رئيساً لتحرير مجلة"فوتو". في عام 1989، وبمساعدة روجر ثيروند، مدير مجلة"باري ماتش"، وأحد معلميه، وميشيل ديكرون، مدير مجلة"فوتو"، فاز بمناقصة مدينة بيربينيا وأنشأ مهرجان"فيزا بور ليماج"، وفق صيغة فنية لم يحد عنها في مجموعة كبيرة من الأسماء الواضحة والمستقلة. حوالي ثلاثين معرضاً مجانياً في جميع أنحاء المدينة، محولاً الممارسة المهنية إلى حدث لا يمكن تفويته.

عاماً بعد عام، استقبل ورافق أجيالاً مختلفة من المصورين، من صراعات يوغوسلافيا السابقة مع لوران فان دير ستوك أو ألكسندرا بولات، إلى"الربيع العربي"مع ريمي أوشليك (1983-2012)، والشيشان مع ستانلي غرين، وأوكرانيا مع غيوم هيربو. كل عام، برزت جوائز"فيزا"المرموقة للمراسلين المصورين من بينهم، بانتظام مراسلي صحيفة"لوموند"، الذين يرسلهم ليروي بانتظام إلى الميدان، لوران فان دير ستوك، مع تقارير سرية في سوريا عام 2013، أو لوكاس باريوليه، في أوكرانيا عام 2022، أو رافائيل ياغوبزاده في لبنان، عام 2026.


كان مهرجانه أيضاً مكاناً للشخصيات التاريخية، مثل الأمريكي ديفيد دوغلاس دنكان (1916-2018)، مؤلف كتاب"هذه هي الحرب"، بصوره المؤثرة عن حرب كوريا، والروسي ديمتري بالترمانتس (1912-1990) ولقطاته عن الحقبة السوفيتية، وبول فوسكو (1930-2020) بسلسلة"جنازة روبرت كينيدي"(1925-1968)، التي عُرضت في عام 2000 لأول مرة في فرنسا. 

طوال هذه السنوات، لم يتردد في التعبير عن آرائه الصريحة والدفاع عن التصوير الصحافي ضد عمليات الاستحواذ على وسائل الإعلام لأسباب أيديولوجية أو مالية، ضد الصحافة التي لا ترسل ما يكفي من المصورين إلى الميدان، ضد القيود المفروضة على حرية الصحافة، وضد تحول المجلات إلى"ماركة مشاهير"، وضد تداول الصور المصنوعة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وإحدى الحقائق لعالم الصورة هو مفهوم الحقائق، أي سيميائية الصورة في خلفية التعبير وتضميناته، ناقداً ما يختزنه المصورون العاديون على نحو سطحي ومشوّش. كما أشاد، على المسرح، مرات بالمصورين الذين قتلوا في الميدان، وشهود المآسي في سوريا، أو أوكرانيا، أو غزة، أو الصحافية الروسية آنا بوليتكوفسكايا، التي اغتيلت في 7 أكتوبر 2006. فدفع الصورة إلى مكان آخر لم يعد المهم أن تكون الصورة شاهداً على الحدث، (القرن التاسع عشر)، بل أن تكون شاهداً على الإنسان داخل الحدث.

لم يكن مفتوناً بالصورة الجميلة، بل بالصورة التي تفتح وراءها عالماً وراءه القبيلة، والدين، والذاكرة، والخيانة، والبطولة، والحب، والخوف، وحتى الشعر. ولهذا كان يدافع عن التصوير الصحافي بوصفه طريقة لفهم العالم، لا مجرد نقل أخبارهم. مجالاً مستقلاً في تجربته وحياته. 

كان دعماً لا يتزعزع لبعض المصورين، ستانلي غرين، بصوره المؤثرة عن الشيشان، أو باسكال مترالتي في صورة تختزن عالماً كاملاً للشاه مسعود الذي تحول في المخيال الأفغاني إلى شخصية تجمع المحارب والمثقف والشاعر والسياسي والرمز القبلي، أو يوجين ريتشاردز، الذي كشف بلا هوادة عن إخفاقات المجتمع الأمريكي، نيك أوت، الحائز على جائزة بوليتزر عن صورته الشهيرة لفتاة النابالم.

كان همه مواضيع النزاعات، والأوبئة، والأزمات الاجتماعية، والمهاجرين، حتى لو كان عليه أن ينفتح، من وقت لآخر، على مشاريع أكثر كلاسيكية، مثل المعرض المزدوج للفنان إريك بودلير في عام 2006، ومعارض صور مجهولين قادمين من إيران في عام 2023، أو صور المصور صامويل بولندورف في عام 2025. كان ليروي يعتقد أن الصورة تستطيع أن تجعل العالم قابلاً لرؤية ما لا نستطيع تصوره.

أما عالم اليوم فقد أصبح ينتج من الصور ما يفوق القدرة على النظر وما يجري من غزة إلى أوكرانيا، صار يتجاوز الصورة نفسها. لم تعد المشكلة في أن نرى الحرب، بل في أن نفهم لماذا أصبح الإنسان قادراً على احتمال كل هذا العنف. 

رحيل ليروي في هذا التوقيت بالذات ذو دلالة رمزية قاسية، وهو شكل ظاهرة فريدة، حالة ذهنية وانفعالية وأنطولوجية مختلفة عن سواه، من خلال تجسيده قدرة الصورة ودروسها التاريخية، كما عالم الأخبار والثقافة والدين والاجتماع.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل