شعار Levant Time

Levant Time

استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر سبتمبر 18, 2026 - 01:03 - تم التحديث سبتمبر 18, 2026 - 01:05
التصعيد في اليمن، تحدٍّ استراتيجي للرياض
في صنعاء، موكب تشييع لقائد حوثي قُتل في المعارك. (أ ف ب)
تحليل
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي - نُشر سبتمبر 17, 2026 - 00:40
صورة للأخبار
يعيد الصراع الأميركي المستمر مع إيران وحرب المضائق البحرية في الخليج طرح مسألة تشكيل الميليشيات كأطراف تعمل في الشرق الأوسط من خارج إطار الدولة والعلاقات الدولية. وينتظر العالم أن تكون الحرب على إيران لحظة انتقال، أي أن يؤدي ضرب مركز الراعي الإقليمي إلى إضعاف نموذج “الميليشيا”، وفتح الطريق أمام الدولة والتسويات السياسية، وربما إنهاء مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة. لكن ما يحدث يبدو، حتى الآن، أقرب إلى العكس. فالحرب لم تُنهِ عصر الميليشيات، بل أعادت إدخالها في الحسابات الدبلوماسية نفسها. واللافت في إدارة ترامب تحديداً أن الواقعية التي تتحدث بها واشنطن لا تعني بالضرورة تجاوز الميليشيات، بل أحياناً تعني التعامل معها كقوى أمر واقع. وهذا يظهر بصورة مختلفة في لبنان واليمن والعراق. وهذا “البلوك” الميليشياوي خارج الدولة هو نتاج لمراحل تاريخية ميزت أكثر طبيعة دول منطقة الشرق الأوسط، وصيرورة نشوئها وبنيتها وعملية التحديث فيها، حيث لم يكن للجيوش في الدول النامية والمستقلة حديثاً دوراً في بناء الدولة، وفي فرض تماسكها قبل أن تنجز مرحلة بنائها. واكتفت الجيوش العربية الكلاسيكية بأدوارها القمعية، تدافع عن الأنظمة القائمة الدكتاتورية وسلطتها وامتيازاتها، تفرض الوحدة من فوق، ومن خارج المكونات الاجتماعية والطائفية أحياناً. وتعود استراتيجية دعم الميليشيات إلى ثمانينات القرن العشرين، منذ أرسلت إيران “الحرس الثوري” لتدريب مقاتلي حزب الله في لبنان. وكانت تنظر إلى هذه المجموعات كبديل لجيشها التقليدي وكدفاع أمامي لإبعاد الصراع عنها. ولا يزال النظام الإيراني، الذي تعتبره الدول العربية تهديداً خطيراً لأمنها القومي منذ الثورة الإسلامية عام 1979، قائماً بفضل أذرعه الفاعلة في المنطقة. ورغم التكاليف المدمرة للقصف الأميركي الإسرائيلي، إلا أنه ما زال يشعر ووكلاؤه في “محور المقاومة” بالجرأة. وهنا المفارقة الأوضح. فبدلاً من أن يؤدي الصراع مع إيران إلى تحييد أنصار الله، أصبح الحوثيون طرفاً لا يمكن تجاهله في أمن البحر الأحمر والخليج، وهناك اتصالات أميركية مع الحوثيين بالتوازي مع تصعيدهم ضد السعودية. فيما يرفض ترامب حتى الآن الانخراط العسكري المباشر ضدهم، مع استمرار الاتصالات عبر قنوات مختلفة. وكأنه انتقل من منطق “إزالة الميليشيا” إلى منطق “إدارة الميليشيا”، وبعضها صار فاعلاً محلياً وإقليمياً له مصالحه وحساباته وقدرته على تعطيل طرق التجارة والطاقة وفرض نفسه على طاولة التفاوض. فهل كانت الحرب على إيران حرباً لإنهاء النظام الإقليمي الذي صنعته الميليشيات، أم أنها تحولت إلى حرب لإعادة توزيع النفوذ داخله؟ إن نهاية عصر الميليشيات التي كنا ننتظرها قد تتحول إلى اعتراف دولي بها كجزء من النظام الجديد، وتعيد تشكيل الشرق على حساب الحلفاء الإقليميين، وخصوصاً المجتمعات الخليجية التي بنت استقرارها على فكرة الدولة، لا على تعدد مراكز القوة. حيث تصبح المنطقة عالقة بين الحرب والسلام، وتصارع تبعات العنف الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولعقود من السنين، تحدث المسؤولون الإيرانيون عن “محور المقاومة”. ومع ذلك، عندما تعرضت إيران للهجوم مرتين، اتخذ كل منهم قراراً مختلفاً بشأن الانضمام إلى المعركة. فالحركة التي قادتها حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبدأت معها سلسلة من الحروب انتهت بتعرض إيران نفسها للهجوم. لقد ضعف حزب الله وحماس بشكل كبير، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا، وأمرت الحكومة العراقية الميليشيات بتسليم أسلحتها بحلول الشهر المقبل. يأمل خصوم النظام الفارسي أن تضطر إيران إلى تقليص دعمها، مما يؤدي إلى انهيار المحور الميليشياوي. فالشركة الأم في طهران مفلسة، والعديد من فروعها تدار بشكل سيئ. أجزاء قد تنجو لكنها ستتباعد، أو يتم استخدامها باعتدال، بينما سيظهر آخرون كـ”ضالين”، وبعضهم قد يجدون وجهة أخرى. فحزب الله، الذي كان الوكيل الأكثر قرباً لإيران حتى عام 2023، وكان حسن نصر الله، زعيمه الكاريزمي الذي اغتالته إسرائيل في عام 2024، يرى نفسه محور المقاومة نداً وليس وكيلاً. كان مؤمناً حقيقياً غارقاً في أيديولوجية إيران الثورية، لكنه حاول الحفاظ على بعض من الاستقلالية. لم يعد الأمر كذلك. فنعيم قاسم، خليفة نصر الله، هو حكواتي متوسط غير محبوب. في الطرف الآخر، يوجد الحوثيون، وهم الأكثر استقلالية بين حلفاء إيران. بدأوا كتمرد محلي في شمال اليمن في التسعينيات، ومرت عقود قبل أن تقدم إيران مساعدات مالية وعسكرية كبيرة. وعندما جاءت، حسنت قدراتهم بشكل هائل. بعد أن كانوا يسخرون منهم كمسلحين حفاة، أصبح مقاتلو الحوثي الآن يمتلكون صواريخ مضادة للسفن لمضايقة السفن في البحر الأحمر، ودفاعات جوية لإسقاط طائرات “ريبر” الأميركية. ومع ذلك، هم أقرب إلى الصفقة، يواصلون حماية مصالحهم الخاصة أكثر من مصالح طهران، ويقيمون تحالفاتهم الخاصة مع حركة الشباب التابعة للقاعدة في الصومال. زارت وفود حوثية روسيا وأجرت أخرى محادثات مع الصين. بين هؤلاء وأولئك، توجد الميليشيات «الضالة» الشيعية في العراق، نتاج الغزو الذي قادته أميركا عام 2003. وبعد عقدين من الزمن، تغيرت أولوياتهم. تظل إيران حليفاً، لكن راعيهم الرئيسي هو الدولة العراقية، التي لديها أكثر من 200 منهم على قائمة رواتبها. ويُقال إن الحرس الثوري أرسل مستشارين إلى العراق لإنشاء خلايا صغيرة مكلفة بمهاجمة دول الخليج، وهي علامة على أن الميليشيات الأكبر كانت مترددة في القيام بذلك. ولطالما كانت حماس عنصراً غير متناغم في المحور، فهي جماعة سنية في كتلة شيعية، وقد اختلفت مع إيران بسبب دعم الأخيرة لنظام الأسد في سوريا. يُعتبر خليل الحية، زعيمها المعين حديثاً، حليفاً إيرانياً مخلصاً، لكن مسؤولين آخرين يفضلون التوجه نحو القوى السنية، وتحديداً تركيا والخليج. وحثت حماس أخيراً إيران على وقف هجماتها على دول الخليج. ولو أرادت إيران إعادة بناء جميع حلفائها، فإن مواردها محدودة. وبطريقة ما، قد يعكس مصير المحور مصير دول الحلفاء السوفيات في الثمانينيات، عندما لم تعد موسكو قادرة على تحمل تكاليف تقديم دعم سخي لهم. هذا تشبيه مجازي بالطبع، لا يأخذ البعد الديني والعقائدي في الشرق الأوسط. المفارقة الجديدة، إذا كان الطرف الذي يمتلك السلاح خارج الدولة يستطيع، بعد الحرب والضغط، أن ينتقل إلى طاولة التفاوض ويحصل على اعتراف بدوره، فما الذي يبقى من مبدأ احتكار الدولة للسلاح والسيادة؟ كأنها مكافأة لمن جعل الاستقرار رهينة للسلاح. فليس الخطر أن تتخلى واشنطن عن حلفائها، بل أن تبقى معهم أمنياً، بينما تعيد سياسياً تعريف المنطقة بطريقة تمنح خصومهم المسلحين شرعية تفاوضية. فالخليج بنى خلال العقود الأخيرة نموذجاً مختلفاً تماماً عن نموذج الميليشيات: دولة مركزية، اقتصاد منفتح، استثمارات، بنية تحتية، وحياة اجتماعية مستقرة. وعندما تصبح جماعة مسلحة قادرة على التأثير في الملاحة أو الطاقة أو الأمن الإقليمي، ثم تدخل في تفاوض مباشر مع القوة العظمى، فإن الرسالة الضمنية للحلفاء قد تكون مقلقة، خاصة وأن الإدارة الأميركية تعطي انطباعاً مؤسفاً بأنها لا تعرف تماماً على أي قدم. فتضطر دول المنطقة إلى إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي، كما أن عمق الصراع يثير مخاوف أخرى من دور إسرائيلي كقوة مزعزعة للاستقرار. وظهرت أولى علامات هذا المسار عندما اتفقت السعودية وتركيا وباكستان مؤخراً على ميثاق دفاعي متبادل. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تندفع تركيا أو باكستان إلى حرب مع إيران للدفاع عن السعودية. ستظل الديناميكيات متقلبة بشكل سيئ، لاسيما عندما تصبح نتائج الحرب أهم من الحرب نفسها، بأن تضطر الدول المستقرة إلى التكيف مع قوى مسلحة عابرة للحدود، لأن القوى الكبرى باتت ترى في هذه القوى جزءاً من معادلة إدارة المنطقة.
مجتمع
صورة المؤلف
بقلم ميشال توما - نُشر سبتمبر 18, 2026 - 03:20
صورة للأخبار
ما فتئت الأزمة العميقة التي يعانيها التعليم الخاص في لبنان تتفاقم منذ سنوات بوتيرة متسارعة، وقد ازدادت حدّتها بفعل الانهيار الاقتصادي والمالي الذي وقع عام 2019 ولم تُعالَج تداعياته حتى اليوم. تهزّ هذه الأزمة بصورة خطيرة أصحاب المؤسسات التعليمية والمعلّمين على حدّ سواء، وتطال تداعياتها الأهالي أيضًا. غير أن المدارس الكاثوليكية، ولا سيما التابعة منها لرهبانيات أجنبية، تواجه مشكلة كبرى أخرى مختلفة تمامًا، تتمثل في التراجع المتزايد في الدعوات الرهبانية الجديدة داخل مختلف الرهبانيات، لا في لبنان فحسب، بل خصوصًا في الدول الغربية، الأمر الذي ينعكس بصورة مقلقة على المؤسسات الموجودة في لبنان منذ أكثر من قرن أحيانًا. وفي هذا السياق، برز قبل أيام تطور مفجع ينبغي اعتباره جرس إنذار جديًا، وقد أثار الخوف والذهول في أوساط التعليم الكاثوليكي. فقد علمت «Levant Time» من مصادر موثوقة ومتعددة ومتطابقة أن مدرسة سيدة الناصرة العريقة في الأشرفية مهددة بالزوال، بكل ما تمثله، أو على الأقل بـ«تشويه» هويتها، بسبب مشروع لنقل ملكيتها إلى رهبانية لبنانية. وبحسب المعلومات التي جمعتها «Levant Time»، اتخذت الإدارة الدولية العليا لراهبات الناصرة، ومقرها روما، قرار بيع مدرسة الأشرفية. أما الذريعة المطروحة فهي أن رهبانية الناصرة في العالم باتت تضم اليوم أقل من 25 راهبة، وأن العرف يقضي بأن تنضم أي رهبانية يقل عدد رهبانها أو راهباتها عالميًا عن 25 إلى رهبانية أخرى. ومن هنا، تشير معلومات لم تتأكد بعد إلى احتمال كبير لشراء الرهبان الأنطونيين المدرسة. وتندد راهبات الناصرة المقيمات في لبنان، وعددهن ست، بمشروع نقل الملكية هذا. وسرعان ما صدرت أشد ردود الفعل عن المعلّمين والأهالي والخرّيجين، الذين دعوا إلى تجمّع احتجاجي حاشد يوم السبت 19 سبتمبر، الساعة الحادية عشرة، في مدرسة الأشرفية. وقبيل هذا التجمّع، وجّهت لجان المعلّمين والأهالي والخرّيجين رسالة مشتركة إلى الرئيسة العامة للرهبانية الدولية، التي تتنقل في إقامتها بين باريس وروما، شددوا فيها على تمسكهم الراسخ بالمدرسة واستمراريتها وهويتها وتاريخها وقيمها التربوية. الرهبانية حاضرة في لبنان منذ عام 1868 إن المعارضة الشديدة لبيع مدرسة الأشرفية ليست موجهة بأي شكل من الأشكال ضد المشترين المحتملين، بل تعبّر عن التمسك بمؤسسة عريقة تمتلك تاريخًا وتقاليد وإرثًا ومستوى تعليميًا يعود إلى ما لا يقل عن 153 عامًا. وقد استقرت راهبات الناصرة في لبنان عام 1868، فيما تأسست الرهبانية الدولية في فرنسا عام 1822. في بيروت، استضافت عائلة فريج الراهبات فور وصولهن إلى لبنان عام 1868. وبدأت مدرسة الأشرفية عامها الدراسي الأول سنة 1873. وهذه المؤسسة، الناطقة أساسًا بالفرنسية، معتمدة من وزارة التربية الفرنسية، وتقدم منذ 153 عامًا تعليمًا رفيع المستوى أكاديميًا، قائمًا على قيم مسيحية وإنسانية أرست سمعة المدرسة المرموقة وتركت بصمتها في شباب البلاد على مدى أكثر من قرن ونصف. وهذا التاريخ وهذه التقاليد والقيم، وهذا التعليم المميز، وتلك الرسالة التربوية الاستثنائية، هي ما بات اليوم على المحك. ما موقف الفاتيكان والدولة؟ وبالتوازي مع هذا التمسك بالمكانة الرمزية والتاريخية لكلية الناصرة في الأشرفية، تبرز على أكثر من صعيد أسئلة مصيرية عدة لا تزال حتى اليوم بلا إجابات. فما المصير الذي ينتظر كلية كفرزينا في منطقة زغرتا، التابعة بدورها لراهبات الناصرة؟ وماذا عن دير فيطرون ودار الراحة في عين علق، وهما تابعان للرهبنة؟ وهل تشمل عملية تنازل واسعة هذه المؤسسات، في حال إتمامها نهائيًا؟ والأهم في الوقت الراهن هو موقف الفاتيكان والدولة اللبنانية. فهل يقبل الكرسي الرسولي باختفاء مؤسسة تعليمية كاثوليكية لها تاريخ يمتد 153 عامًا في المجالين التربوي والتعليمي، في وقت يواجه فيه الوجود المسيحي في لبنان تحديات عديدة وعلى مستويات مختلفة؟ وماذا، خصوصًا، عن موقف الدولة اللبنانية؟ وإلى متى ستواصل اتباع سياسة النعامة حيال الأزمة العميقة التي يواجهها التعليم الخاص في لبنان منذ سنوات طويلة؟ إن المحنة القاسية التي تواجهها اليوم رهبنة راهبات الناصرة في لبنان ينبغي أن تشكّل جرس إنذار جديًا لكل من الفاتيكان والدولة اللبنانية. فالمسألة تتعلق، إلى حد بعيد، بالخصوصية والتعددية اللتين تميزان لبنان في هذا الجزء من العالم…
تحليل
صورة المؤلف
بقلم نواف كبارة - نُشر سبتمبر 16, 2026 - 19:58
صورة للأخبار
في عام 1998، سألني طلابي في الجامعة سؤالاً بدا في حينه أكبر من أن تكون له إجابة واضحة: ما هو مستقبل الشرق الأوسط؟ قلت لهم يومها إنني أعتقد أن الشرق الأوسط يتجه إلى التحول إلى ما يشبه شركة مساهمة كبرى، رئيس مجلس إدارتها الولايات المتحدة الأميركية، وأن الصراع الأساسي في المستقبل لن يكون فقط بين العرب وإسرائيل، بل على من سيتولى الإدارة التنفيذية لهذه الشركة الإقليمية. وقلت إن القوى المرشحة لهذا الصراع ستكون بصورة أساسية إسرائيل وإيران وتركيا. بعد ما يقارب ثلاثة عقود، يبدو أننا أصبحنا في قلب ذلك الصراع. لم يعد السؤال المركزي في الشرق الأوسط اليوم هو فقط من يحتل أرضاً، أو من ينتصر في حرب، أو حتى من يمتلك القوة العسكرية الأكبر. السؤال الأعمق أصبح: من سيضع قواعد النظام الإقليمي؟ من يحدد حدود نفوذ الدول؟ من يقرر مستقبل سوريا والعراق ولبنان والخليج وشرق المتوسط؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار العربي؟ لقد انتقلت المنطقة تدريجياً من مرحلة كان العالم العربي فيها، رغم ضعفه وانقساماته، أحد صانعي النظام الإقليمي، إلى مرحلة أصبح فيها في جزء كبير منه ساحة للصراع على النظام الإقليمي. وهنا تكمن المأساة الحقيقية. من الصراع العربي الإسرائيلي إلى الصراع على العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كان الصراع الرئيسي في المنطقة يُعرّف بأنه الصراع العربي الإسرائيلي. كانت هناك مشاريع عربية متنافسة، ناصرية وبعثية وملكية وإسلامية، وكانت الدول العربية نفسها، مهما اختلفنا على سياساتها، أطرافاً رئيسية في رسم مستقبل المنطقة. أما اليوم فقد تغيرت الخريطة. نحن أمام ثلاثة مشاريع إقليمية رئيسية، إسرائيلية وتركية وإيرانية، لكل منها تصور مختلف لموقعه ودوره وحدود نفوذه. وبين هذه المشاريع تتحرك الدول العربية منفردة، وفق مصالحها الوطنية أحياناً، ووفق مصالح أنظمتها وهواجسها الأمنية أحياناً أخرى. ولذلك لم يعد هناك عملياً "محور عربي" واحد في مواجهة المحاور الأخرى. هناك دول عربية تقترب من الولايات المتحدة، وأخرى تنسق مع تركيا، وأخرى بنت علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وأخرى ارتبطت بإيران، ودول تحاول إقامة علاقات متوازنة مع الجميع. حتى دول الخليج نفسها لم تعد تتحرك باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بل أصبحت لكل دولة منها حساباتها وعلاقاتها وتحالفاتها الخاصة. وتظهر التحولات الجارية عام 2026 أن بعض دول المنطقة تبحث بالفعل عن ترتيبات أمنية وتحالفات جديدة بعدما اهتزت الثقة القديمة في قدرة النظام الإقليمي التقليدي على توفير الاستقرار. المشروع الإسرائيلي: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على النظام عندما نتحدث عن "إسرائيل الكبرى"، من الخطأ اختزال الفكرة بالضرورة في خريطة جغرافية محددة تمتد من مكان إلى آخر. هناك تيارات إسرائيلية دينية وقومية تحمل بالفعل تصورات توسعية جغرافية، لكن المفهوم الأكثر أهمية استراتيجياً هو إسرائيل الكبرى بوصفها قوة الهيمنة الرئيسية في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، قد لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل الأراضي حتى تحقق مشروعها. قد يكون الشكل الأكثر فعالية للهيمنة هو أن تصبح القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية التي لا يستطيع أي قرار إقليمي كبير أن يتجاهلها. إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وتحالفاً استراتيجياً عميقاً مع الولايات المتحدة، وقدرة استخباراتية وعسكرية تتجاوز مساحتها وعدد سكانها بأضعاف. ومن هذا المنظور تصبح إضعاف القوى الإقليمية المنافسة، ومنع ظهور قوة عسكرية قادرة على موازنة إسرائيل، عناصر أساسية في رؤيتها الأمنية. لقد شكلت إيران خلال العقود الماضية التحدي الإقليمي الأكبر أمام هذه الرؤية. لكن إضعاف إيران لا يعني انتهاء الصراع على النظام الإقليمي. بل قد