شعار Levant Time
العودة إلى المقال
استراتيجيا

مُنهكةٌ لكن مُهدِّدة: إيران بعد عمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» (1/2)

صورة للأخبار
جندي أمريكي أمام بطارية صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ، دعاية تروج لمزايا طائرة شاهد بدون طيار في طهران: حرب غير متكافئة تقابل أسلحة تكلف ملايين الدولارات بأخرى تقل قيمتها عن 50 ألف دولار. (وكالة فرانس برس)
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر يونيو 3, 2026 - 20:10

يقدم هذا المقال قراءة في الأثر العسكري والصناعي لعمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» في القدرات التقليدية الإيرانية. ويليه الأسبوع المقبل جزءٌ ثانٍ وأخير، يستشرف الظروف التي قد تفضي إلى انفجار إيران من الداخل على المديين المتوسط أو الطويل.

 

تكبّد النظام الإيراني خسائر فادحة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي دارت رحاها بين شباط ونيسان 2026.

 

ورغم هذه الضربات القاسية، لم تسقط الجمهورية الإسلامية، ولم يبدِ نظام طهران أي مرونة في مواجهة العقوبات والحصار البحري الأمريكي.

 

تُظهر قراءة التاريخ، ومِثلها تحليلات الخبراء اليوم، أن الأنظمة الاستبدادية المتجذرة، على غرار نظام طهران، تبدو أكثر عرضة للانهيار تحت وطأة انفجار داخلي، يفجّره التقاء عاملَين: خنق اقتصادي طويل الأمد، وحراك شعبي يبلغ نقطة الغليان.

 

وفي حين تُسهم العقوبات الدولية والحصار البحري الأمريكي في تجفيف منابع الموارد المالية للدولة، فإنها لا تتعدى كونها عوامل محفزة؛ إذ إن نقطة الانهيار الحتمية لا تأتي إلا عندما تتسع الانقسامات الداخلية التي طالما كتمتها آلة القمع وتتقاطع (في ظل حصيلة دموية بلغت أكثر من 30 ألف قتيل في كانون الثاني الفائت، وأكثر من 50 ألف اعتقال عقابي ووقائي في شباط).

 

وبالعودة إلى حرب الأربعين يوماً الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يبرز سؤالان محوريان: ما هي الحصيلة الحقيقية للخسائر العسكرية والاقتصادية التي منيت بها الجمهورية الإسلامية؟ وأي آفاق ترتسم اليوم في مواجهة الحصار الأمريكي والمفاوضات التي تراوح مكانها؟

 

ماذا بقي من البحرية الإيرانية؟

 

بلغ إجمالي الضربات الجوية التي نفذتها العمليتان العسكريتان المشتركتان؛ الأمريكية «الغضب الملحمي» والإسرائيلية «زئير الأسد»، بين شباط ونيسان 2026، نحو 20 ألف ضربة. ويُمثل هذا الرقم، في غضون 40 يوماً فقط، ما يعادل 60% من هجمات قوات التحالف ضد تنظيم "داعش" في سوريا والعراق على مدى خمس سنوات كاملة.

 

وقد وجهت الغارات الأمريكية الإسرائيلية ضربة قاصمة للبحرية الإيرانية النظامية؛ إذ أسفرت الضربات التي استهدفت القواعد الرئيسية في "بندر عباس" و"كونارك" عن تدمير معظم سفن السطح الرئيسية. فغُرقت المدمرات والفرقاطات وسفن الإسناد (السفن الأم) أو أُصيبت بأضرار غير قابلة للإصلاح، مما حرم إيران من قدراتها البحرية التقليدية في أعالي البحار. وتفرض هذه الصدمة الاستراتيجية اليوم على طهران الارتكاز على ما تبقى لديها من وسائل غير متناظرة ومتحركة، لحماية شواطئها، والأهم من ذلك، لإبقاء التهديد جاثماً فوق حركة الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز.

 

وفي المقابل، لم يصب سلاح الغواصات إلا بأضرار جزئية، مُحتفظاً بقدرته على إلحاق الأذى في المياه الضحلة بفضل ما تبقى من غواصات الجيب. ومع أن الغواصات الهجومية الثلاث من طراز «كيلو» (Kilo) ذات المنشأ الروسي قد استُهدفت أو أُغرقت في مرابضها، وتعرّض نصف غواصات الجيب الثلاث والعشرين من طراز «غدير» الإيرانية الصنع للمصير نفسه؛ فإن الأسطول الناجي من هذه الغواصات الصغيرة (الذي يُقدّر بـ 10 إلى 12 غواصة) والمجهّز بالطوربيدات والصواريخ، يتمركز الآن في الخطوط الأمامية داخل الخليج وعند مشارف مضيق هرمز. ويمنح هذا الأسطول طهران تكتيكات "حرب العصابات البحرية"، لا سيما في زرع الألغام، وإطلاق الطوربيدات، وتنفيذ العمليات الخاطفة انطلاقاً من السواحل الصخرية.

 

وبالتوازي، نجح الجزء الأكبر من بحرية السطح التابعة للحرس الثوري الإيراني في النجاة، مستفيداً من هيكليته القائمة على الانتشار والتشتيت. ويتألف هذا السلاح من مئات الزوارق السريعة المسلحة (Fast Attack Craft)، إلى جانب دوريات خفيفة حاملة للصواريخ من طرازي «بيكاب 2» (Peykaap II) و«هودونغ»(Houdong) . وتعتمد فلسفة هذه السفن الحربية الصغيرة على شن هجمات منسقة وبأعداد غفيرة جداً (أسراب)، ثم الانكفاء السريع والتواري داخل الأخوار والتعرّجات الساحلية.

 

التكتيكات الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز

 

باتت الاستراتيجية الإيرانية لاستهداف السفن المدنية أو العسكرية ترتكز اليوم على غواصات الجيب المجهزة بالطوربيدات والصواريخ، والتي لا يتعدى طاقمها 7 بحارة. كما تعتمد على الزوارق السريعة المزودة بالصواريخ (Fast Attack Craft) بطاقم يتألف من 4 إلى 5 بحارة، بالإضافة إلى الصواريخ المضادة للسفن (بر-بحر)، والألغام البحرية، والمسيّرات الهجومية. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المقذوفات المضادة للسفن -التي تُقدّر بعدة مئات- لا تزال سليمة، ويمكن إطلاقها من 30 موقعاً ساحلياً. وتتنوع هذه المقذوفات بين طرازات «رعد»، و«نور»، و«قادر»، و«خليج فارس»، وهي جميعها إيرانية الصنع ومطوّرة عن صاروخ «سي-802» (C-802) الصيني، وتتراوح مدياتها بين 130 و360 كيلومتراً، وتتمركز في قواعد متحركة ومخفية في عمق البلاد.

 

وعلى الرغم من أن القدرة على زرع الألغام تُعد عملية سهلة نسبياً، فإن التدابير الأمريكية المضادة تحت الماء نجحت في نزع الألغام من عدة ممرات مائية في مضيق هرمز، تعبرها حالياً يومياً ما بين 10 إلى 20 سفينة تجارية، من بينها ناقلات نفط عملاقة.

 

وعند عبور هذه الممرات، تعمد السفن إلى إطفاء راداراتها وأنظمة تحديد المواقع التابعة لها، وتنسق حركتها مع البحرية الأمريكية التي تتابعها عبر الرادارات وتواكبها عن بُعد. والمشهد ذاته يتكرر على المقلب الإيراني من المضيق.

 

وفي موازاة ذلك، تُستخدم المسيّرات الانتحارية من طراز «شاهد» كامتداد جوي للقدرات البحرية، بهدف إغراق الدفاعات الأمريكية والعربية. ومع أن عشرات السفن التجارية قد أُصيبت بهذه المقذوفات، فإن الهجمات الإيرانية المركّبة -التي تدمج بين الصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات- عجزت عن إصابة أي من القطع البحرية الأمريكية.

 

إن هذه القدرات التي ما زالت إيران تحتفظ بها لا تُلغي بأي حال من الأحوال التفوق البحري الأمريكي، لكنها تظل كافية لفرض حالة من انعدام الأمن المزمن في حركة الملاحة البحرية، وتشكيل ضغط اقتصادي عالمي.

 

وماذا عن الدفاعات الجوية الإيرانية؟

 

بالتوازي، أدت الضربات المكثفة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى تقويض قدرات الدفاع الجوي الإيراني بشكل عميق، مشرّعة الأجواء الإيرانية أمام المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية.

 

وقبل اندلاع النزاع، كانت إيران تمتلك منظومة دفاع جوي متكاملة قائمة على شبكة "مظلات متعددة الطبقات" لحظر دخول الطائرات والصواريخ المعادية عبر رقعة واسعة من الشرق الأوسط.