يكشف المنافس التالي. وهذا المنافس هو تركيا. المشروع التركي: النفوذ من دون احتلال تركيا لا تحتاج هي أيضاً إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية حتى تصبح القوة الأكثر تأثيراً في فضائها الجغرافي. المشروع التركي الحديث أكثر تعقيداً وبراغماتية من ذلك. تركيا تريد أن تكون الدولة التي لا يمكن اتخاذ قرار في سوريا أو العراق أو شرق المتوسط أو القوقاز، وربما في أجزاء واسعة من المنطقة العربية، من دون أخذ مصالحها في الاعتبار. إنها تستخدم الاقتصاد والتجارة والطاقة والصناعة الدفاعية والقوة العسكرية والدبلوماسية والعلاقات الثقافية، إضافة إلى موقعها في حلف شمال الأطلسي، لبناء مجال نفوذ واسع. ومن الخطأ وصف ذلك بصورة مبسطة بأنه "عثمانية جديدة". فدراسات حديثة تشير إلى أن السياسة التركية الحالية أقرب إلى محاولة بناء نظام إقليمي يخدم أمن تركيا ومصالحها ويمنع خصومها من تشكيل البيئة المحيطة بها، أكثر مما هي محاولة لإعادة إنتاج إمبراطورية تاريخية. لكن صعود الدور التركي يضع أنقرة بصورة متزايدة في مواجهة المشروع الإسرائيلي. فالمجالان الحيويان للمشروعين يتقاطعان في سوريا وشرق المتوسط، كما يمتدان نحو البحر الأحمر وطرق التجارة والطاقة والنفوذ داخل النظام السياسي الإقليمي. ولهذا بدأت العلاقة التركية الإسرائيلية تتحول من خلافات سياسية دورية إلى تنافس استراتيجي أكثر بنيوية. المشروع الإيراني: الدفاع عن مجال النفوذ المتراجع أما إيران فقد بنت منذ الثورة الإسلامية عام 1979 مشروعها الإقليمي بطريقة مختلفة. لم تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل على إنشاء شبكة واسعة من التحالفات السياسية والعسكرية وغير الحكومية امتدت من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. وكان للمكوّن الشيعي دور مركزي في كثير من هذه الشبكات، لكن اختزال المشروع الإيراني بأنه "مشروع شيعي" فقط لا يفسر سلوكه كاملاً. فهو قبل كل شيء مشروع دولة تسعى إلى إنشاء عمق استراتيجي يمنع خصومها من تطويقها ويمنحها أوراق قوة خارج حدودها. لكن هذا المشروع تعرض خلال السنوات الأخيرة لضربات كبيرة، وتغيرت البيئة الإقليمية التي سمحت له بالتوسع. واليوم تبدو إيران في معركة مختلفة عن تلك التي خاضتها في العقدين الماضيين. لم يعد هدفها توسيع مجال نفوذها فقط، بل الحفاظ على أكبر قدر ممكن مما تبقى منه. ومع المواجهات المباشرة التي شهدها عام 2026، انتقل الصراع الأميركي والإسرائيلي مع إيران إلى مستوى جديد، فيما أظهرت أزمة مضيق هرمز أن إيران، حتى وهي تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، ما زالت تمتلك أدوات يمكنها من خلالها التأثير في الاقتصاد والأمن العالميين. بعد إيران: هل تصبح تركيا المنافس الرئيسي لإسرائيل؟ هنا نصل إلى القضية التي أعتقد أنها ستكون مركزية في المرحلة المقبلة. إذا تراجعت قدرة إيران على المنافسة الإقليمية بصورة كبيرة، فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى شرق أوسط مستقر تهيمن عليه إسرائيل من دون منافس. على العكس. قد يؤدي ذلك إلى انتقال مركز التنافس الإقليمي تدريجياً من إسرائيل وإيران إلى إسرائيل وتركيا. تركيا تمتلك ما لم تكن إيران تمتلكه: اقتصاداً أكبر وأكثر تنوعاً، قاعدة صناعية متقدمة، صناعة عسكرية متنامية، جيشاً تقليدياً ضخماً، عضوية في حلف شمال الأطلسي، موقعاً جغرافياً يتحكم في بوابات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وصلات اقتصادية وسياسية واسعة مع العالم العربي. وإسرائيل، من جهتها، قد ترى في صعود قوة إقليمية تركية واسعة النفوذ تحدياً بعيد المدى لاحتكارها التفوق الاستراتيجي في المنطقة. لهذا فإن العائق الأكبر أمام هيمنة إسرائيلية شبه مطلقة بعد إيران قد يصبح تركيا، كما أن العائق الأكبر أمام مشروع تركي لبناء مجال نفوذ إقليمي واسع قد يكون إسرائيل. وهذا الاحتمال لم يعد مجرد تمرين نظري. تحليلات منشورة خلال عام 2026 تتحدث بالفعل عن تحول التوتر التركي الإسرائيلي إلى منافسة استراتيجية تمتد من سوريا إلى شرق المتوسط وممرات البحر الأحمر. وأين العرب؟ هنا ينبغي طرح السؤال المؤلم. أين المشروع العربي من كل ذلك؟ هناك دول عربية قوية اقتصادياً ومالياً وعسكرياً، وهناك دول عربية بدأت بالفعل ممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالاً وجرأة. ولا يجوز بالتالي التعامل مع العرب كما لو كانوا مجرد دمى تحركها القوى الخارجية. لكن المشكلة تكمن في غياب مشروع عربي جماعي للنظام الإقليمي. هناك سياسة سعودية، وسياسة مصرية، وسياسة إماراتية، وسياسة قطرية، وسياسة عراقية، وسياسات لبقية الدول. ولكن أين التصور العربي المشترك لشكل الشرق الأوسط بعد عشر أو عشرين سنة؟ ما هي الحدود المقبولة للتدخل الخارجي؟ ما هو مفهوم الأمن الإقليمي؟ كيف تتم حماية الدول العربية الصغيرة من التحول إلى مناطق نفوذ؟ ما هو مستقبل القضية الفلسطينية؟ ما هي العلاقة المطلوبة مع إيران وتركيا وإسرائيل؟ وما هي العلاقة التي يريدها العرب أنفسهم مع الولايات المتحدة، والصين وروسيا وأوروبا؟ غياب الإجابات المشتركة عن هذه الأسئلة هو الذي يسمح للآخرين بالإجابة عنها نيابة عن العرب. رئيس مجلس الإدارة الأميركي ويبقى دور الولايات المتحدة. عندما استخدمت عام 1998 تشبيه "الشركة المساهمة"، قلت إن الولايات المتحدة ستكون رئيس مجلس إدارتها. بعد ثلاثة عقود، ما زال التشبيه صالحاً، ولكن مع تعديل مهم. أميركا لم تعد قادرة على إدارة كل تفاصيل الشرق الأوسط كما فعلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. الصين أصبحت قوة اقتصادية كبرى في المنطقة، وروسيا حاولت بناء نفوذ عسكري وسياسي، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالاً. لكن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك شيئاً لا يمتلكه أي طرف آخر: شبكة من القواعد والتحالفات والعلاقات العسكرية والاقتصادية وقدرة غير مسبوقة على التأثير في ميزان القوة الإقليمي. والتطورات العسكرية الأميركية الإيرانية خلال عام 2026 تؤكد أن واشنطن، رغم الحديث المستمر عن انسحابها من الشرق الأوسط، ما زالت لاعباً مباشراً في أمن المنطقة وحروبها. وربما أصبحت الشركة اليوم أقل انضباطاً من تلك التي تخيلتها عام 1998. رئيس مجلس الإدارة ما زال موجوداً، لكنه لم يعد قادراً على ضبط جميع أعضاء المجلس، فيما يحاول كل مدير إقليمي توسيع حصته ونفوذه. الخطر الحقيقي الخطر الأكبر على العالم العربي ليس أن تنتصر إيران أو إسرائيل أو تركيا. الخطر الحقيقي هو أن يستمر العالم العربي في قبول موقع الساحة بدلاً من أن يستعيد موقع الفاعل. فحين تغيب القوة العربية الجماعية، ستختار كل دولة التحالف الذي تعتقد أنه يحميها: هذه مع الولايات المتحدة، وتلك مع تركيا، وثالثة مع إسرائيل، ورابعة مع إيران، وخامسة تحاول الوقوف بين الجميع. لكن مجموع هذه السياسات لا يصنع نظاماً عربياً. إنه يصنع فراغاً. والسياسة، مثل الطبيعة، لا تحب الفراغ. فإذا لم يضع العرب تصورهم لمستقبل منطقتهم، سيضعه الآخرون لهم. لذلك فإن السؤال الذي طرحه طلابي عام 1998 يعود اليوم بصورة أكثر إلحاحاً: من سيحكم الشرق الأوسط؟ لكن ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه نحن العرب أكثر أهمية: هل نريد أن نبقى مساهمين صغاراً في شركة يديرها الآخرون، أم نريد أن نستعيد القدرة على صياغة نظام إقليمي نكون شركاء حقيقيين في تحديد قواعده ومستقبله؟
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 17, 2026 - 23:04
صورة للأخبار
شهدت باريس، الخميس، يوماً لبنانياً بامتياز، إذ دعا الرئيس اللبناني جوزاف عون المشاركين في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش إلى «وضع خريطة طريق وجدول زمني تنفيذي دقيق» لهذا المؤتمر، الذي أطلق فكرته الرئيس إيمانويل ماكرون. إلا أن موعده لم يُحدَّد بعد. ويندرج الاجتماع، الذي عُقد في الانفاليد، و هو معلم عسكري تاريخي، ضمن إطار مسار العقبة الذي أطلقه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني عام 2015 لتعزيز التعاون الأمني والعسكري في مكافحة الإرهاب. وشارك عبدالله الثاني في اللقاء إلى جانب ممثلين عن الولايات المتحدة، بينهم السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، ورئيس مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان الجنرال جوزف كليرفيلد، فضلاً عن مسؤولين رفيعي المستوى من دول عربية ومن الاتحاد الأوروبي. كما شارك فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتكمن أهمية هذا الاجتماع في انعقاده في وقت يمضي فيه لبنان قدماً في مسار إعادة بناء مؤسساته، فيما يواجه أزمة متعددة الأبعاد متواصلة منذ عام 2020، وحرباً مدمرة تسبب بها تنظيم لا يعترف بسلطة الدولة ويرفض الخضوع لها. ولتحقيق ذلك، يحتاج لبنان إلى مساعدة شركائه العرب والدوليين. وهذا تحديداً جوهر الرسالة التي وجّهها الرئيس عون، إذ استهل كلمته بالتأكيد أن «لبنان واللبنانيين اختاروا الدولة». لكن ليس جميعهم بالطبع، إذ يشكّل حزب الله، الخاضع بالكامل لإيران، عقبة رئيسية أمام بسط سلطة الدولة بواسطة القوات النظامية على كامل الأراضي الوطنية. ولا تزال هذه القوات تفتقر إلى التجهيز الكافي لإنجاز هذه المهمة، التي سيزيدها تعقيداً رحيل قوات اليونيفيل في نهاية العام. وقد عرض رئيس الدولة هذه التحديات في الانفاليد، مشدداً على أهمية الشراكة المطلوبة، التي وضعها في إطار مسار العقبة. وقال: «يوفّر لنا هذا المسار إطاراً مهماً لتنسيق الجهود وتحديد الاحتياجات والأولويات معاً»، محذراً من أن انتهاء مهمة اليونيفيل ورحيلها «يجب ألا يؤديا إلى فراغ أمني، بل إلى تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها، ولا سيما الجيش». وقد بدأ الجيش بالفعل تأمين بعض القطاعات، ولا سيما في المناطق النموذجية الثلاث المحددة في الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي المبرم في يونيو. غير أن مهمته لا تزال تواجه عائقاً كبيراً يتمثل في نقص الإمكانات، وهو نقص لا يمكن سدّه إلا بمساعدة دولية جدية. ومن ثم، يُفترض أن يشكّل مؤتمر الدعم، المزمع عقده مبدئياً في أكتوبر، اختباراً لمدى استعداد شركاء لبنان لتزويد الجيش جدياً بالإمكانات التقنية والعسكرية التي تمكّنه من إنجاز مهمته. ويُفترض أيضاً أن يشكّل اختباراً لجدية الحكومة وقدرتها السياسية على فرض سلطتها حيثما أمكن، تنفيذاً لقراريها الصادرين في مارس 2026، حين أعلنت «الحظر الفوري» لجميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، ولقرارها الصادر في 9 أبريل، حين قررت جعل بيروت «مدينة منزوعة السلاح وخالية من الأسلحة غير الشرعية». وعلى أي حال، شدد جوزاف عون على ضرورة أن تمتد المساعدة الدولية للجيش على المدى الطويل كي تكون فعّالة، مذكّراً بأن لبنان أوفى حتى الآن، ضمن حدود إمكاناته، بالتزاماته في إطار الاتفاق الإطاري مع إسرائيل. وبرأيه، وحدها شراكة «طويلة الأمد، قائمة على التزامات محددة بوضوح» تتيح للجيش والقوى الأمنية «التخطيط لقدراتها وتعزيزها، بدلًا من إدارة احتياجاتها من أزمة إلى أخرى». وشدد الرئيس عون على أننا «نحرص على أن يقترن هذا الدعم بأعلى مستويات الشفافية والمساءلة. ونحن مستعدون للعمل مع شركائنا على وضع آلية واضحة وشفافة تحدد الأولويات، وتتابع تنفيذ الالتزامات، وتضمن وصول المساعدات إلى حيث تشتد الحاجة إليها، وتتيح قياس نتائجها وأثرها». كما تعهد بذلك، مؤكدًا أنه «سيتعين على الدولة اللبنانية لاحقًا أن تتحمل حصة متزايدة من تمويل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع إصلاح أوضاعها المالية». وإذا كان الرئيس قد شدد على هذا الحرص على الشفافية، فلأن لبنان حُرم منذ سنوات طويلة، ولا سيما منذ الانهيار الاقتصادي والمالي عام 2020، من المساعدات الدولية بسبب الفساد المستشري الذي أدى إلى هذا الانهيار. اجتماع ثلاثي وتهديدات إسرائيلية وبحسب مصادر إعلامية عدة، خلص اجتماع ليزالانفاليد إلى تفاهم على دعم الجيش والأجهزة الأمنية. وكان المشاركون قد ناقشوا قبل ذلك احتياجات المؤسسات الأمنية اللبنانية، استنادًا إلى تقرير شامل قدمه لبنان. وسبق هذه الاجتماعات لقاء ثنائي بين عون وماكرون، استعرضا خلاله الوضع في جنوب لبنان، حيث تتواصل الهجمات وعمليات التفجير الإسرائيلية بلا هوادة، فضلًا عن مرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. وأعقب اللقاء الثنائي اجتماع قمة ثلاثي مع الملك عبد الله، بُحثت خلاله مجمل التحولات العسكرية في المنطقة وتداعياتها. وأفادت الرئاسة اللبنانية، في بيان، بوجود توافق في وجهات النظر بشأن ضرورة «تكثيف الجهود الدبلوماسية بهدف خفض التوترات». وفي الوقت نفسه، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجدد، من تل أبيب، تهديداته ضد «النظام الإيراني» ووكلائه. وادعى أن هؤلاء «ما زالوا يريدون تدمير إسرائيل»، لكن «قدراتهم تراجعت إلى حد كبير»، مؤكدًا أنه «لا يزال هناك عمل يتعين إنجازه: إسقاط النظام في إيران، والقضاء على حماس وحزب الله اللذين نعتزم التعامل معهما». وفيما لا يزال الوضع الميداني في المنطقة على حاله، أفاد موقع أكسيوس الأميركي بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتزم عقد اجتماع يوم الثلاثاء، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانينوالثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مع قادة دول الخليج الذين سيكونون موجودين في نيويورك. وبحسب أكسيوس، يهدف الاجتماع إلى «مناقشة الخطوات المقبلة في الحرب على إيران» وأفكار واشنطن بشأن «استراتيجية ما بعد الحرب».
رأي
صورة المؤلف
بقلم سمير عبد الملك - نُشر سبتمبر 17, 2026 - 01:12
صورة للأخبار
“خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود”… عبارة كانت المرحومة والدتي ترددها أمامنا منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أكثر من خمسين عاماً. لم تكن بالنسبة إليها مجرد نصيحة مالية، بل كانت تعبيراً عن حسّ مبكر بالخطر وضرورة الاستعداد للأيام الصعبة. خاصة أنها عاشت مأساة المجاعة من خلال ما تناقله والدها، الذي هاجر شقيقاه سعياً وراء لقمة العيش، وانقطعت أخبارهما لمدة طويلة، فيما بقي هو للاهتمام بوالديه… وفي المقابل، كانت والدتي متأثرة بأفكار العميد ريمون إده الإصلاحية، وبمخاوفه من الأطماع الإسرائيلية التوسعية. وكانت تستعيد خصوصاً تحذيره عام 1969 من توقيع اتفاق القاهرة، خشية أن يشكل ذريعة لإسرائيل لتوسيع احتلالها للجنوب، في سياق ما كان يعتبره مشروعها التوسعي التاريخي. أستعيد اليوم هذه المحطات، لا للعودة إلى مآسي الماضي، بل لأن لبنان يعيش مرة أخرى لحظة مصيرية، ولأن بعض دروس الماضي يجب ألا تضيع. أهم ما نستطيع فعله اليوم هو ألا نسمح بأن تتحول خلافاتنا العميقة إلى حرب لبنانية داخلية جديدة. علينا أن نحافظ على وحدتنا وعلى السلم الأهلي، وأن نضبط خطابنا السياسي والإعلامي، وأن نرفض التحريض والتخوين والانتقام، مهما كانت خلافاتنا… لكن الوحدة ليست شعاراً فقط، وإنما لها ترجمة عملية. علينا أولاً أن نعلن حالة طوارئ اجتماعية لحماية الناس: تأمين الغذاء والدواء والمأوى للنازحين، ودعم العائلات الأكثر ضعفاً، والتنسيق بين الدولة والبلديات والجمعيات والقطاع الخاص، حتى لا يتحول الخوف إلى مأساة جديدة عنوانها المجاعة والهجرة… وعلينا ثانياً أن نحافظ على ما تبقى من اقتصادنا: دعم المؤسسات الصغيرة والمزارعين والمنتجين، وحماية فرص العمل، وإبقاء المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع قادرة على الاستمرار، وتشجيع اللبنانيين في الداخل والاغتراب على إبقاء الدورة الاقتصادية حيّة. وعلينا ثالثاً أن نمنع الخسارة الأكبر: هجرة الإنسان اللبناني. فقد دفع لبنان ثمناً باهظاً في الماضي، عندما أدت الحروب والمجاعة والانهيار إلى هجرة أعداد كبيرة من شبابه وعماله ومثقفيه. وما زلنا حتى اليوم ندفع ثمن ذلك النزف البشري. لذلك، “قرشك الأبيض” اليوم ليس المال فقط. إنه الإنسان اللبناني، ووحدته، وعمله، ومدرسته، ومزرعته، ومؤسسته، ومدخراته، وثقته بمستقبل بلده. ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة: أن تكون حاضرة، وأن تحمي مواطنيها، وأن تستعيد ثقتهم، وأن تضع خطة واضحة للصمود الاقتصادي والاجتماعي، ثم لإعادة الإعمار والنهوض. أما سياسياً، فلا خلاص للبنان إلا بالحوار الداخلي وباتفاق اللبنانيين على ما يحمي سيادة الدولة واستقلال القرار الوطني وأمن جميع المناطق، بعيداً عن منطق الغلبة والإلغاء. وما نتفق عليه نحن، كلبنانيين، يجب أن يكون أساس قوتنا في أي تفاوض حول مستقبل لبنان وأرضه. لقد علّمنا تاريخنا أن لبنان يدفع ثمن انقسامه أضعافاً مضاعفة. لذلك، في هذه الأيام السوداء، قد لا نستطيع أن نقرر كل ما يجري حولنا، لكننا نستطيع أن نقرر كيف نواجهه كلبنانيين. فإذا كان لا بد من أن نخبّئ قرشنا الأبيض ليومنا الأسود، فلنحافظ اليوم على ما هو أثمن من المال: وحدتنا، وثقتنا بلبنان، وقدرتنا على إعادة بنائه.
سياسة
صورة المؤلف
بقلم نايلة عساف - نُشر سبتمبر 16, 2026 - 15:24
صورة للأخبار
لا يُعتبر إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان وليد مساعٍ بُذلت في العام 2026، بل هو ثمرة مسار سياسي وقانوني طويل، طبعته مبادرات متلاحقة وعراقيل وسنوات من النقاشات. وقد تصدّر هذه المعركة وجهان بارزان: وزير العدل الأسبق إبراهيم نجار، والنائب السابق وعضو هيئة مكتب "القوات اللبنانية" إيلي كيروز. بالنسبة إلى الوزير نجار، بدأ النضال عام 2008 مع تسلمه حقيبة العدل. أما النائب كيروز، فتجسد نضاله أساساً عبر اقتراح قانون تقدم به في العام 2012. ولن يعلن لبنان إلغاء عقوبة الإعدام رسمياً إلا بعد أربعة عشر عاماً. وبين هذين المفصليْن، 2008 و2012، شهدت البلاد تغيرات جذرية، غير أن القناعات الثابتة بقيت على حالها. عندما طُرح اسم نجار لدخول الحكومة عام 2008، طلب تولي وزارة العدل تماشياً مع خلفيته الحقوقية. وفور توليه مهامه، سلمه رئيس القلم ملفاً يضم توقيعات مسؤولين سابقين، طالباً منه توقيع وثيقة تؤكد تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 محكوماً. يستعيد نجار اللحظة بالقول: "كانت ردة فعلي فورية: 'لا تقتل'. قلت له: 'لا، لن أوقع'". ويؤكد أنه كان حاسماً في موقفه. وعلى الأثر، بادر إلى الاتصال بالقاضي شكري صادر، الذي كان يتولى رئاسة هيئة التشريع والاستشارة في الوزارة (وكان من طلابه في السابق)، طالباً منه إعداد مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام. ويضيف: "في اليوم التالي، كان المشروع بين يدي". مع ذلك، لم تكن هذه الخطوة صادرة عن ناشط مخضرم في قضية إلغاء الإعدام. إذ يقرّ نجار بأنه لم يسبق له أن كان ناشطاً في حقوق الإنسان، وكانت مسألة عقوبة الإعدام تبدو له حتى ذلك الحين مجرد مفهوم نظري. بيد أن خلفيته الفلسفية والأدبية والقانونية كانت قد رسخت لديه قيم الفيلسوف إيمانويل مونييه حول الشخصانية وسمو الكرامة الإنسانية. ويعلق بالقول: "لم أكن أتخيل يوماً أن أواجه قراراً بهذا الحجم فور تسلمي مهامي". وكان مشروعه يقضي باستبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة. وحينذاك، لم يكن يعلم حتى العدد الدقيق للمحكومين بالإعدام في السجون اللبنانية، بل جلّ ما عرفه أن 17 حكماً بالإعدام كانت بانتظار التنفيذ. قناعة فلسفية وشخصية سرعان ما تجاوز موقف نجار البعد القانوني البحت. ويشير في هذا السياق بالقول: "كانت المسألة قناعة فلسفية وشخصية، بمعزل حتى عن الدين. وأعتقد أنني ما كنت لأجرؤ يوماً على اتخاذ قرار بإعدام شخص ما. لم أستطع قط تخيل أن يُقدم إنسان على الحكم بالموت على آخر، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر. بالنسبة لي، كانت تلك قناعة مطلقة". وقد اصطدمت هذه القناعة بدورها بالمعضلة الأكثر إيلاماً: ماذا يفعل المرء عندما يرتكب المحكوم جريمة بالغة الشراسة؟ يؤكد نجار أنه طالما أمعن التفكير في الفظاعة التي ينطوي عليها إعدام أي شخص. ويقول: "لم أكن أتصور أن أضع أحداً في مواجهة الموت، مهما كانت الدوافع". ولم يكن يعلم بعد أن هذا القرار سيقوده لاحقاً إلى الانضمام إلى الحركة العالمية المناهضة لعقوبة الإعدام. فقد بدأ يكتشف تدريجياً حجم النقاش في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به الدول والمنظمات الدولية في الدفع نحو إلغاء هذه العقوبة. أما في لبنان، فكان الانخراط في هذه القضية أمراً بعيد المنال. يعرض نجار موقفه على حلفائه السياسيين، ولا سيما حزب "القوات اللبنانية"، ليحوز دعم رئيس الحزب سمير جعجع. وبناءً على هذا الدعم، بادر إلى دعوة مختلف الكتل النيابية، فعقد ثلاث اجتماعات في محاولة لاستقطاب النواب إلى مشروعه. وهناك أدرك أن المواقف كانت شديدة التباين. فسلفه في وزارة العدل، بهيج طبارة، كان مؤيداً لعقوبة الإعدام، على غرار رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص، رغم أن الأخير كان قد رفض بنفسه توقيع قرار إعدام، مفوضاً نائب رئيس الحكومة ميشال المر بالقيام بذلك نيابة عنه. ويعلق نجار على ذلك بالقول: "برأيي، حين يعارض المرء عقوبة الإعدام، عليه تحمل هذه المعارضة حتى النهاية". في المقابل، كان يعلم أن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط كان مؤيداً لإلغاء عقوبة الإعدام، واكتشف لاحقاً أن شخصيات أخرى دافعت عن هذه القضية في السابق. وكان النقاش يأتي أيضاً في سياق محطة تاريخية أقدم وأكثر إيلاماً: ففي العام 2004، وتحت عهد الرئيس إميل لحود، جرى تنفيذ حكم الإعدام علناً بحق محكومين اثنين في بعبدا. غياب التأييد يعرض السيد نجار مشروعه إذن أمام مختلف الكتل النيابية مطالباً إياها بدعمه. بيد أن ما طبع النقاش، بحسب قوله، لم يكن المواجهة المفتوحة، بل غياب التأييد. ويشير إلى أن "معظم الكتل الإسلامية كانت ترد عليّ بأنها ستدرس المسألة وتستشير المفتي أو المرجعيات الدينية"، مضيفاً: "لذا لم أحظَ بتأييد واسع، في حين أيدت المسعى غالبية الكتل المسيحية، إلى جانب الدروز". إثر ذلك، يكتسي النقاش بعداً عاماً. فبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، وجه السفير الفرنسي آنذاك، الراحل دوني بييتون، دعوة إلى نجار لإلقاء كلمة. وفي المناسبة، يؤكد نجار علناً أنه لن يوقع أبداً على أي حكم إعدام ولن ينفذ عقوبة بحق أي محكوم. ومنذ هذه اللحظة، أدرك أن موقفه سيضعه في تماس مباشر مع الحركات المناهضة للإعدام والمنظمات الدولية وعدد من العواصم. وبعد أيام قليلة، طلب وفد إسباني رفيع المستوى لقاءه. واعتقد نجار في البداية أن هدف اللقاء هو مناقشة المحكمة الخاصة للبنان التي كانت تتصدر الواجهة السياسية يومذاك. غير أن الوفد استفسر منه عن موقفه من إلغاء عقوبة الإعدام، كاشفاً أنه التقى مسبقاً في هذا السياق كلاً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة. ولاحقاً، علم نجار أن الرئيس سليمان كان قد رفض دعم إلغاء عقوبة الإعدام، متذرعاً خصوصاً بالجرائم التي ارتكبها إرهابيون بحق العسكريين اللبنانيين في طرابلس. أما فؤاد السنيورة، فدعا إلى استحضار موقف الإسلام من هذه العقوبة. وفي ما يتعلق بنبيـه بري، فقد أفاد بأنه سيقبل القانون إذا أقره البرلمان، من دون أن يفصح عن موقفه الشخصي. ويستذكر نجار بالقول: "أدركت حينها مدى صعوبة تمرير مشروعي". التجربة الدولية يساهم سياق المحكمة الخاصة للبنان أيضاً في إثراء تفكيره. يشير نجار إلى أنه علم بأنه عند تأسيس المحكمة، اشترطت كل من فرنسا والأمم المتحدة ألا تُطبق المحكمة عقوبة الإعدام المنصوص عليها في التشريع اللبناني. ويستذكر الوزير الأسبق بالقول: "دفعني ذلك الى التفكير. فمن أجل قضية اغتيال رفيق الحريري، قبل لبنان ألا تطبق المحكمة عقوبة الإعدام التي ينص عليها قوانينه الخاصة". وفي الوقت ذاته، طُرح السؤال عليه بشكل مباشر داخل مجلس الوزراء. استوقفه ممثل حزب الله في الحكومة، محمد فنيش، مستفسراً عن سبب رفضه التوقيع على تنفيذ الحكم: "معالي الوزير، كيف تسمح لنفسك ألا توقع عقوبة الإعدام في حين ينص القانون عليها؟ أنت ملزم بتطبيق القانون". وتأتي ردة فعل نجار حاسمة بلا لبس: "لن أوقع، مهما كانت النتائج والتبعات". وفي النهاية، لم يُقر المشروع. ويتحدث نجار عن "عدم تأييد" وانتقادات أكثر من حديثه عن توترات فعلية. ويؤكد: "كان المشروع ميتاً نوعاً ما، لكنه وُجد وطرح القضية للنقاش". على أن هذه المعركة الأولى لم تنتهِ بمغادرته الوزارة. فبعد أيام قليلة من زيارة الوفد الإسباني، وجه إليه رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك، خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، دعوة للانضمام إلى الهيئة الدولية لمناهضة عقوبة الإعدام، بناءً على طلب من فيديريكو ميور وروبرت بادينتر. لبى الدعوة والتحق بلجنة تضم وجوهاً بارزة مثل بادينتر وميور ومحمد بجاوي. وتدرج شيئاً فشيئاً في تحمل مسؤوليات داخلها وصولاً إلى توليه اليوم منصب نائب رئيسها. وقد أسهمت هذه التجربة الدولية في تغيير نظرته إلى القضية. ويقول: "مع مرور الوقت، أدركت أن عقوبة الإعدام هي مسألة سياسية وقانونية وإنسانية وإنمائية في آن واحد". ويلاحظ في هذا الصدد أن بعض الأنظمة غير الديمقراطية قد تستخدم عقوبة الإعدام أداة للحكم بالترهيب ضد المعارضين أو فئات أخرى. وانكب نجار على دراسة ممارسات عدة دول، من بينها سوريا وإيران ومصر واليابان والصين والولايات المتحدة. كما لاحظ أن بعض الدول الإسلامية قد ترغب في إلغاء العقوبة، لكنها تخشى أن يُفسر هذا القرار على أنه تنكر لتقاليدها. مع ذلك، بدا له المسار الدولي حتمياً ولا رجعة فيه. فأكثر من 145 دولة ألغت عقوبة الإعدام قانوناً أو ممارسة. ويشدد بالقول: "في تقديري، يجب أن يلقى هذا الإلغاء مصير الرق في القرن التاسع عشر: لا بد من إلغائه في كل مكان". وفي هذا السياق، يروي أنه حاول زيارة إيران للدفاع عن هذا الموقف، مضيفاً: "لقد رفضوا دائماً استقبالي، بلطف بالطبع، لكنهم رفضوا". مسعى إيلي كيروز في لبنان، وفي الموازاة، واصل فاعلون آخرون المعركة ذاتها. ومن أبرزهم النائب السابق وعضو هيئة مكتب "القوات اللبنانية" إيلي كيروز، الذي تقدّم باقتراح قانون يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام باسمه وباسم تكتل "القوات اللبنانية" النيابي. وكان قد وجّه أيضاً إلى وسائل الإعلام، في الرابع من آذار 2009، مذكرة خطية تؤكد ضرورة إلغاء هذه العقوبة، قبل أن يعود ويتقدم باقتراح قانون جديد في السادس من آذار 2012. بالنسبة إلى كيروز، لم يرتبط هذا المسعى بأي ظروف سياسية أو اجتماعية أو قانونية استثنائية، بل استند إلى مبدأ جوهري مفاده أن عقوبة الإعدام تنتهك الحق في الحياة، الذي يعتبره "حقاً مطلقاً وثابتاً". كما استند إلى الدستور اللبناني، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تطور القانون الدولي، وفلسفة العقاب برمتها. وإلى جانب ذلك، وتَبين له أن ثمة حجة أخرى لا تقل أهمية: استحالة تصحيح الخطأ القضائي بعد تنفيذ الحكم بالمحكوم. يؤكد كيروز في هذا السياق: "إن إلغاء عقوبة الإعدام يظل ركيزة أساسية للعدالة، فنحن لسنا مع عدالة تعذب وتقتل". وتتغذى رؤيته أيضاً من رؤيته المسيحية للإنسان. ويوضح بالقول: "انطلقت من موقف الكنيسة من عقوبة الإعدام، المستمد أصلاً من نظرتها إلى الكيان البشري"، معتبراً أن للإنسان كرامة لا يمكن اختزالها في الجريمة التي ارتكبها. ولدى كيروز قناعة بأن إلغاء هذه العقوبة كان يجب أن يسهم حكماً في تحديث المنظومة القانونية اللبنانية ومواكبتها للتطورات الدولية. غير أن أربعة عشر عاماً انقضت قبل أن يُكتب لهذا المسعى النجاح. يقول كيروز بمرارة: "لقد راكمنا 14 عاماً من التأخير، ونحن متأخرون في شتى قضايانا". ويذكر أن اقتراح القانون ظل حبيس أدراج لجنة الإدارة والعدل البرلمانية لسنوات، في انتظار إدراجه على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي. وفي هذا السياق، يستحضر كيروز النموذج الفرنسي، حيث استمر العمل بعقوبة الإعدام قرنين كاملين قبل إلغائها عام 2008 في عهد الرئيس فرانسوا ميتران وبمبادرة من وزير العدل آنذاك روبرت بادينتر. وكان بادينتر قد سأل النواب الفرنسيين مستهجناً :"لماذا كل هذا التأخير؟". وهذا السؤال نفسه يتردد صداه اليوم مع التجربة اللبنانيّة. ففي عام 2026، بلغ المسار خاتمته المرجوة. مروحة من التأثيرات يرى نجار أن إلغاء عقوبة الإعدام هي "شبه معجزة". ويشير في هذا السياق إلى أن العفو العام الذي أُقر في لبنان لم يكن كافياً بمفرده. ويوضح قائلاً: "كان لابد أن يترافق مع إلغاء عقوبة الإعدام، لأنه عندما يصدر حكم الإعدام، لا يمكن الاكتفاء بالعفو عنه بشكل عام". وهو يرى في تتويج الإصلاح "مروحة من التأثيرات": الحكومة، ووزير العدل، والجمعيات، ومختلف الجهات التي عملت طوال سنوات على هذا الملف. ويشكل دور لجنة الإدارة والعدل البرلمانية بالنسبة إليه إحدى أبرز محطات هذه المرحلة الأخيرة. فقد كلفه نقيب المحامين في بيروت بتمثيل النقابة في البرلمان. وحضر نجار اجتماع اللجنة ليتفاجأ بإجماع بدا له أشبه بالمستحيل آنذاك. ويقول نجار: "لاحظت بذهول أن المعجزة كانت تتحقق: فالنواب والشخصيات البالغ عددهم نحو أربعين، ممن كانوا حاضرين، أجمَعوا على تأييد إلغاء عقوبة الاعدام، ولا يمكنني وصف حجم سعادتي وفرحتي...". وفي الأول من حزيران/يونيو، وبينما كان في مدريد لحضور اجتماع اللجنة الدولية لمناهضة عقوبة الإعدام، أعلن لزملائه أن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان بات وشيكاً. لتصدر القانون في النهاية في الجريدة الرسمية. كما يُثني نجار على طلبه بأن تتبنى المادة الأولى من القانون الصيغة التي اختارها روبير بادينتر في فرنسا عام 1981: "إلغاء عقوبة الإعدام". ويرى أن خطوة أخرى لا تزال تنتظر الإنجاز: تكريس هذا الإلغاء في صلب الدستور. لقاء البابا فرنسيس لا يُسدل هذا الانتصار التشريعي الستار تماماً على مسار نضاله؛ إذ يتوقف الوزير نجار عند العقوبة البديلة لعقوبة الإعدام، منتقداً بشدة إقرار عقوبة السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط. تعيد هذه المسألة إلى الأذهان محطة دولية بارزة أخرى في مسيرته: لقاؤه بالبابا فرنسيس في الفاتيكان، في كانون الأول/ديسمبر 2019، بحضور وفد ضمّ رؤساء حكومات ورؤساء جمهورية سابقين، إلى جانب وزراء عدل سابقين. يستخلص نجار عنصرين أساسيين من هذا اللقاء الذي امتد خمسين دقيقة: أولاً، دعم الكنيسة الكاثوليكية لإلغاء عقوبة الإعدام وقرار البابا القاضي بإعطاء توجيهاته لإدراج هذا الإلغاء في التعليم المسيحي؛ وثانياً، النقاش حول السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط. ويوضح إبراهيم نجار أن البابا فرنسيس يعتبر أنه عندما يواجه الإنسان حكماً أبدياً يقفل دونه أفق الخروج نهائياً، تتلاشى كلياً إمكانية توبته وخلاصه. وحينئذ، قد تتحول العقوبة، بطريقة أو بأخرى، إلى شكل من أشكال الموت المدني. من هذا المنطلق، يطالب نجار اليوم بإلغاء عقوبة السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط في التشريع اللبناني. وهو يرى، في هذا السياق، أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني البتة غياب العقاب، بل يكرّس مفهوماً آخر للعدالة: معاقبة الجريمة من دون إزهاق الحياة نهائياً ومن دون قطع الطريق أمام أي فرصة لإعادة التأهيل. يشاطر النائب كيروز هذه الرؤية التي تقارب الإلغاء باعتباره محطة حضارية مفصلية، معتبراً أن على لبنان اليوم أن يبرهن للدول العربية الأخرى أن بإمكان أي دولة إلغاء عقوبة الإعدام من دون التفريط بالعدالة. أما نجار، فيرى أن معركته التي انطلقت عام 2008 قد بلغت خاتمتها المنشودة، دون أن يمحو ذلك سنوات من الانتقادات والاعتراضات. ويؤكد قائلاً: "لم أتراجع يوماً ولم أتردد. فبالنسبة لي، إلغاء عقوبة الإعدام إنجاز حضاري عظيم، وينبغي الآن على الدول العربية أن تحتذي بتجربتنا". ويشير في هذا السياق إلى دعوة تلقاها مؤخراً لزيارة ماليزيا ولقاء رئيس وزرائها لعرض التجربة اللبنانية. لكن الوزير السابق نجار يحرص أيضاً على التذكير بأن من حملوا هذه القضية عبر السنين ليسوا الذين يقفون اليوم عند خط النهاية. ويقول: "لقد تحقق الخير وأنا فخور وسعيد جداً بذلك"، ليختم مؤكداً: "سيأتي يوم يعرف فيه التاريخ من ينبغي أن يُخلّد ذكره". وأخيراً، يتوقف عند الانتقادات التي واجهها طيلة سنوات، لافتاً خصوصاً إلى تعرضه لحملات من المقربين من ريمون إده، الذين كان لهم موقف مغاير من عقوبة الإعدام. غير أن العقليات، برأيه، شهدت تحولاً جذرياً؛ إذ يوضح قائلاً: "على مدى 75 عاماً، تغيرت الأمور كثيراً. لقد أدركنا أن عقوبة الإعدام قد تُستعمل أداة للحكم ووسيلة للتغطية على عورات الحكام". ويختصر، في هذا الإطار وبكلمات معدودات، جوهر نضاله المستمر منذ ذلك اليوم من عام 2008 حين رفض التوقيع على إعدام 17 محكوماً: "يجب ألا نخلط بين الحكم والقتل. فعلى المرء أن يتحلى بشجاعة الحكم الرشيد، وشجاعة ألا يقتل".
تحليل
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 14, 2026 - 16:09
صورة للأخبار
علي الطاهر ليست تلة وانتهت قصتها. قد تكون بداية خريطة جديدة. فالسؤال بعد ما جرى هناك لم يعد أين ستضرب إسرائيل غداً، بل أين تريد أن تصل حدود «الأمن» التي تحاول فرضها داخل لبنان؟ وهل تبقى عند الحدود، أم تنتقل من علي الطاهر إلى مرتفعات إقليم التفاح والريحان وجبل صافي، وربما أبعد باتجاه البقاع؟ هذا هو السؤال الأخطر اليوم. ليس لأن هناك دليلاً على قرار إسرائيلي باحتلال كل هذه المناطق. لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بهذا الاستنتاج. لكن هناك ما يكفي لطرح احتمال أن تكون إسرائيل قد انتقلت من استراتيجية ضرب قدرات حزب الله إلى استراتيجية أوسع: تغيير الجغرافيا العسكرية التي عمل الحزب على بنائها طوال عقود. وهنا يصبح ما جرى في علي الطاهر إنذاراً، لا حادثاً منفصلاً. من الحدود إلى العمق لوقت طويل، انحصر النقاش اللبناني في جنوب الليطاني. لكن الحرب غيّرت المعادلة. فإذا كان الهدف الإسرائيلي هو منع حزب الله من إعادة بناء قدرة عسكرية تهدد شمال إسرائيل، فمن الطبيعي أن تحاول تل أبيب دفع منطقة الخطر إلى أبعد ما تستطيع عن حدودها. وهنا تظهر أهمية مرتفعات إقليم التفاح والريحان وجبل صافي وسجد والجبور والقطراني وغيرها. هذه ليست مجرد أسماء قرى وجبال. إنها كتلة جغرافية مرتفعة تربط الجنوب الداخلي بالبقاع الغربي، وتشكل عمقاً طبيعياً للمناطق الواقعة خلف النبطية. لذلك فإن الخوف الحقيقي بعد علي الطاهر هو أن يتحول النموذج إلى قاعدة: تطالب إسرائيل بإخلاء منشآت حزب الله وتسليمها للجيش اللبناني. يتأخر التنفيذ أو يتعثر. تعتبر إسرائيل أن الدولة عاجزة عن تنفيذ التزاماتها. ثم تتدخل عسكرياً، تدمر المنشآت، وتفرض واقعاً جديداً على الأرض. إذا تكرر هذا السيناريو، تصبح القضية أكبر بكثير من علي الطاهر. تصبح حرباً على الجغرافيا العسكرية لحزب الله داخل لبنان. هل الريحان وصافي وإقليم التفاح هي التالية؟ يجب الحذر هنا من الجزم. لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تسمح بالقول إن إسرائيل قررت اجتياح هذه المناطق أو احتلالها. لكن من الخطأ أيضاً تجاهل أهميتها. فالريحان وإقليم التفاح وجبل صافي تشكل امتداداً طبيعياً للعمق الجبلي الذي يمكن أن تلجأ إليه أي قوة عسكرية تتراجع من المناطق الأقرب إلى الحدود. ومن المنظور الإسرائيلي، لا معنى لإبعاد البنية العسكرية عن الحدود بضعة كيلومترات إذا كان ممكناً إعادة بنائها على المرتفعات الأكثر عمقاً. لذلك قد لا يكون الهدف احتلال هذه الجبال. قد يكون الهدف تحييدها عسكرياً. وهناك فرق كبير بين الاثنين. يمكن لإسرائيل أن تسعى إلى فرض منطقة أوسع خالية من البنية العسكرية لحزب الله من دون أن تحتل كل متر منها. ويمكن أن تستخدم الغارات والاستطلاع والتهديد والضغط الأميركي والمفاوضات لتحقيق ذلك. وهنا يدخل الجيش اللبناني في قلب المعركة. السباق الحقيقي: الجيش أم إسرائيل؟ بعد علي الطاهر، لم يعد السؤال فقط ماذا سيفعل حزب الله. السؤال هو: من يصل أولاً إلى الأرض التي يخليها الحزب؟ الجيش اللبناني أم الجيش الإسرائيلي؟ هذه ربما أخطر معادلة تواجه لبنان منذ انتهاء الحرب. لأن كل موقع عسكري يتركه حزب الله ولا تتسلمه الدولة فوراً يتحول إلى فراغ. والجغرافيا لا تحتمل الفراغ. إذا لم تملأه الدولة، سيحاول الآخر ملأه. وهنا تظهر مسؤولية حزب الله أيضاً. إذا كان الحزب يقول إن هدفه حماية الأرض، فما الذي يمنعه من تسليم المواقع والمنشآت التي لم تعد قابلة للاستمرار عسكرياً إلى الجيش؟ وإذا كانت إسرائيل تريد استخدام وجود هذه المواقع ذريعة لمواصلة عملياتها، فلماذا نعطيها الذريعة؟ لا يمكن الدفاع عن الأرض عبر منع الدولة من تسلمها. وماذا عن البقاع؟ البقاع يمثل مستوى آخر من التصعيد. من المرجح أن يبقى أي وجود عسكري أو لوجستي لحزب الله فيه عرضة للضربات الإسرائيلية ما دامت المواجهة مستمرة. لكن الانتقال من الاستهداف الجوي إلى محاولة فرض سيطرة جغرافية في البقاع سيكون تحولاً استراتيجياً أكبر بكثير. ومع ذلك، فإن البقاع يدخل في المعادلة بطريقة أخرى. إذا نجحت إسرائيل في تفكيك التواصل العسكري بين الجنوب وإقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي، فإنها تكون قد ضربت ليس فقط مواقع منفردة، بل الجغرافيا التي تربط منظومة حزب الله العسكرية بعضها ببعض. وهذا ربما هو الهدف الأبعد. ليس احتلال لبنان. بل جعل إعادة بناء البنية العسكرية القديمة أكثر صعوبة، ثم تثبيت هذا الواقع من خلال اتفاق سياسي وأمني. وهنا تحديداً تلتقي الحرب بالمفاوضات. الانتخابات الإسرائيلية جزء من الخريطة إسرائيل مقبلة على انتخابات، ونتنياهو يحتاج إلى أن يقدم للناخب الإسرائيلي نتيجة واضحة. لن تكون النتيجة مجرد عدد الصواريخ التي دُمرت أو القادة الذين قُتلوا. السؤال الذي يهم سكان شمال إسرائيل أبسط: هل يستطيع حزب الله العودة إلى الحدود؟ إذا كانت الإجابة الإسرائيلية المطلوبة انتخابياً هي “لا”، يصبح من السهل فهم التشدد في ملف الانسحاب والمرتفعات والمواقع العسكرية. ولهذا قد تكون المرحلة السابقة للانتخابات مرحلة فرض وقائع أكثر منها مرحلة تقديم تنازلات. لكن اليوم التالي للانتخابات قد يكون مختلفاً. عندها يصبح ممكناً تحويل الوقائع العسكرية إلى اتفاقات سياسية. والساعة الأميركية تتحرك في الوقت نفسه، تقترب الانتخابات النصفية الأميركية. واشنطن لديها مصلحة في منع حرب لبنانية–إسرائيلية جديدة، لكنها تريد أيضاً منع حزب الله من العودة إلى الوضع السابق. وهذا يجعل “صيغة الإطار” اللبنانية–الإسرائيلية أكثر أهمية، لا أقل. فالولايات المتحدة تستطيع أن تحول معادلة خطيرة من نوع “حزب الله ينسحب وإسرائيل تتقدم” إلى معادلة مختلفة: حزب الله ينسحب، الجيش اللبناني يتقدم، وإسرائيل تنسحب. هذه يجب أن تكون المعادلة اللبنانية. لا فراغ بين الخطوات الثلاث. ولا تنفيذ من طرف واحد. هنا تصبح المفاوضات معركة سيادة من يرفض المفاوضات عليه أن يقول للبنانيين ما هو البديل. الحرب؟ لقد جُرّبت. السلاح؟ جُرّب. انتظار تغير موازين القوى؟ انتظر لبنان عقوداً. والنتيجة قرى مدمرة، سكان نازحون، أرض محتلة ودولة تحاول استعادة قرار لم يكن في يدها أصلاً. المفاوضات ليست استسلاماً عندما يكون هدفها إخراج الجيش الإسرائيلي. وليست تطبيعاً عندما يكون موضوعها الأرض والأمن والأسرى والانسحاب. إنها أداة تستخدمها الدولة لاستعادة ما خسرته الحرب. لكن التفاوض يحتاج إلى معادلة صارمة: كل انسحاب إسرائيلي يقابله انتشار للجيش اللبناني. كل موقع يخليه حزب الله تتسلمه الدولة فوراً. كل منطقة تستعيدها الدولة تصبح خالية من أي سلاح خارج سلطتها. وكل التزام لبناني يجب أن يقابله التزام إسرائيلي واضح وقابل للتحقق. لا نزع سلاح مقابل احتلال دائم. ولا انسحاب إسرائيلي يسمح بإعادة بناء دولة داخل الدولة. وماذا بعد اليونيفيل؟ هنا يأتي الاستحقاق الآخر. إذا تغير دور اليونيفيل أو بدأ انسحابها من الجنوب، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يملأ المساحة التي تتركها؟ مرة أخرى، الجواب لا يمكن أن يكون حزب الله ولا إسرائيل. الجواب يجب أن يكون الجيش اللبناني. وقد تحتاج المرحلة الانتقالية إلى آلية دولية جديدة للمراقبة والتحقق، مرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار وبانتشار الجيش وبالانسحاب الإسرائيلي. لكن القوة الدولية، أياً كان اسمها، لا تستطيع أن تكون بديلاً عن الدولة. من علي الطاهر إلى الدولة إذا جمعنا الصورة، تصبح المرحلة المقبلة واضحة. علي الطاهر كشفت مشكلة الفراغ. الريحان وإقليم التفاح وصافي تطرح سؤال العمق. البقاع يطرح سؤال التواصل الجغرافي والعسكري. اليونيفيل تطرح سؤال من يحمي الاستقرار بعد تغير مهمتها. الانتخابات الإسرائيلية تحدد توقيت القرار الإسرائيلي. الانتخابات الأميركية تضغط على توقيت الوساطة. ومفاوضات الإطار هي المكان الذي يمكن أن تلتقي فيه كل هذه الملفات. لذلك، فإن المعركة الحقيقية المقبلة ليست فقط على سلاح حزب الله. إنها على خريطة لبنان. وهنا يجب ألا يقع اللبنانيون مجدداً في الفخ نفسه. ليس المطلوب هزيمة الشيعة، ولا إذلال حزب الله، ولا الانتقام من بيئة دفعت أثماناً هائلة من بيوتها وقراها وأبنائها. المطلوب حماية هذه البيئة ولبنان معها من حرب أخرى. وذلك يبدأ بحقيقة بسيطة: الأرض التي لا تتسلمها الدولة قد يتسلمها الآخر. وهذا هو درس علي الطاهر. فإذا كان الحزب يتراجع، يجب أن يتقدم الجيش. وإذا تقدم الجيش، يجب أن تنسحب إسرائيل. وإذا انسحبت إسرائيل، يجب ألا يعود أي سلاح خارج الدولة إلى ملء الفراغ. هذه هي الصفقة التي يجب أن يقاتل لبنان من أجلها سياسياً. أما أن نبقى نناقش شرعية سلاح لم يعد قادراً على حماية الجغرافيا، فيما تتغير الجغرافيا نفسها تحت أقدامنا، فذلك أخطر أشكال الإنكار. بعد علي الطاهر، السؤال لم يعد: أين ستضرب إسرائيل؟ السؤال أصبح: هل يصل لبنان إلى الريحان وإقليم التفاح وصافي والبقاع بدولته وجيشه قبل أن تصل إليها الحرب؟ لأن من يخسر الجغرافيا اليوم قد يفاوض عليها غداً. ومن يسلّمها إلى دولته اليوم، يمنع الآخرين من رسم حدودها غداً.
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر سبتمبر 14, 2026 - 14:45
صورة للأخبار
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونترك في هذا السياق للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها وتناولت الأجزاء الخمسة عشر السابقة قراءة نقدية للأحداث المرتبطة بتصاعد نفوذ الحزب منذ اتفاق الطائف وحتى الانقلاب المسلح في السابع من أيار/مايو 2008. على إثر الانقلاب المسلح الذي قاده حزب الله في السابع من أيار/مايو 2008 في بيروت، تقاطعت مواقف دول الخليج العربي عند خيار التهدئة مع إيران، وذلك بعد سنوات من التوتر المحتدم بين الجانبين. بيد أن هذه التهدئة لم تصمد سوى ثلاثة أعوام، لتنتهي فصولاً مع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011. في الفترة التي سبقت عام 2008، كانت العلاقات بين طهران والرياض أشبه بحرب باردة فعلية تُدار بالواسطة بالوكالة. ويفسر هذا التدهور العميق أولاً بالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، ولا سيما توجيه الاتهام إلى النظام السوري، حليف إيران، باغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005. وأعقب ذلك تطوران محوريان في آب/أغسطس من العام ذاته تمثلا في تولي الملك عبد الله مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية، ووصول المتشدد محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة في إيران، حيث انتهج الأخير خطاباً هجومياً تزامناً مع إعادة إطلاق البرنامج الإيراني لتخصيب اليورانيوم. بالنسبة للرياض، شكل احتمال قيام قوة نووية فارسية على أبواب الخليج تهديداً وجودياً مباشراً. وأمام هذا الخطر، تقاطعت سياسة المملكة مع الموقف الغربي، داعمةً من خلف الكواليس تشديد العقوبات متعددة الأطراف ضد الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الريبة العميقة، اختارت العاصمتان إبقاء قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة بينهما؛ حيث زار أحمدي نجاد الرياض في آذار/مارس 2007، مُبدياً رغبةً متبادلة في تجنب مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما لم يمنع الصراعات بالوكالة. علاوة على ذلك، أدى الارتفاع التاريخي لأسعار النفط الخام، والتي بلغت 130 دولاراً للبرميل في مايو/أيار 2008، بإيران والسعودية إلى تبني رؤى متناقضة لمواجهة الأزمة. فطهران، التي كانت الدفعة الأولى من العقوبات الاقتصادية الغربية، طالبت بخفض حاد في الإنتاج للحفاظ على أسعار مرتفعة. وفي المقابل، زادت الرياض إنتاجها لتهدئة السوق العالمية، وهي استراتيجية استهدفت حرمان طهران من تدفقات مالية مفرطة بالقدر نفسه الذي حرصت فيه على حماية الاقتصاد العالمي. النزاعات الإقليمية بالوكالة على مسارح النزاعات الإقليمية، كانت المنافسة بين الرياض وطهران تزداد تفاقماً بفعل النزعة التوسعية الإيرانية. ففي العراق، كانت الحرب الأهلية المذهبية تثير قلقاً بالغاً لدى السعودية التي كانت تتابع بقلق متصاعد سيطرة الميليشيات الشيعية، المدعومة مباشرة من إيران، على مفاصل القرار في بغداد، ما تجسّد بقيام "هلال شيعي" يمتد من طهران إلى بيروت. وأضحت غزة نقطة احتكاك رئيسية أخرى ؛ إذ كرّس انهيار اتفاق المصالحة الذي رعته السعودية بين "فتح" و"حماس" في مكة عام 2007، وما أعقبه من سيطرة عسكرية مسلحة لحماس على القطاع بدعم مالي وعسكري إيراني، القناعة الراسخة بشأن تراجع النفوذ الجيوسياسي للمملكة. وفي لبنان، بلغ التنافس على النفوذ ذروته خلال حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله. وإذا كانت السعودية قد دانت في البداية عملية الحزب العابرة للحدود ضد إسرائيل، واصفةً إياها بـ"المغامرة الطائشة"، فقد سارعت طهران إلى استثمار النزاع لتقديم نفسها بطلةً أُحاديّة للقضية العربية، ونجحت في مسعاها. غير أن هذا الانطباع تداعى ثم تلاشى كلياً بعد الانقلاب المسلح الذي نفذه حزب الله في السابع من أيار/مايو 2008 في بيروت. تشريع سلاح حزب الله بعد اتفاق الدوحة ومع تشكيل حكومة فؤاد السنيورة الثانية في 11 تموز/يوليو 2008، أُدرجت كلمة "المقاومة" للمرة الأولى في وثيقة رسمية، وبالتالي في الممارسة الحكومية، مما مهد الطريق لـ"تعايش" مؤسساتي كرّس ضمنياً شرعية ترسانة الميليشيا غير الحكومية. شكلت الثلاثية المعتمدة في البيان الوزاري "الجيش والشعب والمقاومة" وسيلة للالتفاف على قرارات مجلس الأمن الدولي، وتحديداً القرارَين 1559 و1701 القاضيين بنزع سلاح الميليشيات. وبهذا، حظي سلاح حزب الله بالغطاء الشرعي، وتم إبطال مطالبات قوى "14 آذار" بنزع السلاح، لاسيما بعد قبول أقطاب قوى السيادة بتسوية اتفاق الدوحة. ومنذ ذلك الحين، لم يفتأ الأمين العام للحزب حسن نصر الله يؤكد أن سلاح تنظيمه يندرج في صلب استراتيجية الدفاع الوطني، وهو موقف كرره لاحقاً حليفه جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر. تكرست هذه الصيغة الثلاثية وأُقرت مجدداً بعد عام في حكومة سعد الحريري المشكلة في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2009؛ فمع أن الأخير كان على خصومة سياسية مع حزب الله، إلا أنه أعاد تبني الصيغة ذاتها في بيانه الوزاري، ليُضفي بذلك شرعية سياسية فعلية على ترسانة الحزب. هدنة بين دول الخليج وإيران من جهته، فرض قطر نفسه وسيطاً عبر أميره الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي حضر شخصياً انتخاب الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار/مايو 2008، في إشارة رمزية إلى طوي صفحة الأزمة. واستمر هذا الدور الوسيط والراعي لقطر طوال عامي 2008 و2009. وفي موازاة ذلك، صدق الملك عبد الله بن عبد العزيز اتفاق الدوحة لحماية الاستقرار، بعدما أدرك مدى ضعف حلفائه في قوى "14 آذار" إثر العمل العسكري الذي نفذه حزب الله في بيروت في السابع من أيار/مايو 2008. كما شكّل الاتفاق جسراً دبلوماسياً بين قطر والسعودية وإيران؛ إذ شجعت دوحة والرياض قنوات الاتصال المباشرة وغير المباشرة مع طهران لتجميد الصراع اللبناني بين تحالفي 8 و14 آذار. وفي صلب هذه البراغماتية السياسية المستجدة، بادرت السعودية بالتزامن مع ذلك، وحرصاً منها على تثبيت الهدنة في لبنان، إلى تقارب استراتيجي مع دمشق بوصفها الحليف الأبرز للرعاية الإيرانية وحزب الله في المشرق. وهكذا وُلد المحور السعودي - السوري المعروف بـ"س - س"، والذي تبلور خلال صيف 2010. وإلى جانب المملكة، سعت بقية دول الخليج إلى الارتقاء بدورها من مجرد ممولين ماليين، كما فعلت أعقاب حرب تموز/يوليو 2006، إلى رعاة سياسيين أساسيين للسلطة التنفيذية في لبنان، ولا سيما ثنائي ميشال سليمان - فواد السنيورة. واستندت تحركاتهم إلى غاية ثلاثية الأبعاد: قطع الطريق أمام الاحتكار الإيراني المطلق للملف اللبناني، وانتهاج سياسة مهادنة تجاه طهران، والاضطلاع بدور الوسيط بين معسكري 8 و14 آذار. غير أن هذه الحسابات القائمة على التسوية ثبت بطلانها، إذ لم تكن طهران تسعى سوى لكسب الوقت. والحق أن إيران لم تتوقف يوماً عن مد حزب الله بالسلاح والمال علانية تحضيراً للمواجهة المقبلة مع إسرائيل وتوسيعاً لنفوذها في لبنان. فضلاً عن ذلك، عمدت دول الخليج مرة أخرى إلى ضخ الأموال لإنقاذ القطاع المصرفي اللبناني، وإعادة الاستثمار في وسط بيروت التجاري، فضلاً عن تمويل تشييد مجمعات سكنية وتجارية في العاصمة. وفي صيف 2008، تقاطر رعاياها بعشرات الآلاف لقضاء عطلاتهم في لبنان، وبلغ معدل نمو الاقتصاد اللبناني نحو 10% في الفترة الممتدة بين 2008 و2010.