 

ومع مطلع عام 2026، كانت هناك ثلاث طبقات متكاملة قيد الخدمة: طبقة بعيدة المدى ترتكز على بطاريات ثابتة من طراز «إس-300» (S-300PMU-2) روسية الصنع، ونظيرتها المحلية «باور-373»، وكانت هذه الطبقة تحمي المنشآت النووية والمراكز الحضرية على امتداد مئات الكيلومترات. والطبقة الثانية متوسطة المدى، وتتميز بمرونة حركة عالية، وتضم منظومات محلية متطورة مثل «خرداد-15» و«رعد» و«تلاش»، قادرة على تهديد المقاتلات والمسيّرات. أما الطبقة الثالثة والأخيرة، فتوفر دفاعاً نقطياً عن قرب (تغطية موضعية)، وما زالت فاعلة حتى الآن، اعتماداً على منظومات قصيرة المدى مثل «تور-إم 1» (Tor-M1) و«بانتسير-إس 1» (Pantsir-S1) روسية الصنع، فضلاً عن آلاف المدافع المضادة للطائرات والصواريخ المحمولة على الكتف. وكانت هذه المنظومة بأكملها تُدار عبر شبكة قيادة وسيطرة متكاملة تابعة لمجمع «خاتم الأنبياء» المشترك، وتتغذى ببيانات شبكات رادار برية وساحلية واسعة النطاق.

 

إلا أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي دمجت بين الصواريخ المضادة للرادارات، والقاذفات الشبحية من طراز «بي 2»  (B-2)، والذخائر الخارقة للمحصنات، نجحت في تحييد جزء كبير من المواقع الثابتة ورادارات الإنذار المبكر. وأدت هذه الهجمات إلى تدمير الطبقتين البعيدة والمتوسطة المدى تماماً، مما قلّص بشكل حاد قدرة طهران على رصد الطائرات المعادية واعتراضها من مسافات بعيدة.

 

وفي مواجهة هذا الواقع، اعتمدت طهران عقيدة عسكرية تقوم على البقاء؛ وركيزتها الإطفاء المتقطع للرادارات للإفلات من الحرب الإلكترونية المعادية، والاعتماد المتزايد على أجهزة الاستشعار البصرية، ونشر البطاريات الصاروخية المتحركة وتشتيتها بين المرتفعات الجبلية والمنحدرات الساحلية.

 

وباتت وحداتها تنفذ ما يُعرف بـ «الكمائن الجوية»؛ إذ تطلق الصواريخ من مواقع مؤقتة ثم تنسحب فوراً. وقد أتاح هذا التكتيك لطهران إسقاط عدة مسيّرات إسرائيلية وأمريكية من طراز «إم كيو-9» (MQ-9)، كان آخرها في أيار الفائت.

 

ومع أن فقدان المنظومات الثقيلة يحرم إيران من القدرة على حظر أجوائها أمام الطائرات الشبحية التابعة للتحالف، فإن تموضعها الجديد لا يزال ينطوي على خطورة؛ إذ يمنحها قدرة على الاستنزاف الفعال ضد المسيّرات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أو متوسطة، إلى جانب تهديد الدفاعات المعادية بالإغراق، ونصب كمائن متفرقة تجبر طائرات التحالف -على سبيل المثال- على تجنب التحليق على ارتفاعات تقل عن 7 كيلومترات.

 

وعلى المقلب الآخر، تلقت منظومة الدفاع الجوي الساحلي ضربات قاصمة هي الأخرى؛ إذ جرى تحييد معظم المواقع الثابتة بعيدة المدى التي كانت تحمي "بندر عباس" و"جاسك" وجزيرة "خارغ".

 

المنشآت النووية والمجمعات الصناعية العسكرية

 

ألحق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أضراراً جسيمة بجزء كبير من المجمعات النووية (نطنز، وفوردو، وبارشين، وأصفهان)، والتي كانت قد تعرّضت لقصف سابق في حزيران 2025.

 

وعلى المنوال نفسه، دُمّرت مواقع إنتاج المسيّرات ومعظم منشآت قطاع الصواريخ الباليستية، إما كلياً أو جزئياً. وأخيراً، طال القصف البنى التحتية الحيوية للطاقة والمرافق المدنية، مما تسبب في أزمات وقود حادة خنقت المدن الكبرى.

 

وفي الختام، فإن هذه الخسائر الفادحة -العسكرية والنووية والصناعية والاقتصادية- والتي قُدّرت بنحو 14 ألف مليار دولار، لم تقضِ على كامل القدرات غير المتناظرة التي تتيح لإيران إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن قدرات إيران اليوم تراجعت بشكل حاد مقارنة بما كانت عليه قبل حزيران 2025؛ إذ جفت منابع قدراتها النووية والباليستية، وسلاح مسيّراتها، فضلاً عن قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وفي مقدمهم "حزب الله".

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل